يفجر قرار وزارة الصحة إنشاء 14 مستشفى للأمراض النفسية في مناطق مختلفة سؤالا مهما حول تزايد أعداد هذه الفئة من المرضى ليس فى المملكة وحسب وإنما في مختلف دول العالم. ورغم أن دراسات منظمة الصحة العالمية تشير إلى أن المرضى النفسيين يشكلون ما نسبته 20% من أي مجتمع ، إلا أنه لم تتوفر حتى الآن إحصاءات دقيقة عن عددهم داخل مجتمعنا. وبغض النظر عن الأرقام الحقيقية لهؤلاء الذين يعاملهم العالم المتحضر على أنهم مرضى يستحقون الرعاية والإهتمام فإن الواقع يؤكد أن نظرتنا إليهم داخل مجتمعاتنا العربية ماتزال قاصرة ولا ينصفهم كثيرون يعتبرون كل من يلجأ للطبيب النفسى مجنونا .، ومهما حاول أن يثبت بكل ما أوتي من قدرات وأدلة وبراهين على أنه لم يدخل يوما دائرة الجنون والمرض العقلى لن يستطع إقناع الآخرين بإنه تعافى من عارض صحي قد يتعرض له أى إنسان وشأنه فى ذلك شأن أى مريض أصيب بمرض آخر. فلماذا هذه النظرة الخاطئة؟ وكيف يمكن تصحيحها وتداركها؟ وهل أصبح المجتمع بحاجة ماسة إلى جرعات توعية مكثفة تضع هؤلاء الذين قررت الوزارة إنشاء 14 مستشفى لهم فى مسارهم الصحيح وتجنبهم وأسرهم الآثار السلبية الخطيرة لهذه النظرة الدونية القاصرة؟
تتضارب النسب والأرقام، والحقيقة واحدة وهى أن هؤلاء يعيشون بيننا سواء خلف أسوار المستشفيات والعيادات النفسية يعانون العزلة أو يقبعون داخل بيوتهم تفترسم نظرات الريبة والشفقة أحيانا مما يزيد من معاناتهم ويحولهم على المدى البعيد إلى أعداء للمجتمع الذى تناسى أفراده حقوق هؤلاء الذين تعرضوا لظروف قهرية خاصة صحية كانت أو اجتماعية ،جعلتهم يصنفون على أنهم مجانين وقد يكونون فى الواقع أعقل ممن يقذفونهم بهذه التهمة القاتلة. مدير مستشفى الصحة النفسية بجدة الدكتور نواف الحارثي أوضح لعكاظ أن (25%) من أفراد المجتمع السعودي يعانون من اضطرابات نفسية وفي جدة وحدها نحو(500) ألف شخص بحاجة إلى استشارات نفسية وعودة إلى سنوات قليلة مضت فإن عدد المرضى النفسيين في المملكة بلغ في عام 1422هـ نحو (47774 مريضا) ويمثل الرجال ما نسبته 40% والنساء 60% ، ولكن احصائيات أخرى حديثة توضح أن هناك نسبة زيادة بلغت 10% .
نماذج من الواقع
.وبعيدا عن الإحصاءات من هو المريض النفسي وما الفرق بينه وبين المريض العقلي ؟ المختصون يؤكدون أن الفرق بين المريض النفسي و المريض العقلي أن الأول يعي مرضه أو ما به من حالات نفسية غير سوية، كما يعي جيدا سلوكه ونشاطاته الفردية والاجتماعية. فعلى سبيل المثال، إن المصاب بالهلوسة (هي انحراف بالحس والإدراك) قد يرى أو يسمع أشياء لا وجود لها في الواقع، إلا أنه يعلم جيدًا أن هذه الأشياء التي يسمعها أو يراها لا وجود لها، لذلك يكون سلوكه طبيعيا ، أما المريض العقلي (أنواع الجنون الكثيرة) فهو، بالعكس، قد يرى أو يسمع أشياء لا وجود لها ولكنه ـ وهذا ما يميزه ـ يقتنع فعلاً بوجودها ويكون بموجب ذلك سلوكه ونشاطه، ففي بعض أنواع الجنون يقول المريض إنه يسمع صوتا أو يرى قادما من بعيد، لذلك فهو يصغي لهذا الصوت أو يجيب عن أسئلة وهمية أو يخاطب هذا الصوت غير الموجود.. وهنا يعتقد المجنون أنه يخاطب بشرا، يظن وجود أشياء غير موجودة ويبني سلوكه على هذا.
و في الفصام، وهو نوع من الجنون، يكون المريض منطوياً على نفسه، جامدًا يهمل حاجياته الغريزية، إلا أنه ينقلب أحيانًا إلى وحش فيهجم ليقتل طبيبه، أو الممرض، أو من يقع تحت يديه، بسبب ظنه أن هذا يريد به سوءا.
