أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/255.jpg?v=1768301287&w=220&q=100&f=webp

هيلة المشوح

حرب الناقلات.. النسخة الأخطر!

قبل أسبوع، عدنا إلى حرب الناقلات في ثمانينات القرن الماضي، حين تحوّلت مياه الخليج الدافئة إلى مسرح مفتوح لصراع امتد إلى السفن التجارية وطرق إمداد الطاقة، وكان استدعاء ذلك التاريخ في مقالي السابق مهمّاً لاستحضار ذاكرة المكان والأحداث المصاحبة له آنذاك، غير أن ما يحدث اليوم في مضيق هرمز يدفعنا إلى قراءة المشهد من زاوية أشد خطورة؛ فالناقلات التي كانت ضحية للحرب أصبحت في المواجهة الراهنة جزءاً من أدواتها، وأصبح النفط المحمول في جوفها هدفاً سياسيّاً وعسكريّاً يتجاوز في أثره طرفَي الصراع إلى المنطقة والعالم.

خلال الأيام الماضية دخلت المواجهة الأمريكية الإيرانية طوراً بحريّاً بالغ الحساسية، بدأت بشكل صريح حين استهدفت القوات الأمريكية ثلاث ناقلات نفط إيرانية ردّاً على إطلاق صواريخ باليستية باتجاه سفن حربية أمريكية، فيما امتدت الهجمات إلى ناقلات تعبر هرمز، بينها ناقلتان تحملان النفط السعودي، وأدى الهجوم على إحداهما إلى مقتل بحارين، هنا تتغيّر طبيعة الصراع؛ لأن إصابة ناقلة نفط في ممر بهذه الأهمية لا تنتهي آثارها عند حدود الحطام والدخان والخسائر البشرية، وإنما تنتقل سريعاً إلى أسواق الطاقة والتأمين والشحن وسلاسل الإمداد ودائرة واسعة من المصالح العالمية التي لا تنتهي.

الأرقام تكشف حجم الخطر بصورة أوضح، فمثلاً، قبل اندلاع الصراع كان متوسط النفط والمنتجات البترولية العابرة لهرمز يقترب من 21.6 مليون برميل يوميّاً في الربع الأخير من 2025، ثم هبط إلى نحو 4.9 مليون برميل يوميّاً في الربع الثاني من هذا العام، كما أن قرابة خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميّاً كانت تمر عبر المضيق، هذه الأرقام تضع هرمز في مكانه الحقيقي كونه شرياناً للاقتصاد العالمي، وأي اضطراب طويل فيه تتحوّل كلفته من أزمة بحرية إقليمية إلى أزمة طاقة دولية، وهذا ما يحدث بالضبط!

الخطر الأكبر أن الحرب الحالية تعيد تشكيل مفهوم الردع في الخليج، فواشنطن تضرب ناقلات مرتبطة بتصدير النفط الإيراني، وطهران تستخدم أمن الملاحة والعبور البحري مساحة للضغط والرد، وبين الطرفين تتسع دائرة الضرر لتطال دولاً لم تختر هذه الحرب، حتى السعودية التي بنت خط «شرق غرب» ومنظومة تصدير عبر البحر الأحمر لتقليص الارتهان الجغرافي لهرمز، تبقى معنية بأمن الخليج بوصفه جزءاً أصيلاً من أمنها الاقتصادي والسيادي، فيما يكشف تحويل مسارات الشحن عن كلفة إضافية ورحلات أطول وقدرة محدودة على تعويض حجم التدفقات المعتادة.

حرب الناقلات الجديدة أخطر من سابقتها؛ فالعالم اليوم أكثر التصاقاً بالطاقة والأسواق وسلاسل الإمداد، وهامش الخطأ العسكري في ممر ضيق ومزدحم لا يحتمل كثيراً من المغامرة، وبعد أربعة عقود تعود النيران إلى المياه ذاتها، ويبقى السؤال الذي ينبغي ألا يضيع وسط صخب المواجهة: إلى متى يدفع الخليج من أمنه واقتصاده واستقراره فاتورة صراعات لم يخترها؟

00:34 | 8-09-2026

«حرب الناقلات»: قراءة في دفاتر النار وكأس السم!

التاريخ لا يكرر نفسه بالمسطرة، لكنه يكاد ينطق بلسان واحد: إن العبث المحتدم في مياه الشرق الأوسط اليوم ليس وليد اللحظة، بل هو استمرار لشرارة واحدة أُوقدت عام 1979م، حين اعتلت طهران مسرح الأحداث بنظام جعل من تصدير الأزمات عقيدة، ومن خنق الملاحة البحرية أداة ابتزاز سياسي، ولعل «حرب الناقلات» (1984-1988) تُعدّ الشاهد التاريخي الأبرز والأكثر بلاغة على هذا النهج القديم المتجدّد، يوم تحوّل الخليج العربي إلى ميدان ألغام، ولم تتوانَ إيران عن استهداف الناقلات الكويتية والسعودية والسفن الدولية التي لا ناقة لها في الحرب ولا جمل، مراهنة على فرض إرادتها بالقوة أو إغراق شريان الطاقة العالمي برمته.

