يستعيد طريق الهجرة بين مكة المكرمة والمدينة المنورة قصة الهجرة النبوية ويستلهم الدروس والعبر المضيئة للحدث الذي اتكأ عليه تاريخ المسلمين ليتحول إلى أعظم حدث يؤرخون به لتاريخ الأمة بأسرها منذ أكثر من 14 قرنا. على جزء من طريق الهجرة ما بين الجموم وعسفان متاعب سير بقوافل الجمال وسط جغرافية متنوعة التضاريس من جبال بركانية وصحارى ذات رمال ذهبية وأودية سحيقة وشعاب ضيقة برغبة تتجاوز حدود التعب والإرهاق للوصول لبيت الله الحرام في مكة المكرمة أو لمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة.
ملامح الطريق
مجرد التحول من طريق مكة المكرمة - المدينة المنورة السريع إلى طريق الهجرة القديم من جهة الجموم يعني استرجاع شريط من الذكريات لتاريخ واحد من أقدم الطرق المعبدة، نبعت أهميته من ربطه للمدينتين المقدستين مكة المكرمة وطيبة الطيبة.
الطريق الذي لا يتجاوز عرضه سبعة أمتار وثق لملامح الطرق القديمة المنفذة، فعبارات تصريف السيول تختلف تماما عن التصميم الجديد للطرق الحديثة حتى اللوحات التحذيرية التي يزيد عمر بعضها عن 50 عاما بدت صامدة ومغلفة بالتقليدية.
أما طبقة الأسفلت المتآكلة في كثير من أجزاء الطريق، فكانت ملمحا مهما فضلا عن كثرة التعرجات التي تحاول أن تتجاوز الجبال السامقة، ويبدو أن عدم توفر آليات القطع الصخري في ذلك الوقت جعل الطريق محفوفا بكثير من التعرجات تصل إلى حد الخطورة في بعض الأجزاء.
وعلى الرغم من مرور أكثر من 27 عاما على تنفيذ الطريق السريع، إلا أن الطريق القديم ما زال يقاوم هجران حافلات الحجاج وسيارات الزوار ليبقى خادما لمركبات سكان القرى والبلدات القديمة والهجر وأصحاب المزارع والماشية.
حكايات السائقين
ذكريات السائقين على طريق الهجرة يروونها بذاكرة فولاذية، شريط مليء بالمواقف والقصص والحكايات يحتفظون بكامل تفاصيلها فيما يظل طريق المدينة المنورة والسيارات القديمة مثل: حافلات «الأتوبيس» و «اللواري الخشبية» و «محطات الطرق واستراحاتها»، شواهد على تاريخ يقف شامخا يقاوم النسيان.
متغيرات كثيرة وملامح متنوعة طرأت على رحلات الحج عبر هذا الطريق، كانت قديما محفوفة بخطر الطريق وتعبه لكنها اليوم أصبحت رحلة دينية مرفهة تنطلق من منظومة خدمية تدار بالحاسوبات الآلية. فماذا عن ملامح رحلة الحج في الأمس؟
العم سالم أحمد سلطان العمري، 75 عاما، من سكان مركز هدى الشام وواحد من أقدم السائقين، استرجع شريط الذكريات الذي مضى عليه أكثر من 50 عاما قائلا:
أذكر أنني تعلمت قيادة السيارة في نقل الركاب ما بين المدينة المنورة و مكة المكرمة والطريق ترابي، حيث كنا نمضي يوما وليلة للوصول وأذكر أننا كنا نستخدم السيارات المعروفة بالعراقيات من موديل 1946 و1948 و1947 م، حيث كنا ننطلق من مكة المكرمة ثم نمر على الجموم وعسفان وقديد وخليص ورابغ ومستورة وبدر والمسيجيد وأبيار علي ثم ندخل المدينة المنورة من جنوبها.
