أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/265.jpg?v=1768301671&w=220&q=100&f=webp

عبدالرحمن الطريري

غضبة الجزائر

في أكتوبر من العالم الماضي، صرّح الرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون أن علاقات بلاده مع جميع ⁠دول الخليج ودّية باستثناء دولة واحدة، وأضاف بأن العلاقة مع السعودية والكويت وسلطنة عُمان وقطر علاقة أشقاء، وفي انتقاده للدولة الخليجية، التي لم يسمها، ركّز على نقطة التدخل في الشؤون الداخلية للجزائر، والقيام بما تورّعت عنه ولم تجرؤ عليه دول كبرى على مستوى العبث بالداخل الجزائري.

وقبل أيام صدرت خطوة لافتة على مستواها السياسي قبل التقني من لدن الجزائر، عبر البدء بإجراءات إلغاء اتفاق خدمات النقل الجوي بين الجزائر والإمارات والتي وقّعت في مايو 2013، وصُدّقت بمرسوم رئاسي في ديسمبر 2014، وهو ما يعني خسارة الإمارات للبنية القانونية التي تفتح السماء بين الدولتين وخسارة بيئة مريحة من قواعد تشغيل شركات الطيران، وغياب الاتفاقية له آثار على مستوى السيّاح والشحن وما ينتج عن ذلك من خسائر اقتصادية، تفضي إلى رفع التكلفة على شركات الطيران وتضييق الوصولية بين مطارات البلدين.

وبالرغم من أن تصريحات الرئيس عبدالمجيد تبون اتّسمت على الدوام بأعلى درجات ضبط النفس والدبلوماسية، إلا أن الأكاديميين الجزائريين وبعض الصحف الجزائرية توسّعوا في تحليل الأسباب الجذرية لهذا الخلاف الكبير، حيث ذهبت بعض التحليلات في صحيفة الخبر ومواقع مثل أوراس، إلى أن تصريحات أكتوبر وإلغاء الاتفاق في فبراير الجاري ما هو إلا آخر الخطوات بعد تحذيرات عدة تمّت عبر القنوات الدبلوماسية أولاً.

ولعل تصريحات الرئيس الجزائري بعد 12 ساعة من قرار البدء بإلغاء الاتفاقية دليل على تراكم هذا الحنق من تصرفات الإمارات، والتي أشار بعض الصحفيين إلى أنها لم تبقِ للجزائر إلا قطع العلاقات، وهذه التراكمات حدثت في جولتين انتخابيتين، صرّح الرئيس بإحداها عبر محاولة أبوظبي دعم مرشح معين في 2019.

كما تلوم الجزائر الإمارات لعرقلتها مقترحاً للأمين العام للأمم المتحدة، سنة 2022، بتعيين وزير الخارجية السابق والسفير الحالي في واشنطن، صبري بوقادوم، مبعوثاً أممياً إلى ليبيا، وهي الخطوة التي علّق عليها دبلوماسي جزائري لوكالة «فرانس برس» حينها: «وحدها الإمارات رفضت تعيين الوزير الجزائري السابق».

لكن بالتعمّق أكثر لمسوغات الغضب الجزائري نجد أنه يأتي من ملفات أمنية بالدرجة الأولى، سواء على مستوى التدخلات في الشأن الجزائري بالانتخابات وأيضاً بمحاولة دعم انفصال «حركة تقرير مصير القبائل» كما أشارت اللوموند الفرنسية في ديسمبر الماضي، وهذا الدعم للأخيرة يعدّ خطاً سيادياً أحمر في منظور الأمن القومي الجزائري.

وبالتوسّع في الملفات الأمنية التي أزعج الجزائر تدخل الإمارات فيها، نجد دعم تقسيم دول عربية عبر تسليح حركات انفصالية كالدعم السريع في السودان، وخليفة حفتر في شرق ليبيا من أبرزها، كما نجد أن زعزعة استقرار دول مجاورة، وعلى رأسها مالي أمر حسّاس جداً للجزائر.

وتأتي حساسية ملف مالي باعتباره ملف أمن حدودي، وللجزائر وساطة تاريخية رعت من خلاله «اتفاق الجزائر» 2015 بين باماكو وبعض حركات الشمال، وبذلك ربطت نفوذها بشرعية التسوية، وعندما قررت السلطة في مالي إنهاء الاتفاق مطلع 2024، حذّرت الجزائر من مخاطر على كامل الإقليم.

ولأبوظبي عدة تصاريح حول العلاقات الدبلوماسية مع مالي والاتفاقيات التجارية والثقافية وغيرها، ولكن من بين هذه الاتفاقيات كان لافتاً ما نشرته الصحيفة الإنجليزية العريقة فاينانشال تايمز في فبراير من العام الماضي، عن استحواذ مستثمر إماراتي على 50% من أسهم مناجم الذهب، خاصة منجم «ساديولا».

والذهب يذكّرنا أيضاً بالحديث الذي ترصده التحليلات حول الاستماتة في تمويل وتسليح قوات الدعم السريع، وهو ما يتّسق مع كل ما لفظه العالم من فترة الاستعمار ونبذ سرقة خيرات الشعوب، والتي كثيراً ما حدثت عبر دول وظيفية وحركات انفصالية.

00:10 | 9-02-2026

نهاية الوهم الغربي الجميل

سادت فكرة في الغرب قبل عقود تتحدث عن التاريخ الخطي والنمو المستدام، حتى كسر هذه الفرضية كتاب «أفول الغرب» للفيلسوف الألماني أوزوالد شبنغلر والذي أصدره عبر جزءين في العامين 1918 و1922، وأراد من خلاله شبنغلر أن يتعامل مع الحضارات كدورة حياة الإنسان، يكون طفلاً ثم فتياً مروراً بالكبر والشيخوخة قبل الموت.

وقد أراد حينها الإشارة إلى المخاطر التي تحيط بالديموقراطية وبالحضارة الغربية بشكل عام، عبر الانتقال من طور «الثقافة» الخلّاقة (الدين، الفن، المعنى) إلى طور «الحضارة» الميكانيكية (المدينة الكبرى، التقنية، المال، الإدارة). لا يرى شبنغلر «النهاية» حدثاً مفاجئاً، بل تحوّلاً بنيوياً يفقد فيه الغرب قدرته على إنتاج معنى جامع، ويستعيض عنه بالتوسع البراغماتي وإدارة القوة، بما يفتح الباب لصداماتٍ داخلية واستقطابٍ سياسي، وصولاً إلى ما يسميه ظهور «القيصرية» وهي حكم النخب القوية والعسكرية مدعومة من رجال الأعمال.

