أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/255.jpg?v=1768301287&w=220&q=100&f=webp

هيلة المشوح

سعيد السريحي.. على ضفاف الغياب!

لا أستحضر هنا اسمَ ناقدٍ عابرٍ في سجل الثقافة السعودية، بل استدعي حالة ثقافية فريدة لعقلٍ شجاعٍ، وأديب نبيل ورجل رفيع في إنسانيته وعطائه، أدرك مبكراً أن الكلمة التزام، وأن النقد ممارسة وعيٍ لا زينة خطاب أو سجالات في صوالين الثقافة وأمسياتها. أديب أسهم في تشكيل الحس الأدبي الحديث، وخاض معركة التجديد وصراعات الحداثة بثبات من يرى في السؤال الصعب شرطاً للتقدّم، وفي الرد على المتشنجين لباقة أدبية تستلهما أجيال لتصنع مشهداً ثقافيّاً مختلفاً.

انحاز السريحي إلى الحداثة باعتبارها أفقاً معرفياً منضبطاً، وقرأ التراث بوعيٍ تاريخي، وتعمّق في الحداثة بصرامة منهجية لواقع لا بد أن يكون (فكان) شاهداً على ازدهارها، لم يأسره تيار، ولم يحتجزه انتماء ولم تحكمه أيديولوجيات؛ لذلك جاء حضوره في سجالات الثمانينات والتسعينات حاسماً وواضحاً، فواجه خطاب التشدد الذي خلط بين الاختلاف والاتهام، وتحمّل محاولات التشكيك في نزاهته الأكاديمية، كما روى بنفسه، ومع ذلك صان الخلاف من الانزلاق إلى الخصومة، وأبقى الحوار في دائرة الحجة، آمن بأن الثقافة تبنى بالبرهان، لا بالتشهير والتعامل بالمثل.

لم يكتب من برجٍ معزول، بل عاش النص وعايش أصحابه على حصير الأدب البسيط الشيق، ففي حديثه لا يقدّم إجابات جاهزة، بل يقود مستمعه وقارئه إلى منطقة المعنى، يفتح طبقات الدلالة ويسافر بك إلى آفاق لذيذة من جمال المفردات بنكهة جاذبة وإلقاء باذخ في رصانته ونبرته ومخارج حروفه الفريدة، فيعيد للكلمة طاقتها وبهاءها وكأنك تسمعها للمرة الأولى. جمع في حضوره بين ثقة العارف واتزان الحكيم، وأشرك محاوره في توليد الفكرة، ولم يفرضها عليه، وكتب بلغة تجمع الدقة والصفاء. التزم المنهج، ولم يتخلَّ عن حساسيته الجمالية وجعل من النص النقدي عملاً نابضاً بالحياة؛ لأنه يرى في العمل الأدبي كائناً يُفهم قبل أن يُحاكم، ويُقرأ قبل أن يُصنَّف.

برحيل الناقد والأديب الكبير سعيد السريحي -أبي إقبال- خسر المشهد الثقافي صوتاً عقلانياً رفيعاً وفريداً، وحضوراً لا يتكرر، وفراغاً لا يملؤه غيره، لكن بقي أثره الطيب ليترك درساً ملهما: النقد شجاعة فكر، والاختلاف قيمة، والكلمة الصادقة فعل بناء، والنبل حين يتجسّد يكون على هيئة (السريحي).

00:00 | 17-02-2026

إبستين.. حين يُعرّي المال أخلاق البشر!

لم تكن قضية جيفري إبستين واقعة جنائية معزولة بين شطآن جزيرة باذخة في الكاريبي، بل كانت كاشفاً أخلاقياً فادحاً لعالمٍ يختل فيه الميزان حين تُقدَّم الثروة على العدالة، ويغدو الصمت تواطؤاً، وتُختبر إنسانية النخب عند أول تماس مع النفوذ والشهوة والسلطة.

في فضاء يُفترض أن القانون فيه خط أحمر لا يُمس، كشفت ملفات جيفري إبستين عن الوجه الحقيقي لقوة المال حين تتحرر من كل الضوابط الأخلاقية والقانونية، وتعمل في العتمة، حيث تُشترى الذمم، ويُعاد تعريف الصواب والخطأ وفق منطق المنفعة والمتعة لا منطق القيم والضمائر، فلم تكن الحكاية شبكة استغلال جنسي فحسب، بل امتحاناً قاسياً لصدق المجتمعات الحديثة في حماية الإنسان عندما تتشابك الثروة الفاحشة مع النفوذ السياسي والاجتماعي.

الأشد خطورة في ملف إبستين ليس فقط الفعل الإجرامي ذاته، ولكنها البنية التي سمحت له أن يستمر أعواماً دون مساءلة، وهنا تتجلى المأساة الأخلاقية كاملة: حين يمنح المال حصانة غير معلنة، وحين تتحوّل العدالة من قيمة مطلقة إلى قرار انتقائي؛ في تلك المنطقة الرمادية تتراجع المبادئ، ويُعاد تشكيل الضمير ليبرر الصمت، أو التواطؤ، أو حتى الادعاء الأخلاقي الزائف من داخل الدائرة نفسها مهما بلغت مكانتها ومهما رفعت من شعارات إنسانية وأخلاقية إلخ!

