أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/951.jpg?v=1768301815&w=220&q=100&f=webp

وفاء الرشيد

كاتبة رأي | دكتوراة بالعلاقات الدولية والدبلوماسية

بناء الأوطان لا يستورد..!

لسنوات طويلة ساد اعتقادٌ خاطئ في بعض المؤسسات، أن الأجنبي أكثر كفاءة، وأكثر قدرة على الإدارة، وأكثر جدارة بالمناصب القيادية. ومع الوقت تحوّلت هذه القناعة لدى البعض إلى ثقافة مؤسسية أنتجت شبكات مغلقة من العلاقات والمصالح المتبادلة، تستقطب بعضها بعضاً، وتعيد تدوير الأسماء نفسها، بينما تتباطأ فرص الكفاءات الوطنية في الصعود إلى المواقع التي تستحقها.

لا أحد يعترض على الاستفادة من الخبرات الدولية عندما تكون الحاجة قائمة، فالمعرفة لا جنسية لها، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الأجنبي خياراً افتراضياً حتى في وجود سعودي يمتلك المؤهل والخبرة والقدرة، وعندما تتحول بعض الإدارات إلى جزر معزولة تديرها شِلَل مهنية لا ترى في أبناء البلد شركاء حقيقيين في القيادة.

السعودي لا يحمل فقط شهادة وخبرة، بل يحمل ما هو أثمن من ذلك: ارتباطاً عضوياً بمستقبل وطنه، فنجاح المشروع بالنسبة له ليس مجرد بند في عقد عمل أو محطة في سيرة ذاتية، بل جزء من قصة وطن يعيش فيه أبناؤه وأحفاده. هذه الميزة لا تُشترى بالرواتب، ولا تُستورد عبر شركات التوظيف العالمية.

ومن الناحية الاقتصادية البحتة، فإن الاستثمار في الكوادر الوطنية أكثر جدوى واستدامة. فتكلفة استقطاب القيادات الأجنبية وما يرتبط بها من مزايا وتعويضات وحزم انتقال مرتفعة غالباً ما تتجاوز تكلفة بناء وتأهيل الكفاءات المحلية، بينما تبقى المعرفة والخبرة المتراكمة داخل الاقتصاد الوطني بدلاً من أن تغادر معه عند انتهاء العقد أو يأتينا بعد التقاعد ليموت بيننا..

العالم اليوم لم يعد ينظر إلى الأمن القومي من زاوية عسكرية فقط؛ فالبيانات، والمعلومات، والمشاريع الإستراتيجية، وسلاسل الإمداد، والخطط المستقبلية أصبحت جميعها جزءاً من منظومة الأمن الوطني. وكلما ارتفعت نسبة الكفاءات الوطنية في المواقع الحساسة، ازدادت قدرة الدولة على حماية مصالحها وتقليل مخاطر الاختراق أو تسرب المعرفة الاستراتيجية إلى خارج حدودها.

لقد أثبتت التجربة السعودية خلال العقد الأخير أن أبناء الوطن قادرون على إدارة أعقد الملفات وأضخم المشاريع متى ما أُتيحت لهم الفرصة. وما نشهده اليوم من صعود قيادات سعودية شابة إلى مواقع القرار ليس منحةً ولا مجاملة، بل نتيجة طبيعية لاستثمار طويل في الإنسان السعودي.

الدول العظيمة لا تُبنى بالأموال وحدها، بل بالثقة في أبنائها.. أما المال فهو أداة، فإن غاب المال اضطررنا لتوظيف السعودي، وإن حضر المال استوردنا الأجنبي. أما الدولة الواثقة من نفسها فتوظف السعودي في الحالتين، وتستعين بالأجنبي عند الحاجة فقط؛ لأن بناء الإنسان ليس بنداً مالياً في الميزانية، بل مع سيادة تمتد لأجيال.

00:02 | 28-06-2026

مثقفو الفرن العالي..!

في بعض الملتقيات الأدبية، يبدو المشهد أحياناً وكأننا لسنا في نادٍ للأدباء أو الثقافة، بل في نادٍ للخبازين... حيث لا تُقاس قيمة الكاتب بما يكتب، بل بعدد الأوسمة التي يعلقها على صدره، واللجان التي دخلها ومجالس الأمناء التي لحقها...والصور التي يلتقطها، والشهادات التي جمعها من حفلات التكريم المتبادلة.