ولا شك أن الوصف الأخير يشابه ما نراه في المشهد الأمريكي وفي أماكن أخرى من الغرب، ومن جانب آخر هناك كتاب بنفس المسمى للمؤلف المغربي حسن أوريد، يتحدث فيه الكاتب عن أبرز مراحل صعود الغرب من نهاية الحرب العالمية الثانية، مروراً بسقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفييتي.

وبالتالي فكرة تراجع دور الغرب بالشكل الذي تمثله المظلة الأمريكية وحلف الناتو والعلاقات التجارية بين الغرب وواشنطن ليست حديثاً جديداً، لكن دخلت عليها العديد من المدخلات خاصة من الثمانينات الميلادية وهي المرحلة التي تسبّبت في بداية سلبية الميزان التجاري الأمريكي خاصة في مجال المنتجات.

وهو المدخل أيضاً لفهم التعرفة الجمركية الأخيرة من الإدارة الأمريكية، حيث تمثل الدول الخمس التالية الدور الأعلى في التأثير على الميزان التجاري الأمريكي توالياً وهي، الصين والمكسيك وفيتنام ثم إيرلندا وألمانيا.

وفي العقد الأخير ظهرت عدة محاضرات تتناول تراجع الغرب حسب التطورات الأخيرة وأبرزها تقهقر حلف شمال الأطلسي «الناتو»، حيث كتبت المؤرخة والصحفية الأمريكية البولندية آن أبلباوم مقالاً بعنوان «هل هي نهاية الغرب كما نعرفه؟» وذلك في صحيفة ذا أتلانتك، وذكرت في مقالها أننا على بعد انتخابين أو ثلاثة من فناء الناتو.

كما تطرق عدد من المتحدثين في مؤتمر دافوس نسخة 2016 إلى نفس الفكرة، ومن أبرزهم غيديون راكمان كبير معلقي الشؤون الخارجية في «فاينانشال تايمز»، والذي لديه كتاب «الشرقية» والذي أصدره في العام نفسه، وتطرق إلى انتقال مركز الثقل العالمي من الغرب إلى آسيا وتحديداً الصين والهند، والاقتصادي نيال فيرغسون والذي تناول أيضاً تراجع الغرب لمصلحة الشرق وأسماه «التدهور العظيم».

وهذا يأخذنا إلى ما حدث في دافوس أيضاً خلال الشهر الماضي، حيث كلمة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني المؤثرة للغاية، والتي وصفت بأنها خطاب النعي الأخير للغرب، وكانت قاسية في بعض وصوفها حيث استخدم عبارة «نهاية الوهم الجميل» (The end of a pleasant fiction) لوصف الاعتقاد السابق بأن التكامل الاقتصادي وحده سيضمن السلام العالمي.

وأضاف: «رسالتي للقوى المتوسطة: من لا يجلس على طاولة المفاوضات، سيكون هو الطبق الرئيسي على «قائمة الطعام». علينا أن نتوقف عن الحنين للماضي ونبدأ ببناء نظام جديد يعتمد على الواقعية والتحالفات المبنية على المصالح الصادقة»، يأتي كذلك تزامناً مع إحياء رئيس الوزراء الكندي علاقات كندية صينية وصفت بالفتور والحرب الصامتة وغياب الزيارات المشتركة لثمان سنوات، مارست كندا حينها رسوماً على السيارات الصينية والألمنيوم، وردت بكين في العام الماضي برسوم بلغت 100% على منتجات كندية زراعية وبحرية مثل (زيت الكانولا والاستكوزا والبازلاء).

وفي يناير أيضاً توجه رئيس الوزراء البريطاني إلى بكين لبحث سبل التعاون وتعزيز العلاقات، وهو ما يعني ضمناً أن كل التخوفات البريطانية من مبنى السفارة الصينية الجديد في لندن وإمكانية تجسسه على أسواق المال سيكون مما يغض الطرف عنه، ومن جانبه وقّع الاتحاد الأوروبي اتفاقاً مع الهند يؤدي لتحرير جمركي واسع النطاق، وتوسيع نفاذ الهند للأسواق الأوروبية.

كل ما يحدث في الغرب إذن لا يمكن اختزاله في الحمائية الأمريكية والتعرفة الجمركية، بل هو تغيير بنيوي له العديد من الآثار من ضمنها صعود اليمين المتطرف، وزيادة الحديث عن المهاجرين وبالتالي العنصرية، ومن أكثر صوره إيلاماً هو خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي «بريكست».

هذا التغيير قد يؤثر في المدى المتوسط على استقرار الناتو بل والاتحاد الأوروبي أيضاً، حيث يشهد الغرب تحديات اقتصادية كبيرة منذ الجائحة التي لم يتعافَ منها الاقتصاد الألماني على سبيل المثال، خاصة بعدما تلاها من الحرب الروسية الأوكرانية وتأثيرها على الطاقة في أوروبا، والتحدي الرئيسي يتمثل في أن التقارب الأخير مع الصين والهند يبدو حلاً تكتيكياً ما زال يحتاج إلى رافعة استراتيجية قد لا تكون جامعة للغرب بالضرورة.

23:59 | 1-02-2026

مهمة الموساد في جنوب السودان

حين أوجدت إسرائيل في بحر متلاطم من العالم العربي والإسلامي، انتهجت عدة إستراتيجيات من ضمنها اللعب على المتناقضات وتعزيز العلاقات مع الكيانات غير العربية والمتاخمة للدول العربية، وشملت في البدايات إيران الشاه وتركيا وإثيوبيا وكينيا، وتنوعت أطر التعاون من اقتصادي إلى عسكري.

وانضمت لهم في الستينات الميلادية دولة جنوب السودان، ومن أهم أسباب نظر تل أبيب للعلاقة مع جنوب السودان كفرصة هو تجنّب فكرة تكامل الجيش المصري والسوداني بعد حرب 67، خصوصاً والقمة العربية في الخرطوم خرجت باللاءات الثلاثة (لا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض).

