أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/273.jpg?v=1763304641&w=220&q=100&f=webp

نجيب يماني

خلف كل مبالغة صفعة خذلان!

يقول فيودور دوستويفسكي: «كيف أحتملتَ فكرةَ أنك وَضعتَ ثغرةً مُؤلمةً في صَدرِ أحدِهمْ سترافقه طوال حياته، ومضيتَ هكذا دون أن تكترثَ لشيء؟».

عبارة لا تُقرأ كجملة عابرة، بل كمرآة قاسية تُواجه الإنسان بحقيقته الأخلاقية، وتجرده من كل أعذار الزيف التي يختبئ خلفها.

إنها ليست سؤالاً موجّهاً إلى الآخر بقدر ما هي محاكمة صامتة للذات، استنطاقٌ لضميرٍ ربما اعتاد التملص، والكذب والتبرير والتعلل بأسباب واهية، ليوهم نفسه أنه نجا من تبكيت الضمير وعذابه، الفكرة أعمق من مجرد أذى عابر.

إنها تتحدث عن «ثغرة» وكأن القلب حصن، وكأن الكلمة الجارحة أو الفعل القاسي سهمٌ اخترق جدرانه، وترك فيه فجوة لا تُرمم بسهولة.

بعض الجراح لا تنزف دماً، لكنها تنزف عمراً كاملاً من الشعور بالآلام والخيبة والخذلان والندم، تعيد تشكيل نظرة الإنسان للحياة، وتغيّر ثقته بالآخرين، بل وربما بنفسه.

المخيف في عبارة دوستويفسكي ليس وقوع الأذى، فالبشر بطبيعتهم يخطئون، وإنما القدرة على المضي قدماً دون اكتراث بقلب موجوع أو نفس كسيرة

فمن خذلوك كأنهم قطعوا ذراعيك تستطيع أن تسامحهم ، لكن لا تستطيع أن تعانقهم. تلك البرودة، ذلك الانفصال بين الفعل ونتيجته، بين الجرح وصاحبه، هو ما يثير الرعب الحقيقي.

كأن الإنسان قد نجح في إسكات صوته الداخلي، أو أقنع نفسه بأن ما فعله عابر، بينما الطرف الآخر يحمل أثره كندبة خفية لا تزول.

الإنسان، في لحظات الغفلة أو الغضب أو الأنانية، قد يتحوّل إلى كائن قاسٍ دون أن يشعر.

كلمة واحدة قد تهدم ثقة، نظرة ازدراء قد تزرع شعوراً بالنقص، خذلان مفاجئ قد يعيد تشكيل علاقة كاملة مع العالم.

كل ذلك قد يصدر دون حساب دقيق للعواقب، وكأن الأرواح لا تتأثر، وكأن المشاعر لا تحتفظ بذاكرة طويلة.

دوستويفسكي، بعين الفيلسوف الذي يعرف خبايا النفس البشرية، يضعنا في مواجهة سؤالين هما الأخطر: كيف تعيش بعد أن تكون سبباً في ألم طويل الأمد؟

كيف تنام وقد تعلم أن أثراً منك يسكن صدر إنسان آخر؟

هنا يبدأ الصراع الحقيقي، صراع الإنسان مع ضميره، مع إدراكه أنه ليس بريئاً كما كان يظن.

العبارة تدعو إلى يقظة داخلية، إلى إعادة النظر في تفاصيل السلوك اليومي، إلى فهم أن العلاقات الإنسانية ليست مجرد تفاعلات عابرة، بل هي شبكة دقيقة من التأثيرات المتبادلة.

كل فعل يحمل بصمته، وكل كلمة قد تكون بداية قصة ألم أو شفاء.

ثمة بعد أخلاقي عميق يتسلل من بين الكلمات أن تكون خفيف الأثر، رحيم الحضور، حذر العبارة، القوة الحقيقية لا تكمن في القدرة على الجرح، بل في الامتناع عنه. والنضج لا يظهر في تجاهل الألم، بل في الإحساس به، حتى إن لم يكن ألمك.

نص يوقظ في النفس سؤالين لا ينبغي الهروب منهما: كم مرة كنّا نحن تلك الثغرة؟ وكم مرة مضينا دون أن نلتفت؟

الإجابة، مهما كانت موجعة، هي بداية الطريق نحو إنسان أكثر وعياً، أكثر رحمة، وأكثر استحقاقاً لأن يُسمى إنساناً.

‏ويضيف جبران خليل جبران على خطى المعلم فيودور دوستويفسكي

‏لا تبالغوا بالحب ولا تبالغوا بالاهتمام والاشتياق،‏ فخلف كل مبالغة صفعة خذلان.

منذ يومين

جامعة الرياض للفنون.. الهوية والاستلاب !

تمثّل الحاجة المُلحّة، والضرورة القصوى، مبرّراً منطقياً ومقبولاً للارتحال لسانياً من اللغة الأم إلى أيّ لغة أخرى، طلباً لغاية يعسُر الوصول إليها عبر اللّغة الأم، وتتطلّب الحاجة المسيّسة إلى نشدانها في مظانها عند اللّغات التي أُبدعت بها، فإن أمكن ترجمتها إلى اللغة الأم كان ذلك أوفق وأجدر، وإن تعذّر ذلك فلا بأس من التعاطي معها بما تقتضيه الحاجة وتلزمه الضرورة.

وحين النّظر إلى واقع الحال في الجامعات العربية نجد أنّها ظلّت رهينة لسطوة اللغات الأجنبية عليها، وهو أمر مفهوم كون أغلبها تأسّست تحت وطأة الاستعمار الغربي، فضلاً عن كون المعارف الحديثة في جذرها الأساسي مصاغة ومنتجة بالإنجليزية في الدرجة الأولى، تليها الفرنسية، فمن الطبيعي أنّ كل معرفة تُنتج بلغتها، ويظل الجميعُ عالة عليها، إما بالتعامل معها على النحو الذي أنتجت به، أو ترحيلها عبر جسر الترجمة إلى اللّغة الأم، كلٌّ حسب قدراته وحاجته واستيعابه.

وهنا نستطيع أن نحدّد مكامن القصور في حركة الترجمة العربية، التي «استكانت» لحالة الاستلاب، وتعاملت مع المناهج الغربية بلغاتها دون الدخول في مجازفة ترجمتها، بما يؤسس لمناهج علمية ذات جذور راسخة عبر كافة المراحل الدراسية الجامعة، وبالغاً ما بلغ التقدير في الارتهان للغة الأجنبية في العلوم التطبيقية اليوم، لشيوعها وسطوتها، وأنها لغة التواصل العالمية، إلا أن ذلك يبقى غير مقبول إذا كان الأمر يتعلق بمنهج دراسي ذي صلة بالهوية، ولا يتطلّب التعاطي في درسه وتحصيله على الإنجليزية أو أي لغة أجنبية أخرى.