لم تكن تلك الهجمات مجرد حوادث عابرة، بل سجّل التاريخ محطات فارقة أثبتت حقيقة هذا السلوك الأرعن والرد الكفيل بلجمه، ففي عام 1987، وأمام تصاعد الخطر الإيراني بالألغام والصواريخ، أطلقت الولايات المتحدة عملية «الإرادة المخلصة» (Operation Earnest Will) لحماية الناقلات الكويتية تحت العلم الأمريكي، في أكبر عملية مرافقة بحرية منذ الحرب العالمية الثانية. وعندما أصاب لغم إيراني الفرقاطة الأمريكية USS Samuel B. Roberts في أبريل 1988، جاء الرد حاسمًا عبر عملية «فرس النبي» (Operation Praying Mantis)، حيث قُلّمت أظافر البحرية الإيرانية ودُمّرت منصاتها النفطية المخصصة للاعتداءات، ليثبت التاريخ أن الردع الصارم هو اللغة الوحيدة التي تدفع طهران للتراجع والتقهقر.

إن ما يشهده البحر الأحمر ومضيق باب المندب اليوم عبر الأذرع والمسيّرات، ليس إلا الامتداد المباشر لتكتيكات الثمانينيات، فالوجه تغيّر لكن الفلسفة الإيرانية واحدة: «إما أن ننعم جميعاً بالأمن، أو نحرم العالم منه». إن قراءة «حرب الناقلات» بوعي تجعلنا ندرك أن الاضطرابات الحالية ليست نبتة شيطانية طارئة، بل هي عرض لمرض متجذّر يبدأ من طهران وينتهي بها، ومثلما انتهت عربدة الثمانينيات حين فرض المجتمع الدولي معادلة الردع وقبلت إيران تجرّع «كأس السم» بإيقاف الحرب، فإن استقرار المنطقة اليوم لن يتحقق بالأمنيات والحلول المؤقتة، بل بإنهاء جذر الأزمة وقطع يد العبث من مصدرها.

00:14 | 1-09-2026

احتضان اليتيم.. بين دفء الأسرة وأمان الوطن!

في زحام المشاهد العابرة على الشاشات وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، قد يمر أمامنا مشهد واحد يعيد ترتيب نظرتنا إلى قضية كاملة تلامس مشاعرنا وتضعنا أمام إنسانيتنا بكل تجرد كقضية «احتضان الأيتام» وكل الظروف المحيطة برحلة الطفل المحتضن منذ البداية وحتى الاستقرار، وهذا ما حرّكه مقطع إنساني للفنان بشير الغنيم عبر شاشة MBC؛ فقد تجاوز أثره حدود اللحظة وكسر حاجز النسيان ليطرح سؤالاً أعمق عن معنى الأسرة في حياة طفل حُرم منها، وعن الفارق الذي يمكن أن يصنعه بيت يفتح أبوابه وقلوب أفراده ليمنحه الأمان والانتماء، فالاحتضان في جوهره مسؤولية إنسانية واجتماعية تتصل ببناء الإنسان منذ طفولته، وحمايته من آثار الفقد ومنحه فرصة أن ينشأ داخل نسيج أسري طبيعي تتشكّل فيه شخصيته وذاكرته وعلاقته بالمجتمع، ومن هذه الزاوية تحديداً تكتسب منظومة احتضان الأيتام في المملكة قيمتها وأهميتها؛ لأنها تحوّل التعاطف من شعور عابر إلى «مسؤولية منظمة»، تحمي الطفل وتساند الأسرة، وتجعل من التكافل ممارسة اجتماعية قادرة على تغيير حياة كاملة.

من هنا تتجلى أهمية منظومة الأسر الكافلة التي تشرف عليها «وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية» إذ أحاطت هذه المسؤولية الإنسانية بتنظيم دقيق ورعاية كبيرة تبدأ باختيار الأسرة المؤهلة اجتماعياً ونفسياً واقتصادياً وصحياً، وتمتد إلى متابعة الطفل بعد احتضانه عبر الزيارات الدورية والخدمات الاجتماعية والنفسية، للاطمئنان على استقراره وجودة الرعاية التي يتلقاها، كل ذلك وفق تنظيم مدروس من الوزارة سهّل رحلة الاحتضان إلكترونياً، من تقديم الطلب ومتابعته إلى إصدار شهادة تعريف بالاحتضان، لتصبح الإجراءات أكثر وضوحاً ويسراً للأسرة الكافلة.

تتسع هذه الرعاية من قبل وزارة الموارد البشرية لتشمل دعماً مادياً واجتماعياً يساند الأسرة في مسؤوليتها؛ إذ تصل الإعانة الشهرية إلى ألفي ريال للطفل دون السادسة، وثلاثة آلاف ريال عند بلوغه السادسة لمن يتقدّم بطلبها، مع مكافأة قدرها عشرون ألف ريال عند انتهاء فترة الكفالة، وتمتد المساندة إلى التعليم الحكومي والأهلي والابتعاث الداخلي والخارجي ودفع الرسوم الدراسية وفق المسارات المحددة، إضافة إلى شمول الطفل المحتضن بالتأمين الطبي الإلزامي لرب الأسرة أسوة بأفرادها، وحتى حين يكبر المحتضن ويبدأ تأسيس أسرته، تظل منظومة الرعاية حاضرة بمنحه دعماً للزواج قدره ستون ألف ريال، وهنا تتجاوز الرعاية معالجة احتياج آني إلى بناء مسار حياة أكثر استقراراً واستقلالاً.