لقد عرّت قضية إبستين البشعة هشاشة الخطاب الأخلاقي لدى قطاعات كبيرة من النخب، أولئك الذين يتقنون رفع شعارات العدالة وحقوق الإنسان في العلن، بينما يساومون عليها ويتلذذون بهتكها في الخفاء، وعندما تُفتح أبواب الانفلات بالنفوذ والمال، تنكشف أسوأ غرائز النفس البشرية: نشوة السيطرة، شهوة الامتياز، وتحويل الجريمة إلى حق مكتسب. عند هذه النقطة، لا يعود الانحراف سلوكاً فردياً، بل يتحوّل إلى ثقافة محمية بشبكات المصالح والنفوذ.

إن البعد القيمي في قضية إبستين يتجاوز أسماء الضحايا والمتورطين، ليطرح سؤالاً وجودياً حاداً.. ما جدوى القانون إذا كان يُعلق عند بوابة السلطة؟ وما معنى الأخلاق إذا لم تكن التزاماً، بل قناعاً يُستدعى عند الحاجة ويُخلع عند أول اختبار حقيقي؟ الأخلاق هنا ليست خطاباً تجميلياً، بل ممارسة تبدأ برفض التواطؤ، ولا تكتمل إلا بمحاسبة الأقوياء قبل الضعفاء، وعلى سبيل المثال لا الحصر؛ لطالما تصدّرت شعارات نخبوية غربية مناهضة لزواج القاصرات -وكلنا ضده، وها هي تنهار أمام ملفات إبستين التي تكشف استغلالاً جسدياً فاضحاً للقاصرات وصغيرات السن يفوق كل تصور، هذا التناقض الصارخ بين الخطاب المزعوم والواقع المظلم يفضح ازدواجية القيم التي تتغنى بها النخب الغربية وتتسيّد تجريم من يمارسها!

لقد أكدت هذه القضية أن الحضارة، مهما بلغت من التقدّم، تبقى هشّة إذا لم تُحمَ القيم بعدالة صارمة لا تعرف الاستثناء، فحين يُترك الإنسان لغرائزه، ويُترك المال بلا قانون، تكون النتيجة عالماً بشعاً وشديد القسوة وفقيراً للإنسانية مهما حاول أن يتزيّن بخطاب التقدّم والتحضّر، تلك الجزيرة الباذخة لم تكن سوى مسرح معتم لانفلات العقل البشري حين يختبئ بعيداً عن أعين العالم، فتولد أبشع الجرائم تحت غطاء الثراء والنفوذ، وعندما تغيب العدالة، لا يبقى من الحضارة سوى قشرة زائفة تخفي وحشاً ينتظر الظل ليكيّفه لغرائزه وملذاته!

00:09 | 10-02-2026

الدولة التي تسبق الأزمات بخطوة.. وحكمة!

في الشرق الأوسط لم تعد التحوّلات الجيوسياسية مجرد تبدّل في خرائط النفوذ أو إعادة توزيع للأدوار، بل باتت اختباراً حقيقياً لمعنى الدولة ذاتها: كيف تفهم سيادتها؟ وكيف تختار اصطفافاتها؟ وبأي أدوات تمارس تأثيرها في إقليم يضج بالصراعات، لكنه في الوقت ذاته يرهق من فائضها؟

خلال عقود مضت، كانت السيادة تُختزل في الخطاب، وتُستدعى عند الأزمات، بينما تُفرغ فعلياً من مضمونها بفعل الارتهان لمحاور أو ارتهانات أمنية واقتصادية. اليوم، يعاد تعريف السيادة بوصفها قدرة الدولة على حماية قرارها، وصيانة استقرارها، ومنع تحويل جغرافيتها إلى ساحة صراع بالوكالة. لم تعد السيادة موقفاً إعلانياً، بل ممارسة عقلانية تتطلب ضبط الإيقاع الإقليمي، لا مجاراته في الفوضى.

أما الاصطفاف فإنّه فقد معناه القديم. لم يعد الانتماء لمحور صاخب أو خطاب أيديولوجي حاد يضمن الأمن أو النفوذ. التجربة أثبتت أن المحاور الصلبة تستهلك حلفاءها قبل خصومها، وتدفع الدول إلى صراعات لا تخدم تنميتها ولا تحمي مجتمعاتها. لذلك، تتقدّم اليوم سياسة التوازن المرن، حيث تُدار العلاقات وفق المصالح، لا الشعارات، ووفق قراءة دقيقة لموازين القوة، لا الانفعالات الآنية.

في هذا السياق، تتغيّر أدوات النفوذ جذرياً. القوة لم تعد حكراً على السلاح، ولا النفوذ يُقاس بعدد الجبهات المفتوحة. النفوذ الحقيقي بات يُصنع عبر الاقتصاد، والدبلوماسية الهادئة، وبناء شبكات المصالح، وامتلاك القدرة على تهدئة الصراعات لا إشعالها. الدولة التي تملك فائض عقل، لا فائض ضجيج، هي الأقدر على التأثير طويل المدى.