خذ مثلاً جامعة الرياض للفنون، التي جعلت من الإنجليزية لغة تدريس وتحصيل أكاديمي، وحجيتها وفق ما جاء على لسان وكيلة وزارة الثقافة للشراكات الوطنية وتنمية القدرات الأستاذة نهى قطان في لقاء تلفزيوني، بالقول

«نبغى نأخذ ثقافتك ونصدرها للعالم»، وهي حجة أوهى من أن تصمد أمام حقائق مهمة، من أبرزها أنه وبين سائر المعارف الإنسانية، تبرز الفنون بوصفها العنصر المعبّر عن الهوية الثقافية لأيّ أمّة، بما يتوجّب تحصيلها عبر اللغة الأم، وتقديمها على هذا النحو للعالم؛ لأن في ذلك تعميقاً لقيمة الاعتزاز، عند دارس الفنون نفسه، ومنتجها، والمنوط به بثها بوصفها «جيناً» إبداعياً مرتبطاً ببيئته، ومعبراً عنها، ولن يكون في مقدوره لعب هذا الدور إذا تحتّم عليه دراسته فنونه بغير لغته الأم، وتوطّن في روعه شعور بالاستلاب بما يتكبّده من مشاق التعاطي مع لغة أجنبية للتعبير عن محيطه المحلي، بتعقيد ما هو بسيط، و«تعجيم» ما هو مفصح وظاهر وجلي

الأمر الآخر أنّ الفنون في أصلها قرينة بالموهبة، ومُستهلَكُ اللغة فيها يقل كثيراً عن بقية العلوم التطبيقية النظرية الأخرى، وجوهر مستندها قائم على استدعاء وتوظيف التراث والقصص الشعبية والمفردات الثقافية الخاصة بالمجتمع في الأعمال المنجزة، سواء كانت بصرية، أو أدائية، أو سمعية، أو غيرها من أنماط الفنون، مما يعطي المنتج بصمته المتفردة، وتعبر عنه أجلى تعبير، كل ذلك يتطلب التعامل مع الفنون ودراستها عبر اللغة العربية، تأصيلاً، وتأكيداً على الارتباط الوثيق بين اللغة والهوية والفنون. على نحو ما عبّر عن ذلك الدكتور بخيت المطرفي، بقوله: «لا أحد يدعو هنا إلى إغلاق الباب أمام الإنجليزية أو رفض الانفتاح على التجارب العالمية في تعليم الفنون. فالجامعات الفرنسية تُدرِّس فنونها بالفرنسية، واليابانية باليابانية، والكورية بالكورية، مع نوافذ مشرعة على اللغات الأخرى بوصفها أداةً للتواصل لا وعاءً للهوية.

الفرق شاسع بين أن تُضاف لغة وبين أن تُزاح لغة، والعالمية لا تبدأ بالتخلي عن اللغة التي تحمل الثقافة في جوهرها، بل بتوطين تلك الثقافة في عمق لا يتزعزع، ثم تقديمها للعالم من موقع قوة لا من موقع تبعية.

جامعة تدَّعي أنها ستُصدِّر الثقافة السعودية إلى العالم بينما تُقصي العربية من قلب تجربتها التعليمية تشبه مَن يريد أن يُطعم الضيوف وليمةً محلية لم يُحكم طبخها بيده ولا بأدواته».

الأمر الثالث أن الموروث الفني العربي ذاخر وكنيز ومحتشد بالمراجع المصاغة بالعربية، بل إن السبق العربي في تأصيل مصطلحات الفنون يضعها في الصدارة العالمية، بما يعني توفر المراجع الكافية والمناسبة لتدريس الفنون بالعربية في كافة المراحل، وضمان المراجع اللازمة بوفرة ونسق علمي منضبط، فليس ثمة حاجة أو ضرورة تلجئ الدارس إلى مرجع أجنبي، إلا من باب «الوجاهة» المصطنعة، و«الاستعلاء» الثقافي المتوهّم، في زمن الاستلاب والتباهي بكل ما هو غربي.

الغاية التي تنشدها جامعة الرياض للفنون بتصدير ثقافتنا إلى العالم، لا شك غاية نبيلة، لكن لن تكون الإنجليزية هي الحامل المناسب لهذا العبور، فذخائر الفنون العربية وكنوزها، المتوارثة عبر أجيال وأجيال تتطلب وعياً يضعها في سياق منهجي قابل للتدريس بالعربية، بصورة تعبّر عنه هويتها دون طمس، وتمكن من التعامل معها دون استلاب، وتصديرها للعالم منتجاً عربياً، وسعودياً مفصحاً بلغته، ناطقاً بلسانه، حاجزاً مقعده العالمي بكل أريحية، وهو أمر يتطلب الثقة في ما نملك، والقدرة على تطويعه وجعله منتجاً بمواصفات عالمية دون الإخلال بجوهر هويته، عندها فقط سيدرك العالم أن ثمة فنوناً أصيلة، جديرة بأن يطلبها من مظانها وبلغتها، أو يسعى إلى ترجمتها إلى لغته وفق حاجته بمثل ما ترجمنا منه ما احتجنا إليه، فلا أقل من ندية مماثلة في أمر نملك أسباب التفوق فيه بشكل مبهر ومؤثر وخلّاق، وتنتظره الإنسانية متى ما أحسنا طرحه وقدّمناه دون وجل، وباعتزاز راسخ، وفي هذا الكفاية والغنى.

00:11 | 8-06-2026

«الشعر» إحساس لا ذكاء اصطناعي..

وصلني من الصديق الشاعر سعيد آل منصور مقطع غنائي بصوت أنثوي مُنعم وأنيق، مع تعليق يقول فيه: «من كلماتي وغناء وإخراج الذكاء الاصطناعي»، ويسألني: هل استطاع الذكاء الاصطناعي أن يأخذ كل شيء؟

قول يتجاهل حقيقة جوهرية عميقة، وهي أن الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقلّد اللغة، لكنه لا يستطيع أن يعيش التجربة الإنسانية التي تصنع إحساس شاعر وتُنطقه.

الذكاء الاصطناعي يمكنه كتابة أبيات شعرية، وتقليد أسلوب المتنبي، ونزار قباني، ومحمود درويش، لكن الفارق بين التقليد والحقيقة يشبه الفارق بين وردة صناعية لا حياة فيها وأخرى نبتت في التراب صحتها الشمس ورواها المطر وسقطت على خدها قطرات الندى.

وكذلك نص الذكاء الاصطناعي قد يحمل الوزن والقافية والصور البلاغية، لكنه يفتقد الحرارة الداخلية التي تمنح القصيدة روحها.

القصيدة في تشكُلها ليست هندسة لغوية بل ارتباك داخلي، وقلق، وحنين، وذاكرة، وندم، وانكسار، وشهوة حياة، واحتكاك مباشر بالوجود، كيف لآلة لم تعرف اليتم أن تكتب كالمتنبي؟

كيف لخوارزمية لم تفقد وطناً أن تبكي مثل محمود درويش؟

كيف لبرنامج لم يعشق امرأة أن يكتب مثل قيس أو جميل بثينة أو نزار؟

الشعر لا يولد من المعاجم، بل من الجراح، لا يخرج من قواعد البيانات، بل من ارتجاف الروح أمام الحب والغدر والخوف والفقد والخذلان والانتصار والهزيمة.

الشاعر يكتب بمشاعره وأحاسيسه؛ لذلك بقيت أعظم القصائد مرتبطة بأصحابها ارتباط الدم بالروح، قصائد أبي الطيب المتنبي تحمل كبرياءه الشخصي وجوعه إلى المجد، شعر أبي فراس الحمداني يحمل مرارة الأسر والوجع، وقصائد بدر شاكر السياب مبللة بوجع المرض والمنفى، أما قصائد محمود درويش فتمشي وفي داخلها وطن كامل يبحث عن نفسه. تجارب لا يمكن تحميلها داخل ذاكرة إلكترونية. الآلة تستطيع أن تجمع ملايين النصوص، وتعيد ترتيبها بمهارة مدهشة، لكنها تعجز عن امتلاك قلب عاشق يرتجف، عن الشعور بالانتظار الطويل خلف نافذة، أو ناصية شارع، أو موعد مؤجل أو خذلان قاتل أو خفقان قلب يرى محبوبته وسط الزحام؛ لهذا ظل بيت عنترة بن شداد شاهداً خالداً على أن الشعر تجربة حياة لا تمرين لغة وهو يقول لحبيبته عبلة:

وَلَقَد ذَكَرتُكِ والرِّماحُ نَواهِلٌ

مِنّي وبِيضُ الهِندِ تَقطُرُ مِن دَمي

فَوَدَدتُ تَقبيلَ السُيوفِ لأَنَّها

لَمَعَت كَبارِقِ ثَغرِكِ المُتَبَسِّمِ

أي آلة تستطيع أن تعيش هذه المشاعر؟

أي خوارزمية يمكنها أن تفهم كيف يتحوّل بريق السيوف المضرجة بالدم إلى صورة لثغر الحبيبة؟

هذه ليست صناعة لغوية، هذه ذروة التحام العاطفة بالمصير الإنساني، عنترة كان ينزف حباً، والشعر الحقيقي يولد دائماً من منطقة النزيف الإنساني العميق.