في قلب هذه المنظومة يظهر بوضوح الوجه الإنساني لوطن جعل رعاية أبنائه مسؤولية حقيقية تمتد إلى أدق تفاصيل حياتهم اليومية، وطن لا يكتفي بتوفير مأوى آمن لليتيم فحسب بل يسعى ليمنحه الأمان النفسي وسط أسرة تحتضنه بحياة مستقرة، وتعليماً جيداً، ورعاية صحية، ومستقبلاً أكثر أماناً، إنها صورة تعبّر عن وطن يدرك أن قوة المجتمع تبدأ من شعور الإنسان بالطمأنينة، وأن الرحمة عندما تتحوّل إلى أنظمة وخدمات وحقوق تصبح من أسمى أشكال المسؤولية، وفي كل طفل يجد بيتاً دافئاً وأسرة تمنحه الحب والاهتمام، تتجدّد حكاية هذا الوطن الرحيم؛ وطن لا يترك أبناءه وحدهم في مواجهة الحياة، بل يسير معهم خطوة بخطوة حتى يشتد عودهم، ويكبروا وهم يحملون في ذاكرتهم يقيناً عميقاً بأن لهم وطناً احتواهم حين احتاجوا إلى من يحتضنهم.

00:01 | 24-08-2026

المملكة.. قوة الدولة واستراتيجية التحالف

في منطقتنا، وفي هذا الوقت البالغ الدقة تتبدل موازين القوة بتسارع ملحوظ، وتعيد الدول حساباتها وفق مصالحها قبل أي اعتبار آخر وباعتمادها على الذات قبل أي خيار آخر، فالتحالفات مهما بلغت متانتها تبقى محكومة بحسابات كثيرة يطول تفصيلها، فيما تبقى قدرة الدولة على حماية قرارها ومقدّراتها هي الثابت الأهم الذي لا ينبغي أن يخضع لمتغيّرات الخارج، ولعل التجربة الطويلة للشرق الأوسط أثبتت أن الدول الأكثر قدرة على عبور المنعطفات ليست الأكثر تحالفاً بالضرورة، وإنما الأكثر امتلاكاً لأدواتها، والأوسع في خياراتها، والأقدر على بناء علاقاتها من موقع الندية والمصلحة، ومن هنا يمكن قراءة التحوّلات التي تقودها السعودية اليوم في علاقاتها وتحالفاتها؛ فهي لا تنسحب من شراكة لتدخل أخرى، ولا تستبدل محوراً بمحور، وإنما توسع دوائرها السياسية والاقتصادية والأمنية في عالم لم تعد فيه العلاقات الدولية تسير في خطوط مستقيمة.

الاستقلال الاستراتيجي لا يقوم على الابتعاد عن الحلفاء أو تقليص مساحة الشراكة معهم، وإنما على امتلاك القدرة التي تجعل التحالف خياراً يعزّز قوة الدولة ولا يعوّض عنها. وهي معادلة تزداد أهميتها في منطقة عايشت تقلبات السياسة الدولية، ورأت كيف تتبدل حسابات القوى الكبرى تبعاً لتغيّر الإدارات، وتحوّلات المصالح، والأزمات الاقتصادية، أو حتى عبر أحداث تقع بعيداً عن حدودها، فتتغيّر معها الأولويات وتتقدّم ملفات وتتراجع أخرى، ومن هنا تصبح القدرة الذاتية الضمان الأكثر ثباتاً، فيما تبقى التحالفات رصيداً استراتيجياً تحكمه المصالح المتبادلة وتوازنها، لهذا تبدو معادلة الأمن السعودي اليوم أكثر وضوحاً واتساعاً؛ بناء مستمر للقدرات الوطنية، وتنويع للشراكات، وعلاقات متوازنة مع القوى الكبرى والصاعدة، مع الاحتفاظ بالقرار الوطني في مركز هذه الدوائر كلها، فالولايات المتحدة -بالطبع- شريك استراتيجي مهم، والصين قوة اقتصادية عالمية ذات مصالح متنامية، كما أن العلاقات مع دول إقليمية ودولية أخرى تفتح مجالات أوسع للتعاون، وفي النهاية، لا تقوم السياسة الرشيدة على عدد الأصدقاء بقدر ما تقوم على وضوح المصلحة وحسن إدارة العلاقة معهم والإدارة القوية لمجريات الأحداث حولها.

السعودية اليوم تبني هذه القدرة -السياسية والعسكرية- بالتوازي مع دبلوماسية تسعى إلى تخفيف التوترات؛ لأن امتلاك القوة لا يتناقض مع السعي إلى السلام. على العكس، كلما ازدادت الدولة قدرة على حماية مصالحها، ازدادت قدرتها على التفاوض بهدوء، واتسعت أمامها مساحة القرار بعيداً عن الضغوط والاصطفافات الحادة.

