تحدثنا في الحصاد الأول عن تصدر أفلام المغرب العربي المشهد السينمائي، في ظل غياب الفيلم المصري من المنافسة في المهرجانات السينمائية العالمية والعربية، فيما برزت أفلام لبلاد لا تملك صناعة سينمائية، مثل السودان، والعراق، بينما تتجه العيون إلى السينما السعودية التي تتصدى لصناعة ترقى إلى العالمية، كما تشهد بلاد الشام خصوصا لبنان وفلسطين، خطوات مدروسة نحو سينما لا تغيب عن الشاشات العربية.
ويتناول حصاد اليوم الأفلام الروائية الطويلة التي شهدتها مهرجانات السينما الدولية، غير أنها لم تجد حظا كبيرا لدى عرضها في دور السينما التجارية، مع التذكير بأن الحضور النسائي كان لافتا هذا العام في صناعة أفلام تستحق التوقف. إذ برزت أفلام (إن شئت كما في السماء) للمخرج الفلسطيني إيليا سليمان، و(بين الجنة والأرض) للمخرجة الفلسطينية أيضا نجوى نجار. علاوة على فيلمي (جدار الصوت) للمخرج أحمد غصين و(1982) للمخرج وليد مونس وكليهما من لبنان. وتشترك جميعها بأنها من تأليف مخرجيها، ما يضعها ضمن فئة «سينما المؤلف».
ويثبت سليمان في فيلمه أنه دائما يغرد خارج السرب، ويقدم مدرسة مختلفة عن كل المدارس التي ينتمي إليها المخرجون العرب، وبكل موضوعية إذا وجب تصنيف هذا المخرج، فسيقارن بمخرجين عالميين مثل الفرنسي جاك تاتي، علما أننا لم نعد لأفلامه السابقة مثل «يد إلهية» و«الزمن الباقي»، ورغم أن الثيمة حاضرة في فيلمه الجديد فهو بطل حكاياته كعادته، لكن بفارق 10 سنوات من الغياب، ليعود مع هذه التحفة السينمائية التي تُعلم معنى صناعة الفيلم.
سليمان هنا يعيش حنظلة يراقب كل ما حوله رابطًا يديه خلف ظهره، لكن الفرق أن وجهه يحضر، عكس حنظلة الذي ابتدعه الراحل ناجي العلي وبات رمزًا للقضية الفلسطينية، وينقلك سليمان في تفاصيل مشهدية لتعيش معه حيرته التي لا تفارق وجهه، فهو الصامت دائما في أفلامه، ويكتفي بتعابير الوجه التي دائما ما يرافقها التعجب والدهشة بينما ستضحك كثيرا، إذ إن حس الكوميديا جزء أصيل في حكايته، هي كوميديا تجعلك تفكر بعد سماع صوت قهقهتك، لتشعر أحيانا بالذنب لأنك أطلقتها. بينما يقول سليمان «أنا من الناصرة» في جوابه لسائق سيارة أجرة أمريكي عندما سأله من أين أنت؟.. ويكمل «فلسطيني» أوصل المراد من فيلمه، بعد رحلة تخبط بين مدن العالم لا تقل في تخبطه وهو يحاول إيجاد منتج لفيلمه، جزئية من الفيلم، إذ يرفض هذا الممول دعم المشروع لأنه لم يشعر أنه يتحدث عن فلسطين بل يتحدث عن أي مكان في العالم، أراد سليمان أن يقول نحن أيضا جزء من العالم ولدينا حكايات تشبهه.
أما فيلم (إن شئت كما في السماء) فهو بديع بكل ما تحمله الكلمة من معنى، يبدأ مع طقس مسيحي خالص كوميدي بامتياز ويمر بكاركترات تشعر أنها فضائية أحيانا، مجسدا معنى اختلاف المطاردات بين المدن، مجموعة تطارد شابا في شوارع الناصرة، ورجال شرطة يطاردون شابة فلسطينية ترتدي جناحي ملاك في حديقة، وثمة من يحمل وردة تطارده الشرطة في باريس، وغيرها من المشاهد الفانتازية لتنتهي جولاته بين مدن العالم بقرار عودته مرة أخرى إلى الناصرة، وهذه بحد ذاتها رسالة عن الفلسطينيين المنسيين هناك. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فخلال تواجده هناك نقل المشكلات الداخلية بحضرة الاحتلال لتكون الصورة كاملة، لكن بطريقته الخاصة، وأنهى حكايته بمشهد شديد الوضوح عبر مكان تصدح منه أغنية يوري مرقدي «عربي أنا» يتراقص عليها مجموعة الشبان والفتيات. في المحصلة، أراد سليمان لحنظلة أن يدير ظهره وقرر أن يكون هو وجهه مهما كانت النتيجة.
