أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/uploads/authors/372.jpg&w=220&q=100&f=webp

أسامة يماني

العطش البترولي..

بعيد عن المبالغة والتصورات والاحتمالات المبنية على الظن. يستطيع القارئ الحصيف أن يعلم أن هناك عطشاً شديداً للبترول. لقد حاول الغرب من عشرات السنين إقناع العالم أن عصر البترول على وشك الانتهاء. رفع الغرب شعار المحافظة على البيئة من أجل أن يصدّق الجميع أن البترول غير صديقٍ للبيئة، طالبوا بالتوقف عن الاستثمار في البترول وإخراجه من باطن الأرض. الصين لم ترغب في الاصطدام بالغرب فالتزمت بالشروط البيئية التي حوّلتها لصالحها. الدول الأقل حظاً في القارة الأفريقية أو اللاتينية والعديد من دول العالم تحمّلت فاتورة التلوث البيئي الناتج من الثورة الصناعية للدول الغربية. العديد من المسرحيات التي أجادت السياساتُ الغربية إخراجها على مسرح الحياة. تصب لصالح أهداف أغلبها مشبوهة تسعى إليها، منها الهيمنة على موارد الدول النامية أو الدول التي يخشى الغرب من انبعاثها. سخّر الغرب كل قوته الاقتصادية والمالية والإعلامية والدعائية لتوظيف الديمقراطية وحقوق الإنسان ومحاربة الشيوعية والدكتاتورية من أجل السيطرة على الموارد. هذه السياسات التي تسبّبت في إزهاق الأرواح البريئة وخسارة التنمية والاقتصاد للدول التي استهدفتها هذه السياسات العدائية والعدوانية. الأمثلة عليها عديدة: الشرق الأوسط الكبير، الحرب ضد أسلحة الدمار الشامل، قانون قيصر، اختطاف الرؤساء، حصار كوبا، سياسة الاحتواء ضد الاتحاد السوفييتي من أجل تفكيكه، الحرب الفيتنامية، الحرب الأهلية الكورية التي انتهت بتقسيم الكوريتين، الحروب الأهلية في القارة الأفريقية، تقسيم السودان، وغير ذلك من أمثلة يطول سردها نُفّذت في كل القارات تقريباً.

الغرب بنى ازدهاره على مآسي الآخرين. اليوم ما نراه من حروب كلها تصبُّ في خانة ومربع الهيمنة والسيطرة وتهديد الأمن الذي يبرع فيه الغرب ويبدع ويتألق فيه. السردية الغربية التي يسوقها الغرب في حقيقتها تهدف لتمرير هذه الأجندة العدوانية التي تُخالف وتُناقض كل ما يرفعه الغرب من شعارات. ما يقوم به الغرب في حقيقته إدمان على الطاقة الرخيصة والموارد بثمن زهيد، ودولارات وعملات غربية ورقية لا تساوي قيمة المِداد الذي كتبت به أو الطاقة التي صنعت به هذه العملات الرقمية.

الانطباع المعروف أن الولايات المتحدة الأمريكية لديها الاكتفاء الذاتي في إنتاج البترول. هذا التوقّع غير دقيق وفيه تبسيط كبير. تحتاج الولايات المتحدة النفط الفنزويلي والآخر لأسباب متنوعة ومتداخلة، رغم أنها أصبحت منتجة رئيسية للنفط بفضل الثورة النفطية الصخرية.

العديد من المصافي الأمريكية على خليج المكسيك مصمّمة لمعالجة النفط الثقيل الذي تنتجه فنزويلا والمكسيك وكندا. استيراد النفط الثقيل يعني تشغيل هذه المصافي بكفاءة دون الحاجة لإعادة تكييفها. أن أمن الطاقة الأمريكي يعتمد على مزيج من الإنتاج المحلي والواردات المتنوعة، ومع استخدام التجارة النفطية كأداة جيوسياسية عندما يتطلب الأمر. لأن الإنتاج الأمريكي من النفط الصخري يتأثر بتقلبات الأسعار. لهذا الاستيراد يساعد في تثبيت السوق المحلي عندما ينخفض الإنتاج.

الولايات المتحدة الأمريكية تعرف أن رخاءها وحياتها يعتمد على البترول. السر الذي كان وراء ازدهارها في القرن العشرين وإن استمرار هذا النمو يجب أن يقوم على تأمين البترول والسيطرة على مناطق إنتاجه. يجب أن لا ينخدع العالم بالسردية التي يبثها الإعلام الغربي، ولا تمرر على المجتمعات المبررات التي يشيعها الغرب. فهم يلهثون وراء البترول والثروات والسيطرة. الشرق الأوسط الكبير مخطط لم ولن يتركه الغرب. أنهم يسعون للفوضى الخلاقة. الفوضى التي تمكنهم من الوصول لخيرات الشرق الأوسط.

وهكذا، يتجلى أن «العطش البترولي» ليس مجرد تعبير مجازي عن حاجة اقتصادية، ولكنه المحرك الخفي لخرائط الصراع العالمية وسياسات الهيمنة عبر التاريخ. فالغرب، الذي رفع رايات الحداثة والديمقراطية وحماية البيئة، ظل في صميم سلوكه الجيوسياسي يستخدم هذه الشعارات كأقنعة تلتحف بإستراتيجية واحدة ثابتة: ضمان تدفق النفط الرخيص والمستمر إلى مصانعه وسياراته، وحفظ نظام عالمي يضمن تفوقه. السردية التي يرويها الغرب عن نهاية عصر النفط وضرورة التحوّل الأخضر تبقى انتقائية ومشروطة.

لذا، فإن الفهم العميق لسياسات الطاقة والقوة ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة وجودية للدول النامية. فلا يمكن مواجهة إستراتيجية «الفوضى الخلاقة» وخطاب «البيئة الانتقائي» إلا بوعي جماعي يفضح التناقضات، وبسيادة وطنية حقيقية على الموارد، وبشراكات دولية تقوم على العدالة لا على الإملاءات. فالنفط، قبل أن يكون سلعة، هو سجل دموي للصراع على القوة، ولن تنتهي فصوله إلا حين تتحرر الشعوب من وهم الخطاب المزدوج، وتصوغ مصائرها بيدها، بعيداً عن «العطش» الذي يحرك الآخرين.

