أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/265.jpg?v=1768301671&w=220&q=100&f=webp

عبدالرحمن الطريري

متى يضغط الحليف مفتاح التشغيل

عادة ما يكون الخصم هو محفزك لتقوية دفاعاتك باعتبار النظر إليه كتهديد محتمل، ماذا لو كان ما حدث هو أن حليفك حفّزك بشكل كبير لتكون أكثر استقلالية عنه في عدة شؤون، هذا على الأقل ما حدث خلال العقد الأخير في أوروبا، وتسارع كثيراً خلال الأشهر الماضية، حيث مر الأوروبيون بعدة صدمات، أولاها كانت فوز ترمب في فترته الرئاسية الأولى 2016، ثم الحرب الروسية الأوكرانية، والثالثة كانت مع نشر الاستراتيجية الدفاعية الأمريكية مطلع العام الجاري، التي تعتبر أوروبا ضمن ملفات ثانوية، وهذا بالطبع لا يعني انسحاباً أمريكياً كاملاً حتى على المدى المتوسط من أدوارها في الناتو، لكنه يعني أمريكياً تطوير صناعاتها الدفاعية وزيادة التركيز على الصين، وزيادة مشاركة دول الناتو لتصل إلى معدل 5% بحلول 2035.

يجب الإشارة هنا إلى أنه بموجب المادة 1249 من قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2026، يُمنع البنتاغون من خفض القوات دون 76 ألف جندي لأكثر من 45 يوماً ما لم تُستوفَ شروط عدة، تشمل التصديق بأن الخفض يخدم الأمن القومي الأمريكي، والتشاور المسبق مع حلفاء الناتو، وتقديم تقرير مفصّل للكونغرس، ما يعني أن الانسحاب صعب قانونياً، ولكن ليس مستحيلاً.

لكن التحديات المطروحة في الصحافة الأوروبية والبريطانية لا يبدو أنها محصورة في التحديات الدفاعية، والخوف من تحرك روسي نحو إحدى دول الناتو في 2030 فقط، بل يتجاوز ذلك لكل الملفات التي تجعل أوروبا ضحية اعتمادية عالية على المنتجات والخدمات الأمريكية، مثل البطاقات الائتمانية فيزا وماستركارد، وبدرجة أقل أميركان إكسبريس، والاعتمادية الرقمية سواء على مستوى حلول رقمية من قوقل ومايكروسوفت أو على مستوى شبكات التواصل الاجتماعي، وذروة الخطورة في تقدير الأوروبيين تكمن في الحوسبة السحابية.

حاول الاتحاد الأوروبي إيجاد حلول بديلة، حيث دعت أورور لالوك، رئيسة لجنة الشؤون الاقتصادية والنقدية في البرلمان الأوروبي، في يناير الماضي، أوروبا إلى بناء «نظام دفع على غرار إيرباص»، لكن الأنظمة البديلة مثل «يورو بايمنت» لم تحقّق في أكبر الأسواق الأوروبية حصة تتجاوز الـ5%.

وفي التجارة الإلكترونية التحدي لا يقف عند البطاقات المصرفية المذكورة، بل يزداد عبر «أبل باي» و«قوقل باي» و«باي بان»، والآن التي تنافسها في السوق الأوروبي هي حلول بديلة صينية، بالطبع جل دول العالم تعتمد على نفس الأدوات، لكن الفرق أن أوروبا كانت تعيش إرثاً من التقدّم الصناعي، وهنا رمزية استخدام «إيرباص»، لكن هذا التقدّم تعايش معه الأوروبيون حين كان للحليف الأمريكي، الذي بدوره سلّمه للصين من خلال سياسات الإدماج وفتح المصانع هناك خلال العقود الأخيرة.

هذه التحديات الدفاعية والرقمية والمصرفية هي تحديات بدأ الأوروبيون في التحرك لزيادة استقلاليتهم فيها، مع يقينهم بأن الاستقلالية التامة غير منطقية على الأقل في منظور تيار وازن في أوروبا، ومنهم روته أمين عام الناتو الذي قال مخاطباً الاتحاد الأوروبي: إن من يظن أن الاتحاد الأوروبي يستطيع الدفاع عن نفسه دون الولايات المتحدة واهم.

بالطبع التحديات سالفة الذكر ليست وحدها ما يقلق أوروبا اليوم، فلديها تحديات على مستوى وحدة القرار، ولديها شح في الموارد حتى العسكرية، فبريطانيا وفرنسا وحدهما لديهما سلاح نووي، ولكن بعدد يقل كثيراً عن الترسانة الروسية.

وخلال الأشهر القليلة الماضية، زاد القلق الأوروبي وبالتزامن تحفيز الاستقلالية، بدفع من عدة ملفات منها التعرفة الجمركية على الواردات الأوروبية لأمريكا، وعامل أقل تأثيراً وهو تغييب الأوروبيين عن قرارَي الحرب والسلم مع إيران، لكن قاصمة الظهر كانت ملف غرينلاند، عبر فكرة تحوّل الحليف إلى تهديد.

أحد أكثر القصص مرارة ورمزية في تحدي الثقة، حين فرضت واشنطن عقوبات على قضاة المحكمة الجنائية الدولية، فلم يستطع القاضي الفرنسي نيكولا غويو استخدام بطاقته الائتمانية في اليوم التالي.

منذ 19 ساعة

اتفاق 1-5

كل ما اجترّت الصحافة الأمريكية اليسارية وقيادات الحزب الديموقراطي شعارات عن انتصار إيران في الحرب، عليك أن تفكر مرتين قبل أن تصدق ذلك، وبعيداً عن المناكفات السياسية وتحريك المكينة الإعلامية لتحقيق بعض المكاسب في الانتخابات النصفية، فإننا نعاني مع مشكلة في المعرفة أو الإبستيمولوجيا كما يسميها الفلاسفة، فالمعرفة عند كثيرين محدودة بالنموذج الذي جربوه مع إيران وليس النموذج الذي وضع ترمب فيه إيران اليوم.

وقد سمعنا عبارات تشير إلى أن إيران دائماً تخسر في الحرب ولكن تكسب في المفاوضات، ولكن هذا الأمر غير دقيق اليوم بسبب ضحالة المعلومات عن الداخل الإيراني، ومحدوديتها على مستوى طبقات الوقاية الإيرانية، وأعني بذلك الوكلاء والحلفاء، وإذا بدأنا بالداخل فاللكمة الخطافية التي وجهها الرئيس ترمب بحصار الحصار الإيراني للمضيق، وصولاً إلى قصف بندر عباس قبل أيام بمجرد تحرك منصات صواريخ وقوارب سريعة لزراعة الألغام، يعني أنه يفاوض ويده على الزناد، وطبعاً لا أحد يعرف عدد القتلى ولا المصابين تبعاً للتعتيم الإعلامي.

