أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/239.jpg?v=1766066191&w=220&q=100&f=webp

علي بن محمد الرباعي

حُجْ يا حاج

خضعت نُخب أدبية وثقافية على مر نصف قرن، لضغط الشعاراتية وشروطها مكرهين، أو بغير رضا وقناعة، إذ ما إن يحلّوا في بلدان، يرى زعماؤها أنهم حماة الدِيَار والدَّيَار، إلا وتحمّلوا وزر الشعار الجانح المُناقض للواقع، وربما رفعوه على رؤوسهم، أو لحّفوا به مناكبهم، أو احتزموه في وسطهم، ليكون عوناً لهم على شدّ الأزر، واستقامة الأوَد، وسدّ الرمق، ولا خلاف على أنّ السياسة والأدلجة تسلّلت إلى كثير مما يعدّه البعض عبادة أو قناعات، وعبثت بالهشّ من العقائد والأخلاق والقيم والمبادئ.

وفي كل عام يفد إلى المملكة ملايين الحجاج، من مذاهب، وطوائف، وبلدان، وتوجهات، ولم تَدْعُ ولا تَدَع بلاد الحرمين أحداً يرفع شعاراً يشيد بجهودها، أو يُثمّن دورها، ولا غفرت لأي ضيفٍ مُسيّس، تعكير صفو غيره من الحجاج، إذ ليس كل قاصدي العبادة ممسوسين بالسياسة، فهاجس المؤمنين أداء شعائرهم بمشاعر إيمانية في فضاء آمن، والعودة من حجهم بغفران الذنب ومحو الخطايا، كما لم تُلزم المملكة حاجّاً بمذهبها ولا فقهها، كونها ترعى وتُعنى بشعيرة الأصل فيها «تقوى القلوب والجوارح».

وما رعاية المملكة لضيوف الرحمن، وعنايتها إلا انطلاقاً من اختصاصها بهذا الأمر الذي سار عليه السلف الصالح من قادة شرُفوا بخدمة الحرمين، والله يصطفي لأشرف المهام أكرم عباده، مثلما يصطفي من الملائكة رُسلاً ومن الناس، ويكفي اليوم أن نتابع وقوف خادم الحرمين الشريفين، وولي عهده الأمين على موسم الحج، وإشرافهما المباشر على أداء القطاعات، التي يقف عليها الوزراء بأنفسهم وعلى مدار الساعة.

والحج المبرور يقوم على تعظيم حُرمة المكان والزمان والإنسان، فالمكان بُذِلَ ويُبذل فيه وعليه، مبالغ لا حدّ ولا حصر لأرقامها، وزُوّد بأحدث وأفضل الوسائل المُعينة على طاعة الله دون عناء، والزمان أيام معدودات، غالباً لا تزيد على أربعة أيام، سرعان ما تنقضي في لمح البصر، ومن جاء بقصد العبادة لن ينصرف للتُرّهات ويدع المثوبة والحسنات، أما الإنسان فإما أن يكون قائماً على خدمة الحجيج، أو مُشاركاً في النسك، أو متبرعاً لعمل الخير، وأداء مهام وظيفية أو تطوعيّة، وكلهم لا علاقة لهم بشأن سياسي ولا أيديولوجي، فالموسم الخيّر لا يتسع إلا لذِكر الله وما والاه.

كانت بلاد الحرمين، وما زالت، وستظل، مهوى أفئدة ومأرز إيمان، ولا ريب أنّ كثيراً من الحجاج تغيّرت قناعتهم، واطرحوا الأدلجة وشعارات التسييس، بحكم الواقع الإيماني الذي عاشوه، والمُعاش الذي شاهدوه، والأدب والاحترام الذي حظيوا به، فالضيوف ضيوف الله، والسعوديون قيادةً وحكومةً وشعباً في خدمة الضيف، والله عزّ وجل، ورسوله المصطفى عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، والأسوياء من البشر، لا يقبلون من الضيف إساءة الأدب مع المُضيف، لأنها تطاول على الله تعالى، وعلى رسوله عليه السلام، وعلى المسلمين المسالمين الذين وقفوا أعمارهم وأموالهم لأداء فريضة طالما حلموا وتمنوا أن يسعفهم العمر والظروف ليتمكّنوا من أدائها، براءةً للذمة.