تراه يدخل القاعة مثقلاً بالميداليات حتى تكاد تنحني قامته من وزنها، بينما تعجز عن العثور على جملة واحدة من كتاباته بقيت في ذاكرة الناس بعد انتهاء التصفيق.

إنه كاتب من طراز خاص؛ لا يعجن فكرة تستحق البقاء، بل يعجن شبكة من العلاقات... تدير العجلة!

يعرف جيداً متى يصفق، ولمن يصفق! وكيف يوزع أرغفة المديح لتعود إليه مضاعفة من الفرن نفسه الذي يخبز فيه الجميع مجاملاتهم الثقافية.

ولذلك تتكاثر حوله الألقاب كما تتكاثر الأرغفة على رفوف المخبز؛ دكتور كبير، مفكر استثنائي، قامة ثقافية، رمز أدبي... بينما يقف النص نفسه في زاوية يتساءل: ما علاقتي بهذا؟

غروره ليس غرور المبدع الواثق من منجزه، بل غرور صاحب المخبز الواثق من زبائنه...

فهو يعلم أن معظم أوسمته لم تمنحها له الكلمات، بل منحها له حسن إدارته لعلاقات المخبز الثقافي؛ حيث يكافئ الخبازون بعضهم بعضاً على تبادل الأرغفة لا على جودة الطحين.

والمفارقة، أن التاريخ الأدبي شديد القسوة مع هذه النماذج... فهو لا يسأل كم درعاً حصلت عليه، ولا كم مرة جلست في الصف الأول، ولا كم لقباً سبق اسمك!

يسأل سؤالاً وأحداً فقط: ماذا كتبت؟

وعندها تتهاوى الأقنعة كلها دفعة واحدة، كأرغفة فقدت حرارتها بعد خروجها من الفرن، ولا يبقى في الميزان سوى ما استطاعت الكلمات أن تنقذه من النسيان.

الألقاب يبتلعها الزمن كما يبتلع صدى المجاملات، أما النص الصادق فهو وحده ما ينجو من غربال الأيام.

وفي النهاية، لا يتذكر التاريخ إلا من ازدحمت ذاكرة الناس بكلماته؛ فكل الأفران تبرد، ولا يبقى إلا ما أشعلته الفكرة في الروح.

00:00 | 21-06-2026

عصر الممرات الكبرى يبدأ من السعودية

في عالم يتغير بسرعة، لم تعد القوة الاقتصادية تقاس فقط بحجم الإنتاج أو الثروات الطبيعية، بل بالقدرة على التحكم في حركة التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد. ومن هذا المنطلق، تبدو الاتفاقية الموقعة بين السعودية وتركيا للربط السككي أكثر من مجرد مشروع نقل؛ إنها خطوة ضمن رؤية أوسع تعيد رسم خريطة التدفقات الاقتصادية في الشرق الأوسط وتمنح المنطقة دوراً جديداً في الاقتصاد العالمي.

على مدى عقود طويلة، ظلت التجارة الدولية تعتمد بشكل أساسي على الممرات البحرية التقليدية. لكن الأزمات المتلاحقة التي شهدها العالم خلال السنوات الأخيرة، من جائحة كورونا إلى الاضطرابات الأمنية في بعض الممرات المائية، كشفت هشاشة الاعتماد على مسار واحد لنقل البضائع والطاقة. لذلك اتجهت الدول الكبرى إلى البحث عن بدائل أكثر تنوعاً ومرونة، فبرزت الممرات البرية والسككية باعتبارها أحد أهم الحلول المستقبلية.

في هذا السياق، تكتسب السعودية أهمية استثنائية! فهي تقع عند نقطة التقاء ثلاث قارات، وتطل على أهم ممرات بحرية، وتملك بنية تحتية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل تتوسع بوتيرة متسارعة... كما أن رؤية المملكة 2030، وضعت القطاع اللوجستي في قلب التحول الاقتصادي، بهدف جعل المملكة مركزاً عالمياً للتجارة والخدمات وسلاسل الإمداد.

الربط مع تركيا يفتح آفاقاً تتجاوز حدود البلدين، فالمشروع يمثل نواة لشبكة أوسع يمكن أن تمتد مستقبلاً إلى دول الخليج وبلاد الشام ومصر وأوروبا، بما يخلق ممراً اقتصادياً جديداً يربط الشرق بالغرب عبر المنطقة... ومع الربط الكهربائي والرقمي المصاحب لهذه المشاريع، لن يقتصر التعاون على حركة البضائع فقط، بل سيمتد إلى الطاقة والبيانات والخدمات التقنية والتجارة الإلكترونية.

