يستأنس لكلامنا بتقديم الرمي قبل الزوال ضرورة الخلاف بين علماء الإسلام من أهل السنة المعتبرين في تحديد وقت الرمي، فهذا يدل على أنها مسألة ظنية تقبل الخلاف، وتقبل التغير بتغير الظروف والأحوال، ولن استقصي ذكر الآراء فهذا معلوم وليس محله هذا المقال السريع، ولكن يحسن الإشارة هنا إلى مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه وهو ممن يمنع الرمي قبل الزوال، ولكنه يقول بجواز تقديم الرمي قبل الزوال لمن لم يرم في يومه بل رمى في اليوم التالي عن يومه السابق، يقول رحمه الله: «ومن لم يرم جمرة العقبة حتى غابت الشمس من يوم النحر رماها متى ذكر من ليل أو نهار، وهي كغيرها من الجمار» منسك ابن جماعة 3/ 1208، وهو ينقله عن كتاب الإملاء للشافعي .
وقد ذكر ابن جماعة أن هذا هو الراجح من مذهب الشافعي.وأقول: هو المعتمد عند الشافعية كما في نهاية المحتاج 3/305 ، ومقصد الشافعي والشافعية أنه يرمي ليلا أو نهارا أداء لا قضاء؛ لأن وقت رمي الجمرة لكل يوم من أيام التشريق يبدأ بزوال ذلك اليوم ويستمر إلى غروب شمس الثاني عشر للمتعجِّل، وغروب شمس الثالث عشر للمتأخِّر. قال الشافعي عن وقت رمي الجمار: «حدها الأول معروف، والآخَر آخِر أيام التشريق فلا يفوت منها واحدة فوتا يجب به على صاحبه دم حتى تنقضي أيام التشريق، وبهذا نقول». انظر: منسك ابن جماعة 3/ 1208 مع تصرف يسير. فأيام منى ولياليها كلها وقت أداء للرمي عند الشافعي. يقول الرملي في نهاية المحتاج 3/305: جملة أيام الرمي بلياليها كوقت واحد، وكل يوم لرميه وقت اختيار، لكن لا يجوز تقديم رمي كل يوم عن زوال شمسه . اهـ ولذلك قال ابن جماعة في منسكه تفريعا على هذا القول: وهذا يقتضي جواز تقديم رمي يوم إلى يوم ، وتأخير رمي يوم إلى غده ، وبه صرَّح الفُوراني والرافعي في الشرحين تفريعا على هذا القول . ونقل الإمام (أي إمام الحرمين) عن الأئمة تفريعا عليه أنه لا يمتنع التقدم.
وقال الرافعي في الشرح الكبير: «يجوز أن يقال : وقته يتسع من جهة الآخِر دون الأول فلا يجوز التقديم». وهذا الذي أبداه الرافعي بحثا نقله الرُّوياني وصححه وقال: «إنه لا يجوز تقديم رمي يوم إلى يوم قولا واحدا».
وقال النووي في الروضة والمجموع «إنه الصواب وبه قطع الجمهور تصريحا ومفهوما». انظر: منسك ابن جماعة 3/1209 . كما أن المعتمد عندهم هو جواز تأخير رمي يوم إلى يوم آخَر إلى آخِر أيام التشريق لمن تأخَّر كما هو منصوص الشافعي رحمه الله. وقد صرَّح بذلك الشربيني فهذا يدل على أن وقت الرمي فيه قبول للاتساع، وهو من المسائل الظنية القابلة للخلاف والتي لا يليق بها التشدد، فلئن دخلت الرخص الشرعية مسائل القطع المجمع عليها، فكيف لا تدخل مسائل الخلاف الظنية!!
ولنا أن نقول مع كل هذه الأدلة: لا رمي إلا بعد الزوال احتياطا للعبادة ومراعاة لخلاف الجمهور، وذلك في وقت لا تدعو الحاجة إلى الرمي فيه قبل الزوال، أما إن دعت الحاجة كما هو الحال في هذا الزمان فنجوِّز الرمي قبل الزوال قطعاً؛ لأنه لن يكون وقت الرمي بأوكد من أوقات الصلوات الخمس: فهي أوقات منصوص عليها صراحة مجمع عليها بين الأمة، ومع هذا فيجوز التوسعة فيها لركن من أعظم أركان الإسلام، فنجمع الرباعيات في وقت واحد، فكيف لا نجوِّز التوسعة في وقت الرمي وهو غير محدد بنص صريح من الشارع، بل بفهمنا من فعله المحتمل، والرمي ليس ركنا من أركان الحج بل واجب من واجباته عند الجمهور، وقال بسنيته عائشة وغيرها كما حكاه ابن جرير . انظر: فتح الباري 3/579 .