ربما يضيف علماء المقاصد في زمن لاحق إلى شروط استطاعة الحج، الاستطاعة بالوعي، وبُعد نظر المسلم في فهم معنى العبادة، وكذا الاستطاعة الروحية، والأخلاقية التي تجعله في ذروة إيمانياته على مستوى اللفظ والسلوك، إضافة إلى الوعي الثقافي والاجتماعي والاقتصادي، لبلوغ أسمى معاني وحدة الجسد والوجدان، فالحجُّ تجرّدٌ يليقُ بمن قرر الاتصال بالسماوات، لا تصفية حسابات.

موسم الحج لا يحتمل العبث ولا الفوضى، ولا إعطاء كل شخص على هواه، فالنظام أولاً وأخيراً ودائماً، والحجاج قدموا لمقصد العبادة، والمملكة هيأت لهم كل ما يلزم لتحقيق القصد بأيسر وآمن السُّبل. تقبّل الله من الجميع، وأعان ووفق قيادتنا وحكومة بلادنا على أداء ما أُنيط بهم من مسؤوليات خدمة الإسلام والمسلمين.

00:53 | 22-05-2026

«طاح الرخا فـ الديرة»

لم يعد يساكن (رِقْبان) في بيته الواسع لا نسمة ولا دسمة، عدا الرادي؛ والغليون؛ وبسّة سوداء تشاركه ما يجود به عليه جيرانه؛ واعتاد لا يرقد إلا بعدما يسمع نشرة الأخبار، ليستعرض في اليوم التالي مهاراته، وكلما دخل بيتاً من بيوت القرية الذين يستأنسون بهروجه الملفقة؛ يقول؛ ما سمعتم وش قالت إذاعة لندن البارح؛ لكي يُغريهم؛ فيردّ عليه السامع؛ خير إن شاء الله، فيعطيهم رأس الخبر، ويلتفت في راعية البيت ويقول؛ قومي اقدحي لنا البُرّاد.

يستثقل (رِقبان) يوم الجمعة؛ لأن أهل القرية ما ينطلقون إلى مزارعهم والوديان إلا مع الضحى؛ انتبه من نومه على دقّ؛ فطمع في دلة قهوة؛ وتحسّس الصوت؛ وإذا به ثور المذّن يحكّ قرونه في خشب المصراع، وكعادته في الشماتة قال؛ وشبهم بقّ الغيران ما خرجوا من غيرانهم؟ وتذكّر أن يومه يوم جمعة، فقال بينه وبين نفسه خوفاً يسمعه الفقيه ويعزّره؛ حتى ربي خلاه ليوم القيامة؛ بيفجعهم والخلق راقدين كما جماعتي؛ وتهرهم بطونهم من الخرعة لا ردّهم الله؛ ضحك ثم استرجع؛ وردد؛ استغفرك واتوب إليك إن كان عليّه فيها خطيّة؛ وخرج من موضوع الدين فقال؛ ما حد احترك النسوان مخورات؛ والرجاجيل خِربين جربين.

تلهّم واجباته الصباحيّة؛ قام ونفض الهِدم الذي كان ينام عليه، وطواه وحزمه بفتيل؛ وعلّقه فوق الجُباهة ليتشمس؛ والتقط المقشّة وحاق بها الغبار عن حجر عتبة الدار، ثم استقعد؛ ولف عمامته ووضعها تحت كوعه معنازة؛ واحتفش الثوب؛ لتستقبل فخذاه ضوء الشمس المتسلل إليه من بين أغصان سدرة البيت؛ تحالى الدفاة وغفى؛ ودخلت البسة السوداء تحت الثوب المحفوش؛ فانتغز وركلها بقدمه؛ مردداً؛ ما عد عليك إلا تغلقين عليه وهو ما غير كما فتيلة الطباخة.