الذكاء الاصطناعي، تعامل معه كثيرون بوصفه الكائن الجديد القادر على ابتلاع كل شيء؛ الموسيقى، الرسم، الرواية، الترجمة، التحليل، التلحين، بل وحتى صناعة الأصوات، والوجوه والأحلام، إلى حدّ الادعاء بأن الإنسان نفسه أصبح مشروعاً قديماً، وأن الآلة ستجلس قريباً على عرش الإبداع الإنساني كله. لا يا عزيزي، الآلة تحفظ المعلومات، تعمل وفق الاحتمالات الإحصائية، تعتمد على ما كُتب سابقاً بلا ذاكرة شعورية حقيقية، وبلا طفولة، وبلا خوف من الموت، وبلا توق إلى الخلود، وبلا حنين إلى الأمكنة، وبلا إحساس بزمن العمر وهو يتسرب من الأصابع، إنها عقل بلا قلب يعجز عن خلق الخفقة التي تجعل قارئاً يبكي من بيت شعر واحد.

أما الإنسان فيحمل الندوب، شعره وصف للعاطفة، قدرة على اكتشاف ما لا يُقال، يمنح اللغة طاقة روحية، لهذا يبدو الشعر وكأنه كشف مفاجئ للحياة، خلق الدهشة من قلب المجهول، الشاعر يصنع ما لم يكن موجوداً أصلاً، لو كان الشعر مجرد تركيب لغوي لصارت المعاجم أعظم الشعراء.

الشعر ليس (معلومة)، بل (حالة إنسانية)، ولهذا سيظل الإنسان متفوقاً في منطقة الإحساس مهما تطورت الآلات.

قد يربح الذكاء الاصطناعي معارك التقنية، لكنه سيقف عاجزاً أمام دمعة صادقة خرجت من قلب عاشق حقيقي، وسيظل الفرق قائماً بين شاعر كتب لأنه تألم، وبرنامج كتب لأنه حُدِّث إلى إصدار جديد وفق خوارزميات وبيانات رقمية، وما ينطبق على الشعر قد ينطبق على غيره من العلوم التى تحتاج إلى إبداع العقل البشري بكل تعقيداته..

أخيراً..

الذكاء الاصطناعي لن يصنع روح شاعر بحجم الأمير بدر بن عبدالمحسن رحمه الله.

00:00 | 4-06-2026

شهادة القوة محمد بن سلمان

يُنظر العالم إلى الأمير محمد بن سلمان بأنه صاحب الرؤية القديرة ومهندس التحوّل الاقتصادي والاجتماعي في المملكة، وقائد الإصلاحات الكبرى، جهوده منظورة عالمياً

في تنويع الاقتصاد السعودي، وتطوير مشاريع ضخمة، والانفتاح على الاستثمار العالمي والسياحة، وغيرها كثير..

كل ما قيل عنه ليس مجرّد مجاملة عابرة في بروتوكول العلاقات الدولية، بل جاء محمّلا بدلالات إستراتيجية عميقة، تعكس تحوّلًا في موازين القوة، وتُعيد تعريف موقع السعودية في النظام العالمي.

قيادته تلامس جوهر التحوّل في نمط القيادة السعودية، حيث لم تعد القيادة مجرد إدارة تقليدية للدولة، بل أصبحت مشروعًا متكاملاً لإعادة صياغة الدور الإقليمي والدولي للمملكة.

في عمق هذه الشهادات العالمية المتعددة تتجلّى قراءة دقيقة لشخصية قائد لا يتحرك بردود الأفعال، بل يصنع الفعل ذاته.

قيادة لا تُستدرج إلى مسارات مرسومة سلفًا، بل تعيد رسم الطريق وفق معادلات المصالح الوطنية الخالصة.

هذا النمط من الحكم، الذي يوازن بين الجرأة والانضباط، جعل من المملكة لاعبًا يصعب احتواؤه أو الضغط عليه، وجعل قراراته تُقرأ في العواصم الكبرى باعتبارها قرارات سيادية لا تقبل المساومة.

شخصية فذة أجبرت العالم على ضرورة احترامه وتقدير قراراته، وجعلته يدرك عميقًا بأن محمد بن سلمان لا يقف في موقع التابع، بل في موقع الندّ الذي يفرض قواعد التفاعل، ويعيد ضبط إيقاع العلاقات بما يتناسب مع مصالح بلاده لا مع ضغوط الآخرين.

استطاع ولي العهد أن يؤسّس مدرسة قيادية قائمة على ثلاث ركائز متماسكة:

الحزم في اتخاذ القرار، والمرونة في إدارة التحالفات، والوضوح في تحديد الأولويات.

هذه الركائز لم تبقِ نظريات، بل تحوّلت إلى ممارسات عملية ظهرت بجلاء في إدارة العديد من الملفات المعقدة، والصعبة، حيث برزت السعودية كقوة ضابطة لإيقاع الأحداث العالمية، دور لم يأتِ من فراغ، بل من قراءة إستراتيجية واعية لطبيعة التحوّلات في الاقتصاد العالمي، والسياسة الدولية والتحالفات السابقة والأحداث المتواترة وما يشهده العالم من حولنا.. جاء تعامل محمد بن سلمان مع كل هذه الملفات بمنطق التوازن لحماية مصالح بلاده، والمساهمة في استقرار العالم من جهة أخرى، دون الانجرار خلف رغبات القوى الكبرى أو الاستجابة لضغوطها.

تجلّت حكمة قيادته في قدرته على قراءة التحوّلات الدولية دون الانجرار خلفها.

فالعالم يشهد إعادة تشكيل مراكز النفوذ، غير أن محمد بن سلمان اختار أن يضع بلاده في موقع التوازن، لا الاصطفاف؛ في موقع التأثير، لا التبعية.

نهج منح المملكة استقلالية القرار، وجعلها طرفًا مطلوبًا من الجميع، تسعى القوى الكبرى إلى كسبه لا إلى فرض الإرادة عليه.

من زاوية أعمق، يظهر البعد الابتكاري في شخصية ولي العهد من خلال مشروع التحوّل الوطني ورؤية 2030، التي لم تكن مجرد خطة اقتصادية، بل مشروعًا حضاريًا يعيد تشكيل بنية الدولة والمجتمع والاقتصاد.

لقد انتقل التفكير من الاعتماد الأحادي على النفط إلى تنويع مصادر الدخل، ومن الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد المنتج، ومن الانغلاق النسبي إلى الانفتاح المدروس على العالم.

هذا التحوّل لم يكن سهلًا، بل احتاج إلى جرأة في اتخاذ قرارات كبرى، وإلى قدرة على تحمّل التبعات، وإلى رؤية بعيدة المدى لا تخضع لضغوط اللحظة.

وهنا تتجلى إحدى أبرز صفات محمد بن سلمان القدرة على اتخاذ القرار الصعب في الوقت المناسب، دون تردد، مع الاستعداد لتحمّل مسؤولياته كاملة.

ما يميّز هذه القيادة ليس فقط امتلاك أدوات القوة، بل إدارتها بوعي عميق.

فالقوة الاقتصادية، والسياسية، والجيوسياسية، إذا لم تُدار بحكمة، قد تتحوّل إلى عبء. غير أن ما نراه هو توازن دقيق بين الحسم والتروّي، بين المبادرة والحساب، بين الطموح والواقعية.

لذلك يبدو من الصعب استدراج هذا النمط القيادي إلى مواقف انفعالية أو قرارات ارتجالية، إذ تُبنى خطواته على تحليل عميق للمشهد بكل تعقيداته.

شهادات كثيرة في حقه، في جوهرها، ليست مجرد رأي سياسي، بل تعبير عن إدراك دولي بظهور نموذج قيادي جديد في المنطقة. نموذج يفهم قواعد اللعبة الدولية، ويجيد التحرك داخلها دون أن يفقد استقلاله، ويستطيع أن يبني علاقات متوازنة مع قوى متنافسة، دون أن يتحوّل إلى تابع لأي منها.