وتزداد أهمية هذه الخطوة؛ لأنها تجمع بين اقتصادين كبيرين من اقتصادات مجموعة العشرين، يتمتعان بثقل سكاني وصناعي وتجاري مؤثر... وعندما تتكامل الأسواق والبنى التحتية بين الدول، تصبح المنطقة أكثر قدرة على جذب الاستثمارات العالمية وإقامة الصناعات التحويلية والمناطق اللوجستية المتخصصة، بما ينعكس على النمو الاقتصادي وفرص العمل والتنمية المستدامة.

التاريخ الاقتصادي يعلمنا، أن الطرق التجارية الكبرى لم تكن مجرد مسارات لنقل البضائع، بل كانت دائماً محركات للحضارات ومراكز لتبادل المعرفة والثقافة والاستثمار... وطريق الحرير القديم لم يصنع ثروة المدن التي مر بها فحسب، بل صنع نفوذها أيضاً.

لذلك، فإن ما يجري اليوم قد يكون بداية مرحلة جديدة في تاريخ المنطقة. فالسعودية لا تسعى فقط إلى أن تكون محطة عبور بين القارات، بل إلى أن تصبح مركزاً رئيسياً تتقاطع عنده خطوط التجارة والطاقة والاقتصاد الرقمي.. ومع اكتمال هذه المشاريع خلال السنوات المقبلة، قد نشهد ولادة خريطة اقتصادية جديدة يكون الشرق الأوسط فيها لاعباً مؤثراً في صناعة التجارة العالمية، ففي القرن الحادي والعشرين، لن تكون السيادة لمن يملك الموارد فقط، بل لمن يملك الطرق التي تعبر فوقها موارد العالم.

00:14 | 14-06-2026

الظلم حين يرتدي ربطة عنق!

في عالم الشركات العائلية هناك لعبة قديمة لا تُكتب في الأنظمة ولا تُدرّس في كليات القانون، لكنها تُمارس بإتقان شديد؛ يمكن تسميتها لعبة «البيضة والحجر»!

لعبة ظاهرها نظام وإجراءات واحترافية، وباطنها اختبار بسيط: أيهما سينكسر أولاً، البيضة أم الحجر؟ وغالباً ما تكون البيضة هي الشريك الأضعف.

تبدأ اللعبة حين يقرر أصحاب القوة إعادة ترتيب المشهد.. لا يأتي الأمر بصخب أو مواجهات مباشرة، بل يدخل مرتدياً ربطة عنق، حاملاً ملفات ومصطلحات قانونية تبدو كأنها خرجت من قاعة محكمة أو اجتماع مجلس إدارة... هنا يظهر المثلث الشهير؛ محامٍ يغزل الرواية القانونية بخيوط ناعمة، ومدقق حسابات لامع يختُم على الأوراق لتصبح أكثر أناقة ورسمية، وشريك يدفع الفاتورة من فلوس الشركاء لمصلحة واضحة نهاية القصة... حتى لو نهايتها كانت هدم المعبد..

لا أحد يقول إنه يكذب، ولا أحد يعلن أنه يخفي شيئاً، فالأمر أكثر ذكاءً من ذلك... الكلمات تتغير؛ لا يوجد استبعاد بل «إعادة هيكلة»، ولا توجد سيطرة بل «تطوير للحوكمة»، ولا يوجد نقل للنفوذ بل «إعادة تنظيم للأصول»؟

تصبح اللغة نفسها جزءاً من اللعبة؛ إذ يمكن للمفردات أن تضع العطر على أكثر القرارات قسوة.

وفي الشركات العائلية تحديداً، تصبح المسألة أشد تعقيداً، لأن المال لا يدخل وحده بالفخ.. بل يدخل معه الدم والأخوة والذكريات، وإرث العقد القديمة، وحسابات النفوذ.... وفجأة يجد الشريك الصغير نفسه واقفاً أمام منظومة كاملة؛ محاضر، تقييمات، اجتماعات، تقارير، وأختام، بينما يحاول فهم متى تحولت الشركة لمعركة يملك أحد أطرافها جيشاً كاملاً من ال......

المشكلة ليست في المحامي ولا في المدقق ولا في حق الشريك الكبير بالدفاع عن مصالحه! المشكلة حين يتحول المثلث من وسيلة لحماية العدالة إلى أداة لتزيين اختلالها...

فالخطر ليس أن يكون القانون في يد الأقوياء، بل أن يبدو الظلم قانونياً بالكامل.