لقد تغيّر العالم، وتغيّر معه معنى التحالف ولم يعد السؤال المنطقي إلى أي معسكر تنتمي الدولة؟ وإنما: ما مقدار ما تملكه من قوة حين تتغيّر المعسكرات؟ وما حجم الخيارات التي تحتفظ بها عندما تتعارض مصالح الحلفاء؟

وهنا تتجلى قيمة النموذج للمملكة العربية السعودية في هذه المرحلة؛ قوة تُبنى من الداخل، وشراكات تتسع في الخارج، وقرار يعرف أين تقف المصلحة الوطنية، ففي السياسة كما في التاريخ، يبقى الحلفاء ضرورة كما في اتفاق مكة الثاني بين المملكة وباكستان وتركيا، وتبقى المصالح جسوراً مهمة، لكن الدولة التي تريد أن تملك مستقبلها تبدأ دائماً من قدرتها على الوقوف على قدميها مع الإمساك بكل أدوات القوة أو كما يقول سارتر: ‏«على المرء أن يُظهر قوته حتى لا يكون مضطراً لاستعمالها»!

00:00 | 18-08-2026

«التوابون».. التجنيد بالعقيدة وهندسة الاختطاف !

في نظرة مبسطة على العقيدة القتالية التي تنتهجها إيران في حروبها -إن كانت على جبهات الصراع أو الجبهات العقدية- فإيران لا تخوض معاركها بالطريقة التقليدية فقط، بل تتعامل مع الأزمات وفق براغماتية استثنائية كمعامل لإنتاج النفوذ، وتحوّل هزائم الإنسان إلى أدوات سياسية طويلة الأمد، فمنذ قيام الثورة الخمينية لم يكن السلاح هو الاستثمار الأهم، وإنما الإنسان ذاته؛ تُعاد صياغة قناعاته ويُستبدل انتماؤه الوطني بولاء عقائدي عابر للحدود، حتى يصبح جزءاً من مشروع تتقدّم فيه الأيديولوجيا على الدولة، وتطغى الطاعة على الهوية، والعقيدة السياسية على مفهوم الوطن، ومن هنا لم تكن الحروب بالنسبة لطهران مجرد هزائم وانتصارات على الجبهات بل فرصاً لتجنيد العقول وهي سياسة تركت آثاراً لا تزال المنطقة تدفع ثمنها حتى اليوم.

من أكثر النماذج دلالة على ما سبق ما عرف بملف «التوابين» من الأسرى العراقيين خلال الحرب العراقية الإيرانية، فبعد وقوع آلاف الجنود العراقيين في الأسر، بدأت داخل بعض المعسكرات الإيرانية عمليات استقطاب فكري وديني منظمة، شارك فيها الحرس الثوري الإيراني إلى جانب المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، جرى فرز هؤلاء الأسرى، وإخضاعهم لبرامج عقائدية وتعبوية مكثفة استندت إلى دلالات تاريخية وعاطفية عميقة، أُعيد من خلالها صياغة هويتهم وتوجيه انتمائهم السياسي، فجاءت تسمية «التوابين» شفرة أيديولوجية أُسقطت على واقع سياسي، لتحويل الأسرى العراقيين من أعداء يحاربون تحت نظام صدام إلى مقاتلين ضمن تشكيلات عسكرية عقائدية كـ«فيلق بدر»، وبهذا التحوّل خاض هؤلاء الأسرى معارك وجبهات ضد جيش وطنهم الأصلي، ليتحوّل الخصم المباشر إلى ذراع ينفذ التطلعات الإقليمية لطهران، ولم يقتصر هذا الاستثمار على الحقبة العسكرية، بل امتد أثره العقائدي والسياسي لسنوات طويلة، حيث شكّلت هذه التشكيلات لاحقاً نواة نفوذ صلبة داخل المشهد العراقي عقب تغيير عام 2003م.. هل يعقل ذلك؟!

تكشف هذه التجربة أن المشروع الإيراني لم يكن يراهن على نتائج معركة عسكرية بقدر ما كان يراهن على صناعة ولاءات تدوم لعقود، فالجندي الذي يُعاد تشكيل وعيه يصبح أكثر قيمة من أي مكسب ميداني مؤقت، لأن أثره يمتد إلى ما بعد توقف المدافع، ويتحوّل إلى قناة دائمة لنقل النفوذ داخل الدولة المستهدفة، ولهذا حرصت طهران على أن يكون التجنيد العقائدي ركيزة ثابتة في سياستها الإقليمية، مستفيدة من كل حرب أو فراغ سياسي أو انقسام اجتماعي لتوسيع دائرة نفوذها، ولعل أخطر ما في هذه السياسة أنها لا تستهدف الحدود، بل تستهدف البنية الفكرية للمجتمعات حين يترسّخ الاعتقاد بأن الولاء للعقيدة السياسية يسمو على الولاء للوطن، وهنا مربط الفرس!

23:59 | 10-08-2026

الخليج والعراق: استحقاق تاريخي ومواجهة التحديات !