في المقابل، يظل النضج هو الأساس في فيلم نجوى نجار (بين الجنة والأرض)، الذي يعتبر الثالث بعد (المر والرمان، وعيون الحرامية)، إذ استطاعت أن تنقل ما كتبته وشعرت به إلى فيلم متماسك من كل النواحي والعناصر، تحديدًا لمخرجة علاقتها مع ثقافة الطريق والوجوه العابرة وطيدة، وهذا ما ستلمسه حين مشاهدتك ومتابعتك لقصة طلاق سلمى من الناصرة وتامر من الضفة الغربية، الكفيلة بنقل وجع وطن كامل وأحلام مرسومة على جدار تقف بوجهها حواجز، ستكون واعيا وأنت تشاهد رقم 67 في بداية الفيلم الذي ينتهي مع رقم 48، ضمن تصاعد درامي تعتقد أنه مليء بالتشابكات والتفرعات، لكن الحقيقة الماثلة هو الإحساس الواحد الذي يجمعهما، ستقترب لأول مرة تقريبًا في السينما الفلسطينية إلى ما عاناه اليهود العرب من عنصرية تجاههم تمارس من قبل كيان يدعي الديمقراطية، ستكون شاهدا على مسألة عانوا منها قديما عندما قرروا ترك أوطانهم العربية في اتجاه المغريات التي قدمتها الفكرة الصهيونية لهم، وكانت النتيجة عمليات ممنهجة في خطف أبنائهم لمنحهم لعائلات يهودية قادمة من أوروبا، تفاصيل كثرة في هذا الفيلم الذي بني على طريق حتى أنه يوصلك إلى مجدل شمس المطلة على الجولان لتسمع معاناة بلهجة سورية هذه المرة.
ستعي معنى ان يفقد طفل بات شابا والده غدرًا في عملية اغتيال، وتعي معنى غضب فتاة من والدها الذي تورط في تصديق ما يسمى اليسار الإسرائيلي، كل هذا استطاعت نجار نقله بعذوبة وبذكاء وبفيلم تمكنت من صناعته بمزاج عال مع سيناريو وحوار استحقت عليه جائزة أفضل سيناريو في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دوته الـ41.
أما من لبنان فكان الحضور القوي يرتبط بتجربة في صناعة الروائي الطويل الأول، في فيلم (جدار الصوت) للمخرج أحمد غصين، وفيلم (1982) للمخرج وليد مونس، الذي قدم فيلمًا عن الحرب اللبنانية المختلف فيها أنك تسمعها ولا تشاهدها، واختار أن تكون مدرسة هي المكان الشاهد على اندلاع الحرب، فالرواية هذه المرة ستسمعها من ردود أفعال الأطفال وعدم فهمهم لما يحدث من حولهم، ستدرك نقاء قلوبهم في حب طالب من بيروت الشرقية لزميلته من بيروت الغربية، هذا التفصيل هو الذي تبنى عليه الحكاية، لتعي كم لوثت الحرب قلوب كل هؤلاء، ستعرف التقسيم المناطقي للحرب من خلال أهالي الطلاب الذين هرعوا لنجدة أبنائهم، ستعي أن من استطاع الوصول الحرب لن تصله، ومن تم وضعهم في غرفة الانتظار هم من سيكونون طعم الموت، الحرب في فيلم مونس السمع فيها هو سيد المشهد، لانه أراد أن تكون محكية وليست مباشرة في مشاهد قصف وانفجارات ورفع السلاح بين الشعب الواحد، في تجربته الأولى من المنصف تجاوز بعض العثرات، بخاصة في مشهد تحويل الشخصية الخارقة التي كان يرسمها الطالب العاشق التي ينتهي معها الفيلم وكأنه هو المنقذ الذي سيأتي يوما ما، الفكرة جميلة لأنها نابعة من خيال طفل لكن طريقة رسمها بالشكل الذي ظهرت به أضعف الفيلم تقنيا.
في المقابل وبالرغم من أنه أول فيلم روائي طويل إلا أن المخرج اللبناني أحمد غصين استطاع من خلال (جدار الصوت) أن يقدم عملًا متماسكًا وقويًا ومؤثرًا من ناحية النص المبني على أحداث حقيقية لحرب تموز عام 2006.