هنا، تبرز السعودية نموذجاً للدولة التي أعادت صياغة دورها الإقليمي وفق رؤية استراتيجية عميقة -وهو دور في الأساس محوري وناجح- فلم تنجرّ خلف الاستقطابات الحادة، ولم تجعل من الأزمات منصة لاستعراض القوة، بل تعاملت مع السياسة باعتبارها فعلاً وقائياً يمنع الانفجار قبل أن يحدث، ويحدّ من التدهور قبل أن يستعصي على الاحتواء. هذا النهج لا ينطلق من فراغ، بل من قراءة واعية لتجارب المنطقة، حيث أثبتت الصراعات الممتدة أنها لا تنتج منتصرين، بل دولاً منهكة ومجتمعات مأزومة.

السياسة الوقائية، كما تمارسها الدول الرشيدة، لا تعني التنازل ولا الهروب من المواجهة، بل اختيار توقيت المواجهة وأدواتها بعقل الدولة لا بانفعال الشارع. تعني تقديم الاستقرار بوصفه مصلحة عليا، والتنمية بوصفها خط الدفاع الأول، والحوار بوصفه أداة سيادية لا ضعفاً سياسياً، والشرق الأوسط اليوم يقف على مفترق طرق: إما الاستمرار في استهلاك ذاته بصراعات عبثية، أو الانتقال إلى مرحلة تعلو فيها كلفة الفوضى على إغراءاتها. وفي هذا المشهد، تتقدّم الدول التي تفهم السياسة كفن للحماية لا كإدارة للأضرار، وكحساب طويل الأمد لا كرهان مؤقت.

إن ما تشهده المنطقة ليس نهاية الصراع، بل نهاية وهم أن الصراع هو الطريق الوحيد للنفوذ. وفي زمن التحوّلات الكبرى، لا تنتصر الدول الأكثر صخباً، بل تلك التي تعرف متى تتقدم، ومتى تهدئ، ومتى تجعل من الاستقرار قراراً سيادياً لا شعاراً للاستهلاك، والأهم من ذلك قراءة تاريخ الدول الناجحة والسير على نهجها!

23:55 | 26-01-2026

الدولة أولاً: معركة الشرق الأوسط الحقيقية !

من يملك حق تعريف الاستقرار في الشرق الأوسط: الدول، أم المليشيات، أم ضجيج الخطابات المستهلكة على وسائل الإعلام ومنصات التواصل؟

في الشرق الأوسط، لا يُطرح سؤال الاستقرار بوصفه مفهوماً نظرياً، بل كقضية وجود تمسّ مصير الدول والمجتمعات معاً. وعلى امتداد العقود الماضية، جرى اختطاف هذا المفهوم بين فاعلين متعددين؛ مليشيات ترفعه ذريعة للهيمنة، وخطابات صاخبة تحوّله إلى شعار تعبوي، فيما تظل الدولة –بوصفها الكيان الوحيد القادر على إنتاج الاستقرار وحمايته– الهدف الأول لمحاولات الإضعاف والتفكيك. من هنا، يصبح السؤال مشروعاً: من يملك حق تعريف الاستقرار؟ ومن يملك القدرة الحقيقية على صيانته؟ الاستقرار في جوهره ليس حالة صمت قسري ولا هدنة مؤقتة بين جولات عنف، بل منظومة متكاملة من الأمن، والتنمية، والشرعية السياسية، وهذا التعريف لا يمكن أن يصدر إلا عن الدولة وتحت مظلتها بوصفه مسؤولية سيادية، لأن الدولة وحدها التي تمتلك المسؤولية القانونية والأخلاقية تجاه مواطنيها، وتدير توازن المصالح داخل المجتمع، وتتحمّل كلفة الفشل قبل مكاسب النجاح. الدولة لا ترى الاستقرار غاية دعائية، بل تراه شرطاً ضرورياً لبقاء المؤسسات وحماية المجتمع من الانزلاق إلى الفوضى.

في المقابل، تطرح المليشيات في عدد من الدول العربية تعريفاً مشوّهاً للاستقرار، يقوم على إخضاع المجتمع بالقوة، واحتكار السلاح، وتعطيل الدولة باسم «الحماية». هذا النموذج لا ينتج استقراراً، بل يراكم هشاشة مزمنة، ويؤسس لصراع مؤجل ينفجر عند أول اختلال في موازين القوة. المليشيات لا تحمي الأوطان، بل تستخدمها كساحات نفوذ، وتستثمر في الفوضى لأنها مصدر شرعيتها الوحيد، أما الخطاب الشعبوي والإعلامي المتشنج فيمارس دوراً لا يقل خطورة، حين يختزل الاستقرار في شعارات انفعالية، ويغذّي الاستقطاب، ويضغط باتجاه قرارات غير محسوبة، هذا الضجيج لا يبني وعياً ولا يشيد استقراراً وسلاماً بل يربك الرأي العام، ويفتح المجال أمام قوى غير مسؤولة لتصدر المشهد على حساب منطق الدولة ليصبح الاستقرار مجرد مادة للمزايدة فقط! في هذا المشهد المعقد، يبرز الدور السعودي بوصفه نموذجاً للدولة التي تعي أن الاستقرار الإقليمي يبدأ من ترسيخ مفهوم الدولة الوطنية، لا من إدارة الفوضى أو خطابات التأجيج والتثوير، فالسعودية لم تجعل يوماً من الأزمات منصات استعراض، بل تعاملت معها كاختبارات تتطلب توازناً بين الحزم والحكمة، وبادرت بتقديم الحوار، حيث يكون الحوار مجدياً على عدة أصعدة وفي قضايا مختلفة، وردعت حين كان الردع حلاً، وظلت ترى أن أمن المنطقة لا يتحقق إلا بتمكين الدول وحماية سيادتها، لا بمكافأة الميليشيات ودعم الفوضى، وتقديم المصالح والنفوذ والتمكين.