تخوض المنطقة العربية مرحلة هي الأكثر حساسية في تاريخها الحديث؛ حيث تتقاطع الحسابات الإقليمية وتتصاعد حدة الاستفزازات المسلحة التي تقودها المليشيات الإيرانية العابثة في مشهد متوتر يقف العراق على خط التماس الأول فيه، بين سعيٍ حثيث لاستعادة مكانه الطبيعي في المحيط العربي، ومحاولات مستميتة من قبل المليشيات التابعة لإيران لاتخاذه منطلقًا لعمليات عسكرية وحسابات إقليمية عبر سلوكيات هجومية غاشمة طالت دول الجوار وأضرت بالدرجة الأولى بسيادة العراق وأمن شعبه، فكل صاروخ يُطلق خارج سلطة الدولة، وكل طائرة مسيّرة تعبر الحدود، لا تستهدف دولة بعينها فحسب، وإنما تصيب هيبة العراق في صميمها، وتضع علاقاته مع محيطه العربي أمام اختبارات لا يستحقها.

مقابل هذه الاعتداءات المتكررة على دول الخليج ومملكة الأردن، تجلت حكمة القيادة في المملكة العربية السعودية التي قابلت تصرفات تلك الجماعات المنفلتة بأعلى درجات ضبط النفس، منطلقة من إدراك عميق لخطورة الانزلاق نحو مواجهات تُربك استقرار المنطقة وتجرها إلى منزلقات توسع هوة الخطر وتفتح المزيد من الجبهات والنيران، غير أن هذا الصبر السعودي لم يكن إلا مساحة أُعطيت للحلول الدبلوماسية والحوار المنضبط للسيطرة على المشهد، مقترنة بتحذيرات صارمة وواضحة مفادها أن أمن الخليج واستقراره خط أحمر لا يمكن التهاون معه، وأن الرد على أي تمادٍ بات أمرًا حتميًا لا مفر منه.

على الجانب الآخر -العراقي الرسمي- لم تكن هذه الممارسات المليشياتية محل قبول أو تغاضٍ؛ فقد عكس موقف القيادة الرسمية وعلى رأسها الرئيس علي الزيدي حرصًا جادًا على كبح جماح هذا العبث. وجاء الاجتماع رفيع المستوى الذي عقده الزيدي ليضع النقاط على الحروف، متمخضًا عن تحذيرات حازمة وتوجيهات مباشرة لتلك الفصائل والحشد الشعبي، تؤكد أن التجاوز على دول الجوار خرقٌ فاضح للدستور العراقي وإضرار مباشر بفرص البلاد في النهوض والتنمية.

لقد تجسّد هذا التوجه العراقي الرسمي في السعي الدائم للعودة إلى الحضن العربي، والارتكاز على العلاقات التاريخية الراسخة بين العراق ودول الخليج، ولعل الزيارة التي كانت مقررة إلى المملكة العربية السعودية حملت دلالات تتجاوز البروتوكول السياسي، إذ كانت تمثل خطوة جديدة نحو ترسيخ الثقة وفتح آفاق أوسع للتعاون، غير أن محاولات إفشال هذا المسار عبر تصعيد الاعتداءات الميدانية الذي تقوده فصائل إيرانية مسلحة، وما رافقه من هجمات متكررة استهدفت السعودية ودول الخليج والأردن، كشفت حجم القلق الذي ينتاب القوى الرافضة لعودة العراق إلى محيطه العربي، فكلما اقتربت بغداد من بناء علاقات متوازنة مع أشقائها، ارتفعت وتيرة التصعيد من الجهات التي ترى في استقرار العراق تهديداً لمشروعها العابر للحدود.

إن التاريخ والواقع يؤكدان أن العراق لم ولن يكون ساحة مفتوحة لتنفيذ أجندات عابرة للحدود، وأن وعي الدولة العراقية اليوم بحقيقة هذه المخططات يقابله موقف خليجي متزن يُفرق بوضوح بين مؤسسات الدولة العراقية والرغبة الشعبية في الاستقرار، وبين سلوكيات المليشيات المنفلتة، وقد حان الوقت لتدرك هذه الجماعات أن درع السيادة الوطنية أصلب من الاختراقات العابثة والتبعية للخارج، وأن مستقبل العراق الحقيقي يكمن في عمقه العربي وثبات مؤسساته، ويبقى الرهان الحقيقي اليوم على قدرة الدولة العراقية على ترجمة مواقفها إلى إجراءات عملية تحفظ سيادتها، وتعيد احتكار القوة إلى مؤسساتها، وتمنع تحويل أراضيها إلى منصة لتهديد جيرانها، فالعراق لا يحتاج إلى مزيد من البنادق الخارجة عن القانون، وإنما إلى دولة تستعيد قرارها، وتبني جسور الثقة مع محيطها العربي، لأن مستقبل المنطقة لن تصنعه المليشيات، بل تصنعه الدول القوية التي تؤمن بأن حسن الجوار والسيادة واحترام الحدود هي الأساس الذي تُبنى عليه علاقات مستقرة ومستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للجميع.

00:00 | 4-08-2026

الخليج ليس ساحة حرب!