وعبر هذه العلاقة بدأت كما يظهر في كتاب «مهمة الموساد في جنوب السودان» تحركات الضابط دافيد بن عوزئيل، والذي عمل على تدريب جيش جنوب السودان، مما نتج عنه مرحلياً انشغال السودان بجنوبه عوضاً عن تكامل جهوده مع مصر، مع ما زاد على ذلك من سوء إدارة البشير لهذا الملف حتى تم الإعلان عن انفصال جنوب السودان في 9 يوليو 2011.

تل أبيب أعلنت اعترافها بجنوب السودان بعد يوم واحد من انفصالها، وبعد خمسة أيام أعلنت دولة جنوب السودان نيتها إقامة علاقات دبلوماسية كاملة مع إسرائيل، وعندما قدّم سفير جنوب السودان أوراق اعتماده في تل أبيب قال: «جنوب السودان أقيم بفضلكم، ولقد ولد الجنوب بفضل دولة إسرائيل والجنرال جون».

صفحات التاريخ تلك مهمة في فهم المستجدات الإقليمية وعلى رأسها اعتراف إسرائيل بصوماليا لاند، وذلك في ديسمبر من العام الماضي، وتلا ذلك مباشرة زيارة وزير الخارجية جدعون ساعر إلى أرض الصومال لبدء الترتيبات الدبلوماسية لإنشاء السفارتين.

ولم يفصل بين الاعتراف بصوماليا لاند والتحركات التي قام بها عيدروس الزبيدي والمجلس الانتقالي في محافظتي حضرموت والمهرة إلا ساعات، مما يعني أن هناك مساراً من الأجندات المشتركة بين إسرائيل ودول إقليمية، استهدف السيطرة على باب المندب، ووضع تل أبيب كلاعب رئيسي في أمن البحر الأحمر.

والتحركان في الصومال وجنوب اليمن حدثا بعيد تراجع قوات الدعم السريع عسكرياً، بعد ضغوط غربية على صادرات السلاح، وبعد الكارثة الإنسانية التي قامت بها قوات الدعم السريع في الفاشر، وسلطت أعين العالم مجدّداً على السودان، بعد أن غاب عن الأخبار إبان حرب العامين في غزة.

وعن مسارات تسليح وتمويل الدعم السريع في السودان، ما نشرته صحف إسبانيه مثل (الفارو دي كوتا) خلال الشهر الأخير من العام الماضي، حول إيقاف سفينة شحن تحمل علم ليبيريا، للاشتباه بوجود قوارب/زوارق على متنها تُصنّف «ذات استخدام عسكري» ووجهتها بنغازي، بالرغم من حظر السلاح الأممي على ليبيا.

ونقطة انطلاق السلاح إلى دارفور لا تقتصر على ليبيا، بل هناك أيضاً مسار تشاد، حيث أنشأت الإمارات مستشفى ميدانياً في «أم جرس» بغرض علاج الحالات الإنسانية على الحدود السودانية، واللافت حول ذلك هو ما ذكرته رويترز عن خبراء أمميين حول عشرات الرحلات الإماراتية التي وصلت إلى مدرج في شرق تشاد، مع اشتباه بأن بعضها يحمل عتاداً عسكرياً إلى «الدعم السريع».

وبالتالي كان هناك عمل متدرج خلال السنوات الماضية واشتدت وطأته مؤخراً، يستهدف الإخلال باستقرار دول إقليمية كبيرة، ومن هنا ندرك حكمة التحرك السعودي في جنوب اليمن، حيث غرر عيدروس بمن يتوقون إلى مشروع دولة الجنوب، لتنفيذ أجندة خارجية لا يتجاوز استقلال الجنوب كونه ملفاً هامشياً في الأجندة.

00:07 | 12-01-2026

بيدق عيدروس في رقعة الاصطفاف..

مثّلت بداية التسعينات الميلادية مرحلة فارقة في منطقتنا كما في العالم، حيث شهدت سقوط الاتحاد السوفييتي والمعسكر الشرقي وبالتالي نهاية العالم ثنائي القطبية، وفي منطقتنا حصلت عدة تغيّرات كبيرة في جزء منها كان تحركاً مبنياً على التغيّرات في المسرح الدولي، ولعل من أبرزها وحدة شطرَي اليمن الشمالي والجنوبي.

وبعد التسعينات انطلقت الأجندات غير العربية في المنطقة وشهدت موجتي تسارع؛ الأولى في بداية الألفية، والأخرى كانت خلال وبعد ثورات ما سمي بـ«الربيع العربي»، أحد مشاهد الذروة في عقد الألفية الأول كانت في حرب تموز (يوليو) التي أشعلها حزب الله بخطف جنديين إسرائيليين، وهي ما مثل ارتهان بعض الحركات في دول عربية لمسارات خارجية، وأنظمة أيضاً مثل نظام الأسد.

وموجة الربيع العربي مثلت الذروة بالنسبة لركوب القطار التركي، باعتباره نموذجاً لحكم إسلامي ببدلة وربطة عنق، بمعنى أنه يسمح بهامش من العلمانية يوسع دائرة قبوله في تركيا، ولا يغلق الباب الأوروبي بالكامل، وركبت تلك الموجة جماعة الإخوان في مصر، وكذلك فعل الغنوشي في تونس وغيرها من الحركات من المحيط للخليج.

واليوم وبعد عامين من ما سمي بطوفان الأقصى، والذي يقرأ إسرائيلياً وتحديداً من حكومة نتنياهو، بأنه أقصى كل التهديدات الإيرانية من محيطه سواء في غزة أو لبنان، بل ووجه ضربة غير مسبوقة منذ وضعت حرب عراق صدام حسين وإيران أوزارها.

وبالتالي يحرك إسرائيل اليوم أمران؛ المحرك الأول هو استحقاقها بجني أرباح هذا النصر، والأمر الآخر الانتقام لمن جعلوا هذا النصر ناقصاً، والمشروع الأكبر متعثراً، وهنا أقصد مشروع التهجير الذي وقفت له مصر بالمرصاد، أما النصر المنقوص فهو برودة ملف التطبيع وتمسك المملكة بحقوق الشعب الفلسطيني، وهذا ما أشار له إيلان بيرمان الباحث في مجلس السياسة الخارجية الأمريكية في مقابلة قبل أيام على شاشة الحرة.