منذ يوم

البحث عن الأصول..

عندما يوشك رجل الأعمال على الإفلاس، فإنه يلجأ إلى البحث والتفتيش عن الأصول؛ أي كل ما تملكه الشركة أو الأفراد من موارد ذات قيمة، أو حق، بعد أن يكون قد استنفد كل الوسائل الأخرى؛ هكذا تفعل بعض الدول أيضاً، بل في الواقع تعمل ما هو أسوأ لتنقذ نفسها من الانهيار، أو من الضعف الذي يحيق بها. إن استخدام القوة الصلبة (الأصول العسكرية) في حل المشاكل الاقتصادية يعني شيئاً واحداً أساسياً؛ وهو ضعف الخيارات والقدرات الذاتية على حلِّ الوضع المالي من خلال الاقتصاد.

إشغال العالم والداخل باستخدام القوة مؤشر على الضعف الشديد وفقدان الإبداع لهذا العملاق الذي تسمع حركته في الشرق والغرب. الدولة العظمى لن تزول في القريب العاجل بل تنزوي وتغرب شمسها رويداً رويداً؛ كما زالت الأمبراطورية البريطانية عندما ضعفت اقتصادياً. إن تراجع «القوة الناعمة» (النموذج الجاذب، الذي كسب ثقة العالم في الدولار، وفي الشرعية الأخلاقية التي أخذت تنهار وتتهاوى) هو السبب الجذري الذي يدفعها حالياً للاعتماد أكثر على القوة الصلبة والعقوبات (الجيش، والتهديد، والحوافز المادية للمتعاونين). إن اللجوء إلى «الأصول الصلبة» (الجيش) عند الأزمات يشبه فعل المفلس الذي يبيع أصوله الأساسية للبقاء؛ مما يعني استنزافاً للمستقبل.

فرض الضرائب والرسوم الجمركية والإفراط في استخدام العقوبات المالية وعمليات الاحتواء الاقتصادية ضد الدول التي تغرد خارج السرب، ليس دليلاً على القوة بقدر ما هو دليل على عدم القدرة على المنافسة؛ السياسات الحمائية مؤشر على فقدان الثقة بالنفس وبالإمكانيات الذاتية. أغلب ما نراه من إجراءات لا تعالج المشكلة الاقتصادية وإنما تزيد من حدتها. مثال على ذلك رغبة الحكومة في زيادة ميزانية الجيش 50%، أو محاربة الهجرة وسياسات الترحيل التي تنتهك حقوق الإنسان وتضر بالاقتصاد. إغلاق الحدود سيترتب عليه ضعف في السياحة، ويفاقم المشكلة ولا يساعد على حلها أو تخفيفها.

الخوف من فقدان الهيمنة يزيد من حدة الأزمة الاقتصادية؛ وكذلك عدم الاعتراف بالمتغيّرات مثل صعود الصين كقوة اقتصادية، والهند وغيرها من دول تشقّ طريقها نحو تشكيل توازن قوى يسارع في عوامل الضعف الاقتصادي. كما أنها تكاد تكون لا تذكر مفهوم «القوة الذكية» التي تجمع بين القوتين الصلبة والناعمة، إن السياسات الحالية تخل بتوازن هذا المزيج لصالح الخيارات القصيرة المدى التي تضر بالاقتصاد الأمريكي وما يتبع ذلك من تبعات عالمية.

اختارت أمريكا اللجوء إلى أصولها التي مهما طال الزمن ستُستنزف، كما استُنزفت في حروبها في فيتنام وأفغانستان والعراق والشرق الأوسط. بدلاً من الاستثمار الضخم في البحث العلمي، التعليم، والبنية التحتية. وإصلاح النظام الضريبي الداخلي لصالح المجتمع بكل فئاته. وتجديد التحالفات عبر الدبلوماسية والتعاون بدلاً من التهديد.

هذه الحروب التجارية التي أشعلتها واشنطن، وفرضها لرسوم جمركية عالية، بدلاً من استثمار الطاقة في ابتكار منتجات أفضل (تنافسية اقتصادية حقيقية)، أضرّ بالاقتصاد الأمريكي والعالمي؛ الشيء ذاته في لجوئها تلجأ لرفع (الرسوم الجمركية) ومقاضاة المنافسين (العقوبات) لحماية منتجات قديمة. التاريخ الاقتصادي يُظهر أن السياسات الحمائية، كما في قانون «سموت-هاولي» للتعريفات عام 1930، غالباً ما تزيد الكساد عمقاً. الخطر هنا ليس فقط في عجز أمريكا عن المنافسة، بل في أنها، عبر هذه الإجراءات، تُضعف نظام التجارة العالمي الذي ساعدت على بنائه وكان مصدراً رئيسياً لهيمنتها السابقة.

وهكذا، يتبيّن أن هذا العملاق العسكري يتحرك اليوم كتاجر مُفلس في السوق الأخيرة؛ يلهث خلف أصوله الصلبة المُتبقية، يُرهن مستقبله لإنقاذ حاضره المهترئ. إن الصراخ العالي بواشنطن، وإصرارها على حل كل معضلة بلسان الطوربيد والعقوبة المالية، ليس إلا صفير القطار الذي ينزلق عن سكته، محاولاً إقناع العالم - وإقناع نفسه- بأن الضجيج دليل على القوة، بينما هو في الحقيقة أوضح إعلان عن الفراغ.

23:56 | 15-01-2026

جذور القانون الدولي..

يكشف لنا التاريخ القديم النقاب عن البذور الأولى التي نما منها القانون الدولي الحديث، متتبعًا مسار تطوّره من بداياته البدائية إلى صورته المعقدة اليوم. فالقواعد التي سادت في القرون ما قبل الميلاد، ثم في العصور الوسطى، وصولاً إلى مرحلة ما قبل الحرب العالمية الأولى وما بعد الحرب العالمية الثانية، ليست مجرد أحداث منعزلة، وإنما تشكّل حلقات متصلة في سلسلة تطوّر الفكر القانوني المنظم للعلاقات بين الكيانات السياسية.