إنها شهادات تحمل في طياتها اعترافًا بأن العالم لم يعد كما كان، وأن الدول التي تملك قرارها المستقل، وتدير مصالحها بذكاء، هي القادرة على فرض حضورها.

وفي هذا السياق، يبرز محمد بن سلمان كقائد استطاع أن ينقل بلاده من موقع التأثر إلى موقع التأثير، ومن دائرة التلقي إلى دائرة الفعل.

بهذا المعنى، لم يكن الحديث عن شخص بقدر ما كان عن مرحلة تاريخية جديدة. مرحلة عنوانها أن السعودية لم تعد تنتظر ما يُملى عليها، بل تصنع خياراتها بنفسها، وتفرض رؤيتها بثقة، مستندة إلى قيادة تعرف كيف توازن بين القوة والحكمة، وبين الثبات والمرونة. قيادة تمسك بخيوط المشهد بدقة، وتديرها بعقل بارد، وإرادة صلبة، وبصيرة ترى ما وراء اللحظة... فلا تُستدرج، ولا تُفاجأ، بل تبادر وتؤثر وتصنع الفارق.

19:40 | 31-05-2026

بوابة الملك سلمان عندما تلتقي القداسة بالحداثة !

عندما أعلن صاحب الرؤية المباركة الأمير محمد بن سلمان إطلاق مشروع «بوابة الملك سلمان» لعمارة مكة المكرمة لتشهد عهداً جديداً من التحديث والرؤية المتقدمة، يجمع بين قدسية المكان وعبقرية الإنسان، بين روح التاريخ ونبض المستقبل، عندما تلتقي القداسة بالحداثة في كل الأرض، تتوزّع المدن بين الجمال والعراقة، غير أنّ مكة المكرمة تبقى وحدها استثناءً سماويّاً، مدينةً نزل فيها الوحي من علٍ، ويعانق فيها الترابُ السماء، وتوارثت على أعتابها الأجيال معنى القداسة والخلود.

هنا كان البدء وهنا لا يزال الامتداد.

منذ أن أشرقت شمس التوحيد على قُبيسها، وتلألأت أنوار الرسالة في وهادها، أدركت القيادة السعودية أنّ خدمة مكة المكرمة شرف الرسالة قبل أن تكون مسؤولية الحكم.

امتد نهج المؤسس طيب الله ثراه في رعاية البيت العتيق، ليغدو هذا النهج دستوراً ثابتاً، تسير عليه القيادة جيلاً بعد جيل، حتى غدت مكة المكرمة نموذجاً للعمارة الإيمانية والتنمية المتصلة بالروح.

هذا المشروع ليس مجرّد تطوير عمراني أو خطة توسعية، بل هو فصل جديد في ملحمة العناية الإلهية بهذه المدينة المباركة، التي اختارها الله لبيته ورسالته، واليوم تختارها القيادة السعودية لتكون منصة تُطل منها على العالم برؤية عمرانية وإنسانية غير مسبوقة.

بوابة الملك سلمان ليست مجرد اسمٍ يحمل شرف مؤسس نهضة المملكة الحديثة، بل هي تجسيدٌ حيّ لروح الحاضر واستشراف المستقبل.

مشروع يمتد على مساحة 12 مليون متر مربع، ليحوّل مكة المكرمة إلى نموذج عالمي في التطوير العمراني والخدمات المتكاملة، ويجعلها مركزاً حضرياً متفرداً يوازن بين الأصالة والمعاصرة، بين عبق التاريخ وابتكارات التقنية الحديثة.

وتكمن عبقرية المشروع في أنه لا يكتفي بإعادة تشكيل المكان، بل يعيد تعريف تجربة الإنسان فيه؛ كيف يسكن، وكيف يتحرك، وكيف يعيش روحية المكان المقدس بانسيابية وكرامة.

إنها ليست عمارةً من حجر، بل عمارةُ روحٍ وفكرةٍ وإيمان.

يتّخذ التصميم المعماري للمشروع طابعاً يجمع بين الهوية المكية العريقة والأساليب المعمارية العصرية، في تناغمٍ بصري يأسر العين والقلب معاً.

فكل زاويةٍ فيه تستحضر البساطة الفريدة للمباني الحجازية القديمة، وكل قوسٍ ونافذةٍ تهمس بتاريخٍ طويلٍ من الحب والعطاء.

في بوابة الملك سلمان، لن ترى التناقض بين التراث والحداثة، بل سترى كيف يمكن أن يعانق أحدهما الآخر في لوحةٍ مهيبةٍ من جمال مكة المكرمة المقدس الذي يتجدّد دون أن يتبدل. جوهر المشروع لا يكمن في الأبراج والميادين والمرافق فحسب، بل في الفكرة التي يقف وراءها (مكة المكرمة لا تتبدل، لكنها تتجدّد في كل عصر بما يليق بقداستها ومكانتها). فهي المدينة التي احتضنت البدايات، وها هي اليوم تحتضن المستقبل.

منذ عهد المؤسس طيّب الله ثراه والاهتمام بمكة المكرمة يشكّل حجر الزاوية في بناء المملكة الحديثة، وجاءت الرؤية المباركة لتواصل هذا النهج، فتعيد صياغة الحلم بلغةٍ أكثر اتساعاً وجرأة، لتحقيق نقلة نوعية في تطوير البنية التحتية لمكة والمنطقة المركزية، ودعم برنامج خدمة ضيوف الرحمن، بتسهيل الوصول إلى المسجد الحرام وتنظيم الحركة بسلاسة واستيعابية عالية.

ويسهم في تعزيز التنويع الاقتصادي بخلق أكثر من 300 ألف فرصة وظيفية بحلول عام 2036، مما يجعل من بوابة الملك سلمان مشروعاً وطنياً وإنسانياً وتنموياً في آنٍ واحد.

إنه مشروع يُعيد صياغة العلاقة بين المدينة وسكّانها، بين الضيف والمضيف، بين القداسة والعمران.

وتظل مكة المكرمة في قلب العبادة عبر مشروع بوابة الملك سلمان؛ لأن ما يميّز هذا المشروع أنه لا ينفصل عن رسالته الروحية؛ فكل مرفقٍ من مرافقه السكنية، الثقافية، والخدمية صُمم ليكون في خدمة الزائر والمعتمر والحاج، بما يضمن لهم تجربة روحانية هادئة وعصرية في الوقت ذاته.

فالسكن ليس فقط جدراناً تؤوي، بل هو فضاءٌ للسكينة والتأمل، والخدمات ليست مجرد تسهيلات، بل امتدادٌ لكرم المكان وقدسيته، يظهر بوضوح شامخ إرث القيادة ورؤية المستقبل لكل من يتأمل المسيرة ليدرك أنه ليس مشروعاً منعزلاً، بل جزء من نسيج رؤية المملكة التي جعلت من الإنسان محور التنمية وغايتها.

فكما صاغت الرؤية مفهوم المدن المستقبلية تخطّ اليوم سطراً خالداً في تاريخ مكة المكرمة، يجعل منها أيقونةً عمرانيةً عالميةً دون أن تفقد هويتها الروحية الفريدة.

إنه مشروع يقودنا لعهدٍ جديد من الجمال المقدس، حيث تتنفس مكة المكرمة عبق الماضي وتضيء وجه المستقبل، مدينة تتسع للسماء كما تتسع لقلوب القادمين إليها من كل فجٍ عميق.

إنها التحفة التي ترسمها الأيدي السعودية المخلصة على صفحة الزمن، لتبقى شاهداً على أن القداسة يمكن أن تلتقي بالحداثة دون أن تفقد جوهرها، وأن مكة ستظل دائماً بوابة الأرض إلى السماء.

فيا خير بقاع الأرض طهراً، ويا ملتقى عباد الله والنسّاك، يا ملاذ الحائر ومستقر الوَجِل المسكين يا مكّة الخير عهد جديد يهل عليك بالخير واليُمن والبركات.