حيث اعتبر أن هذا الحنق الإسرائيلي من جهود المملكة الحثيثة بما يشمل إعلان نيويورك، والتي أسهمت في زيادة اعتراف الدول بحقوق الدولة الفلسطينية بما يشمل دول غربية لم يكن يُتخيل أن يعترفوا بفلسطين كبريطانيا وفرنسا وأستراليا، لكم من جانب آخر مثلت جهود المملكة فرصة لأطراف أخرى لتقفز في قطار الاصطفاف الإسرائيلي، كأجندة غير عربية أخرى في المنطقة.

كما أن هناك أمراً آخر أشغل مجتمع الاستخبارات الإسرائيلي في الأشهر الماضية وهو إشارات إلى تواصل بين جماعة الحوثيين وحركة الشباب في الصومال، وبالتالي تم قراءة ذلك كإعادة تموضع خارجية وخلق تحديات أمنية جديدة لتل أبيب في مناطق قد يكون الولوج لها أصعب، وواقع الجغرافيا يقول بأن هناك أرض الصومال التي تشهد حكماً شبه مستقل منذ العام ١٩٩١، وتتوق إلى اعتراف دولي وبالتالي لا تمانع منح إسرائيل التواجد العسكري مقابل اعتراف إسرائيل، وبالتالي تيسير الاعتراف الغربي، خاصة والكونغرس متصالح مع الاعتراف بها أكثر من البيت الأبيض.

ومن هنا يجب قراءة ما حدث في جنوب اليمن، فالأدوات كالمجلس الانتقالي قد تكون حاجبة للصورة الكبرى، فهذا الاصطفاف الذي تصنعه إسرائيل بدافع جني الأرباح من الحرب والانتقام من الجبال التي اصطدمت بها أجندتها، هو ما جعلها تستهدف العمق الأمني العربي.

حيث كان الاعتراف بأرض الصومال مواجهة حقيقية مع مصر، وكان تحريك عيدروس الزبيدي تحدياً رئيسياً للسعودية، والطموح كان وجود نفوذ عسكري على البحر الأحمر وبحر العرب، والاستمرار في مشروع تفتيت الدول العربية، عبر يمن مقسم وصومال مقسم وفي ذلك أيضاً تصدٍ للموقف السعودي المصري الحاسم ضد تقسيم السودان وعبث مليشيات الدعم السريع، ولعل طرح سمو ولي العهد لموضوع السودان في زيارته الأخيرة لواشنطن أزعج كل داعمي حميدتي، ليس فقط لأثر ذلك على السودان، بل ما يمتد من استقرار السودان لوأد مشروع تجزئة ليبيا.

أما في اليمن فلم يكن عيدروس الزبيدي يعتقد حسم المملكة وجديتها في صون مقدراتها وحدودها، وثباتها في موقفها من أمن واستقرار اليمن، فسارع بالصعود على الشجرة، برفضه هبوط طائرة المفاوضين السعوديين، ثم إعلانات الانفصال ليس للجنوب بل الانفصال عن الواقع، ثم إعلان فترة السنتين حتى دستور الجنوب، واليوم تقدم دعوة الرئيس العليمي لحوار بين الجنوبيين في المملكة استجابة الرياض سلماً مثالياً للنزول من الشجرة، إذا ما أراد فعلاً حلاً جذرياً لهذه القضية العادلة.

الجيد في هذا المشهد أننا سنشهد تنسيقاً أكبر في اصطفاف عربي تقوده مصر والسعودية، تصدى سابقاً للأجندات غير العربية، وقدره دوماً أن يتصدى لها ولأضغاث الأحلام التي ترافقها.

00:00 | 5-01-2026

حكمة الحكم في العراق..

شنّت الطائرات الأمريكية غارات في سوريا انتقاماً لمقتل 3 أمريكيين، هم جنديان ومترجم، بهجوم قام به تنظيم «داعش» في تدمر بالبادية السورية، وشملت الضربات الأمريكية أهدافاً عدة بوادي دير الزور وحمص والرقة.

وفي لقاء على أثير بي بي سي لمعز مصطفى، المدير التنفيذي لفرقة العمل السورية للطوارئ (SETF)، «ذكر أنها عملية غير مفاجئة تم العمل عليها بشكل مشترك بين القوات السورية والأمريكية»، كما أكّد أنها ليست عملية منفردة وسنشهد المزيد من قبل القوات السورية والأمريكية خاصة في منطقة البادية، التي اعتبرها آخر معاقل تنظيم داعش.

لافتاً، حين سئل عن تأثير سقوط نظام الأسد على التنظيم، «إن وجود نظام الأسد كان شيئاً عظيماً بالنسبة لتنظيم داعش حيث ساهم في دعايته للتجنيد»، وأشار على متغيّر كبير على الأرض وهو تحوّل الحكومة في دمشق من عدو لحليف، مما يخلق فرصة لتكامل قدرات مقاتلين يفهمون طريق تفكير التنظيم مع القدرات العسكرية والاستخبارية لواشنطن.

وهذا نسق في إدارة ترمب ربما لا يكون بارزاً في الأخبار بشكل كافٍ، حيث قامت واشنطن بتوجيه ضربة أيضاً للتنظيم في الصومال فبراير الماضي، قضت فيه على القيادي بلال السوداني، وعشرة عناصر أخرى من التنظيم، وذلك بعد أسبوعين فقط من عودته للبيت الأبيض.

لكن مرور ما يقارب عقد من الزمان على نشأة داعش وشبه اندثارها اليوم، يفتح ذلك أسئلة عدة خاصة في العراق، حيث تشكّلت فصائل الحشد الشعبي بذريعة التصدي للتنظيم، خاصة بعد فشل الجيش العراقي آنذاك وسقوط المدن تباعاً في أيام ولعل أبرزها الموصل.

وهذه الأسئلة تلح خاصة مع الأخذ في الحسبان تقييم إسرائيل لهذا السلاح والمسيّرات التي تمثّل خطراً عليها، بعد الواقع الجديد الذي فرضته معركة السابع من أكتوبر في غزة، مروراً بضرب دول عدة من نفس المحور، وصولاً للضربات المستمرة ضد مواقع سلاح حزب الله اللبناني، الذي ما زال يمتنع عن تسليم سلاحه، رغم موافقته على شروط تسليم السلاح للجيش ضمن اتفاق وقت إطلاق النار.

والأحاديث عن ضربة للعراق في الطرح الإسرائيلي بدأت في نوفمبر من العام الماضي، حين أبلغت واشنطن العراق بأنه سيتعرّض لضربات من إسرائيل إذا لم تمتنع الفصائل عن مهاجمتها، بحسب تايمز أوف إسرائيل.