أخطر أنواع الظلم ليس ذاك الذي يقتحم الباب بالقوة، بل ذاك الذي يستعمل النظام، ويخرج مختوماً بختم «قانوني»... وعندما يصبح المال هو المؤلف، والمحامي هو الشاعر، والمدقق هو شاهد الزور الصامت، فاعلم أن البيضة لم تخسر أمام الحجر...

هي فقط وئدت بأمر القانون..

03:38 | 24-05-2026

الأمن الغذائي الخليجي

في الحسابات الإستراتيجية للدول، لا يُقاس الأمن القومي بعدد الطائرات أو حجم الترسانات العسكرية فقط، بل بقدرة الدولة على تأمين غذاء شعبها في أوقات الاستقرار والأزمات معاً. ومن هذه الزاوية تحديداً، يواجه الخليج مفارقة واضحة: قوة مالية هائلة يقابلها اعتماد كبير على الخارج في الغذاء.

تشير الدراسات الدولية إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي تستورد في المتوسط ما بين 80% و90% من احتياجاتها الغذائية نتيجة محدودية الأراضي الصالحة للزراعة وشح الموارد المائية.. أما في السلع الأساسية الحسّاسة، فترتفع النسبة أكثر، حيث تستورد المنطقة نحو 93% من الحبوب، ويقترب الاعتماد على الخارج في الأرز من 100%، وهي سلع تشكّل العمود الفقري للغذاء اليومي في معظم المجتمعات.

(المصدر: البنك الدولي، ومنظمة الأغذية والزراعة FAO).

هذه الأرقام لا تعني ضعفاً اقتصادياً، لكنها تكشف هشاشة جيوسياسية كامنة! فالغذاء الذي يصل إلى الخليج يعبر آلاف الكيلومترات من الممرات البحرية وسلاسل الإمداد العالمية، ما يجعله مرتبطاً بعوامل خارجية كثيرة نعيش خطورتها اليوم.. من استقرار التجارة الدولية، أمن الممرات البحرية، تقلبات الأسعار العالمية، وحتى السياسات الزراعية للدول المصدرة.

لكن في المقابل، امتلكت دول الخليج عنصر قوة فريداً تمثل في البترودولار.. فالثروة النفطية لم تكن مجرد مصدر ازدهار اقتصادي، بل شكّلت أداة إستراتيجية لتعويض القيود الطبيعية للجغرافيا.

القدرة المالية العالية سمحت لدول الخليج بتأمين الغذاء من الأسواق العالمية، وبناء احتياطيات إستراتيجية، والاستثمار في سلاسل الإمداد، بل وحتى الاستثمار في الأراضي الزراعية خارج الحدود في آسيا وأفريقيا.

غير أن التجارب العالمية في العقدين الأخيرين أظهرت أن المال وحده لا يكفي دائماً! فجائحة كورونا، والحرب في أوكرانيا واليوم حرب إيران واضطرابات الشحن العالمي، كلها كشفت أن سلاسل الإمداد قد تتعطل فجأة، وأن الدول المصدرة تميل في الأزمات إلى تقييد صادراتها لحماية أسواقها الداخلية، وعند تلك اللحظة يتحوّل الغذاء من سلعة تجارية إلى أداة سيادية.

لهذا تتجه الإستراتيجيات الخليجية الحديثة إلى إعادة تعريف الأمن الغذائي. فالمعادلة لم تعد تقوم فقط على الاستيراد، بل على تقليل الهشاشة عن طريق تنويع مصادر التوريد، توسيع المخزونات الإستراتيجية، الاستثمار في الزراعة الخارجية، وتطوير الزراعة الذكية محلياً باستخدام التقنيات الحديثة كالزراعة المائية والبيوت المحمية.

الخليج يمتلك المال والطاقة والموقع الجغرافي، لكن الدرس الإستراتيجي واضح:

النفط يمنح النفوذ.. أما الغذاء فيمنح الاستقرار.

الدول التي تؤمّن غذاءها، حتى ولو جزئياً، تحصّن سيادتها في عالم تزداد فيه المنافسة على الموارد.

00:06 | 15-03-2026

معالي السيد عمرو موسى..

تابعت مداخلتك في هذا النقاش باهتمام، وأود أن أضيف زاوية تحليلية أعتقد أنها ضرورية لفهم ما جرى بعيداً عن اختزال الحدث في مفردة واحدة. فالقضية، في تقديري، لا تتعلق باللغة فقط، بل بالإطار المفاهيمي الذي نضع فيه هذا الحدث.