يصعب على الراصد لما يجري في الشرق الأوسط أن يعثر على مسار واضح يمكن أن يقوده إلى توقع نهاية هذه الحرب أو حتى محطتها التالية، فالتصعيد بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران يتحرك في مساحة شديدة الاضطراب، تتداخل فيها الضربات مع التهديدات، والسياسة مع الميدان وحسابات الردع مع احتمالات الانفلات، وفي خضم هذا المشهد يقف الخليج العربي أمام خطر يتجاوز حدود المواجهة ذاتها عبر محاولات إقحامه في دوامة لم يصنع أسبابها، وليس ملزماً أن يدفع أثماناً لها!

للحروب أسبابها ومصالحها وحساباتها، وقد تكون بين واشنطن وطهران ملفات تراكمت حتى بلغت هذه المرحلة الخطيرة، لكن دول الخليج ليست طرفاً في تلك الحسابات، وأمنها لا يجوز أن يتحوّل إلى ورقة تفاوض، ولا منشآتها وممراتها ومصالح شعوبها إلى أهداف تستخدم لإيصال الرسائل أو رفع كلفة المواجهة على الخصم. إن إقحام دول الخليج العربي في هذه النيران هو الامتداد الطبيعي لمشروع عقائدي وسياسي ممتد منذ نحو أربعة عقود ونيف؛ مشروع سكنه العبث وتغذى على افتعال القلاقل، ويتفجر اليوم عبر تهديدات صريحة ونيران حقيقية تمس المقدّرات الحيوية والسيادة الوطنية، وهذا المشروع ظلت المنطقة تدفع كلفته بينما يتمدد خارج الحدود، ويستثمر في الأزمات والانقسامات، وينشئ شبكات من الجماعات المسلحة التي نافست الدولة في أكثر من عاصمة عربية، وأبقت دولنا في حالة استنزاف أمني وسياسي طويل، واليوم تبدو نتائج ذلك النهج أكثر خطورة؛ لأن أدوات الضغط القديمة باتت تعمل وسط حرب مفتوحة، وأي خطأ في الحساب قد يشعل مساحة جغرافية أوسع من قدرة الجميع على احتوائها.

لقد استنفدت الدبلوماسية زمناً طويلاً في محاولة إدارة الخلاف، كما أن القوة العسكرية، مهما بلغت دقتها وشدّتها، لم تقدّم حتى الآن نهاية سياسية واضحة للصراع، وهذه هي العقدة التي ينبغي أن تشغل المنطقة والعالم، فما جدوى حرب تتسع دوائرها، بينما يبقى سؤال اليوم التالي بلا إجابة؟ وما قيمة الردع إذا ظلت دول آمنة معرّضة للتهديد كلما ارتفع منسوب المواجهة؟ الخليج اليوم أمام ضرورة إستراتيجية تتجاوز التعامل مع كل حادثة أو أزمة منفصلة، والمطلوب هنا موقف دولي حاسم يكرّس حرمة سيادة دوله، ويمنع العبث بمقدراتها ويضع حداً لسياسة تحريك المليشيات وإشعال بؤر التوتر حول حدوده.

لقد أمضت المنطقة عقوداً وهي تطفئ الحرائق التي أشعلتها مشاريع التمدد والصراعات بالوكالة، وآن لهذا الفصل أن ينتهي، فدول الخليج لم تبنِ كل هذه العقود من الاستقرار والازدهار كي تصبح مقدّراتها وقوداً في حرب لا تخصها، ولا كي يستيقظ أبناؤها كلما اشتعل خلاف إيراني مع العالم على سؤال: أي مدينة ستكون في مرمى الرسالة القادمة؟

الخليج ليس ساحة حرب، ولا ورقة تفاوض، ولا جبهة بديلة حين تضيق ساحات المواجهة، وهذه حقيقة ينبغي أن تتحوّل من موقف سياسي إلى معادلة ردع لا يجرؤ أحد على اختبارها!

00:01 | 28-07-2026

بين اتفاق إسلام آباد ومفاجآت جنيف.. ما الذي يحدث!

في السياسة، لا تكمن الخطورة في الاتفاقات المعلنة بقدر ما تختبئ في التفاهمات غير المرئية. وهذا تحديداً ما يفسّر حالة القلق المتصاعدة في المنطقة عقب التباين الصادم بين ما جرى تداوله عن مفاوضات الفريق الأمريكي في إسلام آباد، وما تسرّب لاحقاً من مخرجات اجتماع جنيف.

في إسلام آباد، بدت الشروط الأمريكية حادة وواضحة: وقف كامل للنشاط النووي الإيراني، تسليم اليورانيوم عالي التخصيب، ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز دون قيود، وإنهاء أذرع طهران المسلحة في المنطقة.. كانت تلك الشروط توحي بأن واشنطن قررت أخيراً التعامل مع أصل الأزمة، وحسم مخاطرها، لكن ما حدث في جنيف أثار أسئلة أكبر من الإجابات المتاحة. فجأة؛ انقلب المشهد رأساً على عقب: مذكرة مبدئية تتحدث عن وقف الاعتداء على إيران وحلفائها، قبول بضخ الأموال الإيرانية المحتجزة، وحديث عن صندوق دعم ضخم بقيمة 300 مليار دولار، هنا يصبح السؤال مشروعاً: ما الذي تغيّر خلال أيام قليلة؟ ومن صاحب الكلمة الفصل، ومن المفترض أن يضع اشتراطاته!