وبالحديث عن الدواء وصلت الزيادة على بعض أسعار الأدوية حوالى 400% إن وجدت، ولا يمكن الحديث عن الخدمات الطبية وتجاوز عنصر أساسي وهو الكهرباء، حيث كانت تعاني إيران من مشاكل بنيوية ناتجة عن تطوير الشبكة، وجرّاء الحرب أشارت تقديرات مركز أبحاث غرفة التجارة الإيرانية إلى أن انقطاعات الكهرباء تسبب خسائر اقتصادية يومية تقارب 18 تريليون تومان، أي حوالى 136 مليون دولار، وهذا يؤثر على عدة صناعات من ضمنها الصلب في أصفهان ويزد وخوزستان، والأسمنت، والسيارات، والصناعات الغذائية.

العملة بطبيعة الحال خسرت حوالى نصف قيمتها مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي، وبالتالي تأثر المواطنون على مستوى الغذاء وإيجارات المنازل التي ارتفعت بشكل مهول خاصة في طهران، وتأثر الغذاء لأكثر من 90 مليوناً يعيشون في إيران، معدل أعمارهم 34 سنة، هذا يعني أن جلّهم عرف الحياة بعد الإنترنت والأجهزة المتنقلة، وهذا يجعلهم أقرب لمقاومة قرار إيقاف الإنترنت من مقاومتهم للعدو الأمريكي، فالإنترنت قُطع في يناير جرّاء الاحتجاجات، ثم عاد قبل أن يقطع مجدّداً مع انطلاق الحرب.

واليوم الحديث من مسؤولين إيرانيين عن إعادة الإنترنت، وزيارة قاليباف لقطر لتجنّب تكرار ما حصل من قيود أمريكية سابقاً، بحيث استلمت إيران أموالها المجمدة لدى كوريا الجنوبية كبضائع، وعودة ملف الأموال المجمدة كملف رئيسي على طاولة المفاوضات، يدل دلالة كبيرة على حجم الضغط الشعبي الموجود، والذي يمثل امتداداً للاحتجاجات التي خرجت في يناير وراح ضحيتها الآلاف، فلم تكن احتجاجات يدفعها البحث عن حرية التعبير بل كان محركها رغيف العيش.

وإذا نظرنا للأذرع التي من المفترض أن تكون حائط صد أولي، فلم يبقَ منها شيء، الحوثي وكما نقول بالدارجة المحلية (طاق حوله) كناية عن التجاهل المقصود، وحماس تعاني من تضييق إسرائيل للمسافة بين التعيين والتأبين، وآخرهم محمد عودة، القائد الجديد للجناح العسكري لحركة حماس والذي اغتيل بعد أسبوع من تعيينه، بالإضافة إلى القصف اليومي لحزب الله ووصول التحذيرات الإسرائيلية لإخلاء النبطية، والتقديرات تشير إلى أنه في أحسن تقدير يملك حوالى 20% من أسلحته التي كان يملكها قبل أكتوبر 2023، ومن ناحية طوّر محلياً صناعات الدرون، لكن لا يجب التقليل من تأثره بسقوط بشار الأسد، وشح الأموال من إيران والتي كانت تزوده بمليار دولار سنويا.

وعلى مستوى حلفاء إيران، جاء الرد واضحاً من الصين حول إغلاق مضيق هرمز، حيث ترفض هذا الأمر وترفض تحصيل رسوم على العبور، ومن جانب آخر لا يبدو أن الصين طالبت بشيء لإيران خلال زيارة ترمب الأخيرة لبكين، ولكن الأدهى والأمر أن حتى شركاء الاتفاق النووي السابق من الدول الأوروبية، لا يبدو أنهم يأبهون كثيراً لما يحصل إلا على مستوى تأثيره اقتصادياً عليهم، فلا هم في وفاق مع ترمب حتى يهبون لدعمه، ولا هم على أدنى تقدير يمارسون أي ضغط سياسي لإنضاج اتفاق سريع، ولديهم في القارة العجوز مشاكلهم في الهجرة والطاقة وروسيا.

إذن ما كانت تمتاز به إيران والذي سمّاه الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي الصبر الإستراتيجي، يواجه تحديات كبيرة خاصة مع إغلاق ترمب لعدد كبير المسامات التي كانت تنفذ الدولارات منها لطهران في ظل العقوبات، صحيح أن الوقت عامل ضغط على أمريكا أيضاً، لكنها جعلته عامل ضغط أكبر على طهران المطالبة بإطعام تسعين مليوناً.

في أغسطس الماضي فعّلت الترويكا الأوروبية (بريطانيا وألمانيا وفرنسا) «آلية الزناد» لإعادة العقوبات الأممية على طهران، واليوم يتفاوض الحرس الثوري مع ترمب وحده دون الدول الخمس الأخرى في اتفاق 2015 ويده على الزناد.

00:19 | 28-05-2026

غمامة القطب الأوحد

كانت بكين قبلة مايو السياسية، لكنّ زيارتين مهمتين وضعتا زيارة الرئيس ترمب بين مزدوجين؛ الأولى زيارة عباس عراقجي التي استبق بها زيارة الرئيس الأمريكي ما بين 6 و7 مايو، لكن الزيارة التي تلي زيارة الرئيس ترمب لافتة بشكل أكبر، وقد أعلن عنها بعد مغادرته مباشرة ألا وهي زيارة الرئيس بوتين.

وقد حدث تزامن ليس مقصوداً بالضرورة بين إعلان زيارة الرئيس بوتين لبكين، وبين إعلان وزارة الخزانة الأمريكية لإيقاف أو عدم استئناف الإعفاء الأمريكي لشحنات النفط الروسي من العقوبات، بالرغم من طلب الهند بحسب بلومبيرغ وذلك في 15 مايو.

ولماذا في زيارة ترمب إلى بكين خشي اثنان من أقرب شركاء الصين الاستراتيجيين على الذهاب والحصول على تطمينات أن لا اتفاق أمريكياً صينياً على حسابهم، خصوصاً والبيانان الصادران من بكين وواشنطن لم يكونا متطابقين، بل حتى النقاط المشتركة بين البيانين صيغت بطريقة مختلفة.

الاختلاف بين البيانين كان أيضاً في صياغة الكلمة، حيث بلغ البيان الصيني 1,000 كلمة بينما لم يتعدَّ الأمريكي ربع ذلك، لكن اللافت هو غياب كل ما يفترض أنها أولويات لأحد الطرفين عن بيان الدولة الأخرى، فالصين تجنّبت الصياغة الصريحة لإيران وهرمز والسلاح النووي، والبيان الأمريكي أسقط كل ما يتعلق بتايوان، وفي مقابلة مع فوكس نيوز، اعتبر صفقة السلاح بـ14 مليار دولار لتايوان التي أقرتها الحكومة الأمريكية، ورقة تفاوض جيدة، وأكد أنه لم يعتمدها بعد.