الاستقرار في الشرق الأوسط ليس حقاً لمن يرفع صوته أعلى، ولا لمن يفرض سلاحه خارج الشرعية، بل لمن يتحمل مسؤولية الدولة ويؤمن أن حماية الإنسان وبناء المستقبل أهم من كسب معركة عابرة. وفي زمن تتنازع فيه المنطقة تعريفاتها، تبقى الدولة –حين تمتلك الرؤية والعقل– هي الجهة الوحيدة المؤهلة لتعريف الاستقرار وصيانته، وما تفعله السعودية اليوم هو تأكيد عملي على أن الاستقرار قرار سيادي، لا شعاراً للاستهلاك، وأن المنطقة لا تُنقذ بالفوضى، بل بالحكمة المستمدة من حماية الدول، وفض النزاعات، وتحجيم الأحزاب والميليشيات المخربة.. ومن يدعمها!

23:45 | 19-01-2026

قراءة في تاريخ «الموقف السعودي»

منذ أن أسّس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود الدولة الحديثة، تشكّل النهج السياسي السعودي على قاعدة واضحة: حماية الاستقرار، ونصرة الأشقاء، وتغليب الحلول التي تصون الأمن وتمنع الانزلاق نحو الفوضى. وقد أدرك المؤسس مبكراً أن استقرار المملكة لا ينفصل عن استقرار محيطها، فكانت مواقفه حاضرة في القضايا العربية بروح القائد لا بمنطق المتفرج، ولم تكن دولته عبر تاريخها دولة ردود أفعال، بل دولة مواقف تُبنى على الحكمة، وتُدار بميزان دقيق يجمع بين قوة القرار وعمق المسؤولية.

جاء أبناء الملك عبدالعزيز من بعده ليكرسوا هذه المدرسة السياسية بملامح أكثر وضوحاً، حيث برزت السعودية دولة مبدأ لا مساومة فيه، وحكمة لا ضعف معها، جمع فيها الفيصل وإخوته بين الحزم السياسي والبعد الأخلاقي في الموقف، وصاغوا سياسة خارجية تحمي المصالح العربية، وتواجه التحديات دون تهور أو تراجع، مؤكدين أن السيادة تُصان بالقرار المستقل والرؤية بعيدة المدى.

ويمتد هذا الإرث اليوم في عهد الملك سلمان بن عبدالعزيز، حيث تواصل المملكة دورها كركيزة للاستقرار الإقليمي، متخذة مواقفها وفق قراءة عميقة واعية لتعقيدات الواقع، خصوصاً حين يتعلق الأمر بأمن الجوار، وفي القضايا الشائكة تظهر السعودية حازمة حين يتطلب الأمر الحزم، ومتزنة حين يكون الاتزان هو السبيل، واضعة مصلحة الشعوب واستقرار الدول فوق أي اعتبارات أخرى.

هكذا تثبت المملكة عبر تاريخها أن القوة الحقيقية ليست في الصخب السياسي، بل في حكمة القرار وثبات الموقف والمسؤولية تجاه الأشقاء؛ وهي معادلة لم تتبدل حتى في أصعب اللحظات، وفي المحصلة، تؤكد التجربة السعودية أن الدولة التي تُبنى على الحكمة لا تُستدرج، والتي تقودها الرؤية لا تُربكها العواصف، فالمملكة وهي تواجه تحوّلات إقليمية بالغة التعقيد، لا تتحرك بدافع اللحظة ولا تحت ضغط المؤامرات، بل من موقع الدولة التي تدرك وزنها التاريخي ومسؤوليتها الأخلاقية والسياسية تجاه محيطها، وحين تتخذ مواقف حازمة، فإنها تفعل ذلك دفاعاً عن استقرار الإقليم، وصوناً لأمن الجوار وقطعاً للطريق أمام مشاريع العبث والفوضى، إنها دولة تعرف متى تصمت بحكمة، ومتى تتكلم بقرار، ومتى تمضي بثبات، لتؤكد أن الحزم حين يصدر عن الحكمة لا يكون إلا حمايةً للأوطان، لا تهديداً لها.

00:00 | 13-01-2026

السعودية واليمن.. إرادة إنقاذ تُسقط رهانات التفتيت!

