إذا كانت حروب القرون السابقة تعتمد على القوى العسكرية بأنواع آلياتها وتعدد تقنياتها واختلاف مواقعها الأرضية والجوية والبحرية فإن حروب القرن الحالي هي حروب اقتصادية تقودها الدول الصناعية تجاه الدول النامية والفقيرة والدول المنتجة للبترول. ومنذ بداية هذا القرن بدأنا نرى أشنع حرب اقتصادية وهي حرب الطاقة وإغراق الأسواق لخفض أسعارها وهي حروب ذات تقنية وإستراتيجية عالية بدأ التخطيط لها من قبل الدول الصناعية منذ خمسين عاماً مضت عندما كانت أسيرة للطاقة المستخرجة من البترول المصدر من دول إنتاج البترول في العالم وبعد أزمة البترول في عام 1973 قررت الدول الصناعية استخدام جزء كبير من عوائد أرباحها من تصنيع البترول لدعم البحث العلمي وسخرت مراكز البحث العلمي لاكتشاف بدائل للطاقة التقليدية والتحول إلى الطاقة المتجددة سواء من البترول الصخري أو الطاقة الشمسية أو الطاقة المتولدة من المياه، أنهر وبحيرات من خلال السدود المقامة عليها أو تحويل المياه بعد فصل مكوناتها إلى طاقة تستخدم لتحريك المولدات للطائرات أو الناقلات، رغم أنها ذات تكلفة عالية إلا أنها بديل. ومع بداية عصر حرب أسعار الطاقة بين الدول المنتجة للبترول سواء داخل أوبك أو خارجها وهم أعداد كبيرة وكميات إنتاج أكبر أدت إلى تخمة في سوق البترول في العالم دفعت إلى انخفاض أسعاره إلى مستويات متدنية أثرت على اقتصاديات الدول المعتمدة أساسا على واردات البترول لتمويل اقتصادها. ولن أتطرق اليوم إلى الأثر السلبي على جميع أنواع الطاقة المولدة من البترول والغاز، ولكنني أقتصر مقالتي على الحرب القادمة على وقود البنزين والديزل والغاز وتوجه الدول الصناعية إلى الاستغناء التام عن البنزين والديزل والغاز كطاقة مستخدمة في وسائط النقل وعلى وجه الخصوص السيارات والناقلات ومستقبلا قد يصلون إلى الطائرات. وتنطلق هذه الحروب من التحالف الدولي للمركبات دون انبعاثات ملوثة للبيئة الذي تعهدت فيه الدول الصناعية الكبرى بتحويل جميع مبيعات السيارات الجديدة في العالم إلى آليات صديقة للبيئة بحلول عام 2050، وقد بدأت هولندا كأول دولة أوروبية بمصادقة البرلمان الهولندي على اقتراح يدعو السلطات لحظر مبيعات سيارات الديزل والبنزين عام 2025، وينص الاقتراح على حظر مبيعات سيارات البنزين والديزل، علماً أنه شهدت السنوات الأخيرة إطلاق بعض شركات السيارات مثل (جنرال موتور) وبي إم دبليو وتويوتا سيارات تعمل بالوقود والكهرباء وهناك خطط مستقبلية لإنتاج سيارات تعمل بالطاقة الكهربائية فقط. وقد قدمت شركة (تيسلا الأمريكية) سيارات تعمل بالكهرباء 100%. وهناك دراسات وخطط لتعميم خدمة تزويد السيارات بالكهرباء في محطات الوقود الحالية ريثما تبنى محطات متخصصة للتزود بالكهرباء. وتخطط الدول الصناعية مستقبلا لرفع أسعار السيارات المستخدمة للوقود التقليدي من خلال إضافة ضريبة تلوث بيئي، وأجزم أن المستقبل هو الحرب على الطاقة التقليدية. وستنتعش تجارة وصناعة الطاقة البديلة وتطور تقنيتها وستصبح أسواقنا الأكثر استيراداً واستخداماً. وكنت وما زلت أتمنى أن يكون لنا دور كبير في تطوير صناعة الطاقة البديلة وليس فقط استيراد أدواتها. وسينتقل التوجه للطاقة البديلة إلى الصناعات الكبيرة، مثل صناعة توليد الكهرباء وتحلية المياه والصناعات الأساسية وغيرها. ولا أعلم ما هو توجه الطاقة النووية السعودية السلمية؟ هل ستتجه للصناعات الأساسية والثقيلة ومحطات توليد الكهرباء وتحلية المياه أو أن اقتصادياتها مكلفة وسلامتها والحفاظ عليها مكلف؟ لاسيما أن ألمانيا وبعض الدول الصناعية بدأت تتخلص من الطاقة النووية لسلامة البشر من كوارثها. وهل سينتهي عصر البنزين والديزل والغاز كمولدات للطاقة؟ وما هي البدائل التي ستوجه لها هذه المشتقات في الصناعة؟ ورغم أنه لا يوجد من يجبرنا على البدائل الجديدة إلا أن التحول الكامل في صناعة السيارات ووسائط النقل والمولدات وغيرها إلى الطاقة الكهربائية سيفرض علينا الاستخدام الجديد. فهل ننتظر عام 2050؟ عام التحول في الطاقة إلى الطاقة البديلة بالكامل دون أن تكون لنا أي مساهمة في تقنية الطاقة الحديثة وتصنيعها محلياً أو دولياً؟ أو كعادتنا ننتظر حتى يفرض علينا التحول ثم نتعامل معها؟ أو نترك القرار للجيل القادم؟.

* كاتب اقتصادي سعودي