الرئيس الأمريكي أرادها زيارة للداخل الأمريكي أولاً، عبر التركيز على الشق الاقتصادي، من خلال صفقة طائرات بوينغ وزيادة الواردات الزراعية من أمريكا، وفتح الباب لزيادة الصادرات النفطية الأمريكية للصين، لكن الصين كانت مشغولة بفكرة أكبر وهي التعامل بين قطبين على قدم المساواة، ومن هنا أتت الإشارة إلى «فخ ثوسيديس» نسبة للمؤرخ اليوناني الذي عاش فترة الحرب بين أثينا وإسبرطة، وهي عملياً فكرة أن القوة الأولى أحياناً تختصر خياراتها مع صعود قوة أخرى إلى خيار الحرب، الذي غالباً ما يكون مدمّراً للجميع.

ولكن حتى يزيل الرئيس شي غمامة المركز الأول والقطب الأوحد عن واشنطن، مقترحاً عملياً أريكة تتسع لقوتين تتنافسان ولكن لا تتصارعان، كان البيان الصيني في مجمله يهدف لبناء إطار استراتيجي للعلاقة بما يشمل بطبيعة الحال إدارة الخلاف الذي يبنى على اختلاف المصالح والأولويات بين قوتين، ومن هنا يمكن النظر إلى زاوية تركيز المقال وهي: ممَّ يخشى شركاء الصين؟

أولاً البيان الصيني ذكر الخلاف في أوكرانيا موضوعاً عابراً مثله مثل شبه الجزيرة الكورية، وهذا تقزيم متعمّد لأم المعارك بالنسبة لبوتين، ومن ناحية إيران، فصحيح أن الصين لم تنتقدها مباشرة، لكنها أيضاً لم تعلن أي التزام بالدفاع عنها، وجزء من ذلك بطبيعة الحال مرتبط بفكرة أن حرب إيران هي في صورة من صورها استنزاف لقدرات أمريكا العسكرية.

إذن هناك هامش مناورة أمريكي بين عدم الموافقة على تسليح تايوان، مع بقاء موضوع الاستقلال معلقاً، وهناك هامش مناورة صيني لا يمانع ضرب إيران إذا لم تقدّم تنازلاً كبيراً في الساعات القادمة، مع السماح باستئناف تصدير النفط الإيراني للصين، حيث عبرت ناقلات نفط قبل قمة ترمب-شي بساعات.

روسيا من جانبها تعرف أن الصين لم تسلحها خلال حربها مع أوكرانيا، كما فعلت كوريا الشمالية وإيران، وهذا نهج صيني راسخ، دون تجاهل تزويد بكين لموسكو بتقنيات دفاع ومكوّنات أسلحة، وأكيد أن في ذاكرة الكرملين كيف سعت أمريكا لتحييد الصين في صراعها مع الاتحاد السوفييتي منذ زيارة كسينجر في 72، بالطبع تغيّرت الصين وتغيّرت أمريكا خلال هذه العقود، والسؤال يبقى هل أحلام استعادة الاتحاد السوفييتي تغيّرت في موسكو اليوم؟

00:17 | 19-05-2026

يا عمال العالم انتحبوا

يعد العقد الأخير مركزياً في فكرة وضع «الغرب» بمفهومه الجغرافي على ضفتي الأطلسي في نعشه الأخير، هذا الغرب الذي شهد ولادته عبر مشاركة أمريكا في الحرب العالمية الأولى 1917، ثم كبر واشتد عوده مع مشاركة الولايات المتحدة في الحرب العالمية الثانية 1947، وما خطّه روزفلت وتشرشل في «ميثاق الأطلسي» الذي تطور ليكون حلف الناتو لاحقاً.

هناك بالطبع كتابات سبقت لصموئيل هنغتون على سبيل المثال، الذي تناول صراع الحضارات والعولمة عبر وصف أسماه «رجل دافوس» كناية عن الطبقة الاقتصادية التي تذهب دورياً لمنتدى الاقتصاد العالمي، ولكن يوشكا فيشر وزير الخارجية الألماني كان أول من كتب عن ذلك عبر مقال عنونه «هل هذه نهاية الغرب؟» الذي نشر في ديسمبر 2016 تزامناً مع فوز الرئيس ترمب بفترته الرئاسية الأولى.

وفي العام الحالي كرر الفكرة بألم أكبر، رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في مؤتمر دافوس قائلاً: «النظام العالمي القائم على القواعد قد انتهى».

وبعيداً عن الأسباب المتعددة، التي تحتاج قراءات تفصيلية، يعد اليوم صعود اليمين المتطرف والشعبوية مصدر الريح الأساسية التي عقدت العزم على أن تسقط خيمة الغرب بصورته التي نعرفها.

واليمين ظهر في موجات عدة في أوروبا وفي أمريكا عبر حزب الشاي وغيره، ودائماً ما كان يبني على القومية ومعاداة الهجرة والنزعة الانفصالية عن الكيانات الجامعة ومنها الاتحاد الأوروبي، ومن هنا يظهر ناجل فاراج زعيم حزب الإصلاح البريطاني، الذي حصد قبل أيام نجاحاً غير مسبوق عبر حصوله على أكثر من 600 مقعد في المجالس المحلية، وتزامن ذلك مع سقوط حر لحزب العمال وبدرجة أقل المحافظين، مما يمثل كسراً للهيمنة التاريخية للحزبين.

بالطبع ناجل فاراج كان من أكثر المنادين بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وبعد البريكست تنكر في كل مقابلة أجريت معه عن خطأ البريكست والضرر الذي تسبّب به في الاقتصاد البريطاني، وعوضاً عن ذلك لام السياسيين بأنهم أساءوا إدارة مرحلة ما بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي.

حزب الإصلاح الذي أسّسه ضم خلال العامين الماضيين عدداً من المنشقين من حزب المحافظين، باعتبار الإصلاح أكثر يمينية من المحافظين، وبانتهازيه سياسية تستقرئ المرحلة المقبلة، وعلى سبيل المثال خمسة من النواب الثمانية لحزب الإصلاح اليوم في مجلس العموم (البرلمان) هم محافظون سابقون.

لكن اللافت في المشهد السياسي البريطاني اليوم أن حزب العمال الذي فاز في الانتخابات العامة البريطانية قبل عامين بـ411 مقعداً من 650 في البرلمان، مُني ورئيسه كير ستارمر قبل أيام بخسارة هي في واقع الأمر تبشر بفاراج رئيساً لوزراء بريطانيا في 2029، ما لم يتغيّر الوعي الشعبي تجاه اليمين، كما حصل في الجولة الثانية من الانتخابات البرلمانية الفرنسية، التي حدثت قبل عامين أيضاً.

هذا الخسوف يأتي لحزب عريق كحزب العمال هو عملياً أحد أقدم أحزاب العمال في العالم، تأسس في العام 1900 ليحمل اسمه الحالي بعدها بست سنوات، حيث كانت أحزاب العمال استجابه للثورة الصناعية، التي خلقت حاجه لتمثيل سياسي لصوت العمال، لكن الشعبوية جعلت الإصلاح يسرق قبعة الساحر عبر خطاب يضع أول حقوق العمال هو طرد الأجانب منهم، وكان التخلص منهم أمراً منوطاً به إخراج الأرانب من القبعة، تماماً كوهم ازدهار بريطانيا بعد البريكست.