ولذلك، فإن الدراسات القانونية المتعلقة بتاريخ القانون تهتم بهذا الجانب الحيوي، لما له من أثر كبير وأهمية قصوى في معرفة أصول القانون الدولي أو المحلي لكل حضارة وكل عصر من العصور. فمن خلال تشريعات حمورابي ومعاهدات السلام في الشرق الأدنى القديم، وصولاً إلى اتفاقيات ويستفاليا التي أسّست لفكرة الدولة القومية، وعهد عصبة الأمم وميثاق الأمم المتحدة، نستطيع فهم الأسس الفلسفية والسياقية التي قامت عليها المبادئ الحاكمة اليوم، مثل سيادة الدولة، وحظر استخدام القوة، واحترام حقوق الإنسان.

ولذلك، فإن دراسة هذا التاريخ لا تنفصل عن دراسة الحاضر؛ فهي ليست غوصًا في الماضي لأجل معرفة الماضي، بل هي عملية حفرٍ في الطبقات العميقة لتراكم التجربة الإنسانية. إنها إضاءة للعُقَد والتحوّلات المفصلية التي صاغت المفاهيم السياسية والقانونية، مما يزودنا بمفاتيحَ لفهم المشهد الدولي المعقّد اليوم وتطلعاته المستقبلية.

وبينما يُظَنُّ البعض أن مبادئ حظر استخدام القوة وسيادة الدولة التي أكدها ميثاق الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية قد حسمت الجدل، فإن الممارسات العملية تظهر استمرار تحدياتها. فالعقلية التي تبرر التدخل انطلاقاً من منطق الهيمنة الإقليمية أو تغيير الأنظمة غير المرغوب فيها لم تختفِ تماماً. بل هي امتداد لمدارس السياسة الخارجية الفكرية للولايات المتحدة التي تقوم عليها ولا تخرج عنها. وتُذَكِّرنا تصريحات مثل تلك التي صدرت عن إدارة الرئيس الأمريكي في عام 2020، والتي لم تستبعد «خياراً عسكرياً» للتعامل مع الأزمة في فنزويلا، بحقب سابقة في تاريخ السياسة الخارجية الأمريكية والأوروبية. فهذه التصريحات تستحضر إلى الذهن عقيدة مونرو (القرن التاسع عشر) التي جعلت من الأمريكيتين مجالاً للنفوذ الحصري للولايات المتحدة، وممارسات التدخلات المباشرة في أمريكا الوسطى والكاريبي خلال القرن العشرين. كما تثير مقارنات مع حالات تدخل أخرى في الشرق الأوسط على خلفية «محاربة الإرهاب» أو «تغيير الأنظمة». هذه السوابق مجتمعة تطرح سؤالاً جوهرياً عن مدى استقرار القاعدة القانونية الدولية في مواجهة إرث الاستثناءات والمصالح الجيوسياسية، وتؤكد أن المعرفة التاريخية لهذه السوابق هي الوسيلة الأمثل لتقييم الادعاءات المشروعية في الحاضر واستشراف مستقبل النظام الدولي.

يُظهر المسار التاريخي أن القانون الدولي غالباً ما يكون ساحة لصراع بين المبدأ الثابت والمصلحة المتغيرة. فسلوكيات القوى العظمى، كما يتجلى في سجل تاريخي طويل، تتبع نمطاً براغماتياً واضحاً في التعامل مع القواعد الدولية. وهذا النمط، في لحظات أفول الهيمنة أو التحوّل الجيوسياسي الكبير، يصبح مصدراً رئيسياً لعدم الاستقرار وتهديداً للنظام القائم. وعليه، فإن المعرفة التاريخية العميقة لهذه السوابق والأنماط ليست ترفاً فكرياً، بل هي أداة ضرورية لفك شفرة الحاضر، وتقييم ادعاءات المشروعية، والاستعداد لما قد يحمله المستقبل من تحديات لنظام قانوني لا يزال يتشكّل في ظل توازنات القوى المتغيّرة.

00:00 | 9-01-2026

المعرفية والإنسانية

المعرفة عند الإنسان البدائي كان يحصل عليها من تجاربه وخبراته وما تعلمه من حكماء جماعته. كانت العلوم عبارة عن تجارب حصل عليها من حواسه وملاحظاته. وتطوّرت الوسائل من شفهية والتلقي إلى الكتابة، فقد تم اختراع الكتابة في بلاد الرافدين ومصر القديمة (حوالى 3200 ق.م) وفي الجزيرة العربية الأمر الذي سمح بتخزين المعرفة ونقلها عبر الأجيال. وقد قدّمت الحضارات اليونانية والفارسية والهندية والصينية والإسلامية ومفاهيم الفلسفة والمنطق والملاحظة المنظمة وتأسيس المنهجية العلمية والعقلانية الكثير من المعرفة. وكان دور الصين والهند القديمتين هامين في المعرفة وبشكل خاص صناعة الورق، البارود، الرياضيات، والروحانيات والغاية الكبرى والانسجام الأخلاقي الذي ركّز على الأخلاق والسلوك الصحيح لتحقيق النظام في المجتمع (الكونفوشيوسية). كما أسهمت الحضارة الإسلامية في التطوير العلمي والرياضيات والطب والفلك والكثير من العلوم الإنسانية طوال القرن 8 من الميلاد وحتى 14م. وجاء عصر النهضة الأوروبية (14-17م) الذي من خلاله تم إحياء التراث اليوناني-الإسلامي وبداية الفن والتجربة. ثم الثورة العلمية في أوروبا (القرن 16-18) التي تحولت فيها المعرفة إلى مجالات متخصصة (العلوم الطبيعية/الاجتماعية) وارتباطها بالتكنولوجيا، أو ما يسمى الثورة الصناعية والتخصص المعرفي. ثم جاء ما يسمى بعصر التنوير وتأسيس المعرفة المؤسسية؛ وانتشار الأفكار العقلانية وإنشاء الأكاديميات العلمية والمجلات المحكمة. وفي القرن العشرين خطت الإنسانية إلى عصر المعلومات والعولمة واختراع الحاسوب والإنترنت، مما جعل المعرفة متاحة عالمياً وسريعة التطور.

إن آليات التطوّر المشتركة تكمن في التراكم التي من خلالها يتم إضافة معلومة جديدة على المعرفة القديمة. ومن خلال النقد ومراجعة النظريات القائمة يحدث التطوير وكذلك يُساهم التلاقح الحضاري في انتقال المعرفة عبر الثقافات (مثل طريق الحرير)، ومن خلال تطوّر أدوات البحث (المجهر، التلسكوب، الحاسوب).