00:19 | 28-05-2026

حج 2026.. حيّاكم الله

في غدٍ سيقف الحجيج بصعيد عرفات الخير، يكسوهم البياض، وتجلّلهم مهابة الموقف، وتلهج ألسنتهم بالتهليل والتكبير والدّعاء، لحظة تنعقد فيها الألسن عن التعبير، وتتلعثم الكلمات في ضفة الحلق فما تُحير وصفًا للمشهد وعظمته، واللّحظة وجلالها.

فإن كنت من الذين ناداهم المُنادي، واستجابوا للداعي حين صاح، كما صوّره الشاعر بالقول:

وَوَجَدْتُ في عَرَفَاتِ حِينَ أتَيْتُهُ

صَبغَ البَيَاضُ صُخُورَهُ وَثَراهُ

فَلَقَدْ تَبَّدَّلَ لَوْنُهُ فَكَأنَّمَا

كُتَلٌ مِنَ الثَّلْجِ اعْتَلَتْ أَعْلاَهُ

مَلأَ الحَجِيجُ هِضَابَهُ وَشِعَابَهُ

مِنْ كُلِّ فَجٍّ جَاءَهُ وَأَتَاهُ

فَرَأَيْتُ مُعْجِزَةَ الإِلهِ بِخَلْقِهِ

وَقَفُوا سَوِيًّا يَطْلُبُونَ رِضَاهُ

بِمَلاَبِسِ الإحْرَامِ جَاؤُوا كُلُّهُمْ

وَدُعَاؤُهُمْ: «لَبَّيْكَ يَا أَللهُ»

فَفَقِيرُهُمْ، وَغَنِيُّهُمْ، وَذَلِيلُهُمْ

وَعَزِيزُهُم، لاَ يَسْألونَ سِوَاهُ

وَقَدْ اسْتَوى بِأمِيرِهِمْ مَحْكُومُهُمْ

فَجَمِيعُهُمْ لاَ يَرْتَجِي إِلَّا هُو

رَفَعُوا الأَكُفَّ إِلَى السَّمَاءِ كَأَنَّمَا

يَوُمُ الحِسَابِ أَتَى وَكَانَ لِقَاهُ

وَرُؤُوسُهُمْ نَحْوَ العُلاَ مَشْدُودَة

وَعُيونُهُمْ تَرْنُو إِلَى عَلْيَاهُ

أَجْسَامُهُمْ مُخْضَلَّةٌ بِدُمُوعِهِمْ

وَالْكُلُّ يَبْكِي يَبْتَغِي رُحْمَاهُ

فاعلم أنك من أصحاب الحظوة والرضا، إنّه يوم سكب العبرات تكفيرًا، والدعاء بالعفو والغفران رجاء غير مردود.

إلى هنا كان اشتياق المولّهين الهائمين عشقًا في الذّات الإلهية، فهاك من نبع البرعي اليمني نفحة من قصيدته الوالهة:

يا راحلينَ إلى منىً بقيادي

هيجتُمو يومَ الرَّحيلِ فُؤادي

سِرتمْ وسارَ دليلُكُمْ يا وحشتي

والعيسُ أطربنِي وصوتُ الحَادي

وعلى المنوال نفسه كان حداء ابن دقيق العبدي وقد شدا وجدًا:

تهيمُ نفسي طربًا عندما

أستلمح البرقَ الحِجازيا

ويستخفُّ الوجدُ عقلي

وقد أصبحَ لي حسنُ الحِجى زيَّا

يا هلْ أقضي حاجتي مِن منًى

وأنحرُ البزلَ المهارِيا

فأرتوي من زمزمَ فهي لي

ألذُّ من ريقِ المها ريّا

هذا مقام فسيح متراحب وبديع، وفضاء واسع ما له من سائل يحده، ولن يردك عن موارده العِذاب، ومساقيه الهواطل غير سديد المثل العربي القديم «يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق»، موقف تجد تصويره البليغ الصدّاح عن ابن القيم، وقد قال:

فَلِلَّهِ كَمْ مِنْ عَبْرَةٍ مُهَرَاقَةٍ

وَأُخْرَى عَلَى آثَارِهَا لا تَقَدَّمُ

وَقَدْ شَرِقَتْ عَيْنُ الْمُحِبِّ بِدَمْعِهَا

فَيَنْظُرُ مِنْ بَيْنِ الدُّمُوعِ وَيَسْجُمُ

وَرَاحُوا إِلَى التَّعْرِيفِ يَرْجُونَ رَحْمَةً

وَمَغْفِرَةً مِمَّنْ يَجُودُ وَيُكْرِمُ

فَلِلَّهِ ذَاكَ الْمَوْقِفُ الأَعْظَمُ الَّذِي

كَمَوْقِفِ يَوْمِ الْعَرْضِ بَلْ ذَاكَ أَعْظَمُ

وَيَدْنُو بِهِ الْجَبَّارُ جَلَّ جَلالُهُ

يُبَاهِي بِهِمْ أَمْلاكَهُ فَهْوَ أَكْرَمُ

يَقُولُ عِبَادِي قَدْ أَتَوْنِي مَحَبَّةً

وَإِنِّي بِهِمْ بَرٌّ أَجُودُ وَأُكْرِمُ

فَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي غَفَرْتُ ذُنُوبَهُمْ

وَأُعْطِيهِمُ مَا أَمَّلُوهُ وَأُنْعِمُ

فَبُشْرَاكُمُ يَا أَهْلَ ذَا الْمَوْقِفِ

الَّذِي بِهِ يَغْفِرُ اللَّهُ الذُّنُوبَ وَيَرْحَمُ

فَكَمْ مِنْ عَتِيقٍ فِيهِ كَمَّلَ عِتْقَهُ

وَآخَرُ يَسْتَسْعِي وَرَبُّكَ أَكْرَمُ

إن وقفت هناك اليوم؛ فانظر إلى عظيم ما صنعته المملكة العربية السعودية بقيادتها العظيمة من تطوير مستمر وعمل دؤوب من أجل راحة الحجيج وضيوف الرحمن. انظر إلى عرفات، وقد تيسّرت فيها السبل، وذللت الصعاب، وتيّسرت الخدمات، بما يبعث على الطمأنينية، ويحمل النفس على الرضا، ويحضها على الدعاء بالتوفيق للمملكة وقيادتها؛ فرحلة الحج اليوم باتت يسرًا في طمأنينة، لضيوف الرحمن، في كل خطوة يخطونها، وفي كل مقام ينزلون به، وعند كل مرتحل إلى منسك من المناسك، من قبل أن تطأ أرجلهم أرض الحرمين تلحقهم الخدمات بالتيسير حيث كانوا من خلال مبادرة طريق مكة، مع خدمات مبذولة لراحتهم، من ترقيم للأمتعة، وتفريغهم من حمل أمتعتهم أثناء أداء المناسك، وتذليل طرق النقل وتوفيرها، فقطار الحرمين في طاقته القصوى، والحافلات مهيأة بكل وسائل الراحة، أما الخيام بمنى فتشهد في كل عام تطويرًا غايته راحة الحجيج، وطمأنينة ضيوف الرحمن.. الخدمات الصحية في أوج تأهبها، استجابة سريعة، ومعالجات فورية، وطواقم في كافة التخصصات، استجابة لكل طارئ، في خدمات مجانية لا تبتغي منها المملكة غير رضا الله وراحة الحجاج. وغيرها من منظومة الخدمات الميسرة.