كارل ماركس كان من المنظرين الذين تأثر بهم فكر أحزاب العمال في العالم، وصاغ في البيان الشيوعي عبارته الشهيرة «يا عمال العالم اتحدوا»، اليوم نرى الشعبوية تهم لضربتها الثانية في لندن مبشرة بخروج الكفاءات والمواهب بدعوى أنهم مهاجرون، دون الحديث عن تأثير ذلك على الإنتاجية وخلق الوظائف، وربما هي لحظه للعمال حزباً وكوادر لينتحبوا.

00:12 | 12-05-2026

مغادرة أمريكا من مصلحة إسرائيل!

من الأمور التي لا يتجادل حولها أحد أن إسرائيل تعد الحليف الرئيسي للولايات المتحدة، وفي هذه المرحلة لا يكون هذا التصنيف حصراً بمنطقة الشرق الأوسط، بل حتى الأوروبيون وحلفاء واشنطن التاريخيون في آسيا يشعرون بذلك أيضاً، وقد عبّر عن ذلك «كريستيان تيرنر» السفير البريطاني لدى واشنطن، الذي اعتبر أن لواشنطن علاقات خاصة مع إسرائيل فقط، وأن الإشارة إلى علاقات خاصة بين لندن وواشنطن هو ضرب من النوستالجيا.

لكن من جانب آخر كيف تنظر إسرائيل لأمنها في حال غادرت الولايات المتحدة المنطقة، خاصة أن هذه الدعوات بدأت منذ عهد الرئيس أوباما وتحديداً في العام 2011، تحت مسمى «الاستدارة نحو آسيا» أو «Pivot to Asia»، وهو ما علّل حينها بالتوجه شرقاً للتصدّي إلى الصين، وبني عليه خطوات أخرى من ضمن السياق ذاته، لعل أبرزها انسحاب الرئيس بايدن من أفغانستان في 2021، إضافة إلى دعوات متكررة لتقليل الوجود العسكري والانسحاب من مناطق كسوريا والعراق، وهو نهج لا يختلف فيه حزب الإدارات الأمريكية.

وفي الحالتين السابقتين حدثت اضطرابات أدّت لإفشال خطط حمل الحقائب والمغادرة؛ الأولى في عهد أوباما كانت ظهور تنظيم داعش، ثم تلاها الانسحاب من أفغانستان، وبعده بعامين اندلع الصراع في غزة، الذي توسع ليشمل دولاً عدة، وصولاً إلى الحرب الدائرة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، التي قد تكون بينت حاجة إسرائيل بشكل أكبر للولايات المتحدة، فهي لا تمتلك قطعاً بحرية ضخمة وحاملات طائرات، ولا تمتلك قوات برية تسمح لها بحسم معركة مع إيران، وحتى التفوق الجوي غير كافٍ لاختراق مفاعلات تحت الأرض دون عون أمريكي.

وعليه يبدو أن التواجد الأمريكي من مصلحة إسرائيل، مع العلم أن التواجد العسكري بالمنظار الأمريكي مختلف اليوم، حيث عبّر ترمب عن رغبته في تكامل بين القوات الإسرائيلية مع قوات أخرى في المحيط مدعومة بتقنيات رادار متطورة، ومرتبطة بمراكز إدارة قرار في أمريكا، تستخدم بكفاءة تقنيات الذكاء الاصطناعي، وهو ما يسمح للإدارة الأمريكية بإعادة جنود فعلية؛ مما يحقّق استثماراً سياسياً في الداخل.

هذه الفرضية يستند منظروها إلى أن الاشتباك المباشر مع إيران هو في حقيقة الأمر نتيجة جر إسرائيل للغرق أكثر في وحل المنطقة، من جانبها نشرت فورين بوليسي مقالاً بعنوان «الثمن الذي تدفعه إسرائيل لحروبها»، وذكرت أن المحصلة النهائية للمعركة الإسرائيلية فاشلة، فهي لم تتخلص من مجتبى خامنئي ولا أسقطت النظام، ولا أنهت القدرة الصاروخية الباليستية للنظام، ولم تُنهي مشروع السلاح النووي، وحزب الله لم يسلم سلاحه، وإيران رغم الضربات خلقت اضطرابات في هرمز.

ورغم أن الفرضية السابقة ترى أن مصلحة إسرائيل تكمن في بقاء واشنطن في المنطقة، إلا أنني أتبنى الفرضية المضادة، التي أرى فيها أن إسرائيل تعتبر خروج أمريكا فرصة لها للتمدّد السياسي في المنطقة، فالموضوع بدأ من مخاوف إسرائيلية من توقف أمريكا في منتصف معركة إيران وصولاً لمغادرتها الكاملة، وهو ما عبّرت عنه وثيقة نشرها معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي مطلع العام الحالي، ولهذا لم تكن الحرب مع إيران إجراء تكتيكياً، بل كانت في جزء من منهجاً يفترض أن إسقاط النظام الإيراني سيخدم أجندة التقسيم الإسرائيلية ويقرب كافة دول الخليج من الاتفاقات الإبراهيمية، وهو ما أصبح أبعد من ذي قبل.

لذا بدت قراءة تل أبيب لـ «طوفان الأقصى» كفرصة تغيّر من خلالها قواعد الاشتباك مع إيران وكافة أذرعها، وهذا ما شهدناه من سلسلة الاغتيالات التي بدأت بالعاروري ومحمد ضيف مروراً بحسن نصرالله، وهاشم صفي الدين، وإسماعيل هنية والسنوار، وصولاً للمرشد الإيراني، وقيادات كبيرة في الحرس الثوري وفي البرنامج النووي.

وهي اليوم كما نراها تشابه منهج إيران في دعم الأقليات، الذي مارسته طهران، مع طيف من مسيحيي لبنان على سبيل المثال، وإن كانت أهداف إسرائيل تقسيميه أكثر، حيث شاهدنا هذا في اعترافها بأرض الصومال، ومحاولة عزل دروز سورية، وبعض الدعم القديم الجديد للأكراد.

مهم بطبيعة الحال أن نفصل بين نتنياهو والمؤسسة الأمنية والناخب الإسرائيلي، وإن اجتمعوا لحظة المعركة، فأي حل سياسي لن يسمح بتعطيل نتنياهو للانتخابات القادمة نهاية العام، لكن من المهم تأمل التوتر الإسرائيلي بين أي دولتين عربيتين أو إسلاميتين، الذي قد يزيد بمقدر انخفاض التواجد الأمريكي في المنطقة.

