تؤدي القيم الروحية أو الإنسانية دوراً مهماً في نمو الحياة الاجتماعية والاقتصادية والأمنية بشكل إيجابي وملموس متى ما ترسخت في أذهان أفراد المجتمع وتمسكوا بها، والإسلام مليء بهذه القيم الإيجابية التي تحمل معاني الرحمة والمودة والعطف والإحسان، ونبذ العنف والكراهية والاستهتار واستغلال حقوق ومصالح الناس، بل وتُعد هذه القيم القاعدة الصلبة التي تنطلق منها مسألة احترام القانون عند تنفيذ الأعمال أياً كانت مصدرها في القطاع العام أو الخاص، وإن تجاوز هذه القوانين والتعليمات إنما يكون منبعه ومرده الجهل بمفهوم القيم كمكون روحي للإنسان، والضعف الواضح في تبني معايير الحقوق الإنسانية والمهنية لدى المسؤول أياً كان موقعه، وبالتالي يصبح القانون بالنسبة له أداة كسب وهيمنة غير مشروعة.
إن المجتمعات بحاجة إلى الرجوع والعودة إلى القيم الروحية التي خُلقت مع الإنسان وتنامت معه طيلة مراحل حياتة، ليس عوضاً عن الجانب المادي الذي يُعتبر أداة ووسيلة للحياة، وإنما للاستفادة القصوى منها أخلاقياً واجتماعياً وإنسانياً وأمنياً، ومع أن هناك عدداً كبيراً من الناس في وقتنا الحاضر لا يدرك هذه القيمة الروحية بمفهومها العميق إلا أنه يوجد اليوم أمل في أن يُعاد النظر في فهمها وأهدافها البعيدة المدى على المجتمعات البشرية، وأن لا يكتفي الناس بالأمور المادية فقط ويشعروا بالاكتفاء أو الإشباع منها، لأنها في واقع الأمر تمثل الوسيلة فقط وليس الغاية من هذه الحياة ومتطلباتها الإيجابية، إن الإنسانية بحاجة إلى العودة للقيم الروحية في البيوت ومقار الأعمال وأماكن التنزه والاستشفاء، وفي كل موقع تطأ فية قدم الإنسان، حيث تتوفر فيها قيم الشفقة والمودة والرحمة والسلام بين الناس، كما تحتاج إلى الخبرة العميقة والواسعة بأن الأنا والآخر هما شيء واحد على هذه الأرض الواسعة، وهي تمثل المبادئ المشتركة في جميع الأعراق والأجناس والأديان السماوية، ففي عصر يتنوع فيه الإرهاب والاضطهاد والقهر والرعب وتفشي الجريمة المقننة بكل أشكالها، وسوء استخدام السُلطة المهنية وتسخيرها للمصالح الضيقة التي نعيش فيها الآن، ربما تكون القيم الروحية هي القشرة السميكة التي وهبها الله سبحانه وتعالى للبشرية، والمتكونة من المشاعر والعواطف والأحاسيس والرحمة، ضرورية بجانب المسؤولية القانونية، لكي يعيش المجتمع في أمن وسلام وطمأنينة، حيث من المؤكد فعلياً في المجتمعات المتمدنة والقبلية أيضاً أن العيش بدون هذه القيم يؤدي للاستسلام ولليأس والإحباط وتفشي الأمراض النفسية والعصبية فيها، وهذه بدورها من أهم مسببات وتفشي الجريمة بكل أشكالها.
ولعل أوضح مثال على ما ذكرناه هي الأزمة الاقتصادية والمالية التي يعيشها العالم في هذا الوقت، وما واكبها من الإعلان عن الفضائح والسرقات والاختلاسات المالية، والتي شردت الملايين من مساكنهم، وجردت الكثير من الناس على مختلف أجناسهم وأديانهم من ممتلكاتهم وأعمالهم، ومدخراتهم واستثماراتهم، كان مرده تفشي الظلم والطغيان والغطرسة اللامتناهية، وتجريد الآخر من إنسانيته وحقوقه الطبيعية والمادية، والابتعاد عن الأسس والقيم الإنسانية التي خلقت معه، فكانت هذه الكارثة العالمية التي لم تشهد البشرية مثلها من قبل، بل إن القضايا المتعددة التي تئن بها أروقة المحاكم في جميع دول العالم تتصل في معظمها بشكل أو بآخر بمفهوم القيم الإنسانية وأساليب تطبيقها في مختلف مناشط الحياة. ولكي ننمي هذه القيم علينا بالبحث والتدقيق عنها في مصادرنا الإسلامية وإبرازها في مناهجنا الدراسية الثانوية والجامعية، لتدرك الأجيال القادمة ماهي أدوارها الإيجابية الحقيقية تجاه المجتمع، وتثبيتها ضمن قوانيننا وأنظمتنا التي نتعامل بها في شتى مناحي الحياه المعروفة، إنها دعوة صادقة لإصلاح الذات من أجل بناء مستقبل إيجابي، فما نزرعه اليوم سوف نحصده ولو بعد خمسين سنة. والله أعلم. shrudwan@yahoo.com
القيم الروحية وتأثيرها على المجتمعات المهنية
9 فبراير 2009 - 20:21
|
آخر تحديث 9 فبراير 2009 - 20:21
تابع قناة عكاظ على الواتساب