المفارقة لا تبدو مجرد تعديل تفاوضي طبيعي، بل تحوّل إستراتيجي يثير الريبة، فإيران لم تغيّر سلوكها الإقليمي، ولم تتراجع عن أدواتها العسكرية، ولم توقف اعتداءاتها التي تهدّد أمن المنطقة بل على العكس، جاءت الهجمات الأخيرة على البحرين والكويت لتؤكد أن الخليج ما زال يدفع كلفة الفوضى الإيرانية الممتدة.

لهذا، يصبح القلق الخليجي مبرراً بالكامل، لأن أي اتفاق يتجاهل ملف المليشيات، أو يمنح طهران سيولة مالية ضخمة دون ضمانات صارمة، قد يتحوّل إلى وقود جديد لعدم الاستقرار، والتاريخ القريب يقول إن الأموال التي يفرج عنها لإيران لا تنعكس غالباً على الداخل الإيراني بقدر ما تتسرّب إلى ساحات الصراع وتسليح المليشيات!

ربما لا تزال هناك بنود سرية لم تتضح بعد، وربما تكون قراءاتنا متعجلة، وربما تحمل الأيام المقبلة تفاصيل مختلفة، لكن المؤكد أن المنطقة تقف أمام لحظة خطيرة وحسّاسة، حيث لم يعد السؤال: هل هناك اتفاق؟ بل: لمن كُتب هذا الاتفاق، ومن سيدفع ثمنه؟!

00:03 | 30-06-2026

لبنان: استعادة الدولة وكسر النفوذ!

شكّل انطلاق أولى الصادرات اللبنانية من مرفأ بيروت باتجاه ميناء جدة، عقب قرار المملكة العربية السعودية رفع الحظر المفروض عليها، بارقة أمل جديدة للاقتصاد اللبناني المثقل بالأزمات في بادرة ليست الأولى من المملكة العربية السعودية وامتداد طبيعي لعمق العلاقات التاريخية بين الرياض وبيروت، وتأكيداً على الدور السعودي الريادي والمستمر في دعم لبنان خلال أقسى ظروفه وأزماته.

كانت -ولا تزال- المملكة العربية السعودية السند الأقوى للبنان في مختلف المحطات التاريخية، فبعد الحروب الطاحنة والاجتياحات التي عصفت بالبلاد، قادت الرياض الجهود الدبلوماسية والمادية لإعادة الإعمار ونزع فتيل الصراع وإحلال الاستقرار في بلد مزّقتها الحروب والنزاعات، ولعل اتفاق الطائف عام 1989 يقف شاهداً حياً على الدبلوماسية السعودية التي أنهت الحرب الأهلية ولمّت شمل اللبنانيين، إذ لم تتوقف المملكة عند الدعم السياسي، بل تدفقت المساعدات المالية والقروض والودائع السعودية في مصرف لبنان لتعزيز الاستقرار النقدي، مكرّسة غايات المملكة في عودة لبنان كدولة مستقلة ذات سيادة بعيداً عن الفوضى والحروب، ورغم هذا العطاء واجهت العلاقات تحديات جسيمة جرّاء محاولات بعض الأطراف الإقليمية، وتحديداً إيران، اختطاف القرار اللبناني عبر أذرعها، وفي هذا السياق برزت خطورة الدور الذي لعبه حزب الله في إضعاف سيادة الدولة وتوريطها في صراعات إقليمية لا تخدم مصالح الشعب اللبناني بل جلبت الكوارث والدمار لهذا البلد الجميل!

أمام هذا الواقع، اتخذت الحكومة اللبنانية خطوات شجاعة وقرارات حاسمة تهدف إلى تحجيم الدور السياسي لحزب الله المرتبط بطهران، وتأكيد مرجعية الدولة ومؤسساتها الشرعية، هذه القرارات الجريئة كانت الركيزة الأساسية التي سمحت بإعادة بناء الثقة مع الأشقاء العرب، وعلى رأسهم المملكة وتوّجت بعودة السفن اللبنانية إلى الموانئ السعودية في خطوة تؤكد أن مكان لبنان الطبيعي هو في حضنه العربي، كدولة ذات سيادة حرة لا تقبل الإملاءات والاختراقات وبداية مرحلة جديدة من التعاون القائم على احترام السيادة، ومكافحة التهريب، وتغليب مصلحة الدولة اللبنانية وشعبها الذي يطمح إلى الاستقرار والازدهار الاقتصادي بعيداً عن دوامات المحاور الضيقة.

لبنان يقف اليوم عند مفترق حاسم بين مشروع الدولة ومشاريع النفوذ الخارجي، وكلما تعزّزت سلطة المؤسسات وتراجع تأثير السلاح خارج إطار الدولة، اقترب من استعادة عافيته ومكانته العربية، وفي هذا المسار تظل السعودية حاضرة بثبات داعماً إستراتيجياً بثقل إقليمي كبير وشريكاً مؤمناً بأن استقرار لبنان وسيادته ركيزتان أساسيتان لأمن المنطقة وسلامها!