00:02 | 11-05-2026

لا رمل في ساعة إيران

يشهد الصراع الإقليمي درجات من التشابك، خاصة على مستوى الدور والمصالح الروسية والصينية، فروسيا بغض النظر عن بعض المنافع الاقتصادية من إغلاق مضيق هرمز، إلا أن الصراع مع أوكرانيا لم يجد طريقه للحل بعد، والأهم لم تُرفع العقوبات الموجعة عنها، سواء التي بدأت منذ السيطرة على القرم في 2014، أو العقوبات الأشد التي بدأت في 2022 مع اشتعال المعركة في أوكرانيا.

كما أن سوريا إذا نظرت إليها بعين التاريخ، فسقوط نظام بشار الأسد يمثّل مشهداً غير بعيد عن خروج الاتحاد السوفييتي من أفغانستان ولو اختلفت الظروف والتفاصيل، مما يؤثر في الدرجة الأولى على مكانتها كحليف، وبالتالي يجب التوقف عند مقاربتها لبقاء النظام الإيراني من تغييره، وحتى الأثر من خروج نظام أضعف بعد الحرب.

ومن الجانب الصيني ربما يجب أن نبدأ من استراتيجية الأمن القومي والدفاع الأمريكية التي وصفتها منافساً استراتيجياً واقتصادياً رئيسياً، وتجنّبت وصفها بالتهديد الكبير كما دأبت إدارات أمريكية سابقة، مما يشير إلى رؤية ترى التحدي الاقتصادي الرئيسي لواشنطن مع بكين في الاقتصاد والتقنية، وهنا تأتي المقاربة الصينية للهجمة على إيران وهل هي خطوة للإضرار بخطط طريق الحرير؟

هناك أيضاً رأي معارض وله وجاهة، يعتبر أن الصين تنظر لإيران «كعبء استراتيجي» (Strategic Liability) أكثر منها أصلاً (Asset)، فوفقاً لتقرير من مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية (CSIS) وتحليل آخر في صحيفة «South China Morning Post، يستند هذا التحليل إلى أن استهداف إيران للسعودية يعتبر إهانة دبلوماسية لوساطتها في 2023، وأن استهداف المصالح النفطية للمملكة يضر مباشرة بالصين.

وهناك تحدٍ أكبر بالنسبة للصين مع نقض إيران لعهدها في الاتفاق مع السعودية، مؤداه اختلال في صورة الصين كوسيط دبلوماسي، كان يرغب في اغتنام صورة واشنطن كوسيط غير محايد في قضايا مختلفة منها قضية الشرق الأوسط والبناء عليها لتحقيق أهداف اقتصادية بقفازات بيضاء تسمى دبلوماسية الوسيط الموثوق.

من هنا يجب قراءة زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى سانت بطرس بيرغ لملاقاة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في نهاية شهر أبريل الماضي، وما تلاها من زيارة إلى بكين في السادس من مايو الجاري، ولقاء وزير الخارجية الصيني وانغ يي.

وبالطبع يأتي الوزير عراقجي محملاً بهموم بلاده، التي قد لا تتطابق مع الشريكين الصيني والروسي، فهو يطمح أولاً إلى كسر العُزلة الدبلوماسية التي تعاني منها إيران، ويسعى أيضاً إلى كبح الضغوط الأمريكية خاصة حصار الموانئ الإيرانية، والأهم السعي لسماع تطمينات من بكين حتى لا تكون إيران ورقة تفاوض صينية حين يستقبل الرئيس الصيني شي جين بينغ نظيره الأمريكي دونالد ترمب.

وبالتالي يحرص عراقجي على أن يكون لإيران كرسي على طاولة المفاوضات لا ورقة تفاوض (The Bargaining Chip)، التي تشمل في الحالة الصينية العديد من الأمور من ضمنها التعرفات الجمركية، وتحدٍ آخر وهو قدرة واشنطن اليوم على تزويد بكين بجزء من حاجياتها من النفط والغاز، وإن كانت الصين دأبت على تنويع مصادر الطاقة.

الصين وأمريكا لديهما الكثير من أوراق الضغط وملفات يسعى أحد الطرفين لتسويتها، فالصين رغم تخلصها من عدد كبير من السندات الأمريكية ما زالت لاعباً مؤثراً في الاقتصاد الأمريكي، كما أن لديها سيطرة كبيرة على البطاريات الكهربائية والمعادن النادرة، وهناك الكثير مما تريده أيضاً على مستوى تايوان والتواجد العسكري الأمريكي والتعرفة الجمركية ورفع الحظر على تصدير الرقائق الإلكترونية.

ختاماً، يعتقد المفاوض الإيراني أن لديه ما يكفي من الصواريخ والنووي والمسيرات، ويدرك تماماً سقوف مطالب الإدارة الأمريكية، لكن التحدي بالنسبة له هو اقتصادي معيشي للمواطنين، ولنتذكر أن الحرب سبقها تفعيل بريطانيا وفرنسا وألمانيا «آلية الزناد» المنصوص عليها في الاتفاق النووي، وتسمح لأي طرف بإعادة العقوبات الأممية خلال 30 يوماً، وما تلاها من مظاهرات اقتصادية في يناير الماضي وقبل شهر من المعركة.

الوقت ضد الجميع من آسيا إلى أوروبا، خاصة مع كل يوم يمر ومضيق هرمز مغلق، وسباق الوقت حثيث وأكثر إيلاماً لإيران، بين صبر شركائها وصبر الداخل الإيراني.. فأيهما ينفجر أولاً؟

00:00 | 10-05-2026

صناعة السجاد في زمن شح الأكسجين

كثيراً ما تسهم كتب التاريخ في سبر أغوار الأبواب المغلقة في الحاضر، وأين تكمن مفاتيحها الظاهرة وأين تختبئ أقفالها العصية، وفي خضم الصراع الممتد بين إيران من جهة وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى، تعيش المنطقة صراعاً يمكن تأريخه من خروج الرئيس ترمب من الاتفاق النووي في فترته الأولى، أو على أقرب تقدير من طوفان الأقصى في أكتوبر 2023،

حيث امتدت المعركة من غزة لتشمل كل الوكلاء والأذرع الإيرانية، وصولاً إلى الاشتباك الأول على الأراضي والسواحل الإيرانية منذ عقود. ويأتي سؤال حول أدوات كل طرف وطرق التفاف كل طرف على التحديات، ومن ضمنها كيف تعايش النظام الإيراني مع عقوبات استمرت لأربعة عقود، وماذا يعني أن تكون دولة مقاومة، بمعايير تعتمد على بقاء النظام على حساب نسب الوفيات وأرقام الجوعى وخطوط الفقر.

واليوم ونحن نرى المفاوضات تطبخ على نار حامية، لكن بنار الاقتصاد بخنق حقيقي للموانئ الإيرانية وهرمز من جهة، وتعطيل الممرات الشمالية عبر بحر قزوين لحد ما، وتحديات أخرى على مستوى الطرف الآخر بنفس الأدوات الاقتصادية من ارتفاع أسعار الطاقة مروراً باقتراب كأس العالم، وصولاً للانتخابات الأمريكية والإسرائيلية في الربع الأخير من العام.