هذا التطوّر لم يكن خطياً، بل تفاعلياً، تأثر بالسياقات الاجتماعية والاقتصادية والدينية، فضلاً عن دور الترجمة مثل بيت الحكمة في بغداد، وترجمة أعمال المسلمين في الأندلس إلى اللاتينية. ودور المؤسسات مثل الجامعات (الأزهر، القرويين، ثم بولونيا وأكسفورد).

وتَسارَع إنتاج المعرفة بشكل كبير في القرون الأخيرة.

يقول الدكتور معين القطامين «نحن اليوم أمام انفجار معرفي غير مسبوق يغيّر شكل العالم أسرع مما نستطيع استيعابه. انفجار البيانات العالمية من 15.5 زيتابايت عام 2015 إلى 175 زيتابايت في 2025 وصولًا إلى 1000 زيتابايت متوقعة عام 2030. هذا ليس تضاعفًا... هذا انفجار معرفي يغيّر كل شيء». إنه انهيار معرفي لنصف عمر المعرفة التي نتحصل عليها. في حين أنه منذ 100 عام كانت المعرفة تبقى صالحة لعقود. كل ذلك تغيّر مع السرعة والتسارع في إنتاج المعرفة، لأن المعرفة

اليوم قد تصبح قديمة خلال شهور قليلة.

تقارير WEF, OECD, IBM، والعديد من المعاهد

العلمية تؤكد أن: نصف عمر المهارة: 5 سنوات

نصف عمر المهارات التقنية: 2.5 سنة أو أقل

بعض التخصصات تتقادم معرفتها خلال 12 شهرًا فقط. بل 3 أشهر في عالم الخوارزميات والسوشيال ميديا. وفي الطب قد تتقادم خلال سنتين. لقد أصبح العالم ينتج قرابة مليون بحث طبي سنويًا! هذا يعني: 2740 بحثًا يوميًا.

أمام هذا الانفجار المعرفي يفرض علينا لزامًا التحوّل من امتلاك المعرفة إلى إدارة المعرفة التي تعلم كيفية البحث، التقييم النقدي للمصادر، الربط بين المجالات (التفكير البيني).

وأهمية المهارات الناعمة: مثل التفكير النقدي، الإبداع، المرونة الذهنية، التعلم المستمر. هذه المهارات تقاوم التقادم أبطأ من المهارات التقنية الصرفة. كما أصبح لزاما على المؤسسات التعليمية تغيير دورها من نقل المعرفة إلى بناء قدرات التعلم الذاتي والتمحيص.

نعم الحل يكون في محاولة مواكبة التطوّر بالاطلاع على آخر المستجدات وتناولها ككبسولات. واستخلاص الحكمة والمقصد والهدف من المعارف والمفاهيم في ضوء التجارب الإنسانية والخبرات التراكمية.

00:02 | 2-01-2026

المعرفة المكتسبة من قراءة الكتب..

تعتبر قراءة الكتب إحدى الوسائل الأساسية لاكتساب المعرفة، غير أن هذه المعرفة ليست نقية أو مباشرة كما قد يبدو للبعض. يتضح ذلك إذا دققنا النظر في ماهية المعرفة التي نحصل عليها من قراءة الكتاب، نجد أن ما قرأناه هو معرفة غير محايدة تمثل وجهة نظر ومفهوم الكاتب. كما أن المعرفة التي نحصدها من الكتب تكون متأثرة بمفاهيم القارئ الخاصة ومعرفته. هناك العديد من العناصر التي يجب أن ينظر لها ونحن في صدد تحديد ماهية المعرفيّة التي نقصدها. لأن المعرفة من الكتب كما أسلفنا ليست محايدة تمامًا - كل كاتب ينطلق من خلفيته الثقافية، تجاربه الشخصية، وأيديولوجيته، مما يؤثر على الطريقة التي يقدم بها المعلومات. تفاعل القارئ مع النص -عنصر يجب النظر فيه وفي أثره الهام. لأن القارئ لا يكون صفحة بيضاء، بل يحمل مفاهيمه المسبقة وخبراته تؤثر في استقباله للنص وفهمه له. وما يستخلصه قارئ من كتاب قد يختلف تمامًا عما استخلصه قارئ آخر؛ القراءة ليست استقبالًا سلبيًا - إنها عملية نشطة من التفكير النقدي والتفاعل مع الأفكار. كما أن الكتب ليست كلها من نفس النوع - هناك فرق بين كتاب يقدّم رأيًا شخصيًا وكتاب أكاديمي خضع لمراجعة التدقيق والبحث والتحري، أو كتاب تاريخي يعتمد على وثائق.

المعرفة عادة تُنتج في سياق ثقافي واجتماعي وسياسي محدد. كما أن الكاتب ليس فقط فرداً بل هو جزء من نظام معرفي أكبر. والقارئ ليس صفحة بيضاء بل متفاعل ومتلقٍ غير محايد في أغلب الأحيان. وبمعنى آخر المعرفة ابنة سياقها الثقافي والاجتماعي والسياسي. والكاتب لسان حال نظام معرفي أكبر، وليس صوتًا فرديًا خالصًا. حتى القارئ، فهو شريك في إنتاج المعنى، يتفاعل مع النص من خلال عدسة خبراته ومعتقداته، مما يجعله متلقياً غير محايد في الغالب.

قراءة الكتب تظل وسيلة غنية لا غنى عنها للحصول على المعرفة، لكن يجب أن نقرأ بوعي نقدي. وأن نتنوع في قراءاتنا لنسمع أصواتًا مختلفة. وندمج القراءة مع تجارب حياتية أخرى. ومن المهم إدراك أن المعرفة الحقيقية تتطلب جهدًا تفكيريًا يتجاوز مجرد استهلاك المعلومات؛ حتى لا تكون الكتب كمصادر مطلقة للحقيقة، بل كمواد للتفكير والحوار والنقد.

إذن، إذا كان الحياد المطلق شبه مستحيل، فكيف نقترب من المعرفة الموثوقة؟ هنا تبرز قيمة الموضوعية الأكاديمية، التي لا تدعي الحياد الكامل بل تسعى جاهدة لتقليل التحيز عبر منهجيات صارمة في البحث والمراجعة والتحقق.