من جانبها ذكرت صحيفة الشرق الأوسط أن مسؤولين عراقيين تسلّموا خلال الأيام الماضية قاعدة بيانات أمنية إسرائيلية شديدة التفصيل عن الفصائل المسلحة العراقية، وتضمَّنت معلوماتٍ واسعة عن القيادات، والبنية العسكرية، والشبكات المالية، والواجهات الحكومية المرتبطة بهذه الجماعات.

إسرائيل بالفعل اخترقت الأجواء العراقية مرات عدة خلال ضرباتها لإيران، ولابد أن ذلك لم يخلُ من طائرات تجسّس على العراق، لكن العراق من جانبه غلبت عليه الحكمة في العامين الماضيين، فلم يذهب بعيداً كما ذهب حزب الله مع إسرائيل، وكذلك لم يذهب بعيداً عندما لاح في الأفق سقوط الأسد، الذي بطبيعة الحال لا يكن له العراقيون بمختلف طوائفهم مودة تذكر.

الرغبات الإسرائيلية في العنف والتدمير لم تعد تخمينات خلال العامين الماضيين، لكن كل مرة ارتدعت عن مزيد من الضربات سواء في لبنان أو غزة كان بضغط أمريكي، اليوم ينطلق سباق محموم بين الجموح الإسرائيلي وطلب ضوء أخضر أمريكي، وبين حكمة الفصائل في توحيد السلاح بيد الدولة وبالتالي سيادة قرارها.

00:03 | 22-12-2025

السعودية شريك لا يمكن تجاوزه

من تابع الصحف في المنطقة لا سيما غير الناطقة بالعربية قبيل زيارة ولي العهد لواشنطن، يجد طيفًا واسعًا من التحليلات لدرجة أن بعضها يصل لدرجة التخيّلات، لكن ما بين السطور من هواجس كان واضحاً أيضاً، وإن حاولت الصحف العبرية على سبيل المثال تغطيته بتعزيز سردية لا F35 بدون تطبيع.

سردية أخرى كانت تتشنف بها آذان الإسلام السياسي ممثلاً في «الإخوان المسلمون» خاصة، وهي أن المسألة اقتصادية محضة، وربما شهدنا زخم هذه الدعاية في زيارة ترمب الأولى للمملكة، لكن من يتكبدون عناء قراءة التفاصيل لا الجلوس على سحابة العناوين، يدركون أن المال موجود عند الكثيرين، لكن حسن إدارة المال كمورد يضاف للمورد الأساسي وهو الإنسان ضمن موارد أخرى كالأثر السياسي والاقتصادي هو ما يصنع دولة ذات تأثير، يدفع الآخرين للجلوس معها والسعي لعقد الصفقات.

ملمح آخر من ملامح القوة السعودية في مرحلة ما بعد الرؤية، أن أجندة النقاش لم تعد حصراً في مجالات النفط والأمن، بل تحوّلت إلى قدرة المملكة على إنتاج مزيج من الطاقة المتجدّدة بالإضافة إلى النفط والغاز يعد الأرخص والأكثر استدامة وموثوقية، بالإضافة إلى قدرتها على بناء جسور الاستقرار في المنطقة.

هذا الاستقرار بوصلته نهج المملكة العربية السعودية الذي يرى الحل العادل للقضية الفلسطينية هو عصب الاستقرار في المنطقة وبوابة السلام، التي تُفتح لتُغلق باب المزايدات السياسية والأجندات الصغرى التي تمتطي كل يوم صهوة جواد فلسطين للسير نحو اتجاهات أخرى من الخريطة.

وبالنظر إلى تحليل abcnews، على سبيل المثال، ذكرت أن ولي العهد أبدى تمسّك المملكة بمسار حل الدولتين، وهو ما سمته بأنه رفض تقديم تنازلات مجانية، وأضافت المحطة أنه لا يتوافق بالضرورة مع رؤى بعض أعضاء الحكومة الأمريكية.

يأتي ذلك لاحقاً لما قامت به المملكة وفرنسا من جهد دبلوماسي أدّى إلى ارتفاع غير مسبوق في الدول التي تعترف بالكيان الفلسطيني، وربما سيسجّل لاحقاً في بحوث طلاب العلوم السياسية، منهج جديد في تعزيز المكاسب السياسية الهادئة رغم ضوضاء المدافع.

من جانب آخر، يولي المنهج السياسي للسعودية مكانة لاستقرار الدول وإيقاف الاحتراب الداخلي، والحد من ضغوط الاقتصاد والعقوبات التي غالباً ما يكون المتأثر الأكبر منها هو الشعب، تؤدي لخلل بنيوي داخل الدول، وتصل ارتداداته إلى المحيط بدرجات متفاوتة، ومن هنا تأتي مبادرات السعودية نحو رفع العقوبات عن سوريا، واليوم وضع الملف السوداني المغرورق بالدماء على الطاولة مجدّداً، والدفع لاتفاق نووي مع إيران يراعي مصالح الجميع.

الزيارة تضمّنت اتفاقيات عديدة بعضها يهتم بالتقاطة الإعلام أكثر، كصفقة الطائرات والدبابات أو حتى التعاون في المجال النووي السلمي، وبالطبع في الذكاء الاصطناعي، لكن بها الكثير أيضاً من الاتفاقيات في المجالات الصحية والتعليمية والبنى التحتية، تسهم في الوصول لتقنيات أمريكية وتوطين بعض التقنيات في المملكة.

هذه الزيارة سيسجّلها التاريخ على المستوى البروتوكولي، وعلى مستوى شمولية مجالات التعاون ودور المملكة في تعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي، وسيبقى عنوانها أن السعودية شريك مهم لا يمكن تجاوزه في العالم وليس في واشنطن فقط.

00:07 | 24-11-2025

الغاز المسال والعلاقات الصلبة

تأتي زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لواشنطن هذا الأسبوع لتمثل محطة مهمة في تاريخ علاقة البلدين، لكنها تصف بشكل أبلغ واقع العلاقة اليوم، وكيف أصبحت المملكة بعد ما يقارب عقداً من زمن إطلاق رؤيتها لاعباً دولياً مهماً، يبني على إرث من الوزن السياسي والمواقف الراسخة والعلاقات المتوازنة.