وعوداً للكتب، يبرز أمريكياً كتاب السفيرة ويندي شيرمان الصادر في عام 2018، التي كانت كبيرة المفاوضين في المفاوضات التي أدّت إلى الاتفاق النووي في فترة الرئيس أوباما، والتي شرحت استراتيجيات ترى أنها نجحت في حسم التفاوض مع طهران، فمنهجيتها تنطلق من عدة أمور أبرزها أن الثقة بين طرفَي التفاوض أمر مبالغ فيه، وأنه يجب احترام مصالح الطرفين أكثر من إرثهما.

وتضيف الدبلوماسية اليهودية أن الإيرانيين كانوا بالضرورة يعرفون ديانتها ولم يمثل لهم إشكالاً، بل إن رفض عراقجي وباقي الوفد لمصافحتها حوّلته إلى قاسم مشترك، حيث روت لهما أنها نشأت في مجتمع يهودي، حيث الأرثوذكس لا يصافحون النساء غير المحارم.

رؤيتها ركّزت على وجود العصا العسكرية دائماً على الطاولة، بالإضافة إلى العصا الاقتصادية مستفيدة من تمثيلها لباقي أصوات التفاوض، لكنها نبّهت إلى أن التعامل مع الإيرانيين يجب أن يكون بكل النقاط مجتمعة أو لا حل، وهذا ما يحاول تمييعه الإيرانيون اليوم بالقول دعونا نفتح مضيق هرمز اليوم، ثم نتفاوض على النووي غداً.

وهناك تكتيك آخر يستخدمه الإيرانيون هو تقديم تنازل صغير كتوطئة لطلب تنازل أكبر من الطرف الآخر، ومن ذلك التراجع عن طلب مغادرة القواعد الأمريكية للمنطقة، إلى طلب رحيل القوات الأمريكية والقطع البحرية التي رافقت الحملة الأخيرة فقط.

وقاعدة الاتفاق لا ينجز إلا كاملاً وصفتها كمكعب روبيك، الذي إذا عدلت منه وجهاً تأثرت كافة الأوجه الأخرى، بالطبع إيرانياً هناك تكتيات من ضمنها التذرع بالضغوط الداخلية وبأن البرلمان الإيراني قد لا يمرر الاتفاق بهذه الصيغة، وكان الرد بأن الجمهوريين أيضاً يمثلون ضغطاً داخلياً على الاتفاق.

لكن الأبرز كان استراتيجية عباس عراقجي وزير الخارجية الحالي لإنهاك الخصم، عبر العودة مجدّداً لفتح كل نقطة اعتقد الطرف الأمريكي أنها حُسمت، وبالطبع يأتي ذلك من ذهنية صانع السجاد الذي قد يتحمّل سنوات من الضغوط الاقتصادية من أجل ثمن أغلى، وهو ما ورثه بطبيعة الحال من والده الذي كان تاجراً للسجاد في البازار.

الإيرانيون يعلمون أن إدارة أوباما كان لديها من النفس الطويل حتى تصل للاتفاق في فترته الثانية، وأن الرئيس ترمب ليس مشهوراً بهذا القدر من الصبر، لكنه أيضاً رئيس يصعب توقع رداته، ولعل أكبر المفاجآت في سياق التصعيد غير العسكري كان حصاره للحصار الإيراني على مضيق هرمز، وحصاره للموانئ الإيرانية.

وهنا يعيد المفاوض الإيراني حساباته، هل هناك ما يكفي من الأكسجين لصناعة السجاد؟

00:36 | 5-05-2026

أرواح متصارعة في معركة إيران مع الغرب

تعتمد إيران الاغتيالات وتفجير المصالح الغربية والإسرائيلية كأحد أسلحتها الفعالة، التي تمثّل استثماراً طويل الأجل عبر خلايا نائمة في مختلف بقاع الأرض، تقوم بعمليات مباشرة، أو بالتعاون مع جماعات إرهابية ومرتزقة، ومؤخراً عبر عمليات تجنيد تتم عبر سناب شات وتيليغرام لتجنيد قاصرين للقيام بحريق بدائي مقابل 1000 يورو؛ بحسب ما أشارت له دراسة للمركز الدولي لمكافحة الإرهاب وهو مركز بحثي هولندي.

واستهداف حوادث بدائية له دلالات على مستوى استهداف تحقيق الفزع أكثر من تحقيق الأثر، ويدل على شُح الموارد وصعوبة إيصال موارد إضافية حالياً لأوروبا، ويوضح بطبيعة الحال الأثر الذي صنعه تشديد الرقابة على أنشطتها وبداية تحول منهجي كبير في عدة دول أوروبية مثل ألمانيا في إدراج منظمات مثل حزب الله على قوائم الإرهاب.

وهذه العمليات الإيرانية لها سمات منذ تفجير السفارة الإسرائيلية في بيونس آيرس (العاصمة الأرجنتينية) في مارس 1992 انتقاماً لاغتيال عباس موسوي أمين حزب الله الأسبق، وذلك بعد شهر من اغتياله، وما تلاه من تفجير مركز (آميا) اليهودي في المدينة ذاتها بعد ذلك بعامين. وصولاً إلى اغتيال المخالفين حتى الشيعة منهم وذلك في العراق ولبنان وغيرهما، ويمتد ذلك بطبيعة الحال لاستهداف المعارضين الإيرانيين في الخارج ومحاولة كتم أصواتهم، ولذلك بطبيعة الحال دلالاته على مستوى تأثيرهم في الداخل، وخلق كتلة حرجة معارضة للنظام في الداخل ولو كانت سلمية وغير ثائرة.

وقد يُنظر إلى استهداف مواقع يهودية أومقرات للمعارضة الإيرانية في أوروبا وبريطانيا كأمر غريب في ظل نأيها بالنفس عن مشاركة واشنطن وإسرائيل في حربهما مع إيران، وبالتالي خسارتهم كأداة ضغط محتملة على الإدارة الأمريكية؟

والواقع أن المتابع يرصد نسقاً من التصريحات من الرئيس الإيراني، وقائد الجيش أمير حاتمي، وآية الله ناصر مكارم شيرازي عضو مجلس الخبراء، ضمن قيادات أخرى إيرانية، اجتمعت كافة على وجوب الانتقام لخامنئي، وهو ما يشبه من جهة كلمة السر لانطلاق الذئاب المنفردة، ومن جانب آخر يمثل عقاباً تراه ذهنية النظام بحرسه ومرجعياته وأدواته التي تسمى حمائم، هي في حقيقة الأمر ترى الغرب خصوماً على مسطرة واحدة.

ولهذا نجد استهدافات متتالية للمملكة المتحدة على سبيل المثال؛ أولها في 23 مارس حيث تم حرق إسعاف غولدرز غرين التابع لمنظمة (هاتزالا) شمال لندن، بالإضافة إلى ست محاولات لإحراق مقرات يهودية أخرى في شهر أبريل وحده، بعضها نجح وبعضها لم ينجح، وصولاً إلى حادثة الطعن الأخيرة في 29 أبريل التي أصيب بها شخصان.

