بارك فيل قرية كعنكبوت وسط نسيج أخضر صغيرة كقبضة طفل هادئة تسمع فيها وقع أقدامك تنام بدلال كل ليلة على مرتفعات كسانسس تحتضن«الميسوري» بأمان وتغطي صدرها بعباءة من البنفسج والورد والياسمين وزهرة عباد الشمس.. هذه القرية عبارة عن بقعة صغيرة معلقة بين شعاع الشمس وتراب الأرض يمتزج الجمال فيها بعبق التاريخ أهلها يعيشون على بيع التحف القديمة والصناعات اليديوية والمنسوجات والسياحة والعلم ففي هذه القرية جامعة يتجاوز عمرها القرن والربع قرن تلقيت تعليمي الجامعي الذي سبق تعليمي العالي بها مع زملاء من مناطق مختلفة من مملكتنا الحبيبة وحدتنا الغربة وألفت بيننا حتى أصبحنا وكأننا أخوة من أب واحد وأمهات مختلفات ولقد ظهر في حياتنا أثناء تلك المرحلة في تلك الجامعة لون من البشر يشبه الأسطورة وكان من الصعب على من تعلم على يدهم ألايقع في حبهم ويتأثر بهم فقد كانوا نقطة تحول حقيقية في اتجاه ميولنا ولم يكن دورهم يقتصر على التدريس ونقل المعلومات بل كانوا رجال ثقة ولديهم القدرة على نقل ثقتهم بالآخرين إلى نفوس الآخرين وكانوا قدوة حسنة أثرت وبعمق في فكر ومنطق وأسلوب وممارسة الحياة لدى الكثيرين منا كان على رأس تلك الكوكبة التي كانت في تلك المرحلة أشبه بضوء من نور الفجر بروفيسور «جيرزي هاوتمان» الذي توفي بمنزله في «بارك فيل» عن عمر يناهز الـ87 عاماً كان بروفيسوراً متميزاً في تخصصه على مدى خمسين عاماً ونيف وكانت له مكانة مميزة وعلى المستوى العالمي حيث كان رائداً في تخصصه ولقد حصل على العديد من الأوسمة التقديرية على المستويين الوطني والعالمي.. في صباح يوم الاثنين خرجت مع المشيعين الذين كانوا يحملون للفقيد الكثير من الإجلال والإكبار حملنا تابوته «الخفيف كحقيبة يد نسائية» إلى مقبرة «تنادي على الذين كبروا كثيراً بغض النظر عن مستوى عطائهم الدنيوي كي يستعدوا ويفرغوا الدنيا لغيرهم)) كانت المقبرة عبارة عن مساحة خضراء صامتة مسيجة بقضبان من الحديد العتيق.. كنت أمر بالقبور الواحد تلوالآخر والمحاذية لقبر بروفيسور«جيرزي هاوتمان» أقرأ ماكتب على الشواهد.. لفت انتباهي عبارة حفرت على شاهد أحد القبور«مات في عام كذا وهو ينظر إلى السماء»، وعلى شاهد قبر آخر كتب زوج «هنا دفنت قلبي» تذكرت وأنا أتأمل ماحفر على تلك الشواهد «وعلى عهدة الكاتب أنيس منصور ماقاله أن المفكر محمد التابعي قد أوصاه بكلمة واحدة تكتب على شاهد قبره «طُز» تركت بعد ذلك المقبرة بعد أن أودعنا ذلك العظيم الذي أنفلت من يد الزمان.. التفت خلسة ملقياً نظرة أخيرة على ذلك القبر المصبوغ بلون الغيم كأنني لمحت من وراء كتفي بروفيسور «جرزي» يودعنا واقفاً على شاهد قبره كانت ملامحه تزداد بهاءً مع غروب الشمس وانحناء أشعتها على أطراف القبر قالت «دولاا» ونحن نستقل العربة ألم تلاحظوا ان الليل بدأ يحول «جرزي» إلى نسر جديد أجابها «سارتين» أرجوكِ دعيه ينام!! ولجرسي قصة شخصية مع طالب سعودي نبيل كان يلوذ به عندما تضيق به الأرض سأطلعكم عليها في المقال القادم!!

للتواصل ارسل رسالة نصية sms إلى الرقم 88548 تبدأ بالرمز 134 مسافة ثم الرسالة