تواجه اليمن اليوم اختباراً وطنياً بالغ القسوة، اختباراً لا يقتصر على صراع سياسي عابر، بل يمتد ليهدّد فكرة الدولة الواحدة ويستهدف روح المجتمع اليمني وتاريخه وتراثه وتماسك مكوّناته. وفي خضم هذا المشهد المضطرب، برزت المملكة العربية السعودية بوصفها الركن الأكثر ثباتاً في معادلة الحل، ليس لأنها الجار الأقرب جغرافياً فحسب، بل لأن أمن اليمن جزء لا يتجزأ من أمنها القومي، واستقراره ضرورة لاستقرار المنطقة بأسرها، واليمن الذي يواجه اليوم أخطر محاولات تمزيق وحدته الوطنية، لم يكن يوماً ملفاً هامشياً في رؤية المملكة وموقفها السياسي، بل كان جزءاً من معادلة أمنها واستقرارها، وجزءاً من مسؤوليتها التاريخية تجاه الجوار والمصير العربي المشترك، فلم تمد الرياض يدها إلى اليمن سعياً لاقتطاع نفوذ، ولا رغبةً في إعادة رسم حدود، بل رغبةً في منع الحدود الداخلية من أن تتمزق، ومنع الهوية اليمنية من أن تتشظى تحت وطأة الفتن، يد السعودية حين تمتد، لا تحمل مشروعاً مضاداً لوطن، بل مشروعاً مضاداً لانهياره في خطاب ثابت لا يتغيّر، خطاباً يوحد ولا يفرق، ويغيث قبل أن يفاوض، ويعمر قبل أن ينتصر. ولهذا ظل حضورها في اليمن عنواناً لحل لا يقصي، وإنسانية لا تتراجع، وإرادة لا تساوم على بقاء اليمن دولة واحدة، موحدة، مستقرة، قادرة على النجاة مهما اشتدت رياح التحدي.

منذ اللحظة الأولى لتفاقم الأزمة، لم تتعامل السعودية مع الملف اليمني بمنطق المصالح الضيقة، بل بمنطق المسؤولية التاريخية والأخلاقية، واضعة نصب عينيها هدفاً جوهرياً يتمثل في الحؤول دون التقسيم والانفصال، ومنع كل المحاولات التي تسعى لتشتيت شعبه أو تفكيك وحدته الوطنية، وقد تجلى هذا النهج في سلسلة من المبادرات السياسية والدبلوماسية التي رعتها المملكة، وسعت -ولا تزال- إلى جمع الفرقاء على طاولة الحوار، وتغليب منطق التسوية على منطق الغلبة، إيماناً منها بأن الحل لا يمكن أن يولد من رحم السلاح، بل من إرادة وطنية جامعة ترفض الانقسام وتنتصر لوحدة الأرض والهوية مهما بلغت الخلافات.

لم يكتفِ الدور السعودي بالوساطة السياسية، بل عززها برافعة إنسانية واجتماعية غير مسبوقة، فمن خلال مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، والبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، قدمت المملكة دعماً متواصلاً في مجالات الغذاء والدواء والإيواء والتعليم، ودعمت مشاريع حيوية تعيد للمجتمع اليمني جزءاً من عافيته، وتمنحه القدرة على الصمود في وجه الفتن التي تستثمر في هشاشة الواقع الاقتصادي والمعيشي كما امتد الدعم ليشمل مبادرات اجتماعية وتنموية تستهدف البنية الإنسانية قبل البنية السياسية، عبر برامج تمكين الشباب، ودعم القطاعات الصحية، وإعادة تأهيل المدارس والمستشفيات، وتوفير الخدمات الأساسية في المناطق المتضررة، في رسالة واضحة بأن أمن اليمن واستقراره لا يتحقق إلا بازدهار شعبه، وبأن الاستقرار الحقيقي يبدأ من إعادة الحياة إلى تفاصيلها اليومية.

إن هذه الجهود المتكاملة تؤكد حقيقة راسخة، وهي أن المملكة لم تدخل إلى اليمن طلباً لنفوذ، بل طلباً لوحدة، ولم تتحرك لإشعال معركة، بل لإطفاء فتنة. وقد رسخت عبر مواقفها المتتالية قناعة إقليمية ودولية بأن الحفاظ على اليمن موحداً هو خط الدفاع الأول ضد مشاريع التقسيم، وأن الحوار الشامل هو السبيل الوحيد لرأب الصدع وإعادة بناء الدولة على أُسس وطنية لا تقصي أحداً ولا تسمح لأحد أن يحتكر اليمن أو يختطف قراره.

واليوم، ورغم تعقيدات المشهد وتشابك الولاءات وتعدد ساحات النزاع، تظل السعودية الأقدر على تقريب وجهات النظر، لأنها تستند إلى سياسة متزنة لا تتغير بتغيّر الظروف، وتتكئ على عمق إنساني يعزز حضورها السياسي، ويمنح مبادراتها مصداقية لا ينازعها فيها أحد، فالمملكة تدرك أن لم شمل اليمنيين ليس عملاً سياسياً فحسب، بل عملاً اجتماعياً وثقافياً ونفسياً يحتاج إلى صبر ورؤية بعيدة المدى، وهي رؤية تمتلكها وتعمل عليها بخطى واثقة.

