يدخل المنحرف إلى عنابر السجون لأشهر أو سنين معدودات، ليلقى سوءة عمله، إلا انه يترك من خلفه ذرية ضعافا لا يملكون من أمرهم شيئا، إن حاولوا التنفس رجموا بأبشع الألفاظ، وإن أرادوا الطعام حرموا من أبسط مقومات الحياة، وإن أرادوا التعلم وجدوا الأبواب مشرعة لكنها موصدة من قبل بعض الطلاب والمعلمين، ولم يستقبلهم أحد معنويا. يهيمون في الأرض على حريتهم دون أن تكبل أياديهم أو أقدامهم سلاسل السجناء، لكنهم يبقون في واقع الأمر مسجونين لكن في عنبر كبير اسمه المجتمع. غدا ينفتح مجتمعنا على واقع جديد اسمه (حملة من أجل الضحايا) الذين لا ذنب لهم، إلا أن الحملات الأربع السابقة التي عرفها مجتمعنا عادة لا تتجاوز النشرات والأوراق والبروشورات، لينتهي الحفل والسامر، ويبقى الحال على ما هو عليه، وكل يبكي على ليلاه. أبناء السجناء يتجرعون مرارة الحرمان من ناحية، والعوز والحاجة من ناحية أخرى، والعقاب المجتمعي على ذنب لم تقترفه أيديهم من جانب ثالث. أما السجناء، فالتوبة أمامهم باب مفتوح على مصراعيه أمام الخالق، إلا أنها (حسب معايشتهم) لا تمثل ثقبا صغيرا أمام المجتمع. بعضهم يعترف بالجريمة، ويتوب إلى الله، ويعاهد المولى عز وجل على التوبة والعزم على عدم العودة إلى ما أدخله في غياهب السجن، ويجد الدعم الرسمي خاصة بما أقره المجلس الأعلى للسجون بالتنسيق مع وزارة العمل باحتساب وظيفة النزيل بوظيفتين خلال احتساب نسبة السعودة، وذلك لتشجيع شركات القطاع الخاص على توظيف النزلاء.. إلا أن المجتمع يعاملهم بعد الإفراج عنهم وكأن شيئا لم يكن، وكأن السجين لم يأخذ عقابه.. فلماذا لا يكون التسامح عنوانا مع المفرج عنهم، ولماذا يؤخذ أبناؤهم بجريرة المنحرفين، وهل لجان رعاية السجناء والمفرج عنهم نجحت في احتواء فلذات الأكباد الضحايا، وهل الحملات الترويجية مجرد أوراق توزع لا يستفيد منها المعنيون بالضرر؟
العودة إلى الإجرام
الدكتور مازن عبد الرزاق العطية أخصائي اجتماعي وعضو جمعية الأطباء العرب يحذر من مغبة عدم الاحتواء الوظيفي للسجناء بعد الإفراج عنهم، لأنه من المؤكد في هذه الحالة عودتهم إلى ارتكاب الجريمة، مشيرا إلى أن العمل يقلل من فرص عودة السجناء إلى الجريمة. وأبان بأنه حسب دراسة ميدانية فان 2% فقط من المفرج عنهم الذين وجدوا فرصا للعمل عادوا للسجن مرة أخرى، فيما البقية التي تمثل الغالبية العظمى لا تعود للسجن، وقال: هذا يعني أنه إذا ما قامت المراكز وجمعيات الرعاية للمسجونين السوابق بمسؤوليتها تجاههم، خاصة بعد خروجهم من السجن وكذلك تجاوزهم مرحلة السجن وتداعياتها قطعًا ستقلل بشدة من نسبة العودة إلى الجريمة.
مرفوضون اجتماعيا
ويعترف أستاذ علم النفس المشارك في كلية المعلمين بالمدينة المنورة الدكتور حسن محمد ثاني أن عقاب السجين لا يطال المنحرف فحسب بل يمتد ليشمل أفراد أسرته الذين لا يد لهم في جريمته، ويشعرون بالغبن ونظرة المجتمع القاتلة تجاههم، مما يتسبب في نمو النواحي العدائية في دواخلهم، ويؤدي إلى انحراف الأبناء، كما أن أسرة السجين قد تعاني من العوز المادي والضائقة الاقتصادية وكل هذا يجعلهم يشعرون باليأس والعجز والإحساس برفضهم اجتماعيا.