لذلك، تظل قراءة الكتب وسيلة غنية لا غنى عنها، شرط أن نقرأها بوعي نقدي، نتنوع في مصادرنا، وندمجها مع تجارب الحياة. فالمعرفة الحقيقية تتطلب جهداً يتجاوز استهلاك المعلومات، لتصبح الكتب ليست مصادر مطلقة للحقيقة، بل وقوداً للحوار الدائم وإعمال الفكر.

00:03 | 26-12-2025

الحتمية والانعتاق..

هل الإنسان سجين تصوراته ومفاهيمه ورغباته وأحلامه؟ الواقع الملموس يجعلنا نذهب إلى أن الإنسان فعلا سجين المكان والزمان والثقافة والهوية والأيديولوجية. لا يستطيع تجاوزها لأنه يؤمن بما يتصوره ومعارفه التي تلقاها ورغباته التي تدفعه لطريق قد لا يرى بديلاً منه. أحلام المرء في ماهيته إلا تصورات خلقتها وأوجدتها الثقافة والمحيط الذي نشأ فيه. نعم نحن نرى العالم من خلال عدسة اللغة والثقافة التي نشأنا وكما قيل «حدود لغتي هي حدود عالمي». وذلك في إطار الهوية والذاكرة الجماعية التي لا نختارها بل نتوارثها. ومن هذه المكوّنات تصنع الرغبات التي تتشرّب القيم المجتمعية.

رغم هذه القيود إلا أن هناك لحظات تجاوزية. فإن كانت الثقافة تشكّل أحلامنا، لكنها لا تحددها تماماً. لأن هناك علاقة تفاعلية، فنحن نستقبل من الثقافة لكننا أيضاً نعيد إنتاجها ونغيّرها، كل المبتكرين والمفكرين خرجوا من ثقافة ما، لكنهم استطاعوا رؤية ما وراءها. كما أن هناك لحظات في الحياة (صدمة، حب، تجربة جمالية عميقة، مواجهة الموت، صدمة ثقافية) تُحدث شرخاً في التصوّرات المسبقة. هذه اللحظات تُظهر أن الإنسان قد يخرج مؤقتاً من سجن تصوراته، ولو جزئياً.

القدرة على النقد والتأمل الشيء الذي يميّز العقل البشري «ما وراء المعرفة». ذلك عندما يمتلك العقل القدرة على التفكير في تفكيره نفسه، الأمر الذي يخلق مساحة للتحرر النسبي، بالإضافة إلى الخبرات التراكمية والتفكير فيها، والاستنباط، والتجارب الحدية من الأزمات والمواجهات مع الاختلاف الجذري (كالتعرف على ثقافة أخرى بعمق) قد تهز اليقينيات وتفتح فجوات في قيد المكان والثقافة والزمان. ولا ننسى إن الفن والفلسفة يلعبان دوراً كبيراً وهما أداتان تاريخيتان لكسر التصورات المألوفة، علماً أن العمل الفردي أيضاً قد يعمل فارقاً. إن تاريخ الفلسفة مليء بأمثلة عن أشخاص تجاوزوا ثقافتهم الأصلية (مثل إخوان الصفا في العصر العباسي أو فلاسفة التنوير الأوروبي).

السؤال الذي يفرض نفسه؟ كيف يتسنى للإنسان توسيع فكرة «ما وراء المعرفة»، وكيف يمكن تدريب هذه العضلة العقلية؟ الجواب بسيط، وفي ذات الوقت يحتاج إلى إرادة قوية تجعله يعمل التأمل، الكتابة التأملية، أو الحوار الجدلي مع الذات. لكي نتحرر من سجن ذواتنا. ويجب أن نسعى لحوار حقيقي مع شخص مختلف جذرياً (في الفكر، الثقافة) قادر على زعزعة تصوراتنا وكسر أحادية الرؤية. كما يجب أن لا يغيب عن ذهن المرء أن التحرر من التصورات الموروثة ليس رحلة مُرفهة؛ لأن الانعتاق قد يعني فقدان الدفء الوهمي لليقينيات والانتماء السهل.

وهكذا، نجد أنفسنا أمام معادلة وجودية معقدة. نحن بالفعل طيور تحمل أقفاص ثقافتها ولغتها وزمانها، لكن هذه الأقفاص - على عكس سجون الحجر - تحمل في بنيتها نفسها إمكانيات التحوّل. مفاتيحها ليست في عالم آخر، بل في تلك اللحظات من الدهشة والمواجهة والشك الجذري. الانعتاق هنا ليس هروباً من القفص، بل فن إعادة تشكيله من الداخل. وهي رحلة ليست دون ثمن؛ فالثمن قد يكون اغتراباً مؤقتاً أو قلْقاً من فرط الإمكانيات. لكنها الرحلة التي، عبر الفلسفة والفن واللقاء الصادق مع المختلف، تمنحنا شيئاً ثميناً: لا الإطلاق من كل قيد، بل القدرة على رؤية أقفاصنا، وبالتالي، احتمال اختيار أي من أبوابها نفتح اليوم.

23:57 | 18-12-2025

الصمت الثقافي..!

لماذا يصمت المثقف ويجهر بكل ثقة الجاهل؟ والسؤال الأعمق: كيف نعيد الشرعية الاجتماعية للتفكير في عصر يقدّم الإجابات السريعة ويسخر من التساؤل؟ الجواب على السؤال الأول يمكن اختصاره في أن المثقف غالباً يدرك تعقيدات القضايا، ويعرف أن الكلام يحمل تبعات فكرية وأخلاقية وسياسية. هذا يجعله أكثر حذراً، وأحياناً يؤدي إلى «شلل التحليل»، أو كما قيل من حسب سلم. أما «الجاهل» (بالمعنى النسبي) قد لا يرى هذه التعقيدات، فتتولّد لديه جرأة التبسيط والحديث من منظور ثنائي (أبيض/أسود) يسهل تداوله. الواقع أن أسباب الصمت تتعدّد من ثقل المسؤولية، أو في بيئة الرقابة، وسطوة وسائل التواصل الاجتماعي، وتسليع المعرفة، حيث تتفوق العبارات الاستقطابية البسيطة على الأفكار المعقدة في «قيمة السوق».