هكذا كان الوعد والمرتجى في أضاميم رؤية المملكة المباركة، وقد محّضت هذه الرحلة المقدسة جليل اهتمامها، وسخّرت لها من الإمكانات والعناية ما نراه ماثلًا اليوم في هذه المشاريع، والتوسعات الكبيرة في الحرمين الشريفين، فديباجة الاستقبال «حياكم الله»، الرجاء أن ينعم ضيوف الرحمن بأدء مناسكهم في يسر وطمأنينة، ولكن لا سبيل إلى بلوغ ذلك إلا إذا التزم الجميع بالتعليمات، وليدرك المغامرون أنه «لا حج بلا تصريح»، شعار لا يقبل تحايلًا، وجدار صد لا يعبرون منه بتفلتهم، به تستقيم الخدمات للحجاج على ميسم التقدير السليم، وتضبط حركتهم بميزان الطمأنينة والأمن والسلامة، وتقل الحوادث التي كانت تحدث تبعًا للتفلت والعشوائية، ففي الالتزام بهذا الشعار الحازم خير الجميع، وعندها ستسمع صوت الرضا النابع من قلوب الحجاج ينادي:

إليك إلهي قد أتـيـت مُلّبـيًا

فـباركْ إلهي حجّـتـي ودعائيا

قصدتُكَ مـضـطرًا وجئتُـك باكيًا

وحاشاك ربّي أن تردّ بكـائـيا

كفاني فـخــرًا أنني لـك عابدٌ

فـيا فـرحـتي إن صرتُ عبدًا مواليا

تقبل الله من الحجيج مناسكهم، وجزى الله المؤسس وأبناءه الكرام من بعده خير الجزاء على اهتمامهم الكبير بمقدسات المسلمين.

00:24 | 25-05-2026

قصيدة اعتذار.. إلى عرفات الله

إِلى عَرَفاتِ اللَهِ يا خَيرَ زائِرٍ

عَلَيكَ سَلامُ اللَهِ في عَرَفاتِ

وَيَومَ تُوَلّى وُجهَةَ البَيتِ ناضِراً

وَسيمَ مَجالي البِشرِ وَالقَسَماتِ

عَلى كُلِّ أُفقٍ بِالحِجازِ مَلائِكٌ

تَزُفُّ تَحايا اللَهِ وَالبَرَكاتِ

إِذا حُدِيَت عيسُ المُلوكِ فَإِنَّهُم

لِعيسِكَ في البَيداءِ خَيرُ حُداةِ

لَدى البابِ جِبريلُ الأَمينُ بِراحِهِ

رَسائِلُ رَحمانِيَّةُ النَفَحاتِ

وَفي الكَعبَةِ الغَرّاءِ رُكنٌ مُرَحِّبٌ

بِكَعبَةِ قُصّادٍ وَرُكنِ عُفاةِ

وَما سَكَبَ الميزابُ ماءً وَإِنَّما

أَفاضَ عَلَيكَ الأَجرَ وَالرَحَماتِ

وَزَمزَمُ تَجري بَينَ عَينَيكَ أَعيُناً

مِنَ الكَوثَرِ المَعسولِ مُنفَجِراتِ

وَيَرمونَ إِبليسَ الرَجيمَ فَيَصطَلي

وَشانيكَ نيراناً مِنَ الجَمَراتِ

تُقاس الرحلات أحياناً بما تفتحه من أبواب في الذاكرة، لا بما تقطعه من مسافات.

رحلة عباس حلمي الثاني خديو مصر إلى الديار المقدسة عام 1909م كانت من تلك الرحلات التي تحوّلت إلى مشهد تاريخي تتداخل فيه السياسة بالروح، والسلطة بالمعنى الديني، وتتشكّل حوله طبقات من السرد الأدبي والتوثيق الدقيق.

في قلب هذا الموكب، برز حضور أحمد شوقي، شاعر البلاط وصوت الفخامة البلاغية في عصره. كان يُنتظر منه أن يكون رفيق الرحلة كما اعتاد أن يكون رفيق المجد، غير أن المشهد اتخذ منعطفاً غير متوقع. الصحراء بما تحمله من قسوة، وركوب الإبل بما يفرضه من مشقة، صنعا في داخله تردداً ثقيلاً، انتهى إلى قرار صامت بالانسحاب من القافلة في لحظة غفلة.

عاد إلى القاهرة، بينما مضى الركب إلى الحجاز، تاركاً خلفه فراغاً في الموكب وجرحاً في العلاقة مع الخديوي. غير أن الشعر، كما اعتاد أن يفعل، تولّى ترميم ما أفسدته الخطى. فكانت النتيجة قصيدة ستبقى واحدة من أشهر نصوص الحج في الأدب العربي (إلى عرفات الله) بلاغة الاعتذار في ثوب الشعر. لم تأتِ القصيدة مجرد تهنئة بسلامة العودة، بل جاءت نصاً مشبعاً بالاعتراف والاعتذار، ومحمولاً على لغة عالية تنحاز إلى الجلال الروحي بقدر ما تنحاز إلى المجاملة السياسية.

يقول شوقي:

(إلى عرفات الله يا ابن محمد

عليك سلام الله في عرفات)

ثم ينساب النص في بناء شعري يزاوج بين المقام الديني ومقام المخاطب:

(دعاني إليك الصالح ابن محمد

فكان جوابي صالح الدعوات

وخيّرني في سابح أو نجيبة

إليك فلم أختر سوى العبرات)

تتجلى هنا مفارقة دقيقة؛ شاعر يُفترض أن يكون صوت الحضور، يتحوّل إلى شاهد على عجزه، مكتفياً بالدموع بدل المسير، وبالاعتذار بدل المشاركة.

ويزداد المشهد كثافة في قوله:

(وقدّمت أعذاري وذلي وخشيتي

وجئت بضعفي شافعاً وشكاتي)

يتحوّل الضعف في هذا السياق من معنى سلبي إلى عنصر جمالي، يعيد تشكيل صورة الشاعر داخل النص، لا بوصفه فاراً، بل بوصفه إنساناً اصطدم بحدود طاقته.

بين قداسة المكان وملامح السلطة تتجاوز القصيدة بعدها الديني لتلامس علاقة الشاعر بممدوحه. فالخطاب الموجّه إلى الخديوي يكشف طبقة أخرى من المعنى، حيث تتجاور قداسة المكان مع رمزية السلطة، في نص واحد تتعدّد فيه الأصوات والدلالات.

ومع الزمن، أعيدت قراءة القصيدة في سياق مختلف تماماً. فقد أعادت أم كلثوم تقديمها بصياغة غنائية خففت من حضور المدح الشخصي، وصاغتها بروحيّة عامة، مستندة إلى لحن رياض السنباطي الذي منحها طابعاً إنشادياً خالداً.

تحوّل المطلع من خطاب خاص:

(إلى عرفات الله يا ابن محمد)

إلى نداء أوسع:

(إلى عرفات الله يا خير زائر)

فتحررت القصيدة من حدود الشخص إلى فضاء المعنى العام، حيث يخاطَب الحاج بوصفه رمزاً لا فرداً.

هروب صنع خلوداً، نعم قد يبدو المشهد في ظاهره انصرافاً عن واجب، غير أن ما تبعه من أثر جعل من ذلك القرار نقطة تحوّل أدبية. خسر الشاعر رحلة الجسد، لكنه ربح رحلة النص، تلك التي لم تتوقف عند زمنه، بل امتدت لتصبح جزءاً من الوجدان الجمعي في مواسم الحج حتى يومنا هذا..

هكذا يتبدى حضور أحمد شوقي بوصفه شاعراً استطاع أن يحوّل لحظة ضعف إنساني إلى نص متين البنية، متوهج الدلالة، يعبر الأزمنة دون أن يفقد نبرته الأولى.

قصيدة (إلى عرفات الله) لم تعد مجرد أبيات شعرية للاعتذار، بل صارت وثيقة شعرية تعيد تعريف العلاقة بين التجربة والقول، بين العجز والإبداع، وبين الفعل وما يوازيه من تخييل. وفي كل موسم حج، تعود الأبيات لتُستدعى من الذاكرة، كأنها كتبت لتُقرأ من جديد، لا لتُحفظ فقط.

تقبّل الله على صعيد عرفة كل من وقف ولبّى وذكر اسم ربه الأعلى، ووفق ولاة أمر الوطن لخدمة ضيوف الرحمن.

00:05 | 21-05-2026

«مشكاة التفاعلي» مشروع وزارة الطاقة لبناء جيل المستقبل!