فتحت جارتهم (مخْلِيَه) باب بيتها إلا وعينها في عينه؛ بادرها بالسؤال المعتاد؛ كيف كهلتكم اليوم؟ ردّتْ عليه؛ تحت الله؛ علّق؛ كلنا تحته؛ الله ياهب معونة على هذي الدنيا يا بنت الحلال، وسبحان من لا تسهى عينه ولا تنام، وكعادته في النبش والتنشاد سألها؛ وين رجالك (قِرْفان) ما له ضيحه؟ جاوبته؛ سرح جُهمة، يحمي الخوخ من الطير والقرود؛ فقال؛ آهي صادقة بيسرح يحمي الخوخ؛ اتفلي في ثمي إن كان ما معه علم ثاني! عرفت إن وده يدخلها في نوايا سيئة؛ فقطعت عليه؛ ونشدته؛ وانت كيف لك غبّشتْ ما هي عادتك، فقال؛ ما يهناني يقومون الخُطلان قبلي، والعريفة مزكّن عليّه؛ أرقب له السارح والرايح والهباط والصّدار؛ سكت وردّ ثوبه على سيقانه؛ ولأن راحلته شجيّة؛ شغب الصوت بطرق الجبل (يقول أبو عسّاف كم نرقد وننبه؛ ما شبعنا فيك يا نوم؛ مرقدي ع الهدم راحة، ولولا مشقات الزمان النوم حالي).

أقبلتْ عليه بدلّتها المحوّجة؛ وصحن تمر صفري تقول الجواهر؛ فصبّت له الفنجال ومدّت؛ فقال؛ من يدّ ما نعدمها؛ رشف؛ وصدح؛ كنها دلة ابن سعود في (الناصرية) فانتشت؛ ولكي تستثير مشاعره الشفيفة؛ قالت؛ (جنّة) تسلّم عليك؛ تربّع في جلسته؛ وقال؛ ايوه فين لقيتيها؛ قالت؛ في الفيض تحتطب وتحتشّ؛ وسكت شويه ثم قال؛ وحيدة وإلا على ذمة رجّال؛ ردّت؛ مات (المرتعد) آتلى أزواجها؛ وميتّم على شلقة عيال كما وصاص تهامة؛ وأضافت؛ إن كان ودّك بها هرّجتوها، حكّ عارضه؛ وقال؛ إنها من كُثر ما عرّست غدت كما مخدّة القهاوي؛ كل يوم في حثل زبون لين تنتفت من الدحيس.

قرر مزارعو القرية يسوّقون بالخوخ الفدري؛ سوق السبت؛ وتقاطرت حميرهم؛ إلى الكبّة؛ ليركبوا في أبلكاش بن بادي؛ وصلوا مع شرقة شمس النهار؛ لا ونّ السوق فايض من عيونه؛ وصدح غرسان المحرّج (في ذا السنة صدت نجوم الربيع، وعاد طلع الخوخ في كل ريع)، وصاح؛ وينكم يا الخواخة؛ طاح الرخا في الديره، قال (قِرْفان) حرّج على خوخي؛ المنثل بريال، ردّ عليه المنثل بنص ريال والله لو انك تسقيه زمزم.

ما جا لهم سوق، وعوّدوا ببضاعتهم إلى رحالهم، وأعلن زرّاعة الخوخ في القرية؛ أنه صدقة لوجه الله، للطير وشبّار الخير، وكل صاحب مزرعة واقف على الجنّاية وصوته يكسّر الحصى؛ كلوا ولا تردكم إلا بطونكم، يومين ثلاثة، وانقلب الحال، دقتهم بطونهم، وسرحوا الوديان يبردون؛ تشوفهم متقعفزين جنب الغدران، وجت الجمعة التالية، وصلى بهم المذّن، نشده العريفة وين رفيقك ما صلّى بنا الجمعة؟ جاوبه؛ استرط له خوخة بعجمتها وله يومين يتعسّر، تشقق ثُمّ القربة من الزحيط؛ افترش فوق حدة البيت وملقيها البحريّة؛ ما كنه إلا ناقة عسّرت على حوارها، فقال؛ وش اغداه ما كان ياكل ببصيرة، ردّ رِقبان؛ منين للفقيه بصيرة عند العيشة يا كبيرنا، فقال؛ الله يديم النعمة طاح الرخا في الديرة؛ وحلّ في الدِّيَر غير أهلها.