الإجابة على السؤال كيف نعيد الشرعية الاجتماعية للتفكير في عصر التواصل الاجتماعي، يكمن في معرفة المشكلة التي ليست فقط في صمت المثقف، بل في شروط الحوار العام التي أصبحت معادية للتعقيد والتفكير النقدي. المطلوب ليس فقط «كسر صمت المثقفين»، بل إعادة بناء فضاء عام يحترم المعرفة، ويقدّر دور التفكير، ويخلق جسوراً بين العمق الفكري والتأثير الاجتماعي.

المشكلة الأساسية تتمثّل في تصور خاطئ شائع: فالكثيرون ينظرون إلى المعرفة على أنها مادة محايدة، نقية ومتاحة للجميع بسهولة. وهذا التصور يختلف جوهرياً عن الرؤية النقدية التي قدّمها الفيلسوف ميشيل فوكو، الذي يرى أن المعرفة ليست بريئة ولا محايدة، بل هي بالأحرى نسيج تُحاك خيوطه في نول علاقات القوة والسلطة داخل المجتمع. فالمعرفة، في عرف فوكو، تُنتَج وتُتداول لخدمة مصالح محددة، عامة كانت أم خاصة، وتصبح أداة لترسيخ الهيمنة أو، إذا ما أعيد تشكيلها بوعي نقدي، أداة للتحرر والتغيير. لقد حوّل فوكو فهمنا لها من كيان مجرد إلى ممارسة سياسية ملموسة، مظهراً الطبيعة المزدوجة للمعرفة التي يمكن أن تقيّد أو تحرّر، ومن هذه النقطة المحورية تنبثق مسؤولية المثقف ودوره الحاسم في تمحيص هذه الآليات وإعادة تشكيلها.

ميشيل فوكو يدعونا إلى التساؤل باستمرار: من ينتج المعرفة؟ ولمصلحة من؟ وما البدائل الممكنة؟ كيف نعيد الشرعية الاجتماعية للتفكير في عصر التواصل الاجتماعي؟

الإجابة تكمن في عملية ثلاثية الأبعاد: ١-إعادة بناء الفضاء، وذلك بخلق مساحات هادئة داخل الضجيج من خلال مبادرات مثل منصات الحوار المتخصصة، النوادي الفكرية الافتراضية، والبودكاست المتعمق الذي يعيد قيمة الاستماع والتأمل. استعادة «الزمن البطيء» بتشجيع نماذج المحتوى التي تتحدى منطق «السريع والقصير»، مثل الخيوط المفكرة الطويلة (Threads) التي تشرح قضية بترتيب، أو مقاطع الفيديو العميقة التي تتعمّق في السياقات التاريخية والفلسفية.

ومن خلال بناء مجتمعات معرفية محصّنة؛ مثل الصوالين الثقافية التي تقوم على مجتمعات صغيرة ومتوسطة الحجم تركز على الجودة والثقة بدلاً من الوصول الجماهيري، حيث يُكافَأ التعقيد لا التبسيط.

٢-تجديد اللغة، جزء من عزلة المثقف تكمن في فجوة اللغة بينه وبين الجمهور الواسع. التجديد المطلوب الذي يعتمد على فن التبسيط دون تسطيحه: أي القدرة على نقل الأفكار المعقدة بلغة واضحة وجذابة دون تشويه جوهرها. هذه مهارة تحتاج إلى تطوير. أن الرواية والفن حلفاء في هذه المهمة. حيث إن استخدام القصة، السينما، المسلسلات، والرواية كوسائل لنقل الأفكار والتساؤلات المعقدة يساهم في رفع مستوى الخطاب الثقافي، فالفن يُدخل العمق عبر الباب الخلفي للعاطفة والتجربة الإنسانية.

٣-إعادة تعريف الدور؛ لأن دور المثقف بحاجة إلى تحوّل جذري من الناقد إلى الباني؛ لا يكتفي فقط بتحليل الأزمة، بل تقديم نماذج عملية، ومبادرات مجتمعية صغيرة تظهر قيمة التفكير في الواقع الملموس.

المسألة ليست معركة بين «المثقف الصامت» و«الجاهل الثرثار»، بل هي مشروع جماعي لإعادة بناء عقد ثقافي جديد يُعيد للمعرفة قيمتها كقوة تغيير لا كسلعة استهلاكية، ويُكرّس للتساؤل مكانته كفضيلة لا كنقص، ويطالب المثقف بألا يكون حارساً للهوية وحسب، بل وبانياً للبدائل. نحن لسنا بصدد رفاهية نخبوية، بل ضرورة إنسانية للبقاء والفهم في عالم معقّد لا يكف عن التحدي.

00:04 | 12-12-2025

المثقف .. وسجن الذات..!

استوقفتني قراءة مقال بعنوان «إعادة بناء النخبة (المثقف)»، لكنني وجدته بعيداً كل البعد عن مضمون عنوانه. ومن هنا يمكن القول إن الثقافة ليست حقلاً حيادياً نتحرك فيه بإرادة حرة مطلقة، منفصلين عن المؤثرات الخارجية والداخلية، بل يكاد المثقف نفسه يكون حاملاً لهذه المؤثرات وعاكساً لها. وقد صدق الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي في كتابه المثقف العضوي، عندما رفض (غرامشي) فكرة المثقف كفرد «منفصل» ومحايد، يعمل في «برج عاجي». بدلاً من ذلك، يرى أن كل طبقة اجتماعية تنتج بشكل «عضوي» مفكريها ومثقفيها الخاصين. لهذا نجد أن كاتب المقال وظّف الموضوع ليسقطه على فترة أو حقبة زمنية، لم يستطع كاتب المقال الخروج عن سطوتها والتحرر من سجنها الثقافي. ومن هنا يمكن القول إن الثقافة ليست حقلاً حيادياً نتصرف فيه وفقاً لإرادتنا الحرة بعيداً عن المؤثرات أو المنبهات الخارجية أو الداخلية على حد سواء، بل يمكن القول بحيادية إن المثقف هو الحامل لهذه المنبهات وهذه المؤثرات التي يتحرّك ضمنها الإنسان، وتحت وقعها وتأثيرها وسطوتها.