في خطوة واعدة ‏وتجربة مُلهمة في قطاع الطاقة تم تنفيذ برنامج مشكاة التفاعلي بالتعاون مع جمعية الطاقة للتنمية المستدامة بجدة، مستهدفاً أكثر من 800 طالب وطالبة بمرحلتي الابتدائية والمتوسطة، لتؤكد أن المواطن في نظر القيادة عماد التنمية الاقتصادية الشاملة والمستدامة، وركيزة أساسية في النهضة التنموية، وتحقيق الإنجازات في مختلف المجالات والقطاعات الواعدة.

جاء مشكاة التفاعلي بوصفه تجربةً تربويةً وتنمويةً جديرة بالإشادة، في زمنٍ تتسارع فيه التحوّلات المعرفية والتقنية، وتزداد فيه الحاجة إلى بناء وعيٍ جديد لدى الأجيال الصاعدة، تبرز المبادرات التعليمية والتوعوية بوصفها استثماراً حقيقياً في الإنسان، لا يقل أهمية عن الاستثمار في البنية التحتية والاقتصاد أو التقنية.

الرقم الكبير للمستهدفين في البرنامج لا يمثل مجرد إحصائية عابرة، بل يعكس حجم الرؤية والطموح اللذين يقفان خلف المشروع؛ فالوصول إلى أكثر من 800 طالب وطالبة يعني أن مئات العقول الصغيرة قد جرى طرق أبوابها بالمعرفة، ومئات الأرواح تم تحفيزها للتفكير والتفاعل والانفتاح على مفاهيم التنمية والطاقة والوعي البيئي والسلوك الإيجابي وحجم الأثر الذي تتركه في الوعي والسلوك والخيال.

برنامج لم يأتِ في قالبٍ تقليدي جامد يعتمد على التلقين المباشر، بل انطلق من مفهوم (التفاعل)، وهو أحد أهم أساليب التعليم الحديثة في عالم اليوم.

فالدراسات التربوية تؤكد أن الطفل يتعلم بصورة أعمق عبر المشاركة والتجربة والحوار والأنشطة التطبيقية، أكثر من اعتماده على الاستماع السلبي للمعلومة.

فالبرامج التفاعلية من أنجح الأدوات المستخدمة في غرس المفاهيم العلمية والقيم السلوكية للنشء، وتعكس فهماً متقدّماً لطبيعة الجيل الجديد؛ جيل الصورة والتقنية والتفاعل السريع.

نجاح البرنامج يكمن في الفكرة ذاتها، وإدراك القائمين عليه أن بناء الإنسان يبدأ مبكراً، وأن ترسيخ مفاهيم الاستدامة والطاقة والوعي البيئي في عقل الطفل يمثل خطوة إستراتيجية بعيدة المدى.

المبادرة القيّمة من وزارة الطاقة تكشف وعياً بمتطلبات المرحلة المقبلة من مسيرة المملكة في ظل رؤية 2030، وقراءة واعية لكلمات ولي العهد الأمين، حين قال -حفظه الله-

(المواطن السعودي أعظم شيء تملكه السعودية للنجاح، وأنه بدون المواطن لا نستطيع أن نحقق أيّ شيء من الذي حققناه).

الشراكة مع جمعية الطاقة للتنمية المستدامة تمنح المشروع بعداً مؤسسياً مهماً، لأن قضايا الطاقة والاستدامة لم تعد موضوعات نخبوية تُناقش داخل المؤتمرات بل أصبحت جزءاً من تشكيل ثقافة المجتمع ووعيه اليومي.

العالم يتجه نحو ترسيخ ثقافة الاستدامة، وتقليل الهدر، وتعزيز المسؤولية البيئية، وإعداد أجيالٍ قادرة على فهم التحديات المستقبلية المرتبطة بالطاقة والمناخ والموارد.

أجمل ما في المشروع أنه اختار الفئة العمرية الأكثر قابلية للتشكيل والبناء. فهي تمثل التربة الأولى التي تُغرس فيها الأفكار والقيم، وكل جهد يُبذل فيها ينعكس لاحقاً على المجتمع بأكمله.

الطفل الذي يتعلم اليوم قيمة المحافظة على الطاقة، وأهمية البيئة، وثقافة التنمية المستدامة، سيكون غداً مواطناً أكثر وعياً ومسؤولية.

البرنامج حقّق هذا الجانب، بدليل حجم المشاركة والتفاعل، وهو ما يعكس وجود فريق عمل مؤمن بالفكرة، وقادر على تحويل الرسائل المعرفية إلى تجربة ممتعة وملهمة للطلاب والطالبات، فمثل هذه المبادرات الصغيرة الذكية تُشعل شمعةً في عقل طفل.

ومن هنا تبدو قيمة (مشكاة التفاعلي)، بأنه مشروع وعيٍ حقيقي يراهن على المستقبل، ويؤمن بأن التنمية المستدامة تبدأ من بناء الإنسان الواعي.

مبادرة استشرافية تنسجم مع سعي وزارة الطاقة ووزيرها الأمير عبدالعزيز بن سلمان لتعزيز نسبة التوطين في منظومة الطاقة، والوصول إلى ما نسبته 75% من مكوّنات القطاع بحلول عام 2030.

التقدير لكل من أسهم في هذا العمل النبيل؛ فكرةً وتنظيماً وتنفيذاً ودعماً، اختاروا أن يزرعوا المعرفة في العقول الصغيرة، وأن يفتحوا نوافذ الضوء أمام جيلٍ يحتاج إلى من يأخذ بيده نحو العلم والوعي والإبداع.

وتلك في الحقيقة أعظم الرسائل التي يمكن أن تقدّمها المؤسسات المجتمعية والتنموية للأوطان.

فهل سنرى مبادرات جديدة وفريدة ومتفردة في هذا المضمار من كافة القطاعات الأخرى ليساقط علينا رطب الرؤية جنياً؟

00:15 | 18-05-2026

ما يموت الود لو مات الكلام!

ما يموت الود لو مات الكلام

‏لك مكان وذكريات ولك شعور

‏ما انت عابر في حياتي والسلام

‏أنت حتى في غيابك لك حضور

أبيات عميقة للأمير الشاعر بدر بن عبدالمحسن ليست بوحاً عاطفياً عابراً، بل بيان وجداني مكثّف عن طبيعة العلاقة التي تتجاوز سطح القول إلى عمق المعنى.

بدر رحمه الله لا يكتب عن حبٍّ عاديٍّ، بل يكتب عن مقام الودّ، عن تلك الرابطة التي لا تنكسر بالصمت ولا تتلاشى بالمسافة.

(ما يموت الود لو مات الكلام)

جملة تُقيم الفرق بين اللغة والروح.

الكلام أداة، والودّ جوهر الأداة قد تصمت وقد تتعثر، وقد تُساء قراءتها؛ أما الجوهر فيبقى نابضاً في الأعماق.

تصوير يأتي لإعلاء قيمة المعنى على اللفظ، ولصدق الشعور على فصاحة العبارة. الودّ هنا كائن مستقل، لا يعيش على حروف، بل يسكن الضمير.

يتوالى البوح الصادق (لك مكان، وذكريات ولك شعور)

ثلاثية محكمة البناء؛ مكانٌ في القلب، وذكريات تؤسّس العلاقة المشتركة، وشعور يمدّ العلاقة بطاقة البقاء.

التكرار المقصود لكلمة (لك) يمنح النص إيقاعاً تأكيدياً، يرسّخ الحضور تثبيتاً بعد تثبيت، ويمنح المخاطَب شرعية الإقامة في قلبه بلا منازع.

(ما انت عابر في حياتي والسلام)

إعلان رفض لفكرة المرور المؤقت، العابر يمرّ كنسمة صيف لا تترك أثراً، أما هذا المخاطَب فصار جزءاً من النسيج الداخلي. يمثل شعوراً ناعماً مثل الشعور الذي تمنحه المخدة لمن أرهقه السهر. جملة تحمل نبرة حسم، قطع للطريق أمام أي محاولة لتصغير العلاقة أو اختزالها في لحظة شعور يمنح الأمان والحماية

(أنت حتى في غيابك لك حضور)..