ومن هنا تنظر واشنطن للمملكة كلاعب رئيسي على المستوى السياسي وقادر على التأثير في عدة ملفات إقليمية، كما أنها لاعب رئيسي في توازن أسواق الطاقة، ليس فقط على المستوى النفطي، بل أيضًا تعد أسرع الأسواق نموًا في الطاقة الشمسية وتسعى للريادة في الطاقة النظيفة، وهو ما يجعلها بحسب مجلس شيكاغو للشؤون الدولية «شريكًا مهمًا في تأمين تحوّل الطاقة عالميًا».

وقد شهدنا خلال زيارة الرئيس ترمب للرياض توقيع مذكرات تفاهم بين أرامكو وشركات غاز أمريكية. تشير عدة مصادر من ضمنها وكالة رويترز إلى أن زيارة نوفمبر ستثمر عن اتفاقيات إضافية تستهدف زيادة استثماراتها في الغاز المسال الأمريكي، وفرص زيادة حصتها في شركات أمريكية.

وهذا الأمر يؤدي لمنافع مشتركة تتجاوز الطاقة بحد ذاتها، إلى فرص التعاون في مجالات الذكاء الإصطناعي وخاصة قواعد البيانات والحوسبة السحابية، حيث تمتلك السعودية بنية تحتية قوية بالإضافة إلى تنافسية عالية في تقديم مزيج طاقة منخفض التكاليف، ويكفي الإشارة إلى أن المملكة استثمرت حتى الآن ما يقارب 21 مليار دولار فقط في مراكز البيانات، ناهيك عن السيارات الكهربائية واستكشاف الفضاء والصناعات المتقدمة.

من جانبه نشر معهد واشنطن تحليلاً لـ«دانا سترول»، إطاراً عاماً يشير إلى تطلع الإدارة الأمريكية للارتقاء بالعلاقات الأمريكية السعودية إلى مستوى جديد من الشراكة. في ظل التنافس العالمي الحالي، مما يعني النجاح في أمن سلاسل التوريد، والابتكار التكنولوجي المتطور، والقدرة الصناعية، والاقتصادات المرنة.

السعودية من جانبها تنظر إلى الطرف الأمريكي لتطوير أسطولها الجوي العسكري، وماذا يمكن أن يسفر عنه التعاون الدفاعي والأمني بين الطرفين، بالإضافة إلى جذب المزيد من الاستثمارات والتقنيات الأمريكية، التي ستستفيد من الفرص الواعدة التي تقدمها رؤية السعودية 2030.

خلال العامين الماضيين كانت المملكة راسخة في قرارها السياسي ومواقفها الثابتة ليس فقط في الموقف من قضية فلسطين، بل بالوقوف بوضوح ضد أي اعتداء على سيادة دول المنطقة، وحافظت على حيادها في الموضوع الروسي الأوكراني، وهذا ما نتج منه عدة خطوات إيجابية ليس أقلها احتضان المفاوضات الروسية الأمريكية، وهذا يقرب الفهم أكثر من أن المملكة أكبر من أن تصطف مع طرف ضد آخر.

في فترتي رئاسة دونالد ترمب اختار الرياض كوجهة أولى، وبينهما زار الرئيس بايدن مدينة جدة بعد أن نزل من شجرة تصريحاته في بداية فترته الرئاسية، ذلك لا يعد تفصيلاً صغيراً على مستوى مكانة المملكة العربية السعودية اليوم، ودورها في ملفات الأمن والسلم الإقليمي واستقرار أسواق الطاقة، والثقل الاقتصادي ودورها في سلاسل الإمداد ومستقبل تقنيات الذكاء الاصطناعي.

رمزية هذه الزيارة تتجاوز اتفاقية بعينها سواء كانت أمنية أو غازاً مسالاً، رمزية هذه الزيارة هي رغبة الطرفين في الاستثمار في العلاقات الصلبة.

00:04 | 17-11-2025

هواجس السلام في زمن الحرب

من زمن السادات حتى زيارة الرئيس أحمد الشرع الحالية تظل هواجس السلام حاضرة في الوجدان العربي، حيث لم تنفك اللقاءات المعلنة منها وما تم من وراء حجاب، سواء بشكل مباشر أو عبر وسطاء.

الحديث عن التطبيع مع إسرائيل حاضر عند الحديث عن سورية وعن لبنان أيضاً، وحتى حالة الحرب الإسرائيلية الإيرانية التي استمرّت 12 يوماً، ذهب بعض المحللين إلى أنها تسوية على النار لعودة إيران إلى علاقات دبلوماسية مع إسرائيل.

كما يمتد الحديث للسعودية التي تكرر بوضوح جلي تمسكها بحل الدولتين، والذي تراه الحل الجذري لمشكلة دامت أكثر من سبعة عقود، ومثّلت السبب الرئيسي للأزمات في المنطقة، وتطفّلت عليها كيانات وأجندات غير عربية أثّرت على استقرار دول عربية وليس فلسطين فحسب.

يُخضع الساسة في العالم العربي العلاقات مع إسرائيل للنقاش المعمق، على مستوى الجدوى السياسية وعلى مستوى القبول الشعبي، وربما أقل الزوايا تعاطياً في التحليل هو مدى رغبة الشعب الإسرائيلي بالسلام، وهل هو سلام أو تطبيع Normalisation، وهو المصطلح الذي استخدم بعد اتفاق كامب ديفيد.

فمصطلح التطبيع معني بفكرة عودة العلاقات إلى الطبيعة الاعتيادية الدبلوماسية والخروج من حالة الحرب، لكن السلام حالة أعمق من الثقة والطمأنينة، ومن المعلوم أن السلام هو العبارة التي يبدأ بها المسلمون واليهود تحيتهم.

ومن هواجس السلام اليوم هو ما تركته حرب غزة من أثر في النفس، وما تجاوزها في لبنان واليمن وإيران، وهذا الأثر لا نشهد ظلاله في منطقتنا فقط بل يمتد إلى نيويورك التي يختار ثلث يهودها زهران ممداني، وتزيد النسبة لدى جيل الألفية منهم، وهو ما يرمز لإدراكهم بأن حكومة نتنياهو في قتلها للأطفال في غزة لم تكن تحقق هدفاً قومياً أو دينياً.