يغمض العم سالم عينيه تم يطلق تنهيدة عميقة ويواصل حديثه قائلا:
لم يكن السائق فينا مجرد سائق بل كان أشبه بقبطان سفينة أو قائد طائرة مما يدخل الزهو والفخر ونحن نقود السيارات التي تجوب الصحاري والأودية العميقة التي كانت تقطعها السيول ومن أهمها أودية مستورة والمسيجيد وبدر، وحدث أن توقفنا نصف يوم لمرور مياه السيول فكانت هذه المناطق من أخطر وأصعب المواقع التي كانت تمر على السائقين القدامى قبل أكثر من خمسين عاما إضافة إلى وجود «طلعات» جبلية صعبة مثل «طلعة الماك»و «طلعة السدارة».
وأضاف: أما الأجرة التي كنا نتقاضاها من الركاب فكانت في بادئ الأمر سبعة ريالات ثم ارتفعت إلى ثمانية إلى أن وصلت 15 ريالا يدفعها الراكب في وسط الطريق .
ومن أشهر المحطات التي كنا نمر عليها للراحة وتناول الطعام والتزود بالوقود «محطة الأشراف» في بدر و «محطة حذيفة» في مستورة و «محطة القمصاني» في رابغ وكان معظم العاملين فيها من أبناء تلك المناطق أو من اليمنيين.
يتلذذ العم سالم في سرد ملامح تلك المحطات بقوله: لم يكن أجمل في نفس أي سائق يعمل في تحميل الركاب بين مكة المكرمة والمدينة المنورة من أن يدلف إلى تلك المحطات التي تستقبلنا برائحة السمك المقلي والكراسي المشدودة بالحبال والطاولات الخشبية، فيما تتراكم في زوايا المقهى أغطية ووسائد تقدم للسائقين إذا ما رغبوا في النوم.
وكانت جلسات السائقين ممتعة لسرد المواقف التي مروا فيها خلال الرحلة مع الركاب ومعرفة حالات الطرق وأخباره من القادمين، فيما تغطي تلك الجلسات روح حميمة تنطلق من أخوة صادقة في مناطق معزولة وفي سفر دائم طوال العام، فكنا نتبادل الإطارات وأدوات الصيانة فيما كان الاحتفاظ بالقطع المهمة للسيارة التي عادة ما تتعرض للتلف مثل «سيور المكينة» و «البواجي» وغيرها من الأشياء التي لا يمكن لأي سائق الاستغناء عنها.
ومن السائقين الذين يتذكرهم: بلحوح، ومحمد صالح أبو كلاب، ومحمد سعيد الشريف، وعوض مرزوق الحجري، الذي أفنى أكثر من 40 عاما من عمره في طرق المملكة كسائق لنقل الركاب وعض على شفتيه متحسرا على ماض يشكل زهرة شبابه وهو يسترجع ذكريات نقل الحجاج على الطرق القديمة للحج رغم قساوتها وتعبها لكنها بالنسبة له و رفاقه، سالم الحربي، وسعد الهذلي، تمثل العودة لذكريات الشباب رغم شظف العيش الذي كانوا يغرقون فيه.
«لم يكن سائق الحافلة قديما مجرد سائق بل أشبه بقائد الطائرة اليوم»، بهذه العبارة اختصر العم حميد النمري أهمية السائق قبل أكثر من أربعين عاما ليضيف لم يكن في مكة سوى ثلاث شركات لنقل الحجاج وقد كان راتب السائق 300 ريال فقط خلال موسم الحج، لكن بعض السائقين كانوا يتحايلون برفع هذا المبلغ عن طريق تحميل الركاب بعد الفراغ من إيصال الحجاج الملزمين بهم إلى مقار سكنهم في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة.
أما مرزوق الحجري، فيذكر أن أشهر المحطات التي كان أصحاب الحافلات يقصدونها هي الواقعة في بدر ورابغ ومستورة والفريش على طريق المدينة المنورة - مكة المكرمة القديم.. بحديث تاريخي عابق يقول: كنا نقضي ما بين سبع إلى تسع ساعات لقطع الطريق القديم فكان لا بد من الوقوف أكثر من مرة للراحة وتفقد الحافلة، فكانت ثمة محطات تقع على الطريق هي مظلة لاستراحة السائقين من وعثاء السفر حيث يستقبل «القهوجي» صاحب الحافلة بالترحيب ويصحبه إلى مركاز خاص ليقدم له «براد الشاهي» والعشاء من السمك الناجل أو الهامور مع الرز الأبيض تزينه قطع من البصل وكان كثير من هذه المحطات عبارة عن استراحات يستريح الحجاج فيها ويؤدون الصلوات ويتناولون الطعام ثم نواصل المسير، وأخرى كانت عبارة عن مبان طينية، وبعضها عبارة عن عشش أمامها مضخات الوقود التي عادة لا تزيد عن ثلاث مضخات للبنزين والجاز، أما أجرة النقل فكانت تترواح ما بين 20 إلى 25 ريالا.