رغم أن هناك كثيراً من المثقفين يعيشون في سجن ثقافات مجتمعاتهم وهوياتهم، غير أن البعض يستطيع أن يخرج شيئاً من سجنه الثقافي. ذلك هو المثقف المتشكك أو المثقف النقدي؛ القادر على الخروج والذي يحاول تفكيك المسلّمات، حتى تلك الموجودة في طبقته أو مجتمعه. نعم الهيمنة ليست قدراً محتوماً وفق نظرية غرامشي. الهيمنة لا تعني أن الأفراد عاجزون تماماً. جزء من معركة «الهيمنة الفكرية» هو بالضبط خلق مساحات للتفكير النقدي وتفكيك هذه الهيمنة من الداخل. وليس كما هو عند الفيلسوف غرامشي من أن المثقف العضوي هو «مهندس الوعي»، و«منظم الثقافة» الذي يقود معركة طبقته من أجل الهيمنة الفكرية والثقافية، والتي يرى فيها غرامشي أن من أهم خصائص المثقف أنه:

1. مرتبط بطبقة اجتماعية: لا يوجد مثقفون «محايدون». كل مثقف هو تعبير فكري عن مصالح طبقة اجتماعية معينة (البرجوازية، البروليتاريا، الفلاحين، إلخ).

2. دوره هو خوض «معركة الهيمنة»: مهمة المثقف العضوي هي خوض المعركة الثقافية والأيديولوجية، فهو لا يقتصر على إنتاج المعرفة فحسب، بل يعمل على نشر قيم ومعتقدات طبقته وجعلها مهيمنة ومقبولة في المجتمع كـ«طبيعة ثانية» أو «عقل سليم».

3. المثقف العضوي ليس بالضرورة عالماً أو أديباً، حيث يمكن أن يكون المثقف العضوي مهندساً أو محامياً أو معلماً أو رجل دين أو نقابياً. المهم ليس مهنته، بل الدور الذي يلعبه في تنظيم الوعي وتوجيهه.

وقد حاول إدوارد سعيد في كتابه الشهير «صور المثقف»أن يقدّم نموذجاً أخلاقياً-نقدياً للمثقف كفرد مستقل يقف في وجه الظلم. ذلك النموذج من المثقف الذي يلتزم بقضايا العدالة والحقيقة، ويحافظ على استقلاليته وموقفه النقدي، حتى لو كان ذلك ضد التيار السائد. المهم من وجهة نظر إدوارد أن يكون المثقف من الهواة وليس أسير تخصصه، وأن يكون على الهامش بعيداً عن السلطة. باختصار المثقف الملتزم عند سعيد هو «ضمير المجتمع» المستقل الذي يقف ضد كل أشكال القمع والهيمنة، ويستخدم معرفته ومكانته للدفاع عن الحق والعدالة، ومن وجهة نظري أن إدوارد نظرياً في طرحه.

الواقع الملموس يجعلني أرى أن المثقف العضوي هو السائد، وأن الخروج عن السجن الثقافي جائز في ظل الحرص قدر الإمكان أن يكون المرء متشككاً في المسلّمات الثقافية التي تحيط بمجتمعه. إن التشكك أمر ضروري لكل امرئ يريد أن يرى العالم بمنظور أوسع أو يريد أن يقدّم شيئاً للوظيفة التي يتبوأها.

00:11 | 5-12-2025

مفهوم الهوية ومفهوم الأيديولوجية

الأيديولوجيا والهوية مفهومان متشابكان لكنهما مختلفان جوهرياً. طبيعة الأيديولوجيا: مكتسبة واختيارية إلى حدٍّ كبير. الإنسان يتبنى أيديولوجيا معينة كـ(ليبرالية، اشتراكية، قومية، دينية...) من خلال القراءة والتفكير والتأثر بالمحيط. إذاً، الأيديولوجيا عبارة عن مجموعة من الأفكار والمعتقدات والقيم المنظمة التي تشكّل رؤية شاملة للعالم. إنها إطار فكري يفسر الظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ويقدّم حلاً للمشاكل، ويحدّد أهدافاً مرغوبة للمجتمع. الإنسان يتبنّى أيديولوجيا معينة من خلال القراءة والتفكير والتأثر بالمحيط. لذا نجد أنها ذات مرونة نسبية؛ لهذا يمكن للفرد أن يغيّر أيديولوجيته إذا اقتنع بفكرة جديدة أو وجد عيوباً في فكره القديم. الأيديولوجيا هي أشبه بـ «نظارة» ننظر من خلالها إلى العالم ويمكن استبدالها.

أما الهوية فهي إحساس الفرد أو الجماعة بالذات والانتماء؛ فتختلف في مرونتها. الهوية ثابتة نسبياً وعميقة الجذور. من الصعب على الإنسان التخلي عن هويته الأساسية (مثل هويته الوطنية أو الثقافية)؛ لأنها جزء من تكوينه النفسي والاجتماعي. هي أشبه بـ «الجلد» الذي نعيش فيه. إذاً، الأيديولوجيا هي ما يؤمن به (فكر). أما الهوية فهي من يكوّنه (كينونة). باختصار، الهوية هي الجذر الثابت، بينما الأيديولوجيا هي الفرع المتغيّر الذي يمكن أن ينمو في اتجاهات مختلفة بناءً على ذلك الجذر.

الفرق بين المفهومين ليس مجرد تمييز أكاديمي، بل له تداعيات كبرى على فهمنا للفرد، المجتمع، والسياسة. فالتمييز بين المفهومين يمكّننا من فهم الصراعات: صراعات الهوية (مثل الصراع في فلسطين، البلقان، رواندا) تكون غالباً أكثر شراسة وعنفاً؛ لأنها تمس جوهر وجود الناس وهويتهم. يصعب فيها المساومة؛ لأنها ليست مجرد خلاف على الموارد أو السياسات، بل على الحق في الوجود والاعتراف. أما الصراعات الأيديولوجية (مثل الحرب الباردة بين الرأسمالية والشيوعية) فهي صراعات على الأفكار والنظم السياسية والاقتصادية. قد تكون هناك مساحة للحوار والنقاش الفكري، وربما الوصول إلى حلول وسط؛ مثل الاشتراكية كحل وسط بين الشيوعية والرأسمالية.