00:10 | 23-06-2026

دول الخليج: هندسة الردع الحتمية !

أتابع برنامجاً على إحدى القنوات الخليجية، ويدار النقاش فيه حول أحداث الساعة، ويضم البرنامج خليطاً من الوجوه العربية والإيرانية والأمريكية، ورغم التحفظات حول بعض هذه الأسماء خصوصاً العربية التي تختزل كراهية واضحة للخليج والميل المكشوف لسياسة إيران فقد علقت في رأسي جملة قالها أكاديمي إيراني على نفس الطاولة حين ذكر ضيف خليجي أن الخليج موحد، رد الإيراني بتهكّم: «أنتم لا تحتاجون تقسيماً فأنتم أصلاً منقسمين!».

في تقديري أن هذه الجملة رغم خبثها إلا أنها خرجت بلا رتوش، وهي جملة تختزل اللعب على حبال الخلافات والاختلافات من جهة، والاختراق الشعبي المذهبي من جهة أخرى!

لم تكن الأسابيع الماضية مجرد جولة من التصعيد في المنطقة، بل كانت لحظة الحقيقة للمشهد العبثي للصواريخ والمسيّرات الإيرانية وهي تستهدف شريان الحياة الاقتصادي والبنية التحتية في خليجنا العربي، وسط طاحونة الحرب المستعرة بين واشنطن وطهران، ولم أرَ عمقاً استراتيجياً يُنتهك كما يحدث اليوم، مما يضعنا أمام حقيقة حتمية: إما أن نكون كتلة واحدة وازنة ومتماسكة، أو نتحوّل إلى ساحة تصفية حسابات بشكل أو بآخر!

إن التجربة القاسية الحالية تفرض علينا «هندسة جديدة» وعاجلة للبيت الخليجي، فالآخر لا يأبه للحكمة الخليجية والتناول المتزن للأحداث، إنه يؤمن بالتخريب والفوضى غير آبه بالجيرة وكف الأذى وكل المبادئ القيمية التي ننتهجها، هذه الهندسة الخليجية تبدأ بإعادة تشكيل جذرية للعلاقات البينية وتقوية أواصرها بما يخدم أمن المنطقة واستقرارها، فالمجاملات السياسية والقمم البروتوكولية لم تعد ترفاً؛ فالخطر داهم والمصالح باتت تحت النار، وأولى الأولويات التي لا تقبل التأجيل هي صياغة عقيدة عسكرية خليجية مشتركة تتجاوز الأطر النظرية لـ«درع الجزيرة» إلى منظومة دفاع جوي وصاروخي موحدة، وقوة ردع حقيقية تكون هي الضامن الأول والوحيد للأمن القومي الخليجي. لقد علمتنا الصراعات الكبرى أن الحلفاء البعيدين تحكمهم صناديق الاقتراع ومصالحهم الخاصة، أما الجغرافيا وثقلها فلا يتغيران.

توازي هذه الأولوية العسكرية ضرورة مراجعة شاملة لدفتر التحالفات الدولية والمصالح الاقتصادية، وعلى الخليج اليوم أن يدير علاقاته بناءً على مبدأ «الأمن المتبادل والمنفعة الصرفة»، وإعادة تمحور الاقتصاد الخليجي ككتلة تفاوضية واحدة لا يمكن تجاوزها في المعادلات الدولية.

لقد مضى زمن تشخيص الأزمات، ونحن اليوم في مرحلة كاشفة، دقيقة وعميقة لإنقاذ المستقبل. لم تعد تقوية الوحدة الخليجية خياراً دبلومسياً أو بروتوكولاً عابراً لحدث طارئ بعد اليوم، بل طوق النجاة لمنطقة مهمة ونقطة تحول وإمداد عالمي وشريان اقتصادي إن توقف غرق العالم في بحور الخسائر والديون والكوارث -تماماً كما يحدث اليوم-، وإن لم تجمعنا نيران هذه الحرب والهجمات الغاشمة على مقدراتنا ومنشآتنا في صف واحد وكلمة سواء تفرض هيبتنا العسكرية والاقتصادية، فسنبقى مجرد أرقام في حسابات الربح والخسارة للقوى الكبرى خصوصاً مع تسريب بعض بنود الاتفاق الإطاري بين الولايات المتحدة وإيران، الذي يناقض -إن صح التسريب- طموحات السلام والاستقرار لمنطقة الخليج. التاريخ لا يرحم والحاضر يفرض هندسة المستقبل، والخليج يملك كل مقومات القوة ليرسم مساره الأمني بنفسه، وتشكيل قوة ردع بمقومات حاضرة يمكن البناء عليها مثل قوات «درع الجزيرة»، واتفاقية الدفاع المشترك، لتتحول هذه المنظومة إلى «قوة ردع مشتركة حقيقية» بمفهومها الاستراتيجي الشامل، فهل نفعلها؟!

00:14 | 16-06-2026