يأتي شعر الدكتور سعد بن عطية الغامدي بين «صمت الليالي» و «أحلام السفر»، فعبر هذين الديوانين تبدو القصيدة لديه كما لو أنها تمثل رؤية واحدة تجمعها تلك اللغة الواحدة أيضا، في حضور منظومة من القضايا الوطنية والدينية والقومية.. ويتضح كذلك الأفق الشعري الذي يتحرك من خلاله عالمه.. فيما نحن كقراء أمام تجربة شعرية لها خصائصها وعوالمها وفضاؤها.
يقول في مقدمة ديوان «صمت الليالي»: «الصمت لغة أخرى.. أعمق من الكلمات حينا وأبلغ أحيانا أخرى من مئات اللحظات التي نقضيها في ابتكار المفردات الملائمة لحدث ما. لكن هناك أسئلة كثيرة يجبرنا الصمت على التفنن في أوجه طرحها.. من هو الجدير بالصمت ومتى هي اللحظة التي يحل الصمت فيها محل اللفظ؟ ولماذا كان الكلام فضة والصمت ذهبا ومتى نبدل الجمل الطويلة صمتا وقورا؟».
بعد هذه المقدمة التي يدخل فيها فيما بعد إلى أهمية الليل في علاقته مع الصمت، يقول الغامدي: «كم نحن بحاجة إلى ليل يمنحنا صوت السكون..».
نقرأ قصيدة «الصلة المتصلة»:
«كم في اتصالك بالرحمن شفافا
أرق من ذاب في حب ومن خافا
كن الحيي الذي يسعى لغايته
سعيا نجمل حتى فاض إعفافا
كن الندي الذي يأوي الصباح له
حتى يقيم رياض الحسن ألفافا
لكن الشجي الذي يصفو الوجود به
صفوا تألق بالأنوار مذ صافى"
ويضيف:
«كن شمعة في ظلام الليل ساهرة
تتلو من الوحي أنفالا وأعرافا»
تتوزع في مجموعة «صمت الليالي» عدة قصائد منها: «نخب العام، صمت الليالي، جفن المغيب، المستحيل، حين ينطق الصمت، لذة التعب، وأين من يبكي العراق».. وغيرها من القصائد.
في قصيدة «جفن المغيب» يقول الشاعر:
«نامت الشمس على جفن مغيب
وصحت شمسي على جفن حبيبي
في فؤادي قبس من نوره
مترف البهجة جياش اللهيب
وعلى ثغري نشيد حالم
يتهادى بين أزهار وطيب
يسكب اللحن فينساب الشذى
نضرا عذبا على غصن رطيب»
ونقرأ في قصيدة «لذة التعب» شكوى ومعاناة وألم وشعور بغربة، كما ينجلي ذلك في مستهل القصيدة:
«تعبت لكنني راض بأحوالي
وفي غد تشرب الأيام آمالي
سكبتها تعبا يمضي به تعبي
وقد رأى الهول في أطياف أهوالي
تهوين أن تزرعي في الروح قافية
للحزن فاجني كما تهوين ترحالي
لأقطعن فيافي الحر في ظمأ
وأركبن لهيب القيظ والآل
واتركن الهوى نهب الظنون على
فجر تعثر في وهم وأطلال»
ونقرأ في المجموعة الشعرية الثانية «أحلام السفر» عدة قصائد منها «سافري، الكلب والصهاينة، الأنثى، أنيس الغربة، حبر وسطور، حياة الفراشات، ينابيع انتظار، الطريق القديم، غربة الروح، وحريق الأشواق..»، وقصائد أخرى.
يقول الشاعر في قصيدة «أنيس الغربة»:
«تهدي إلي وأنت أجمل ذاتي
وتضيف أوقاتا إلى أوقاتي
وتحفني برعاية رغم النوى
وتضم بالأمل الندي شتاتي
وأراك في القمم البعيدة سامقا
لتضيء لي قبل الصباح غداتي
ايقظت أزمنة الصفاء جميعها
في خاطري وطويت ليل شكاتي»
هكذا يدخل الغامدي في دنيا الأبجدية.. واللغة فيكتب قصيدة «حبر وسطور»:
«نبتت كالقطر في الأرض قصور
وهمت كالغيث أموال
بأنفاس تدور
نصفها ينطق بالدولار
والآخر «يورو»
وتداعت كنجوم الليل
بالحسن فراشات تمور
يفترشن المهج الحرى
وقد أغرت طهور
وصدور.. ونحور
يلتحفن النشوة البكر
وقد شبت ولم تخب عطور»
وفي اللحظة التي يرحل الشاعر في فضاء «الحبر» يرحل في «خيال الشعر»، حيث يتغنى بالشعر وتأثيره في الحياة والنفس والوجود، إنه يقول في «خيال الشعر»:
«إن للشعر خيالا يتعالى
وله في منطق السحر مقالا
وله في غارة الحق بيانا
وله في ساحة الحرب رجالا
ليس في الشعر مكان لشعور
كاذب يستدرج الناس نوالا
إنه ثورة نفس في مقام
كسرة الحال الذي أفسد حالا
في سماء الشعر تزدان نجوم
كلما ألهمها الشعر اختيال
في بحور الشعر أحلام تساقت
شغافا فانبعث البحر جمالا»
تتراوح هموم وهواجس الدكتور الغامدي المتمثلة في قصائده، بين ما هو «ذاتي» وما هو قومي وعروبي وإسلامي، إنه يبحث في هذا العالم الكئيب والحزين عن «بهاء اليقين»، كما يسميه في إحدى قصائد ديوان «أحلام السفر». يقول في هذه القصيدة:
«تحررت من شكي ببرد يقيني
وقيدت أحلامي بكسب يميني
وأعليت في فجر التنافس رايتي
ولم أرو من كأس الدموع أنيني»
ويضيف:
«وأعلم أني راحل غير أنني
ضنين ونبض الموت غير ضنين
أتوق إلى صفو الحياة وربما
غفوت ولا تغفو عيون منون
وأسعى لأحيا ما أستطع وفي يدي
يقيني إذا غامت سماء ظنوني»
هكذا هي تجربة الدكتور سعد الغامدي الشعرية.. التجربة التي تبرز فيها تأملاته الروحية وتطلعاته الحياتية ومواقفه من كل شيء في هذه الحياة.