العام 2020 كان محورياً على مستوى العلاقات العربية الإسرائيلية، بعد رعاية الرئيس ترمب للاتفاقيات الإبراهيمية بين عدة دول عربية وتل أبيب، وهنا تناولت عدة تحليلات ومنها ما نشر في foriegn affairs شهر يوليو الماضي حول الشأن الفلسطيني، عبر طرح تساؤل: هل تعني الاتفاقيات الإبراهيمية تراجع أهمية فلسطين في العالم العربي؟

والهاجس الثاني الذي ساد الأوساط الإسرائيلية عبثاً، الاعتقاد بأن الدول العربية والخليجية تحديداً ستحتفل بضرب إيران أو أذرعها، وهذا ما جانب الواقع، فالنضج السياسي العربي لا ينظر لسطحية القول بعدو عدوي صديقي.

التحليلات الإسرائيلية الصحفية بالمجمل أخفقت في إدراك عمق الاتفاق السعودي الإيراني برعاية الصين، وأغفلت كذلك المبدأ الذي تدير فيه المملكة اختلافاتها، وربما غابت دروس التاريخ في كيف تعاملت الرياض مع مختلف الحرائق التي نشبت في محيطها بأدوات الحكمة.

من جانب آخر، يدخل كثير من الصحفيين في الغرب عامة بالتحليل المبني على التمني عبر القول بأن المملكة ستقبل باتفاق سلام دون شرط الدولتين، وهو أمر كرره المسؤولون السعوديون في عدة مناسبات، بل حتى الرئيس ترمب أقر به عند زيارته الرياض، عبر تفهمه للموقف السعودي الواضح.

حين أشعلت إسرائيل نيران الحرب رداً على السابع من أكتوبر، حملت المملكة مشعل السلام والحل السياسي للدولتين، ونجحت برفقة فرنسا في جلب تأييد كبير وغير مسبوق، ولا يمكن إغفال أن هذا الأمر تم بدافعة قوية من تغيّر في الرأي العام الغربي في حرب غزة الأخيرة لم تشبه أي مرحلة من مراحل الصراع العربي الإسرائيلي عبر التاريخ.

وعندما نفكك أسباب هذا الغضب الغربي، بالإضافة إلى تغيّر مصادر المعلومات في الغرب، وغياب التأثير الأحادي للإعلام المملوك أو المسلوب من إسرائيل، نجد أن هذا الغضب الشعبي يقضم في المقام الأول من سردية إسرائيل القائمة على كونها كياناً غربياً في وسط عالم عربي، ويقصد بذلك بطبيعة الحال كيان بقيم كالديموقراطية وحقوق الإنسان، وهو ما لا تعكسه أي من أحداث القتل ومنع دخول المساعدات لغزة.

في العالم العربي أيضاً يصعب الاعتقاد بأن التطبيع سيصبح يوماً سلاماً إلا في حال وجدت القيم، وأهمها الثقة مع العالم العربي، والعدالة مع القضية الفلسطينية، فدخان النيران في غزة أبقى الكثير في الصدور.

00:05 | 10-11-2025

اليوم التالي في إسرائيل

في غزة حيث خرجت الشرارة الأولى في 7 أكتوبر 2023، وانطلقت إلى عدة ساحات في المنطقة، قبل أن نصل إلى اجتماع شرم الشيخ منتصف الشهر الجاري، وهو الاتفاق الذي عقد برئاسة مصرية أمريكية، وبرعاية عدة دول لحل سياسي لأزمة غزة.

وكم كان الوصول إلى هذا الاتفاق صعباً، خاصة أن السابع من أكتوبر غيّر شكل المنطقة كما ذكر توم باراك مبعوث الرئيس الأمريكي في إحدى مقابلاته وهذا أمر دقيق، فهي الحرب الأطول تاريخياً، كما شهدت أيضاً تغييراً في قواعد الاشتباك بشكل لم يكن أحد يتوقّعه، من تصفية قيادات حزب الله، مروراً بمهاجمة إيران وتصفية قيادات نووية وعسكرية، وصولاً للاعتداء على الدوحة.

والمشترك بين الوقف الجدي للنزاع في غزة وخطة العشرين بنداً لاستقرار مستدام من جهة، وتوقف الصراع الإسرائيلي الإيراني من جهة أخرى، هو حزم الرئيس ترمب في وضع حد للصراعات، وهو ما لا يعني بطبيعة الحال تغيّر الموقف من إسرائيل، بقدر ما يعني براغماتية من إدارة ترمب نحو دعم عملية السلام في المنطقة والذي يوجب التوقف عن إطلاق يد إسرائيل، ويتماشى مع النسق الذي تتبعه إدارة ترمب ومن أمثلته الحالية اتفاق السلام بين تايلند وكمبوديا.

وقد تناولت العديد من التحليلات مستقبل غزة وإدارة الحكم فيها، ومستقبل حماس وهل ستسلم سلاحها، أم ستنكفئ تحت الأرض كعادة التيار الإسلامي السياسي حتى تعيد ترتيب صفوفها، على شاكلة سردية حزب الله غير المعلنة صراحة في لبنان، مروراً بأي دول ستشارك في قوات حفظ السلام في غزة أو ما تسمى قوات استقرار دولية مؤقتة، وإن كانت منطقتنا كل مؤقت فيها دائم.

لكن بالنظر إلى الوجه الآخر للعملة، كيف تنظر إسرائيل لليوم الثاني بعد وقف إطلاق النار في غزة على المستوى الأمني لا السياسي، فهناك المعطى الأمريكي حيث تدير الولايات المتحدة مركز التنسيق في «كريات غات» جنوب إسرائيل، والذي يسمح لها بمراقبة الوضع في غزة بشكل مستقل، والذهاب أبعد من ذلك عبر لجم التدخل العسكري الإسرائيلي في غزة، وهو ما يرتبط بكابوس أكبر لإسرائيل حاولت تجنّبه لعقود، وهو تدويل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ويضاف إليه الجزء الثاني من الكابوس وهو النجاح السعودي الفرنسي في تدويل قضية الاعتراف بحل الدولتين والحصول على اعترافات غير مسبوقة على مستوى العالم.

وبالطبع توجّه الولايات المتحدة رسائل واضحة عبر زيارات مسؤولي الإدارة، للتأكيد على أن العودة للحرب غير مطروحة، وذلك عبر جسر جوي انطلق من كوشنير-ويتكوف، مروراً بنائب الرئيس دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ولن ينتهي بالزيارة المرتقبة لمورغان أورتاغوس نائبة المبعوث الخاص بالشرق الأوسط، لكن الرسائل أيضاً شملت رفضاً حاداً لمناقشة الكنيست لمشروع ضم الضفة الغربية.