بالإضافة إلى مهاجمة مقر (إيران إنترناشيونال) الوسيلة الإعلامية المعارضة، وهذا من أسباب استهداف بريطانيا تحديداً بحكم أنها المقر الرئيسي للمعارضة الإيرانية، والأهداف لم تقتصر على المصالح اليهودية والمعارضة الإيرانية في لندن فقط، بل امتدت لقواعد بريطانية مثل استهداف دييغو غارسيا في المحيط الهندي، بالإضافة إلى استهداف قاعدة بريطانية في قبرص بمسيرات لحزب الله.

الاستهداف لم يقتصر على بريطانيا وحدها، بل شمل أيضاً ثماني دول أوروبية من ضمنها ألمانيا وهولندا وفرنسا وبلجيكا، ولا شك أن الكثير يحاك لاستهداف أمريكا خاصة في كأس العالم إذا ما امتدت حالة الحصار الاقتصادي مصحوبة بحالة اللاحرب واللا سلم، وهنا نشهد عودة استعادة روح الثورة بعمليات مباشرة ودون مواربة، كالتي تعرضت لها السفارة الأمريكية في طهران أو المارينز في بيروت، ومع استعادة روح الثورة نرى توحد الخطاب بين كافة الدوائر السياسية والأمنية وتبخر نظرية المعتدلين والمتشديين.

بالطبع، نظرية تحقيق الفزع أكثر منه تحقيق الأثر، تدل على أن الهدف هو الوصول إلى نشرات الأخبار وأحاديث الساسة في بريطانيا وأوروبا، وبالتالي استعادة الأدوات السابقة التي تطمع إلى أن تشكل عدة ملفات ضغطاً على الرأي العام وعلى صانع القرار، عبر قناعة مفادها الحرب مع إيران مكلفه اقتصادياً علينا، وعبثها مكلف علينا أمنياً، وهنا تستدعي روح الأوبامية، التي سطرت مفهوم احتواء النظام الإيراني.

وفي صراع الأرواح، لا بد أن تلتهم إحداهما الأخرى، وهذه على الأقل دروس التاريخ.

00:41 | 3-05-2026

هل خذلت موسكو طهران؟

للعلاقات الإيرانية الروسية تاريخ ليس بالضرورة حافل بالإيجابية، حيث اعتبر مرشدها الأول أمريكا الشيطان الأكبر والاتحاد السوفييتي الشيطان الأصغر، ولأن المصالح خاصة تلك التي تخلقها المخاطر المشتركة أكبر فقد أخذت العلاقات منحنى أكثر إيجابية منذ العام 91، وتحديداً بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وبعد أن أخرجت القوات المشتركة صدام من الكويت وهو الذي خاض حرباً مع إيران استمرت سنوات، وصولاً لتجرع كأس السم.


وظلت الريبة موجودة تسير جنباً إلى جنب مع مسارات التعاون، والتي بلغت ذروتها في العام 2015 حيث تدخلت القوات الروسية لحماية نظام بشار الأسد، وهو ما تم عملياً بطلب من قاسم سليماني قائد الحرس الثوري آنذاك، وصولاً إلى العام 2022 حين أمدت طهران موسكو بمسيّرات انتحارية من طراز شاهد لتستعين بها كسلاح أقل كلفة من الصواريخ في حربها مع أوكرانيا، ولاحقاً منحتها صلاحية صناعتها في روسيا وتطويرها.


لكن الريبة ظلت على سبيل المثال من خلال استمرار التعاون الروسي مع إسرائيل في سوريا، وهو ما ساهم في استهداف إسرائيل عدة أهداف إيرانية في سوريا دون تدخل من الدفاعات الجوية الروسية، ولكن بطبيعة الحال هناك قائمة قصيرة للغاية من خيارات إيران، خاصة مع رضوخها للعقوبات الغربية.


وخلال الأسابيع الماضية ومنذ اندلاع الحرب بين إيران وإسرائيل وأمريكا، دارت تساؤلات حول روسيا سواء كالمستفيد الأبرز من الحرب أو حول مدى كونها السند الحقيقي لإيران خاصة عسكرياً واستخبارياً؟


وهذا السؤال حين طرح في طهران لابد من أنه تناول نموذج 2003 و2011 حين لم تكن روسيا الحليف الذي يمنع سقوط أنظمة صديقة لموسكو في كل من العراق وليبيا، بل إن العامين الماضيين شهدا هذا السؤال بشكل أكثر إلحاحاً، فهل روسيا قررت أن تتحول من حليف عسكري داعم لبشار الأسد إلى ملجأ له فقط؟ وهل يمكن التعويل عليها بعد أن خرج حليفها مادورو من المشهد الفنزويلي بغمضة عين؟


وربما يعيدنا هذا إلى الاتفاق الاستراتيجي بين البلدين والذي وقع في يناير من العام الماضي ودخل حيّز التنفيذ في أكتوبر أي بعد حرب الاثني عشر يوماً، وخلا من اتفاقية دفاع مشترك بخلاف الاتفاقية الروسية مع كوريا الشمالية، واللافت في الصياغة أنه اقتصر على الصياغة التالية: «إذا تعرّض أحد طرفي المعاهدة للعدوان، فإن الطرف الآخر لن يُقدّم أي مساعدة عسكرية أو غيرها للمعتدي بما من شأنه إطالة العدوان».


وإذا ما نظرنا إلى زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى سانت بطرس بيرغ قبل أيام، فلا يُعتقد أنها لأسباب عسكرية، فطهران تعرف أن روسيا لن تزوّدها بجنود أو أسلحة متطورة، وإن زوّدتها بمعلومات استخبارية وصور لأقمار صناعية، لكن الزيارة تستهدف توجيه رسائل لواشنطن عن خيارات إيران، ودعما دبلوماسيا لإيران في ظل عدم قدوم كوشنير وويتكوف إلى إسلام آباد.


روسيا قد تبدو مستفيدة على المدى القصير من زيادة صادراتها النفطية والإعفاءات الأمريكية على نفطها، مما أسهم في زيادة النقد الأجنبي وتخفيف الضغط على الموازنه، وهو ما يخدمها اقتصادياً وأوكرانياً، لكن حرباً طويلة ليست في مصلحتها، وسقوط النظام الإيراني سيمثل في الوجدان السوفييتي حالة سقوط جدار برلين، فهي جار جنوبي ودولة كبيرة، وأي نظام بديل لن يكون بطبيعة الحال صديقاً للكرملين.


روسيا أيضاً تلوح لواشنطن بأنها قد تكون الوسيط الأقدر من باكستان على تقديم ضمانات وإقناع الطرف الإيراني بتسليم اليورانيوم عالي التخصيب، وما أشبه اليوم بالبارحة، حيث وعد بوتين أوباما في 2013 بتقديم ضمانات وإخراج وإتلاف الأسلحة الكيماوية من سوريا بعد هجوم الغوطة الشرقية، حيث لم يتغير شيء إلا ساكن البيت الأبيض، ومعه تغير الكثير في واشنطن حول الشراء من متجر الحيل.


