بتراثه الحجازي المتميز وأبنيته القديمة يقف حي العنبرية بالمدينة المنورة شامخا بمعالمه الخالدة المستوحاة من أزمان غابرة.. بنقوشها المسطرة على صفحات التاريخ لتحكي الحياة الحالمة الهادئة التي كان يعيشها السكان وماتزال مشاهدها باقية الى عصرنا الحاضر لكن الظروف جعلت هذا الحي الهرم عاجزا عن الحفاظ على تاريخه القديم وتوثيق ما تبقى منه. اختلفت الروايات حول سبب تسمية حي العنبرية حيث يرى بعض المؤرخين انها تعود لشخص يدعى عنبر أغا تبرع بجزء من بستان يملكه للدولة العثمانية لاقامة مبنى للكلية الحربية حينذاك "ثانوية طيبة حاليا" بينما تشير رواية أخرى ان تسمية الحي مأخوذة من لون أرضه الذي يشبه لون العنبر وتؤكد رواية ثالثة انها تعود لنوع من التمر يسمى العنبر كان يزرع في مزارع للنخيل بموقع آخر وتقول رواية رابعة أن عطر العنبر كان يلف برائحته الطيبة منطقة غرب المدينة المنورة ومنها جاءت تسمية الحي.
معقل للعلم
ومهما اختلفت الروايات والتسميات فإن العنبرية تظل احد معاقل العلم بطيبة الطيبة ويكفيها فخرا احتضانه لثانوية طيبة التي بدأت الدراسة بها بفصلين دراسيين عام 1362هـ وكانت الثانوية الوحيدة في المدينة المنورة خلال السبعينات الهجرية وماتزال السراديب في مبناها القديم تستخدم لاجراء اختبارات الطلاب حاليا.
ومنها تخرج عدد من المفكرين والاعلام والادباء والمثقفين منهم الاديب المعروف د.محمد العيد الخطراوي ود. أحمد محمد علي رئيس مجلس ادارة البنك الاسلامي للتنمية ود.حسن الجوادي مدير تعليم منطقة المدينة المنورة الاسبق ومدير فرع جمعية الثقافة والفنون بالمنطقة سابقا اضافة الى عدة شخصيات تقلدوا حقائب وزارية وهم د. أياد أمين مدني وزير الثقافة والاعلام ود.جبارة الصريصري وزير النقل وعلي الجهني وزير الاتصالات الاسبق ود. اسامة جعفر فقية رئيس ديوان المراقبة العامة.كما كانت العنبرية في الماضي تمثل أحد منابر التعليم والثقافة فإلى جانب احتضانه العديد من دور العلم التي كانت تسمى حينذاك (الكتاتيب) كانت البيوت المعروفة في الحي مثل بيت آل الخريجي وبيت آل جعفر وبيت الترجمان وبيت آل عبدالعال وبيت آل السقاف تستقبل ضيوفا وزوارا من ملوك ووزراء من داخل البلاد وخارجها ممن يأتون لزيارة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
الحي الذي عرف قديما بأسماء اخرى غير العنبرية مثل النقا والدوس يتميز بتراثه الحجازي الفريد واحواشه القديمة ومنازله ذات الطابع العمراني المميز.
حي هرم
والقادم للعنبرية يلاحظ للوهلة الاولى اختلافه عن باقي الاحياء فكل ما يحيط بالمكان يدل على انه يحمل الكثير من الذكريات الجميلة والايام الزاهرة والليالي المضيئة لكن عجلة الزمن جعلته في عداد الاحياء الهرمة.
عند دخولنا للحي استقبلتنا روائح زكية تفوح في الاجواء منبعثة من العشرات من المحلات الصغيرة والبسطات التي يعرض فيها لبيع النعناع المديني برائحته العطرة الفواحة اضافة الى السيارات التي تعرض مختلف انواع النعناع والورد والفل فقد اختص القدر العنبرية بهذه الميزة ليصبح الحي الوحيد الذي يستقبل زواره بالورد والفل والريحان وعبق النعناع.
اولى المشاهد التي رصدناها في العنبرية كان التناقض الصارخ الذي يصور التقاء الماضي بالحاضر حيث توجد منازل واحواش مهجورة آيلة للسقوط على بعد بضعة امتار من السور الخلفي لمبنى امانة المدينة المنورة الضخم وكان لسان حال المباني القديمة يشكو من تبدل الحال وضياع التاريخ مع زحف البنيان الحديث فقد اشار احد سكان الحي حينما التقيناه امام منزله الى ان العنبرية تضم مئات المباني التي تعود تاريخ بنائها لعدة عقود ماضية وماتزال تحتفظ برونقها الخاص حيث تقف نوافذها الخشبية وواجهاتها ذات الرواشين بشموخ وكبرياء امام العمران الحديث مؤكدا انه يسكن مع اسرته في منزل يعود تاريخ بنائه لاكثر من 80 عاما.
عندما بدأنا نغوص في ازقة العنبرية وطرقاتها الضيقة تكشفت لنا الظروف التي يمر بها الحي ذلك ان حاله اشبه بشجرة معمرة بدأ جذعها يتهاوى و "تستغيث" دون ان تصغي لها الاسماع فالشوارع اصبحت مقطعة الاوصال والحفر شوهت الوجه الجميل للحي الذي شيدت بعض مبانيه على صخور جبلية ومرتفعات ماتزال آثارها باقية.
بيوت متهالكة
ومن ابرز ما يلفت الانتباه الاعداد الكبيرة للمباني القديمة التي تحولت مع مرور الزمن من دور للسكن الى خرائب مهجورة وبيوت متهالكة آيلة للسقوط.. فضلا عن المشاريع المعطلة من جراء كثرة اعمال الصيانة والتعديل وامدادات شبكة الصرف الصحي حيث اصبح من المعتاد رؤية الشوارع مغلقة.
في احد زوايا العنبرية التقينا بعض شباب الحي وتحدثوا عن معاناة السكان في مشكلة الانقطاعات المتكررة للكهرباء عن منازل العنبرية في ساعات الظهيرة وقالوا ان المولدات الكهربائية المخصصة للحي لم تعد تفي بالاحتياجات.
وعلى شارع ترابي لاحظنا مجموعة من النساء الوافدات الافريقيات يعرضن عند سور لاحدى مدارس المرحلة المتوسطة وجبات ملوثة لطلاب المدرسة بعيدا عن رقابة مفتشي صحة البيئة بأمانة المنطقة.