بين تقييم يراه مستهلك انعكاساً لتجربته، وآخر تراه منشأة إساءة إلى سمعتها، تقف تقييمات المواقع في مساحة تتقاطع فيها حرية الرأي مع المسؤولية القانونية. وأوضح مستهلكون وملاك متاجر وقانوني لـ«عكاظ»، أنه مع تزايد تأثيرها في قرارات المستهلكين، تتجدد التساؤلات حول الضوابط التي تحكمها، والحد الفاصل بين النقد والتشهير، في ظل اعتماد واضح من المستهلكين على التقييمات قبل اتخاذ قرار زيارة مطعم أو متجر، باعتبارها مصدراً للاطلاع على تجارب الآخرين، كونها أصبحت جزءاً من السمعة الرقمية للمنشآت، لما قد تتركه من أثر في ثقة العملاء وقراراتهم.

فكرة مبدئية

وعن مدى استفادة المستهلكين، أوضح عماد العرفي لـ«عكاظ»، أنه يستفيد من تقييمات «المواقع» بشكل كبير، خصوصاً عند زيارة مطعم للمرة الأولى، إذ تساعده في تكوين فكرة مبدئية عن مستوى الخدمة وجودة الطعام. وأشار إلى أنه يحرص على التقييم إذا كانت التجربة مميزة جداً أو دون المستوى المتوقع. ويرى مروان الجهني، أن تقييمات المواقع تعد من أهم المصادر التي يستفيد منها قبل اختيار أي مطعم؛ لأنها تعكس تجارب عدد كبير من الزبائن، وتساعد في تكوين انطباع أولي عن جودة الطعام ومستوى الخدمة والنظافة. وأضاف: «أحرص على مشاركة تقييمي بعد الزيارة عندما تكون لدي تجربة تستحق الإضافة، سواء كانت إيجابية أو سلبية، بهدف الفائدة للآخرين». وأضاف: «من خلال تجاربي صادفت بعض المطاعم ذات التقييمات المنخفضة، وكانت معظم الملاحظات المذكورة في التقييمات صحيحة إلى حد كبير؛ ما جعلني أكثر اهتماماً بالاطلاع على آراء الزوار قبل اتخاذ قرار الزيارة، ولا يقتصر أثر التقييمات على المستهلكين، بل يمتد إلى أصحاب الأنشطة التجارية، الذين يرون أنها أصبحت عاملاً مؤثراً في بناء الثقة مع العملاء، وفي الوقت ذاته قد تتحول إلى مصدر ضرر عندما تستند إلى معلومات غير دقيقة أو تجارب لا تعكس الواقع».

عوامل مؤثرة

لم تتوقع شهد الجهني، مالكة متجر إلكتروني، أن تتحول تقييمات العملاء إلى أحد أبرز العوامل المؤثرة في ثقة المتسوقين بمتجرها، مؤكدة أن التقييمات تمثل جزءاً كبيراً من ثقة العميل بالمتجر؛ لأن أغلب المستهلكين يعتمدون على تقييمات وتجارب العملاء السابقين قبل اتخاذ قرار الشراء. وأضافت: «تقييم العميل يؤثر بشكل مباشر في ثقة العملاء الجدد، لذلك أصبحت التقييمات في التجارة الإلكترونية عنصراً أساسياً في بناء المصداقية وتعزيز المبيعات». ويرى خالد علي العمري، مالك محل شاي، أنه سبق أن واجه بعض التقييمات التي شعر بكونها غير عادلة أو كيدية، مثل تقييمات من أشخاص لم يجربوا الخدمة أو كتبوا تعليقاً لا يعكس الواقع.