إيران من جانبها ظهرت منها أصوات عدم الثقة في روسيا للعلن، سواء ما ذكره الرئيس الإيراني بعد حرب الاثني عشر يوماً من أن الدول التي نعدّها صديقة لم تساندنا، أو ما قاله نعمة الله إيزدي أول سفير إيراني لروسيا حين صرح لصحيفة شرق قائلاً: «ستضطر موسكو لا محالة للإجابة أمام التاريخ عن هذا الصمت»، وبالطبع وردت أيضا انتقادات مع شدة الضربات الأمريكية من علي مطهري نائب رئيس البرلمان السابق، ومحمد صدر من مجلس تشخيص مصلحة النظام حول امتناع موسكو عن بيع S400 لطهران.


روسيا تُحسن إعلامياً إدارة الانطباع فهي تريد التموضع كلاعب مهم يمكنه أن يدير أكثر من ملف وبالتالي يقدم لترمب باقة يمكنها إنهاء الصداع الإيراني والأوكراني معا، وبالتالي تخفيف ضغط العقوبات عليها، ومن جانب إيراني تشاهد دوائر القرار سحب روسيا لموظفيها من معامل بوشهر والتأخر في تسليم أسلحة متفق عليها، ويلح السؤال هل استخدام الفيتو في مجلس الأمن هو الثمن الحقيقي للعلاقة؟

19:30 | 1-05-2026

الهند.. آخر الزائرين

من منصة الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) تحدّث رئيس وزراء الهند ناريندرا مودي مخاطباً النواب: «الهند تقف مع إسرائيل، بثبات، وبقناعة كاملة، في هذه اللحظة وما بعدها»، هناك العديد من الدلالات للحديث والزيارة التي تعد الثانية لمودي إلى إسرائيل بعد زيارة سبقتها في 2017 والذي يعد كسراً للإرث الدبلوماسي للهند بعدم زيارة إسرائيل من قبل المسؤول الأول حفاظاً على العلاقات مع العالم العربي، حيث يسكن في الخليج العربي وحده عشرة ملايين هندي.

لكن اللافت في الزيارة أنها سبقت الحرب بين إسرائيل وأمريكا من جهة وإيران من جهة أخرى بيومين، حيث كانت الزيارة يومي 25 و26 فبراير، وأول سؤال يتبارد إلى فضول الصحفي عن معرفة مودي بالمعركة أم أن نتنياهو أبقى السر قيد الكتمان، وحيث يتعذر معرفة ما دار في الغرف المغلقة، نجد أن البيان الهندي الصادر في 23 فبراير والذي رفعت على إثره الهند مستوى التحذير إلى الدرجة القصوى، مطالبة الرعايا الهنود بمغادرة إيران مباشرة وبكافة الوسائل المتاحة، وتبلغ الجالية الهندية في إيران حوالى عشرة آلاف.

وبالتالي كانت الهند في أجواء المعركة وإن غاب عنها ساعة الصفر، وهذا ما يراه محللون في تفسير عبارة «نقف مع إسرائيل بثبات في هذه اللحظة وما بعدها»، وعليه أصبح المنهج التواصلي مبنياً على الحياد وشجب العنف دون الإشارة إلى المتسبّب به ودون إدانة أي طرف، واتصالات مع قادة الخليج والأردن، بالإضافة إلى منشورات باللغة العربية من حسابات رئيس الوزراء على منصة x.

على كل حال منحت زيارة رئيس الوزراء الهندي لنتنياهو غطاءً سياسياً من أكبر ديموقراطية في العالم قبل المعركة، ومنحت الزيارة للهند تقنيات نادراً ما قدمتها إسرائيل لأطراف خارجية ومنها «الشعاع الحديدي»، وهي تقنية تختص بالليزر الدفاعي وهو نظام شغلته إسرائيل العام الماضي، ويعدّ طفرة في تقنيات التصدي للصواريخ والمسيّرات وقذائف الهاون، ويعالج مشكلة تقنية رئيسية وهي تكلفة الاعتراض منخفضة التكاليف.

بالطبع الزيارة شملت العديد من الاتفاقيات ورسّخت الهند كشريك حقيقي لإسرائيل، ولو عدنا قليلاً لما قبل زيارة مودي بثلاثة أيام، نجد قطعة مهمة لفهم رقعة المشهد، وهي حديث نتنياهو في 22 فبراير عن «التحالف السداسي» (Hexagon)، وهو التحالف الذي يشمل الهند وإسرائيل ودولاً عربية وأفريقية وقبرص واليونان، وأضاف رئيس الوزراء الإسرائيلي بأن هذا التحالف يستهدف التصدي للتيار الشيعي الراديكالي والتيار السنّي الذي يتشكّل.

وبالتالي هناك سياق عام من التعاون بين الطرفين من آثاره حادثة «إيريس دينا» وهي فرقاطة إيرانية كانت في ضيافة البحرية الإيرانية، تم إغراقها من قبل القوات الأمريكية يوم 4 مارس بعد أن غادرت المياه الإقليمية الهندية بأميال، وهو ما اتهمت فيه أطراف إيرانية الهند بحسب صحف باكستانية مشيرة إلى مشاركة نيودلهي لإحداثيات الفرقاطة.

قد يكون في الحسابات الهندية بعض التقدير لما يمكن أن تخسره مع إيران مثلاً، وهو تبادل تجاري غير كبير ولا يتجاوز المليار دولار، لكن بالطبع هناك عقد استثمار وتشغيل ميناء تشبهار الإيراني، مقارنة بتبادل تجاري بين الهند ودول الخليج يزيد على مئة وسبعين مليار دولار، لكن المعارك لا تتنبأ قبل أن تبدأ بمسار الأحداث ولا النهايات، وبالتالي كانت المفاجأة للهند من أمرين:

الأول هو دخول مضيق هرمز كورقة مفاوضات، والأكثر مرارة تسنّم باكستان زمام الوساطة بين الطرفين، فالهند تستورد 85% من نفطها عبر مضيق هرمز، وباكستان عدو تاريخي، تشبه وساطته اليوم تسهيله لزيارة كسينجر للصين في 1971، فالوساطة، خاصة إذا ما نجحت، تمثّل إعادة تموضع لباكستان في علاقاتها مع الصين وأمريكا معاً، إضافة إلى ثقة من محيطها العربي والإسلامي.

تعد الهند من الدول المؤسسة لمنظمة عدم الإنحياز في 1961، واستمرت خلال العقد الأخير في الخروج من هذه الإستراتيجية إلى ضرورة الإنحياز، اليوم اختارت تموضعاً معيناً سنرى أثره على المستوى السياسي والاقتصادي بعد أن يجف حبر المعركة.

00:00 | 28-04-2026