وتضيف الباحثة التربوية والكاتبة الاجتماعية دانية الشريف أن أسرة السجين تتعرض للعديد من المشكلات الاجتماعية والنفسية إلى جانب الظروف الاقتصادية التي غالبا ما تبدو أكثر بروزا وتأثيرا، مما يؤدي إلى انهيار الأسرة التي تفقد عائلها وراعيها طيلة وجوده في السجن.
وأضافت إذا كان الأب أو عائل الأسرة دخل السجن عقابا له على جريمة اقترفها، فليس معناه أن تعاقب أسرته على الجريمة، وإن كانوا خارج القضبان. وكشفت أن دراسة حديثة أبانت أن 51% من المواطنين يرفضون تزويج بناتهم من أشخاص قضوا عقوبة السجن في وقت سابق من حياتهم.
واقع الرفض
وكشفت دراسة حديثة أجريت على نحو 404 افراد لقياس اتجاهاتهم نحو المفرج عنهم.. أن هناك رفضا من قبل الغالبية للتعامل مع اغلب المفرج عنهم وإن تدرجت نسبة الرفض حسب نوع القضايا لترتفع في قضايا مثل المخدرات وتصل إلى أقصى نسبة في الرفض (77.5%)، القضايا الأخلاقية من زنا ولواط (68.8% )، القتل العمد (65.5%)، التزييف والتزوير(62.4%)، الرشوة (61.6 %)، المسكرات(55.2%)، السرقة (52.7%).
وبتحليل الدراسة يتضح أن الرفض الغالب لقضايا المخدرات والأخلاقية والقتل العمد، الأمر الذي يعكس اتجاهات سلبية نحو المفرج عنهم المتهمين في قضايا القتل العمد ولعل ذلك يعود إلى بشاعة هذه الجرائم ورفض جميع المجتمعات لها، والتوجهات الدينية للمجتمع السعودي التي تحرم هذه الأنماط من السلوك، بالإضافة إلى الخوف من العودة إليها مجددا. فيما باتت الغالبية من المبحوثين لا تعترف بثلاثة أنواع من الجرائم مثل الحقوق المالية، إذ اقر 49.3% من المبحوثين إمكانية التعامل مع المفرج عنهم في هذه القضايا، وتعدى 33.2% إمكانية التعامل إلى التماس العذر لهذه الفئة، وكذلك الحال لقضايا القتل الخطأ فأبان 40.6% إمكانية التعامل، 50% التمسوا لهم العذر، وفي قضايا المضاربات سجل 48% نعم للتعامل، 39.1% لالتماس العذر.
دعوة للتسامح
ورغم الصورة القاتمة التي بدا عليها الاستطلاع الحديث الذي قام به أستاذ علم الاجتماع بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية الدكتور عبد الله بن عبد العزيز اليوسف.. إلا أن الباحث اكتشف على ما يبدو بعض الاتجاهات الايجابية بين أفراد المجتمع نحو المفرج عنهم، إلا أنها ليست عالية خاصة على مستوى التقبل الاجتماعي والإندماج الكامل في المجتمع، مما يتطلب معه خطوات كزيادة التوعية الاجتماعية لأفراد المجتمع حول ضرورة إدماج المفرج عنهم في المجتمع ويجب أن يعي أفراد المجتمع أن النجاح في إدماج المجتمع للمفرج عنهم يعني تقليص نسب الإجرام في المجتمع.
واتضح من النتائج أن غالبية أفراد المجتمع يرون ضرورة التسامح مع المفرج عنهم بشكل عام، وهذه النتيجة يمكن استثمارها لزيادة التأكيد على أفراد المجتمع لتفعيل ادماج المفرج عنهم. وبالنسبة للمفرج عنهم في قضايا المخدرات الذين ثبت أنهم يواجهون رفضاً اجتماعياً عالياً مقارنة بالجرائم الأخرى، يتطلب الأمر معهم ضرورة التوعية بأهمية إدماج مدمني المخدرات في المجتمع، حيث يمثل مثل هذا الإدماج الخطوة الأولى في صلاح المفرج عنهم.
ومن هنا تظهر أهمية التعليم في تفعيل المفرج عنهم مما يؤكد ضرورة تكثيف البرامج التوعوية نحو تقبل المفرج عنهم للأفراد الأقل تعليماً، كما يتضح من تقبل أفراد المجتمع العالي «على المستوى النظري» للمفرج عنهم أهمية تقريب الفجوة بين السلوك والفكر في اتجاهات أفراد المجتمع نحو المفرج عنهم، حيث ثبت أن هذا التقبل يقل عند مستوى الممارسة في قضايا الزواج أو الصداقة أو خلافه.