لذا نجد أن الخطاب الذي يخلط بين الهوية والأيديولوجيا (مثل: «أنت معنا فأنت منّا، أو ضدنا فأنت خائن») هو خطاب خطير؛ لأنه يجعل النقد الفكري للأيديولوجيا هجوماً على الهوية الشخصية للفرد. كما أن الفرق يساعدنا على تحليل كيف تستخدم القوى السياسية الخوف على الهوية الوطنية أو الدينية لتعبئة الناس وراء أيديولوجيا معينة أو قائد سياسي. بمعنى آخر، يتم تحويل الهوية إلى مشروع أيديولوجي.

التمييز بين الهوية والأيديولوجيا مهم؛ لأنه يساعد على بناء المجتمعات التعددية، فالمجتمع الصحي هو الذي يستطيع الفصل بينهما. يمكن للمجتمع أن يحتوي على تعددية في الهويات (مسلمون، مسيحيون، أكراد، عرب، إلخ) مع توافق على أيديولوجيا وطنية واحدة (كالدستور والديمقراطية وحقوق الإنسان). المشكلة تظهر عندما تُفرض أيديولوجيا معينة كجزء من الهوية الوطنية، مما يستبعد من لا يؤمن بها.

مما تقدم يتضح أن الفرق بين هذين المفهومين ليس مجرد تعريف، بل هو مفتاح لفهم تعقيدات عالمنا الشخصي والاجتماعي والسياسي.

00:26 | 28-11-2025

التنمية في الشرق الأوسط

سعت معظم دول المنطقة في الشرق الأوسط إلى تحسين نوعية الحياة والرفاهية للناس، ويظهر ذلك جليّاً منذ أربعينيات القرن العشرين. ومع ذلك، نجد أن العديد من الدول لم تحقّق نتائج جيدة، وذلك يعود إلى أسباب خارجية وداخلية أدّت إلى خروج هذه الدول عن سياق التنمية المستدامة. حيث أدّت القرارات الاقتصادية غير الموفقة والتدخلات الأجنبية إلى إشعال الصراعات الإقليمية وحروباً متكررة، مثل العدوان الثلاثي وقيام دولة إسرائيل وتنازع النفوذ بين الاتحاد السوفييتي والمعسكر الغربي، مما عرقل مسارات التنمية واستنزف الموارد. إن التوترات الإقليمية والخلافات وما تلاها من حروب واحتلال، حوّل جزءاً كبيراً من موارد المنطقة نحو الصراع العسكري بدلاً من التنمية. وظهرت مقولة لا صوت يعلو فوق صوت المعركة فلم يعد هناك تنمية ولا التطوير بل دمار وتخريب. لا شك أن تنازع النفوذ بين الاتحاد السوفييتي والمعسكر الغربي خلال الحرب الباردة، حوّل المنطقة إلى ساحة للصراع بالوكالة، مما زاد من عدم الاستقرار. هذه العوامل وغيرها أدّت إلى استنزاف الموارد المالية والبشرية، وتركيز الحكومات على الأمن القومي على حساب التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

ولا ننسى دور بعض الشركات الاستشارية الغربية التي قدّمت دراسات مضللة ونصائح تنموية بعيدة عن البيئة المحلية. لقد أسفرت السياسات الاستعمارية عن تشويه الهياكل الاقتصادية للمجتمعات العربية، حيث عملت القوى الكبرى على تفكيك النظم الإنتاجية التقليدية، وتعميم النمط الاستهلاكي الغربي، وإبقاء الاقتصادات العربية حبيسة التخصص في إنتاج المواد الأولية.

كما يواجه المشروع التنموي العربي إشكالات بنيوية تتمثل في ازدواجية الخطاب التنموي بين الشعارات الرنانة والواقع المرير، وغياب الرؤية الإستراتيجية الموحّدة، وانفصال الخطط التنموية عن الخصوصيات الثقافية، ناهيك عن ضعف الاستثمار في البشر عبر تطوير التعليم والبحث العلمي، وخلق فرص عمل منتجة، فضلاً عن عدم توافق مخرجات التعليم مع متطلبات سوق العمل، وتزايد الفقر والهشاشة الاجتماعية في دول تعاني من صراعات أو سوء إدارة الموارد.

وضعف تنويع الاقتصادات لتقليل الاعتماد على الموارد الأحادية، والانتقال نحو الاقتصاد المعرفي، وعدم الاهتمام بالريف والمدن الصغيرة، كل ذلك تسبّب في النزوح والهجرة إلى المدن الكبرى، مما أضر بالبنية التحتية للمدن الكبيرة، وأحدث خللا كبيرا في الهياكل الاقتصادية والاجتماعية، ناهيك عن ضعف الاستثمار في القطاع الصحي وخاصة في القرى والأرياف والمناطق البعيدة.

تاريخ التنمية في المنطقة يظهر مدى خطورة الاعتماد على القوى العظمى بعيداً عن منظور محلي وإستراتيجية وطنية، وضرر تغليب الجانب الأمني الذي يؤدي إلى هشاشة الجبهة الداخلية نتيجة تغليب الجانب الأمني على الجانب التنموي، مما تسبّب في كثير من الأحوال لتحول بعض دول في منطقة إلى دول فاشلة.

وفي المقابل جاءت رؤية المملكة 2030 كمثال في المنطقة لتؤسّس نموذجاً تنموياً متوازناً يعيد بناء القوة الوطنية عبر تنويع الاقتصاد وتمكين الإنسان وتعزيز الاستقرار المستدام بمنهج واضح يرسم مستقبلاً أكثر صلابة وفاعلية..

كل هذا يجعلنا نخلص إلى أن مستقبل التنمية في المنطقة مرهون بقدرة النخب العربية على تجاوز النموذج الريعي، وبناء اقتصاد إنتاجي قائم على المعرفة، مع الحفاظ على الخصوصية الثقافية، وهذا يتطلب إرادة سياسية حقيقية، وتضامناً عربياً فاعلاً، ورؤية تنموية متكاملة.

التنمية في الشرق الأوسط ليست مستحيلة، لكنها تتطلب إرادة سياسية حقيقية، ووعياً جماعياً بأهمية تجاوز الإرث الاستعماري والصراعات الداخلية، فقط عبر المصالحة مع التاريخ وتبني رؤية مستقبلية شاملة، بهذا يمكن للمنطقة أن تحقّق النهضة المنشودة.

00:04 | 21-11-2025