00:01 | 15-05-2026

التعصّب للطائفيّة والقبليّة مجافاة للوطنيّة

عوّلتْ أمم على التعليم، لتحقيق التنمية، ورفع مستويات الوعي المجتمعي، ونجحت بالتعليم في تأصيل وتحصين وحدتها الوطنية؛ إلا أنه ليس بالضرورة أن يكون التعليمُ دائماً طريقاً نحو المستقبل، فأحياناً يغدو سالباً ويكتفي بالفُرجة على المتشبثين بعُقد الماضي، خصوصاً إن كان التعليم مُوجّها؛ وكانت الأنساق الماقبل تعليمية (أسرة وعائلة وطائفة وقبيلة) تُغذيه بقيمها المُحتدّة والمثيرة للنعرات التنافسية، والمنافسة العاطفية مدعاة للتعنصر.

ولكي لا يحتدّ القارئ الكريم على المقدمة، أرجو أن يُجيب على السؤال التالي (أيّ المؤثرات تفعلُ فعلها في الفرد والمجتمع وبقوّة، وهل التعليم مؤثّر أوّلي على العاطفة والسلوك والأخلاق)؟ قبل الإجابة؛ يستحسن التذكير؛ أن من أدبياتنا الشعبية (المجالس مدارس) والمجالس أداة توجيه وتأثير في النشء ؛ بل ربما كانت المحضن الأقوى والأشرس في غرس القِيَم والمبادئ، ولو استعدنا المثل (تنقل ضِلع ولا تغيّر طبع) فالطبع ليس كله من الفطرة؛ بل من قابليتنا للتطويع على يد المحاضن الأولى.

بالطبع؛ ومن المنطقي أن نلتمس العذر، لأدبيات القبائل، في زمن ما قبل الدولة، باعتبار أن كلاً يجد في قبيلته الحميّة والنصرة والعزوة؛ إلا أن زمن الدولة احتوى الجميع، وتكفّل بالأمن؛ والتنمية، وردّ المظالم، وكبح الفساد، وإرساء العدل، وكفلت بأنظمتها حقوق المواطنين، ولم تلغِ القبيلة احتراماً لتاريخها المُشرّف، إذ لم تتخلّف قبيلة عن الإسهام في مشروع وحدتنا العظيم.

ولربما لم تتشكّلْ مؤسسات المجتمع المدني مُبكّراً، لكي ينتقل المواطن بقدراته ومواهبه ومهنته وحرفته واهتماماته إليها بسلاسة، ولذا خشي البعض إن خرج من القبيلة، فقدان المكوّن الاجتماعي الأوّلي والذي يرى أنه لا يستغني عنه، وفي بلدان عدة، اشتغل مفكروها منذ التأسيس على (المواطنة) التي هي علاقة بين أفراد ودولة، (مواطن وكيان سياسي) وفق علاقة محكومة بحقوق وواجبات، يحددها النظام؛ وشعار المواطنة، ودثارها (الالتزام) المتمثّل في انتماء وولاء وعطاء.