لجان باهتة
ورغم انتشار لجان رعاية السجناء والمفرج عنهم وأسرهم في كافة المناطق، إلا أن البعض يرى خدماتها لا ترقى للمستوى المطلوب، الأمر الذي دعا صالح سويدان الوكيل الشرعي لأحد السجناء في نجران بالتأكيد على أن موكله مضى عليه أكثر من سنتين، وأن المساعدة التي تصل إلى أسرته ليست سوى المساعدة الشهرية من الضمان الاجتماعي فقط، نافيا قيام اللجنة بتقديم مساعدة غذائية أو كسوة خلال العيدين أو في فصل الشتاء، مشيرا الى أن أبناء السجين اغلبهم في المدارس، ولم تقدم اللجنة شيئا سوى الضمان الشهري الذي لا يفي بمتطلباتهم اليومية في ظل غياب والدهم المحكوم بالسجن لثمان سنوات قضى منها سنتين.
ويعترف رئيس لجنة رعاية السجناء والمفرج عنهم وأسرهم بمنطقة نجران فضيلة الشيخ احمد بن جمعان الغامدي بأن المعوقات التي تواجه اللجنة تتمثل في الضائقة المالية فدعم محدود من قبل الإدارات الحكومية ورجال الإعمال رغم المتابعة من قبل أمير المنطقة وحرصه على دعم اللجنة، إلا أن الدعم قليل جدا لا يكفي وهذا اكبر عائق يواجهنا.
وقال: رغم ذلك فإن اللجنة حريصة على توفير متطلبات الحياة اليومية لأسرة السجين وكف أيديهم عن التسول لتحقيق التكافل الاجتماعي ومنع أفراد الأسرة من الانحراف والضياع بسبب الظروف المادية وعدم المتابعة لهم لغياب عائلهم وذلك بعد البحث الاجتماعي، وتقديم دراسة كاملة عن الأسرة وعرضها على اللجنة لإقرارها من خلال عدد من المشاريع التي تقدمها اللجنة لمساعدتهم.
كما تقوم اللجنة بإلحاق السجناء وأسرهم بالضمان الاجتماعي بعد بحث حالة النزيل وأسرته للتعرف على مدى احتياجه، وتتم مخاطبة الضمان بشكل عاجل للمحتاجين، بالإضافة إلى تقديم المساعدات الغذائية والعينية لأسر السجناء والمفرج عنهم وذلك من خلال توزيع سلة غذائية متكاملة وحقائب مدرسية مع بداية كل عام دراسي بالإضافة إلى كسوة العيدين وكسوة الشتاء، سداد غرامات مالية عن بعض السجناء في حدود المعقول، وفي القريب العاجل سيتم افتتاح مكتب للجنة داخل شعبة سجون نجران لمتابعة قضايا السجناء مع الجهات ذات العلاقة والإسراع في انجازها.
إجراءات الدعم
ويشرح المدير التنفيذي للجنة رعاية السجناء بنجران فواز الشهري كيفية البحث بأن السجين فور دخوله إلى السجن يقوم بإشعار اللجنة عن ظروفه وظروف الأسرة حتى تتم دراستها، وفي حالة عدم إشعارنا من السجين فان أسرته تتقدم بإشعارنا بأن عائلهم يقبع داخل السجن وأن ظروفه المادية صعبة، عندها يقوم الباحث الاجتماعي بزيارة لأسرة السجين لبحث الحالة عن طريق استمارة يقوم بتعبئتها وتشمل معلومات عن النزيل وعن الوكيل الشرعي وأفراد الأسرة، بالإضافة إلى دراسة شاملة من ناحية الخدمات من سكن ومواصلات والدخل الشهري والممتلكات والديون، الظروف الخاصة بالنزيل وأسرته، وبعد الانتهاء من البحث يقوم الباحث بتقديم عرض عن خلاصة البحث لتقديمه لمدير اللجنة.
الأمل الغائب
ولا يخفي رئيس لجنة رعاية السجناء والمفرج عنهم وأسرهم بمنطقة تبوك أحمد الحارثي أمله في قيام مراكز التدريب الخاصة بتدريب السجناء المفرج عنهم، أو تدريب أبنائهم في مختلف المجالات المهنية، وبعد حصولهم على الشهادة نتطلع لقيام شركات القطاع الخاص أو صندوق المئوية أو بنك التسليف بتقديم دعم لهم لمساعدتهم على إقامة مشاريع صغيرة تساهم في توفير مصادر دخل لهم، وبذلك يتم تحويل أسر السجناء من أسر مستهلكة إلى أسر منتجة.