ختاماً، ستبقى المملكة العربية السعودية الجسر الأكثر صلابة لعبور اليمن إلى ضفة التعافي، ورأب التصدّع في وطن واحد لا يتجزأ، ينهض ويستعيد مكانته في محيطه العربي، مهما حاولت الفتن أن تعصف به أو تراهن على انقسامه، فعندما تصبح اليمن على مفترق الطرق.. فالرياض -وحدها- تصنع طريقها الآمن!

00:08 | 6-01-2026

المملكة وشعبها: صوت واحد أمام التحديات!

في لحظات التحوّلات الإقليمية، تتجلى قيمة الكلمة بوصفها جبهة وعي لا تقل تأثيراً عن الجبهات الأمنية، ولا سيما حين تتعلق الأحداث بأمن المملكة واستقرارها. واليوم، ومع متابعة الشارع الرقمي السعودي للمجريات السياسية في المنطقة، تبرز ضرورة قصوى لرص الصف وتوحيد الكلمة بين روّاد التواصل الاجتماعي، ليكون الصوت الوطني امتداداً لنهج الدولة القائم على الحكمة والاتزان، لا منبراً للفوضى أو الانقسام.

لقد أثبتت المملكة العربية السعودية، عبر تاريخها الطويل، قدرتها على مواجهة عواصف أقوى من أي حملات إعلامية مغرضة أو هجمات متربصة، فقد واجهت مشاريع متطرفة، وحملات تشويه ممنهجة، وأزمات إقليمية معقدة، لكنها خرجت من كل منعطف أكثر ثباتاً، بحكمة قيادتها السياسية، وعمق إستراتيجيتها الدبلوماسية، وصلابة موقفها الذي لا تحكمه ردود الأفعال بل قراءة المشهد بعين بعيدة المدى، غير أن ما منح المملكة دوماً قوة مضاعفة، لم يكن فقط ثبات قرارها ومواقفها السياسية، بل التفاف شعبها وحصافته في فهم المتغيّرات وإدراكه لمواقف بلاده إزاءها في مشهد نادر يعبّر عن انسجام فريد بين الدولة والمجتمع، وعن وعي جمعي يدرك أن الاستقرار قيمة، وأن الاصطفاف خلف القرار الوطني حصانة، وأن الثقة بالقيادة ليست شعاراً بل ممارسة يومية تترجمها المواقف في أشد الظروف حساسية.

وفي الفضاء الرقمي، حيث تتسارع الرسائل وتتعالى الضوضاء، يصبح التماسك ضرورة وطنية، فالتشتت في الخطاب، أو الانجرار وراء روايات متناقضة أو مفتعلة، يخلق ثغرات تستغلها الأصوات التي تسعى للنيل من الموقف السعودي، وتشويه صورته، وبث الشكوك في نوايا الدولة التي جعلت أمن المنطقة بأكملها جزءاً من أمنها، وسعت دوماً لتثبيت الحلول بالحوار والدبلوماسية، بعيداً عن المزايدات والاستعراضات الفارغة!

إن روّاد التواصل في المملكة يحملون اليوم مسؤولية الكلمة الواعية التي تسند ولا تهدم، توحّد ولا تفرّق، وتستحضر دروس الماضي القريب حين اجتمعت القلوب قبل العقول على موقف واحد، فكان المجتمع الرقمي سنداً للدولة لا عبئاً عليها، فالوحدة الرقمية في مواقع التواصل لا تعني التطابق الحرفي، بل تعني احترام ثوابت الوطن، وتغليب المصلحة العليا، وصيانة الخطاب العام من التصدّع، مهما بلغت حدّة المحفّزات الخارجية.

إن رص الصف ليس مطلباً عاطفياً، بل خيار إستراتيجي في زمن تتشابك فيه ساحات التأثير، وتتعاظم فيه قيمة الرواية الوطنية المتزنة، وحين يوحّد السعوديون كلمتهم، يثبتون أنهم شعب تجاوز المستحيل مع دولته، وسيظل صوته الجماعي أقوى من كل محاولات للتقويض، وأقدر على ترسيخ صورة المملكة بوصفها دولة فعل لا رد فعل، وحكمة.. لا تهور، وقيادة يلتف حولها شعب لا يعرف في لحظات الحسم إلا لغة واحدة هي لغة الوطن!

00:01 | 30-12-2025

فوضى مساحات X وانحدار اللغة والحوار!

في عالم التواصل الرقمي، ظهرت المساحات الصوتية في منصة X إضافةً واعدةً تعِد بإعادة الحيوية إلى النقاشات الحيّة المباشرة، فتسمح للمستخدمين بالتواصل الصوتي الفوري حول موضوعات عدة، من ثقافية وفكرية وسياسية إلى الترفيه والتسويق إلخ، ومع ذلك، تبيّن أن هذه الخاصية التي وُصفت في بداياتها بأنها فضاء للنقاش الهادف، سرعان ما دفعت الكثيرين بمحتوى عكسي، يهدّد جدوى وجودها ويطرح سؤالاً محوريّاً: هل هي منصات للنقاش أم هدر للغة وللوقت؟