المعطى الثاني هو الدول التي ستتمثل في قوات الاستقرار في غزة، حيث عبّر نتنياهو بتلميح يشبه التصريح عن رفضه التام لمشاركة قوات تركية، والهواجس الإسرائيلية تختلف عن بعض الهواجس العربية، حيث إن الهواجس الإسرائيلية تنظر إلى قوات تركية في غزة كفرع للمشكلة، بينما أصلها في سوريا حيث تتوجّس من نظامها الجديد، برغم قنوات التواصل بين دمشق وتل أبيب القائمة حالياً.

ولا تمثّل تركيا مشكلة لإسرائيل بالنظر على مستوى فرضية ملئها للفراغ الخارجي، بل الأخطر بالنسبة لها هذا الدعم والإشادة المستمران من الرئيس ترمب لنظيره أردوغان، وإحدى تلكم الشهادات كانت في المكتب البيضاوي وبحضور نتنياهو، وهو ما يعني تأطيراً لقواعد الاشتباك بين الطرفين.

تركيا لديها الكثير من المصالح الاقتصادية المشتركة مع إسرائيل، لكن لديهما أيضاً التنافس في الطموح والغاز والملاحة البحرية، وسيكون لافتاً مشاهدة إدارة الخلافات والمشتركات في حلبة يختلف فيها اليوم حكم النزال.

00:06 | 27-10-2025

أزمة دولة.. أم أزمة قارة..؟!

تسير حكومة رئيس الوزراء الفرنسي سباستيان لوكورنو على طريق من الأشواك، فرئيس الحكومة ووزير الدفاع السابق اضطر للرضوخ للأصوات الاشتراكية واليسارية عبر التخلي عن الإصلاح الهيكلي لأنظمة التقاعد الذي كان يسعى الرئيس ماكرون إلى تمريره، وهذا لا يعني أن الحكومة وصلت إلى بر الأمان، بل بقي أمامها إقرار ميزانية 2026 من النواب.
والقشة التي قسمت ظهر الاستقرار الاقتصادي والسياسي في فرنسا، كانت قرار الرئيس الفرنسي بحل الجمعية الوطنية (البرلمان) في يونيو من العام الماضي، وجاء القرار كرد فعل على نتائج انتخابات البرلمان الأوروبي التي فاز فيها التجمع الوطني اليميني المتطرف (بقيادة جوردان بارديلا ومارين لوبان) بنسبة أصوات تجاوزت 30%.
النتائج كانت كارثية حيث زاد تشظي كتل البرلمان، وخسر حلفاء ماكرون الأغلبية النسبية لصالح اليسار (الجبهة الشعبية الجديدة) ليصبح أكبر كتلة في البرلمان، دون أن تملك أي كتلة بمفردها الأغلبية، لكن الأكثر إيلاماً لساكن الإليزيه كان مضاعفة اليمين المتطرف لمقاعده، مما يجعل منتقدي الرئيس يرون الانتخابات كسجادة حمراء لليمين ليحكم في مايو 2027 بعد رحيل ماكرون، أو على أقل تقدير يصبح كتلة مرجحة يصعب تجاوزها.
ويأتي لوكورنو رابع أو خامس رئيس وزراء منذ إعادة تشكيل البرلمان، حيث كلف ثلاثة رؤساء وزاره قبله، وكلف من قبل الرئيس لكنه لم يمكث إلا حوالى الأسبوع واستقال، ثم عاد بحكومة تضم مزيداً من الشخصيات المدنية والتكنوقراط على أمل أن تعبر هذه المرة لشاطئ النجاة.
وحين نحلل الاقتصاد الفرنسي خلال السنوات الأخيرة، سنشهد تراجعاً كبيراً في الصناعات الفرنسية وفي جاذبية الاستثمار الأجنبي، بل إن اللافت أن بعض الصناعات الفرنسية أصبحت تغادر خارج فرنسا، ليس بالضرورة بحثاً عن ملاذات ضريبية بل أيضاً بحثاً عن سهولة الأعمال.
وبالنظر إلى عجز الواردات مقابل الصادرات في 2000 فيبلغ 8 ملايين دولار، مقارنة بعجز يتجاوز 116 ملياراً في العام 2024 وذلك بحسب البنك الدولي، بل إن الأسوأ أن فرنسا اليوم تنافس إيطاليا على المركز الثاني في الديون أوروبياً بعد اليونان، بنسبة تبلغ حوالى 114% من الناتج الإجمالي.
وبالحديث عن إيطاليا التي تحتفي رئيسة وزرائها بإكمال ثلاثة أعوام في الحكم بعد يومين من تاريخ نشر المقال، والتي تمثل حزب «إخوة إيطاليا» «Fratelli d’italia»، السيدة جورجيا ميلاني التي تأتي من حزب محافظ «يميني» أولاً ترمز لاستقرار الحكم في إيطاليا، حيث كان رؤساء الوزراء لا يدومون أكثر من ستة أشهر.
ومن جانب آخر وبرغم العبء الاقتصادي الذي ورثته إلا أنها رفعت الناتج المحلي الإجمالي من 3.9% في عام 2022 إلى حوالى 7% في 2024، وخفضت البطالة من أكثر من 8% إلى حوالى 6% خلال الفترة نفسها، بالرغم من أنها ترزح تحت ديون أكبر من فرنسا، بالإضافة إلى علاقات مميّزة مع الرئيس ترمب بشكل أفضل من جل زعماء أوروبا.
وهذا التطبيع مع اليمين في نماذج كإيطاليا والمجر لا بد من أنه يطرح سؤالاً على الناخب الفرنسي وربما بدرجة أقل الألماني، من شاكلة «لا يبدو أن اليمين بهذا السوء فلما لا نجربهم؟»، خاصة مع الشعارات الشعبوية، ومن البعيد أن يفكر ناخب متأذٍ من البطالة والمشكلات الاقتصادية من مخاطر اليمين طويلة المدى وعلى رأسها الخروج من الاتحاد الأوروبي.
تبقى فرنسا القاطرة الثانية للاتحاد الأوروبي وما يحدث في باريس يسمع صداه في بروكسل وربما برلين.
00:11 | 20-10-2025