عراقيل أمام الرعاية
وأبان بأن اللجنة تقوم في الكثير من الأحيان بالاعتماد على جهودها الذاتية من أجل توفير الرعاية والدعم للسجناء وأسرهم وذلك نظراً لقلة الدعم المقدم من القطاعات الحكومية أو القطاعات الخاصة والذي لا يرقى لمستوى التطلعات، مما يعيق جهود اللجنة في بعض الأحيان ولا يمكِّن من مساعدة كافة السجناء وأسرهم، كما أن اللجنة تعاني من نقص الكادر الوظيفي في حين أن العمل يتطلب عددا كبيرا من الموظفين لمتابعة شؤون السجناء وأسرهم من أجل تحقيق أهداف اللجنة.
خدمات جليلة
لكن المدير التنفيذي للجنة رعاية السجناء والمفرج عنهم وأسرهم في محافظة جدة عبد الإله عبد المجيد يرى أن خدمات تلك اللجان جليلة ( على حسب وصفه )، بدءاً من رعاية السجين وحتى الإفراج عنه لتأهيله واندماجه في المجتمع، وقال: الجانب الأكبر من مهام اللجنة الاهتمام برعاية أسرة السجين من واقع أن أسرة السجين ضحية وأطفالهم لا ذنب لهم، كما أن السجناء هم أبناء الوطن، وضعتهم ظروفهم في هذا الوضع، وسيعودون يوما للمجتمع أفرادا صالحين من خلال برامج التوجيه التي تقدم لهم، ولهم حقوق وعليهم واجبات، وإذا لم تنفذ مثل هذه البرامج المتميزة لاحتوائهم ودعم أسرهم ورعايتهم.. فكأنما ننبذهم ونتعامل معهم بشكل لا إنساني.
العنبر المثالي
ويعتقد مدير سجون منطقة تبوك العميد سعد الثبيتي بأنه مادامت السجون دورا للإصلاح والتهذيب وليست كما يعتقد الكثيرون بأنها أماكن لعزل من يقترفون الأخطاء، ويقدمون على ارتكاب الجرائم، فمن باب أولى أن يتقبل المجتمع السجين بعد خروجه من السجن، وتوفير الرعاية اللازمة له ومساعدته على نسيان الماضي، ليبدأ حياته من جديد ويكون عضوا نافعا لنفسه ومجتمعه، وذلك لكي لا يشعر بالعزلة ونبذ المجتمع ، فهنالك من يقرر العودة للسجن نتيجة عدم تقبل المجتمع له بالرغم من توبته وتعدل سلوكه.
وأوضح أن سجن تبوك كان من أوائل من قام بإنشاء (العنبر المثالي) داخل السجن، ليعيش فيه السجناء الملتزمون بعدة شروط، من أهمها مواظبتهم على الصلاة وحفظ كتاب الله والإقلاع عن عادة التدخين، الأمر الذي شجع الكثيرين على الانضباط والمواظبة على تأدية الصلاة مع الجماعة والاهتمام بحفظ كتاب الله واستقامة سلوكيات السجناء.
تأهيل السجناء
ويشير أخصائي اجتماعي بإدارة السجون بجدة عبد الله الزهراني إلى انه تم تزويد السجون بالأخصائيين الاجتماعيين والأخصائيات الاجتماعيات وكذلك النفسانيين لتقديم الخدمات الاجتماعية المختلفة للسجناء، منها بحث حالة السجين بحث استقبالي بمجرد دخوله السجن، كما أن هناك ما يسمى بالرعاية المصاحبة حيث تبدأ من حين القبض على المتهم برعايته ورعاية أسرته خلال فترة العقوبة حتى لا تدفع الظروف المادية الاجتماعية أحد أفراد الأسرة إلى الحياد عن الطريق السوي وربما الدخول في دائرة الجريمة والانحراف ورعاية المفرج عنه من خلال إرشاده وتوجيهه، بالإضافة إلى تأهيله تعليمياً ومهنياً من خلال ما يتوفر بالسجن من برامج الإصلاح والرعاية، وتدريــبهم على الحــرف والمهن المناسبة تمهيدا لإلحاقهم بالأعمال التي تتلاءم مع مؤهلات وقدرات كل منهم بعد الإفراج مباشرة وإعادة دمجهم في المجتمع من خلال إيجاد العمل المناسب.