حقيقة لست من روّاد هذه المساحات، ولكن تمر عليّ أحياناً تسجيلات لمساحات تثير فضولي لسماع ما بعدها لعل وعسى أن تكون مفبركة أو مجتزأة؛ بسبب لغة الحوار وانحدار المستوى اللفظي فيها لأتفاجأ أنها صحيحة وأحياناً من أسماء معروفة، هذا فضلاً عن كم التحريض والتخوين والتشويه المتفشي في هذه المساحات خصوصاً بعد الاستحواذ الأخير على المنصة وتراخي قوانين الضبط اللفظي والأخلاقي فيها، ومن أبرز السلبيات التي برزت خلال تفاعل المستخدمين مع المساحات الصوتية انتشار السجالات غير المفيدة، واستخدام لغة متردية ومسيئة، الأمر الذي دفع تحذيرات قانونية وإعلامية من تبعات مثل هذه الانزلاقات من سب وشتم وتنابز بالألفاظ النابية خارج إطار الاحترام والذوق العام، ما يطرح خطر الوقوع المتكرر في مخالفات الجرائم المعلوماتية ذات التأثير الكارثي عند بث مثل هذه السلوكيات على الملأ.

وتتفاقم المشكلة في ظل تنوع المشاركين وعدم ربطهم بروابط قوية أو ضوابط نوعية واضحة، ما يجعل المساحة الصوتية بيئة مفتوحة أمام من يسعى لإثارة الجدالات العقيمة أو التصعيد النزاعي بدل الحوار البناء. وفي غياب قدر كافٍ من الرقابة الذاتية أو الفعلية، تتحوّل هذه اللحظات الصوتية إلى ما يشبه الساحة المفتوحة غير المنظمة، لاجترار الكلمات الساخنة دون تبصر أو آلية فاعلة لضبط جودة الخطاب.

تضطلع الهيئة العامة لتنظيم الإعلام بدور محوري في صون المشهد الإعلامي بالمملكة، عبر ضبط المحتوى المرئي والمسموع، ووضع أطر تنظيمية توازن بين ما ينشر والمسؤولية عما ينشر لتحمي القيم الوطنية، وتكبح الفوضى الرقمية، بما يرسّخ إعلاماً رصيناً يعكس هوية المجتمع السعودي، ولكن -أيضاً- يبقى الرهان الحقيقي معقوداً على كُتّاب الرأي والإعلاميين في استعادة هيبة الكلمة، وكبح النزف اللفظي في الفضاءات المفتوحة، عبر خطاب واعٍ ومسؤول، يعلّي قيمة الحوار، ويعيد توجيه المساحات من الضجيج إلى المعنى، ومن الفوضى إلى التأثير الإيجابي الرشيد.

00:03 | 23-12-2025

اليوم العالمي للتطوع

في مجتمع تؤمن روحه بأن القوة الحقيقية تُستمد من تماسك أفراده وترابط مكوناته، يبرز العطاء وثقافة التطوع كقيمتين تأسيسيتين تُعليان شأن الإنسان وتهذبان وعيه الجمعي، فحين يتجذر مفهوم المبادرة في النفوس، تتجاوز المجتمعات حدود الفردية لتبني جسوراً من التضامن والتآزر، وتتحول الأعمال التطوعية إلى طاقة ملهمة تنعش روح التكافل وترسّخ معنى الانتماء. إنها ثقافة تصوغ مجتمعاً أقوى قادراً على مواجهة تحدياته بوحدة رؤية وعمق إنساني يخلقان أثراً مستداماً يتجاوز حدود العمل إلى بناء مستقبل أكثر رسوخاً ونقاء.

في مشهدٍ تتقدّم فيه القيم الإنسانية على كل ما سواها، يبرز التبرع بالدم في المملكة بوصفه واحدة من أكثر صور العطاء حضوراً وتأثيراً في الواقع الصحي والمجتمعي. فالدم، هذا المورد الذي لا بديل له، يمثل طوق نجاة لآلاف المرضى سنوياً، ومع ذلك يبقى مرهوناً بوعي المجتمع واستعداده للمبادرة، ومن هنا جاءت القفزة النوعية التي شهدتها المملكة في الأعوام الأخيرة، حيث سجلت الإحصاءات الرسمية تجاوز عدد المتبرعين 800 ألف متبرع في عام 2024 مقارنة بما يزيد على 700 ألف في 2023، في دلالة واضحة على عمق ثقافة التبرع وانتشارها ضمن شرائح واسعة من المواطنين، والإيمان المطلق بأن الأخذ جزء من العطاء، وأن مكتسباتنا الإنسانية تصقلها كفوفنا البيضاء.

تعزز هذا التحوّل الكبير بمبادرة إنسانية أطلقها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان الذي بادر بنفسه بالتبرع بالدم، فاتحاً باب حملة وطنية سنوية مستمرة تدفع بالمجتمع نحو المشاركة الواعية والمسؤولة وسلوك إنساني متكرر لينعكس أثر هذه الخطوة سريعاً، إذ سجلت الجهات المختصة ارتفاعاً لافتاً في نسب المتبرعين، تجاوز في بعض المناطق أربعة أضعاف المعدلات المعتادة، ما يؤكد عمق التأثير القيادي في تشكيل الوعي العام ودعم المبادرات الإنسانية.