فأنت أمام فيلم يدخل في فئة سينما الحرب، استطاع غصين أن يثبت من خلاله تمكنه من إدارة كل العناصر فيه، ويبشر بمخرج استطاع أن يترك أثره في صناعة الأفلام القصيرة لينتقل بقوة تجاه صناعة الأفلام الطويلة، ويقدم فيلمًا متماسكًا بكل تفصيل فيه، بخاصة أن جل المشاهد ستكون في مساحة ضيقة، وهذا النوع من الإدارة ليس بالسهل، فأنت ستضع كل الممثلين مع السيناريو والحوار المرافق لهم، واللعب على الضوء والصوت في مساحة ضيقة، في الوقت نفسه لن تشعر كمُشاهد بأي نوع من الملل، بل الترقب سيكون حاضرا، والمفاجآت ستكون جزءًا من تفاعلك مع الحكاية.
الفيلم وهو من بطولة كرم غصين وبطرس روحانا وعادل شاهين وسحر منقارة، يبدأ مع انفعال فتاة من قرار حبيبها مروان بالذهاب إلى الجنوب لاستعادة والده والعودة به إلى بيروت، في الوقت الذي تصدح الإذاعات المحلية عن قصف إسرائيلي، هذا المشهد بالرغم من أنه محدود إلا أنه يعطي فكرة لها علاقة بكليشيه الحب في زمن الحرب، كان لا بد من المرور به بل والابتداء معه، لتنتقل التفاصيل إلى مروان وهو يقود سيارته متجها إلى الجنوب اللبناني، ليجد نفسه عالقا في بيت مهجور مع مقاومين قدامى أصدقاء والده، لتبدأ أحداث الفيلم التي تتصارع وتنقل مشاعر معنى الحصار ومعنى الإيمان الذي يسقط بأن الشباب سيأتون لإنقاذهم من كل بلد، وهنا إشارة إلى منتميي حزب الله دون ذكرهم بشكل واضح وصريح، لكن الحقيقة أنهم لن يأتوا أبدا، فليس لهم في هذا المكان من يهمهم أن ينقذوه، فأنت أمام شخصيات شيوعية، وهنا أيضا الذكاء في الإسقاط.
في المقابل قيمة الحوار الدائر بين المحاصرين المدنيين، هو بحد ذاته حكاية تجعلك تدرك ما يحدث حاليا في لبنان من ثورة تعم كل مدن لبنان، مع شعار «كلن يعني كلن»، هو تراكم الوجع والقهر والخوف، مع جدار الصوت الذي تصدر من خلاله كل ما تحاول إنكار سماعه، هو ظل الجنود المدججين بالأسلحة الذين تحميهم هيليكوبترات وهم يتحدثون ويهمسون وتراقب ظلهم على أدراج المنزل، هو كيف تتعلم خنق صوتك في حضرة عدم وجود المنقذ، هو معنى الخذلان الذي يكبر في قلبك وأنت تستعد لمواجهة الموت، هو نقل المشاعر عند قدوم زوجين يفرق بينهما عمر بحاله، هو قلة الحيلة، والرضوخ للوهم في حضرة من يترجم ما يقوله الصهاينة للمحاصرين، كل هذا وأكثر ستعيشه بهذا المنزل من خلال فيلم غصين، وستعي أنه لم يقدم فقط عملا فنيا متكاملا بل أراد أن يكون جزءا من نقل ما يصعب الإعلان عنه.
تناغم واضح بين الممثلين، في حضرة النكتة، ستضحك كثيرا وأنت تشاهد الفيلم، فالدعابة مكون أساسي لبلاد البحر المتوسط، يلجأون إليه للهروب من واقع مؤلم، ومع مرور الأحداث يظل اليقين وضرورة الاندماج مع كل ما يحصل خارج هذا المنزل، حتى حين وقف أحد المقاومين القدامى وبدأ يتحدث إلى بقرة وينصحها بالهرب، لتعود مع هذا المشهد وصوت الشيخ إمام يصدح برأسك وهو يغني «ناح النواح والنواحة على بقرة حاحا النطاحة».
ومع المشهد النهائي للفيلم الذي أثار جدلا واسعا، يخرج مروان لينظر إلى السماء، وهو المشهد الذي تم تصويره في الزبداني في سورية بين الدمار، تم توظيفه في الفيلم كخلفية مشهدية للقصف الصهيوني على لبنان عام ٢٠٠٦، لكن من ينظر إلى ما وراء المشهد تصله الرسالة التي قد تكون غير مباشرة ومباشرة لمن يعرف مواقف غصين، فجدار الصوت انتهى مع ذلك المشهد تحديدًا لإدانة حزب الله والنظام السوري في طريقة مدروسة جدا وبمشهد شديد الدقة.
حصاد السينما العربية في عام 2019
«المؤلف» يسيطر على أفلام بلاد الشام
15 ديسمبر 2019 - 02:07
|
آخر تحديث 15 ديسمبر 2019 - 02:07
تابع قناة عكاظ على الواتساب
علا الشيخ
صحفية وناقدة سينمائية
ola_k_alshekh@