ذروة المفارقة الجمالية، الغياب عادة نقيض الحضور، غير أن الشاعر يعيد تعريف المفاهيم؛ الحضور ليس جسداً يُرى، بل أثرٌ يُحَسّ.

صورة الشخص قد تغيب عن العين، لكنها تبقى في الذاكرة، في التفاصيل، في الأشياء التي تذكّر به. بذلك يتحوّل الغياب إلى شكل آخر من أشكال البقاء.

قمة الحب الخالص تأتي هنا (لو يخطي الطيب علينا عذرناه طيبه نُشوفه والخطا ما نشوفه)..

هنا لا يُقاس الإنسان بزلاته، بل بصفائه. النظرة تتجه إلى الأصل لا إلى العارض، إلى الطيبة لا إلى العثرة.

هذا اختيار أخلاقي راقٍ؛ فالحب الحقيقي لا يبرر الخطأ، لكنه لا يجعل منه هوية.

الطيب يبقى هو العنوان، والخطأ تفصيل عابر في هامش الصفحة.

تتجلى براعة بدر فنياً في قدرته على تحويل اللغة اليومية إلى شعر يفيض رهافة. مفردات مألوفة، لكن توزيعها يمنحها وهجاً خاصاً. الإيقاع هادئ، متوازن، خالٍ من التكلف. العاطفة صادقة، غير مثقلة بالمبالغة.

تلك هي فرادة الأمير الشاعر؛ بساطة ظاهرية تخفي عمقاً إنسانياً واسعاً.

نص يعكس رؤية للحياة تقوم على الثبات لا على التقلب، وعلى الصفح لا على التشدّد، وعلى الاعتراف بقيمة من أحببنا حتى لو فرّقت بيننا الظروف ودارت بنا الايام

في عالم سريع النسيان، تبدو القصيدة وصية وفاء، تذكّر بأن العلاقات العميقة لا تُقاس بوفرة الكلام، بل بصدق الأثر.

البدر لا يكتب كلمات فحسب، بل يشيّد مقاماً للودّ، ويضع أمام القارئ معياراً راقياً للحب.. أن ترى الخير أكبر من الخطأ، وأن تعترف بالحضور حتى في المسافة، وأن تؤمن بأن بعض الناس لا يمرّون.. بل يقيمون فينا إقامة دائمة ومميّزة لا خروج فيها ولا عودة.

00:00 | 14-05-2026

السعودية ملحمة التحوّل وصناعة الجمال..

بعد سنوات الصحوة العجاف وتصحّر عقول سدنتها وتمرغهم في وحل التشدّد والتنطّع تتوهّج السعودية اليوم وسط التحوّلات الكبرى التي تعيشها.

يتقدّم المشهد الفني بوصفه أحد أكثر المسارات إشراقاً وتأثيراً، حيث تتداخل الرؤية مع الطموح، ويتحوّل الإبداع إلى لغةٍ كونية تعيد تعريف المكان والإنسان.

من أروقة بينالي الدرعية التي تستنطق الذاكرة وتعيد تشكيلها بصيغ معاصرة، إلى تجارب ديزرت إكس العلا التي تفتح حواراً عميقاً مع الطبيعة، يتجلّى أن الفن في السعودية تجاوز حدود العرض والتلقي، ليغدو تجربة وجودية تتشابك فيها الفكرة مع المكان، والهوية مع المستقبل.

الحديث عن الحراك الفني السعودي لا يُقرأ بوصفه طفرة عابرة، بل يُفهم كتحوّل بنيوي عميق، تأسّس على رؤية استراتيجية جعلت الثقافة ركيزة من ركائز التنمية.

فقد انتقل الفنان السعودي من هامش المشهد العالمي إلى مركزه، يحمل رؤيته الخاصة، ويقدّم سرديته التي تنبع من بيئته وتاريخ مجتمعه، ثم تنفتح بثقة على العالم.

ويبدو واضحاً أن الاحتفاء باليوم العالمي للفن داخل المملكة يكتسب بُعداً يتجاوز الطابع الرمزي، ليصبح منصة تأكيد على أن الفن بات جزءاً من النسيج اليومي، وعنصراً فاعلاً في تشكيل الوعي الجمعي.

فالتجربة السعودية لم تعد تكتفي بالمشاركة، بل تسعى إلى التأثير وصناعة الاتجاه.

اللافت في هذه التجربة قدرتها على الجمع بين الأصالة والتجديد؛ فكما يُحتفى بالخط العربي والحِرف اليدوية بوصفها امتداداً لذاكرة حضارية عريقة، تتقدّم في المقابل فنون رقمية وتجارب تعتمد على الذكاء الاصطناعي، بما يعكس وعياً متكاملاً بحركة التاريخ، حيث لا تعارض بين الجذور والانطلاق، بل تكامل يثري كليهما.

وفي هذا السياق، تمثل المشاريع الكبرى مثل حديقة الملك سلمان وما يتفرع عنها من صروح ثقافية، إلى جانب دار الأوبرا الملكية في الدرعية، ملامح مرحلة جديدة يتجسد فيها الفن كجزء من الفضاء الحضري، لا كعنصر منفصل عنه. فالفن يغادر القاعات المغلقة ليقيم في الشوارع والساحات، ويصبح جزءاً من تجربة المدينة اليومية.

أما الحضور الدولي، فيكشف نضج التجربة السعودية، حيث لم يعد الظهور في منصات كبرى مثل بينالي فينيسيا مجرد تمثيل ثقافي، بل مشاركة فاعلة تسهم في صياغة الأسئلة الجمالية المعاصرة. ويتعزّز ذلك عبر الشراكات مع مؤسسات عالمية مثل مركز بومبيدو، التي تفتح آفاقاً جديدة للحوار والتبادل الثقافي.

كما أن تنامي سوق الفن، ودخول دور المزادات العالمية مثل سوذبيز وكريستيز، يعكس تحوّل الفن إلى قوة اقتصادية مؤثرة، تسهم في تنويع مصادر الدخل وتعزيز الصناعات الإبداعية.

ولا يمكن إغفال الدور الحيوي للمؤسسات الثقافية، وفي مقدمتها هيئة الفنون البصرية، التي تقود هذا الحراك برؤية واضحة تستهدف تمكين الفنان، وتوسيع دائرة المشاركة، وترسيخ حضور الفن في تفاصيل الحياة اليومية. فالمسألة لم تعد رعاية للمواهب فحسب، بل بناء منظومة متكاملة تُنتج المعرفة وتدعم الابتكار.

كما يبرز أثر برامج مثل مسك للفنون، والمعهد الملكي للفنون التقليدية، في إعداد جيل جديد من المبدعين، يمتلك أدواته، ويعي دوره، ويتحرك بثقة داخل المشهدين المحلي والعالمي.

هذا التحوّل المتسارع خلال سنوات قليلة يبعث على التأمل؛ فالفن في السعودية لم يعد ترفاً ثقافياً، بل أصبح لغة تعبير حضاري، ووسيلة لبناء الجسور بين الشعوب، وأداة لإعادة صياغة الصورة الذهنية للمجتمع.

وفي عمق هذه التجربة، يبرز سؤال جوهري: ما هو الفن؟

ذلك السؤال الذي تطرحه الحملة المعاصرة بوصفه مدخلاً للتفكير، لا بحثاً عن إجابة نهائية، بل دعوة مفتوحة لاكتشاف الفن في كل شيء؛ في التفاصيل الصغيرة، في التحوّلات الكبرى، في العلاقة بين الإنسان ومحيطه.

هكذا تتشكّل ملامح المشهد الفني السعودي، تجربة حية، نابضة، تتجاوز التعريفات الجامدة، وتمضي بثقة نحو المستقبل، حاملة معها إرثاً ثرياً، ورؤية طموحة، وقدرة مدهشة على تحويل الجمال إلى قوة ناعمة تعيد رسم موقع المملكة على خريطة الثقافة العالمية.

21:52 | 10-05-2026