ويقف الفهم الاجتماعي الخاطئ للمريض النفسي - وحسب مايؤكد عدد كبير من الآباء المختصين عائقاً أمام كثير من المرضى لمراجعة عيادة الطبيب النفسي حيث يخشى المريض أن يعرف أحد بأنه راجع هذه العيادة أوتلك وبالتالي سيدخل في دوامة تضاعف آلامه
و معاناة الشاب (س .م) خير مثال لطابور طويل من المتعبين يحجمون عن مراجعة عيادات الطب النفسي بسبب نظرة المجتمع المريبة لهم . فهو فى العشرين من عمره يدرس في المرحلة الجامعية ويعاني من ضيق في صدره عند دخوله منزل أسرته وإذا غادر المنزل أصبح منشرح الصدر بدرجة كبيرة ، أشار عليه البعض فى البداية بعلاج نفسه عبر الرقية الشرعية ولكنه تراجع ثم عاد للتفكير في مراجعة طبيب نفسي و تراجع أيضاً لقناعته أنه يعيش في مجتمع لايرحم، أو كماقال: نعم نحن في مجتمع مسلم ومتعلم ولكنه يبقى أسيراً لأفكاره وفهمه لبعض الأمور وأخشى إن أنا راجعت للعلاج سواء بالرقية الشرعية أو عن طريق طبيب نفسي أن يتسرب لأقاربي ومحيطي الاجتماعي والجامعة أنني مريض نفسيا وحينها سيتعاملون معي على أنني مجنون وعند قيامي بأي تصرف حتى لوكان طبيعياً سيقولون: "مجنون الله يشفيه".
وفي دراسة محليه أجراها الاخصائيان طلال محمد الناشري وآمال السايس أرجأ نحو(52.5%) من العينة سبب عدم توجهم إلى الطب النفسي لطلب العلاج حين إحساسهم بالأعراض إلى النظرة السلبية التي ينظر بها المجتمع إلى المريض النفسي ، ورأى (31.7%) أن السبب يعود لعدم قناعة المريض وأسرته بالطب النفسي ، وعن نظرة المجتمع للمريض النفسي يرى (57.4%) أنه يمثل خطراً على المجتمع ويجب الحجر عليه فيما يرى (37.7%) أنه مريض كغيره لكنه يحتاج إلى فترة طويلة من العلاج .
الأسباب والدوافع
المرض النفسي له العديد من المسببات الاجتماعية والصحية.. ولكن هل المريض النفسي مجنون ؟ وهل القضايا التي تحدث ويرتكبها العديد من الأشخاص تكون دوافعها المرض النفسي كما يعتقد كثيرون ؟
الدكتور رجب بريسالي مدير مستشفى الصحة النفسية بالطائف يعرف المرض النفسي بأنه اعتلال يصيب الأنسان في أية مرحلة من مراحل حياته وقد حاول العلماء فهم حقيقة هذا الاعتلال وأرجعوا السبب إلى عدة عوامل متعددة منها ،العامل البيولوجي والمتمثل في الجينات الوراثية أو المواد المخدرة التي تغير بيولوجية الدماغ وغيرها، ويأتي عامل البيئة المحيطة من العوامل وذلك بسبب تأثير الأسرة والمدرسة والمجتمع وغيرها وهذه العوامل تتداخل بطريقة وأساليب متنوعة لتنتج المرض النفسي . وعن النظرة للمريض النفسي يرى بريسالي أن هذه نظرة تاريخية وقد ارتبط الاعتلال النفسي بوصف من يعانيه بالجنون وذلك يرجع للسلوكيات التي تصدر من المريض بدون إرادة أو وعي وتكون غير مقبولة للمجتمع وترى عذبة السبيعي الأخصائية النفسية في مستشفى بالسمر العام أن السبب في عدم مراجعة الكثير من المرضى للعيادات النفسية تعود للوصمة التي تلحق بالشخص من زيارته للعيادات النفسية بالإضافة إلى أن الكثير من المرضى يخشون من الزيارات لكي لايعرف المحيطون بهم من الأسرة والاصدقاء والمجتمع ، مؤكدة أن المريض النفسي ينقسم إلى قسمين مريض العصابي وهذا يحاكم في قضيته التي يفعلها بينما المريض الذهاني لايعاقب قانونيآ. وتتوافق عذبة مع بريسالي بأن المرض النفسي له العديد من الأسباب منها الوراثية والبيئية التي تتسبب في المرض، وأن المريض النفسي يعاقب قانونيا في حالة المرض العصابي.