تجارب المستخدمين

عبدالله الجهني، مالك مقهى، أفاد بأن تقييمات المواقع مفيدة جداً لأنها تعتمد على تجارب المستخدمين الحقيقية. ونوّه إلى أنه لا ينبغي الاعتماد عليها وحدها، فقد تكون بعض التقييمات قديمة أو غير دقيقة، لذلك من الأفضل قراءة التعليقات والصور مع التقييم قبل اتخاذ القرار. وأضاف: «التقييمات الخاطئة تؤثر بالفعل على المكان، لكن إن كان هناك تقييم سلبي أو اثنان فقط وسط عدد كبير من التقييمات الإيجابية، فعادةً لا يكون تأثيرهما كبيراً، خصوصاً إذا رد صاحب النشاط باحترافية وقام بحل المشكلة». كما قال: «واجهت تقييمات كيدية من قبل، بل إن بعضها لا تعكس تجربة حقيقية، لكنني أحرص على مراجعتها، والرد عليها باحترافية، والإبلاغ عن أي تقييم يخالف السياسات حتى يتم التحقق منه».

3 أركان أساسية

من جهته، بيّن المحامي عمر عبدالله مطارد، أن تقييمات المواقع لم تعد مجرد رأي عابر، بل أصبحت اليوم أداة اقتصادية مؤثرة تصنع السمعة التجارية للمنشآت أو تدمرها في لحظات. وقال: «هذا التأثير الهائل جعل النظام يتصدى لأي استغلال سيئ لهذه المنصات؛ لحماية المستثمرين من جهة، وضمان حق المستهلك في النقد المشروع. وقد تتحول هذه التقييمات من نقد مشروع إلى جريمة تشهير ومعلوماتية يعاقب عليها القانون عند توفر 3 أركان أساسية: السب والقذف: استخدام ألفاظ نابية ومسيئة تمس الأشخاص، مثل وصف أصحاب العمل أو العاملين بـ«النصابين» أو «الحرامية» بدلاً من تقييم الخدمة. الافتراء والكذب: تعمد كتابة تفاصيل مضللة ومختلقة لا أساس لها من الصحة، بهدف إسقاط السمعة التجارية للمنشأة. الحملات الوهمية: الاستعانة بحسابات متعددة ومزيفة لشن حملة تقييمات سلبية متتالية، بقصد الإضرار المتعمد بالمنشأة وتشويهها».

التزام بالضوابط

وأضاف المحامي مطارد، أن «التقييم مشروع ونقد نظامي يكفله القانون للمستهلك إذا التزم بالضوابط التالية، أولها الموضوعية وهي أن ينصب النقد على الخدمة أو السلعة ذاتها (مثل: بطء الخدمة، أو ارتفاع الأسعار مقارنة بالجودة) دون المساس بكرامة الأشخاص، ثانيها حسن النية، وهو أن يكون الهدف توعية المستهلكين وتنبيه المنشأة لتطوير أدائها، وليس التشفي أو الرغبة في التدمير التجاري، وأخيراً الواقعية، وهي أن يعبر التقييم عن تجربة حقيقية للمستهلك مع المنشأة، ويفضل دائماً أن يكون مدعماً بأدلة كالفواتير أو الصور، كما أن المشكلات القانونية تبدأ وتتحول التقييمات إلى نزاعات وقضايا في المحاكم عند حدوث الابتزاز التجاري، أي عندما يقوم العميل بتهديد المنشأة بكتابة تقييم سلبي، أو يساومها عليه للحصول على خدمات مجانية أو مبالغ مالية غير مستحقة، أو عند حدوث ضرر مادي مثبت، وهو عندما يتسبب التقييم الكاذب في خسائر مالية فادحة للمنشأة، كإلغاء عقود أو انخفاض حاد في المبيعات، ما يمنحها الحق في طلب التعويض القضائي، أو عند المنافسة غير المشروعة، وهي عندما يثبت أن التقييمات السلبية مدفوعة أو منسقة من منافسين في القطاع نفسه لتشويه المحل، ما تترتب عليه عقوبات مالية وإدارية مغلظة، وإغلاق الحسابات».