إن التبرع بالدم في المملكة لم يعد مجرد مبادرة صحية، بل تحوّل إلى ممارسة وطنية تعبر عن قوة الروح الجماعية، وتعكس مجتمعاً يدرك أن حياة الإنسان أولوية قصوى عطفاً على استمرار برامج التوعية وتوسع الحملات الوطنية وتوجه المملكة -مؤسسات وأفراد- نحو ترسيخ منظومة صحية تكافلية، يقوم عمادها على مواطن مستعد للعطاء، مُؤمن بأن قطرة دم قد تُعيد الحياة، وتبني مجتمعاً أكثر تماسكاً وإنسانية، ومؤسسات تضع قيمة الإنسان قمة اهتماماتها.

يمثل نشر ثقافة التبرع بالدم ذروة التحضر الإنساني كفعل راقٍ يختصر معنى العطاء في قطرات قليلة تنقذ إنساناً أو تعيد البهجة والحياة لآخر. إن التبرع ليس مجرد مبادرة صحية بل مؤشر رفيع على وعي المجتمع وقدرته على تحويل إنسانيته إلى أثر ملموس، فكل قطرة دم تُقدم طوعاً تسهم في تعزيز منظومة طبية آمنة، وتسد احتياجات المستشفيات، وتحد من مخاطر النقص في الحالات الحرجة، كما يُرسّخ هذا الفعل الحضاري روح المسؤولية ويعمق شعور الانتماء، ليغدو التبرع ممارسة تعكس تطور المجتمع وسمو قيمه.

ختاماً.. يمر اليوم العالمي للتطوع علينا في هذا الوطن الرائع ونحن نعيش العطاء كل يوم وكل دقيقة إيماناً منا بأنه لا تستقيم حياتنا بما نأخذه فقط بل بما نقدمه، وأجمل أشكال العطاء هو ما يعود علينا بالارتياح المعنوي، والترابط المجتمعي والبذل الذي يجعل أرواحنا ممتلئة بالرضا والسعادة، وقلوبنا مثمرة بالعطاء.

00:01 | 9-12-2025

التمور ثروة اقتصادية وهوية متجذّرة

تُعدّ التمور من الثروات النباتية الإستراتيجية في المملكة العربية السعودية؛ فهي ليست مجرد غذاء أساسي أو رمزًا لتراث متوارث، بل رصيد اقتصادي حقيقي يسهم بشكل ملموس في دعم معدلات التصدير وتنويع الدخل الوطني بإنتاج ضخم تجاوز 1.9 مليون طن خلال عام 2024 وصادرات ارتفعت إلى 1.695 مليار ريال. وهذه الأرقام لا تعكس فقط حجم الإنتاج والتصدير، بل تؤشر إلى عمق ارتباط التمور بالجهود الوطنية لتنويع الاقتصاد، وتعزيز الاكتفاء الذاتي الزراعي، وتحفيز التنمية الريفية والوظائف في قطاع الزراعة والصناعات المرتبطة بها.

تحت شعار: «الابتكار من أجل الاستدامة في سلسلة القيمة لقطاع النخيل والتمور»، تنطلق هذه الأيام فعاليات نسخة 2025 من «عالم التمور» في 25 نوفمبر، وتستمر حتى 4 ديسمبر 2025، في حرم جامعة الملك سعود بمدينة الرياض بتنظيم المركز الوطني للنخيل والتمور وبالشراكة مع عدد من الجهات المتخصصة. وتشارك في المعرض مناطق عدة من المملكة تشتهر بزراعة النخيل والإنتاج من الرياض والقصيم إلى الأحساء، حائل، الجوف، المدينة المنورة، والعلا، وغيرها.

يحتضن معرض عالم التمور أكثر من 400 صنف من التمور تمثّل تنوّع المناطق والمناخات الزراعية، وأجنحة للمزارعين والمنتجين تتيح التذوق والشراء مباشرة من المصدر ومنصات للحرف اليدوية والمأكولات المحلية، ومقاهٍ ومطاعم تقدم مأكولات ومشروبات تعتمد التمور في أجواء عائلية وتراثية، وفعاليات ثقافية وترفيهية، تعكس عمق العلاقة بين التمور وتراث وهوية المجتمع السعودي.

من خلال مشاهداتي الشخصية داخل معرض «عالم التمور»، تتجسّد علاقة التمور بالهوية السعودية: من النخلة والزراعة القديمة، إلى الأسواق الحديثة، والمنتجات المعاصرة، والصناعات الغذائية. المعرض يجمع بين الطابع التراثي والتذوق، الأطعمة الشعبية، الحرف اليدوية، وبين الطابع التجاري والاقتصادي، كذلك لاحظت الإقبال على مزادات التمور في باحة المعرض وعرض جميع الصناعات والحرف المرتبطة بسعف النخيل وتمورها في أجواء جذبت الكبار والصغار مواطنين ومقيمين!

التمور في المملكة ليست مجرد فاكهة تُقدَّم على موائد الإفطار أو تُباع في الأسواق، هي ثروة وطنية حقيقية: غذاء، اقتصاد، تراث، وصناعة. بفضل الإنتاج الضخم، التصدير الواسع، والطلب المتزايد عالميًا، باتت المملكة في مقدّمة الدول المنتجة والمصدّرة للتمور.

00:10 | 2-12-2025