في أدبيات الدراسات الإستراتيجية هناك تمييز مهم بين حالتين مختلفتين تماماً: الانفلات العملياتي وتغيير قواعد الاشتباك!


الانفلات العملياتي يحدث عندما يقع حدث عسكري خارج السيطرة نتيجة خطأ في التنفيذ، أو خلل تقني، أو سوء تقدير ميداني محدود، وفي هذه الحالة تكون الواقعة استثناءً غير مقصود داخل سياق العمليات العسكرية، وغالباً ما تسارع الدول إلى احتوائه سياسياً أو تفسيره باعتباره حادثاً عارضاً لا يعكس توجهاً إستراتيجياً مقصوداً.


أما تغيير قواعد الاشتباك فهو أمر مختلف تماماً.. يحدث ذلك سيدي عندما تستخدم دولة القوة العسكرية بصورة متعمدة لإعادة تعريف حدود الردع في الإقليم، ولإرسال رسالة واضحة مفادها أن الخطوط التي كانت تضبط الصراع سابقاً لم تعد قائمة! في هذه الحالة لا يكون الفعل العسكري حادثاً عابراً، بل جزء من قرار سياسي يسعى إلى تعديل ميزان القوة أو اختبار ردود فعل الأطراف الأخرى.


ومن هنا تأتي أهمية التوصيف الدقيق أمام الشعوب، فحين نتحدث عن ضربات عابرة للحدود تطال أكثر من دولة وفي مساحة جغرافية حساسة مثل الخليج، يصعب وضع الحدث في خانة الخطأ العملياتي! فهذه المنطقة ليست هامشاً جغرافياً يمكن أن تقع فيه أخطاء عرضية دون حسابات معقدة.. فهي واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية من حيث الطاقة والتجارة والأمن الدولي.


ولهذا تبدو قراءة ما حدث بوصفه مجرد خطأ أو انزلاق قراءة لا تفسر السلوك بقدر ما تتجاوز طبيعته السياسية التي تعلمناها.. فنحن، في الواقع، أمام فعل عسكري يحمل رسائل إستراتيجية، حتى لو اختلفت التفسيرات حول أهدافه أو حول ما إذا كانت حساباته ناجحة أم لا.


المشكلة أن هذا النوع من الرسائل يُرسل غالباً على حساب استقرار المجتمعات التي تقع في مسار الصراع.. وعندما تصبح المدن المأهولة والمرافق المدنية جزءاً من مسرح تلك الرسائل، فإن النقاش لا يعود تقنياً أو عسكرياً فقط، بل يتحول إلى سؤال أكبر يتعلق بأمن المنطقة ككل.


ولهذا كنت أرى أن النقاش لا ينبغي أن يقتصر على تفسير نوايا الفاعلين، بل على ما يعنيه هذا السلوك لمعادلة الأمن الإقليمي.. فالتساهل في توصيف مثل هذه الوقائع يفتح الباب تدريجياً لتآكل مفهوم السيادة وحدود الردع في الشرق الأوسط.


إن وضوح اللغة هنا ليس انفعالاً سياسياً، بل ضرورة تحليلية.. فالطريقة التي نسمي بها الأشياء اليوم قد تصبح هي الإطار الذي تُدار داخله أزمات المنطقة غداً.

00:17 | 9-03-2026

لعنة غزة..!

لم تكن غزة يوماً اختباراً أخلاقياً عابراً للنظام الدولي، بل كانت مرآته الأكثر صدقاً! مرآة عكست، على مدى عقود، حجم التناقض بين الخطاب والممارسة، بين ما يُقال في القاعات الدبلوماسية وما يُنفَّذ على الأرض... واليوم، لم يعد هذا التناقض حكراً على أصوات الضحايا أو المثقفين، بل بات يُقرّ به صناع القرار أنفسهم.

المنظومة العالمية التي رُوِّج لها بوصفها ضامناً للعدل والاستقرار، لم تُبنَ على قاعدة واحدة، بل على ميزان مختلّ من نصوص تُستحضر عند الحاجة، وتُهمَل حين تتعارض مع مصالح الأقوياء...

منذ منتصف القرن الماضي، تحوّل القانون الدولي من أداة إنصاف إلى ورقة ضغط انتقائية، تُستخدم ضد من لا يملك القوة، وتُعلَّق أمام من يمتلكها.