مفتش الحج
مصادر تاريخية أرجعت تاريخ وصول السيارة إلى عام 1343هـ، وكانت أول سيارة تسير بين رابغ ومكة وقد أقلت مفتش الحج الهندي ومندوب السفارة البريطانية وقطعت المسافة بينهما في سبع ساعات وذلك عام 1343هـ - 1924م وفي سنة 1345هـ - 1926م حصل رئيس إحدى البلديات في الهند أثناء زيارته لأداء فريضة الحج على تصريح خاص من حكومة المملكة يخوله السفر بالسيارة من جدة إلى المدينة المنورة، فقطع المسافة في 13 ساعة وذكر بعد عودته أن الطريق كله صالح لسير السيارات، ما عدا المسافة بين رابغ وآبار ابن حصاني، فأصدر الملك عبد العزيز، يرحمه الله، أوامر بإصلاح تلك المسافة حتى يسهل السير فيها على السيارات.
دراسة الحصون والقلاع
من جانبه اعتبر الدكتور ناصر بن علي الحارثي، الأستاذ المشارك في التاريخ والحضارة الإسلامية في جامعة أم القرى في مكة المكرمة، المخلفات الحضارية الباقية من طرق الحج بمثابة متاحف معاصرة تحتوي علي بقايا أثرية ترتبط بنظم دفاعية أو زراعية أو صناعية فعملية الارتداد الرجعي بمثابة خطوة واعية عبر الزمن يتم خلالها التعرف على الأشياء غير المنظورة حاليا، ذلك أن الماضي بما اشتمل عليه من نظم وأحداث ومواقع إنما يتغلغل إلى الحاضر ومن هنا تنبع أهمية حفظ هذا الركام وتصويره وإعداد دراسة طرق الحج ومحتوياتها وما اشتملت عليه من قلاع وحصون وآبار ومحطات للراحة بين مكة والمدينة، وجزيرة العرب من ناحية وبقية أجزاء العالم الإسلامي من ناحية أخرى، ومن المؤكد أن دراسة أي إقليم بوضعه الحالي يمكن أن تمدنا بمفاتيح متعددة تشير إلى ماضيه والدراسة الحية على الواقع ربما تمدنا بما لا ينطبق والوثائق المدونة.
وشدد على أن الآثار التي خلفها طريق الهجرة في عصوره المختلفة تعد شاهدا ماديا صادقا لحضارة خلفها أهلها تدل على مدى تراثهم الحضاري، وهذه الآثار قد تكون ثابتة غير قابلة للنقل مثل القلاع والحصون وخزانات المياه والمحطات والاستراحات، أو قابلة للنقل مثل الفخاريات أو أدوات الزينة والقناديل والتحف النادرة، وهذه كلها سجلات مادية تدل على براعة صانعيها وحضارة مقتنيها وبمزيد من التنقيب واكتشاف العديد من هذه الآثار يمكننا التعرف على تأثير قوافل الحج وأثر حرفة التجارة وطرقها في معظم أنحاء الإقليم والتعرف أيضا على أعمال الملوك والأمراء في المراحل المختلفة من تاريخ وحضارة طريق الهجرة.
ما بين مكة والمدينة ذكريات يرويـهـا قدامى الـسـائقين
«الهجرة القديم» طريق يفوح بعبق المقدسات
8 يناير 2009 - 19:29
|
آخر تحديث 8 يناير 2009 - 19:29
«الهجرة القديم» طريق يفوح بعبق المقدسات
تابع قناة عكاظ على الواتساب
هاني اللحياني ـ مكة المكرمة