في قلب هذا الخلل المزمن، تقف القضية الفلسطينية شاهداً لا يمكن شطبه... شعب حُرم من أبسط حقوقه، لا لغياب القوانين، بل لتعطيلها المتعمد. قرارات أممية بلا تنفيذ، إدانات بلا مساءلة، وخطاب إنساني يفقد صوته كلما وصل إلى فلسطين... لم يكن ذلك خطأً في التطبيق، بل نمطاً متكرراً في إدارة العالم.

اللافت اليوم ليس فقط اعتراف بعض القادة الغربيين بواقع هذه الازدواجية، بل توقيت هذا الاعتراف... فهو يأتي بعد أن فقد النظام الدولي قدرته على الإقناع، وبعد أن تآكلت شرعيته الأخلاقية أمام شعوب باتت ترى بأعينها لا ببياناته!

ما نعيشه ليس انهياراً مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من الكيل بمكيالين.

غزة، بهذا المعنى، لم تصنع فوضى جديدة، بل كشفت الفوضى القائمة... غزة نزعت الأقنعة عن مفاهيم طالما قُدّمت باعتبارها كونية، فإذا بها مشروطة، وانتقائية، وهشة.

وحين تُفرَّغ العدالة من مضمونها، لا يبقى أمام المظلومين سوى البحث عن سُبل أخرى لحماية وجودهم وحقوقهم.

هذه هي «لعنة غزة»: أنها أجبرت العالم على النظر إلى نفسه بلا مساحيق! أن تفضح نظاماً أراد أن يبدو أخلاقياً بينما كان يُدار بمنطق القوة! وأن تقول، بوضوح لا لبس فيه: إن القانون إن لم تحمه إرادة عادلة، يتحول إلى أداة هيمنة، لا إلى ضمانة سلام.

وما بعد غزة لن يكون كما قبلها... ليس لأن العالم تغيّر فجأة، بل لأن الكذبة الكبرى انكشفت، ولأن الشعوب التي خُذلت طويلاً لن تعود تثق بعدالة تُستدعى عند الطلب وتُغيَّب عند الحاجة.

23:57 | 24-01-2026

السلام الإبراهيمي: معركة الرواية..!

بمقاله المنشور بصحيفة «عكاظ»، يطرح الكاتب عبدالله بن بخيت سؤالاً يبدو لغوياً في ظاهره، لكنه في حقيقته سؤال وجودي عميق: ما هو السلام الإبراهيمي؟

وهو سؤال لا يُقصد به التعريف، بل التفكيك، ولا يستهدف السياسة وحدها، بل الذاكرة، والعقيدة، وسردية التاريخ!

اللافت في طرح بن بخيت أنه يميّز بوعي دقيق بين سلام الضرورة السياسية وسلام الشرعية الوجودية...

الأول عرفته العلاقات الدولية منذ معاهدة كامب ديفيد ووادي عربة، حيث تُدار المصالح وتُضبط النزاعات دون مطالبة الشعوب بإعادة كتابة ذاكرتها.

أما الثاني، وهو جوهر ما يُسمى اليوم «السلام الإبراهيمي»، فيتجاوز السياسة إلى محاولة إعادة هندسة الوعي، ونقل الاعتراف من مستوى الدولة إلى مستوى العقيدة والتاريخ والوجدان الشعبي.

هنا تكمن الخطورة، لا في السلام ذاته، بل في الصفة الإبراهيمية التي أُلحقت به! فإبراهيم، في الوعي الإسلامي، ليس شخصية تاريخية قابلة للتفاوض، بل أصل عقدي محدد بنص قرآني قاطع: «ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً».

بينما يُستدعى إبراهيم آخر في الخطاب التوراتي، إبراهيم العهد والأرض والامتلاك الأبدي... فالفارق بين الإبراهيمين ليس تفصيلاً لاهوتياً، بل فارق سياسي حضاري: أحدهما يوحّد على أساس التوحيد، والآخر يُوظَّف لتبرير الجغرافيا بالقَدَر.

ما يلفت الانتباه، كما أشار أُستاذي بن بخيت بذكاء، أن دولاً مسلمة أقامت علاقات استراتيجية كاملة مع إسرائيل، دون أن يُطلب منها «سلام إبراهيمي»! ما يعني أن المسألة ليست علاقات دول، بل إعادة تعريف الصراع نفسه: من صراع سياسي قابل للحل، إلى صراع سرديات يُراد حسمه لصالح رواية واحدة.

وهنا تصبح الأسئلة التعليمية، لا الدبلوماسية، هي الأخطر:

كيف سنروي التاريخ لأطفالنا؟

من هو صلاح الدين في كتب الغد؟

وما معنى القدس إذا تغيّر تعريف التحرير والاحتلال؟

السلام الحقيقي لا يُبنى على محو الذاكرة، ولا على استدعاء الأنبياء كشهود زور في نزاع سياسي معاصر... والسلام الذي يحتاج إلى تغيير ثقافة الآخر، ليس سلاماً، بل مشروع إعادة تشكيل.

أصاب عبدالله بن بخيت حين جعل السؤال هو المقال، وترك الإجابة مفتوحة، لأن أخطر ما في «السلام الإبراهيمي» ليس ما يعلنه، بل ما يفترضه ضمناً: أن التاريخ قابل للتعديل، وأن الدين قابل للتكييف، وأن الوعي الجمعي يمكن إعادة برمجته باتفاقيات.

التاريخ يا أنتم، لا يرحم من يخطئ في تعريف نفسه..

00:04 | 18-01-2026

هنا الرياض..

لم تعد التباينات بالأزمة اليمنية قابلة للقراءة بوصفها خلافاً عملياتياً داخل مسرح واحد، بل باتت تعبيراً عن اختلاف أعمق في تصور الإقليم ذاته: أين يبدأ الأمن، وأين تنتهي الجغرافيا، ومن يملك تعريف (الاستقرار) في مرحلة إعادة تشكيل النظام البحري والاقتصادي المحيط بالجزيرة العربية؟

اليمن، في المنظور السعودي، لم يعد ساحة صراع تقليدية، بل عقدة استراتيجية تتقاطع عندها ثلاث دوائر سيادية: أمن الحدود، أمن البحر الأحمر، واستقرار الامتداد الأفريقي المقابل.

ومن هذا المنطلق، فإن أي مقاربة تختزل اليمن في موانئ أو ترتيبات محلية مع قوى أمر واقع، تُعدّ من زاوية الرياض إدارة للفوضى لا حلاً لها، وتأجيلاً للأزمة لا تفكيكاً لأسبابها البنيوية.

هنا بالضبط يُفهم الموقف الهندي من مسألة الاعتراف بصوماليالاند... فنيودلهي، التي تُدرك أن المحيط الهندي لم يعد مجرد فضاء ملاحي بل مسرح تنافس جيوسياسي مفتوح، لا تنظر إلى القرن الأفريقي باعتباره ملفاً قانونياً، بل بوصفه حلقة في معادلة توازن قوى تمتد من بحر العرب إلى باب المندب! رفض الاعتراف هو، في جوهره، رفض لإعادة هندسة المجال البحري خارج الأطر الدولية، ورسالة بأن الأمن البحري لا يُدار بمنطق الصفقات الثنائية ولا بخلق وقائع سياسية سريعة العطب.

هذا الموقف يلتقي، وإن من دون تنسيق معلن، مع القراءة السعودية التي ترى أن البحر الأحمر وبوابته الجنوبية لم يعودا يحتملان تجارب النفوذ قصيرة النفس! فالتحكم بالممرات لا يُقاس بالوجود العسكري المؤقت، بل بقدرة الدولة على إنتاج استقرار طويل الأمد يمنع تحوّل الساحل إلى نقطة ابتزاز سياسي أو اقتصادي.

ضمن هذا الإطار، تُقرأ التحركات السعودية في ملف التحالفات العسكرية لا كبدائل آنية، بل كإعادة توزيع مدروس لمعادلة الردع... فتعميق التنسيق مع الجيش الباكستاني لا يحمل دلالة عددية أو رمزية فحسب، بل يعكس بحثاً عن عمق استراتيجي متماسك خارج الحسابات الخليجية الضيقة، قائم على تاريخ من الثقة وتجانس الرؤية الأمنية...

الرسالة هنا واضحة: السعودية لا تربط أمنها بمسرح واحد ولا بشريك واحد، بل تبني شبكة توازنات مرنة وقابلة للصمود.

أما الانفتاح المتزايد على البحرية التركية، فيحمل دلالة أشد حساسية... فالمسألة لا تتعلق بتعاون بحري تقني، بل بإدراك سعودي أن أمن البحر الأحمر لم يعد شأناً إقليمياً مغلقاً، بل جزءٌ من معادلة دولية أوسع، تتطلب شركاء يملكون خبرة تشغيلية، وقدرة على الانتشار، وفهماً عميقاً لمنطق الممرات الحيوية. السعودية، في هذا السياق، لا تبحث عن مظلة، بل عن شركاء يمنعون الفراغ.

وسط هذه اللوحة المركبة، يتراجع التفسير الساذج للأزمة اليمنية... فما يجري ليس صدام إرادات، بل اختلاف في تعريف مركز الثقل: هل هو النفوذ الآني، أم الاستقرار البنيوي؟ هل تُدار الجغرافيا بمنطق السيطرة، أم بمنطق الدولة؟

هنا الرياض يا سيدي...

حيث تُدار السياسة بلغة الطبقات العميقة لا بعناوين السطح... حيث تُفهم اليمن باعتبارها مسألة سيادة إقليمية لا ملف نفوذ، ويُقرأ البحر بوصفه حداً استراتيجياً لا هامشاً جغرافياً!

تقول السعودية كلمتها بهدوء محسوب فالأمن لا يُجزّأ، والسيادة لا تُؤجَّل، واليمن، ومعه البحر من خلفه، ليس تجربة سياسية، بل معادلة وجود تُدار بالحساب... لا بالشعارات والمراهقات...

وهنا الرياض..

00:00 | 11-01-2026

خرسٌ تربوي.. !

لسنا اليوم أمام تراجع في تعليم اللغة العربية، بل أمام قطيعة صامتة مع الوعي! ما يحدث في مدارسنا وبيوتنا ليس ضعفاً لغوياً عابراً، بل تفكيك بطيء لأداة التفكير الأولى، فالطفل العربي يدخل المدرسة بلا لغة واضحة، ويخرج منها بلا قدرة حقيقية على القراءة أو التعبير، وبين الدخول والخروج تُهدر سنوات عمره في مناهج لا تصنع لساناً ولا تبني عقلاً.. هذه ليست مصادفة تربوية، بل نتيجة مسار طويل من الاستخفاف باللغة بوصفها جوهر التعليم لا مادته.. فقد أُلغي امتحان اللغة العربية النهائي في الصف الثالث الثانوي لابنتي منذ شهر! فأحسست أنا الكاتبة بالفشل كأم..

الأرقام تكشف حجم المأزق! تفضلوا؛ تقرير البنك الدولي لعام 2022 عن التعليم في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أشار إلى أن نحو 59٪ من الأطفال في سن العاشرة يعانون مما يُسمّى «فقر التعلّم»؛ أي عدم القدرة على قراءة نص بسيط وفهمه بلغتهم الأم. هذا المؤشر لا يعني ضعف مهارة مدرسية، بل عجزاً في امتلاك الحد الأدنى من أدوات التفكير. وفي تقارير تربوية منشورة في المغرب وعدة دول عربية تبيّن أن أكثر من 70٪ من تلاميذ المرحلة الابتدائية لا يتقنون القراءة السليمة بالعربية، رغم سنوات الدراسة النظامية!

الفيلسوف لودفيغ فيتغنشتاين قال: «حدود لغتي هي حدود عالمي». علم النفس اللغوي يذهب أبعد من ذلك، إذ يربط بين ضعف اللغة الأم واضطراب التفكير المجرد، وصعوبة تنظيم المشاعر، وهشاشة الهوية.

الطفل الذي لا يملك لغة لا يملك فكرة، ولا يملك موقفاً، بل يكتفي بردود سريعة ومفردات مستعارة. لهذا نرى جيلاً يتحدث كثيراً ويفكّر قليلاً، يستهلك المعنى ولا ينتجه.

المدرسة أخطأت حين حوّلت العربية إلى مادة حفظ جامدة، والبيت أخطأ حين سلّم التربية اللغوية للشاشات والمربيات، والإعلام أخطأ حين قدّم الفصحى كلغة خشب لا لغة حياة.

ابن خلدون حسم المسألة مبكراً حين قال: «غلبة اللغة بغلبة أهلها»، ونحن تخلّينا عن الغلبة قبل أن نخسر اللغة.

ما نفقده اليوم ليس قواعد لغة ولا مهارات مدرسية، بل نفقد الإنسان القادر على الفهم والمساءلة والاختيار. اللغة ليست ترفاً ثقافياً ولا مادة امتحان، بل هي العمود الفقري للعقل. حين تُهمَّش العربية، يُنتَج جيلٌ بلا أدوات تفكير، بلا قدرة على الاحتجاج، بلا لغة يدافع بها عن نفسه أو وطنه أو مستقبله.

وهذه أخطر خسارة يمكن أن تتعرّض لها أمة؛ لأن من يُربّى بلا لغة، يُقاد بلا مقاومة.

00:00 | 28-12-2025