للطائفيّة عاطفة تدينيّة جيّاشة، مبعثها صحة مذهب؛ وسلامة معتقد؛ وزكاء أخلاق؛ وسمو مبادئ؛ وربما يوقع المذهب المتعصّب في استنقاص الآخرين؛ ممن هم مذاهب شتّى أو طوائف تترا، كما أنّ للقبليّة محفّزات، تدفع للتباهي والفخر والمجاراة والتفوّق؛ ولذلك محاذير ومخاطر كونها مظنة الوقوع في التعنصر والعصبية والازدراء، وإثارة نعرات فتن؛ وإذا كنا نعوّل على التعليم في تخريج مواطنين أسوياء؛ فإن العنصرية بالطائفة والقبيلة والتمييز، يتنافى مع الوطنية؛ وكل ذلك يُلغي وظيفة التعليم، أو يعطّل رسالته؛ فيصبح وسيلة للشهادة والوظيفة، دون تأثير نوعي في بنيات الذهنيات المجتمعية؛ وعلاقاتها العقائدية المُعقّدة.

ومن البدهيات أن لأي إشكالية؛ زمامين؛ الأول؛ نقص في جانب يتمثّل توفير معالجات مبكرة؛ والثاني؛ زيادة ضخ تعبوي يضخّم القبيلة والطائفة أمام قامة الوطن؛ حد أن يجعل منها البعض كياناً موازياً للدولة، إن لم يكن يراها أضخم وأهمّ، وهذا من عمى البصيرة، وجحود النعمة، وعدم تقدير فضل الله علينا حقّ قدره.

ولعل من السهل استدراك قصور المؤسسات المعنيّة، بحفظ هويّة الانتماء للمواطن باعتباره جزءاً من هذا الكيان متمثلة في تفعيل نقابات وجمعيات ومنظمات وهيئات تبدأ منذ مراحل الدراسة الابتدائية عبر عضويات، فيتأسس الوعي المبكّر بالوطن، وتتنامى العلاقة بالاندماج في مؤسساته المدنية (الأهليّة) ما يعزّز دور الفرد والمجتمع في وطنهم، بالعمل والبناء والتنمية والحُبّ.

تلويحة؛ لا يتعامل نظامُ دولتنا مع المواطنين؛ باعتبار قبائلهم ولا عشائرهم ولا مذاهبهم ولا طوائفهم ولا مناطقهم؛ فلماذا نتمسك بالذي هو أدنى وندع الذي هو خير؟!.

00:01 | 8-05-2026

بغينا نركب الجمل وطاح فوقنا   

استحوتْ الشاة المزريّة موعد راعيتها؛ فاستحبت بفمها القرنب، وانفتح المراح؛ اسربت الغنم وراها؛ خروف العيد، وعنز وشاتين مع البهم، وبقيت البقرة وحسيلتها، ومع نزول (بركة الحمديّة) بحلّة المواص، لمحت باب المراح، فانتخت كعادتها (آنا بنت آبي) وشلّها الراقف؛ خوفاً على غنمها التي لا شك أنها نزلت في ركيب (شبّاب الهواوي) ورُعباً من زوجها (حُمران) زلقت بها الزنوبة؛ ففقدتْ توازنها، فطاحت، وانثنت قدمها اليسرى، فانخفعت؛ وانكبّ المواص على شرشفها وكرتتها؛ فقالت؛ عندكم يا ذا النهار.

تحاملت على نفسها، وقدّمت الحلّة بما بقي فيها قدام البقرة؛ تولّف الديك والدجاج، طردته وقالت؛ ما عد عليك إلا هي يا بقان القفا؛ تشاركون النفاس فالها؛ فخرج الديك هارباً للساحات والدجاج من وراءه؛ إلا دجاجتها البيّاضة الأثيرة، عادت لترقد على بيضها فوق العلف الذي يملأ الجزء الأيمن من السفل؛ ويمتد عمقه على مساحة مظلمة، ما حد يسكن يدخلها، إلا وقت شحاحة وإلا لسلسة، دنّقت على الحلّة، لتحت من حافتها، بقايا عجينة يابسة للدجاجة، وما أمداها استوت واقفة؛ حتى ناض عليها ظهرها، فصاحت «يا ظهرك يا عبادة».

ردّت باب السفل، خشيةً على الحسيلة من الكلبة المِجْرِيَة؛ المفرّخة في الخربة؛ وتفقدت شرشفها وملابسها، ثم ارتدت طرف الشرشف على فمها، وما غير شرّفت على الوادي، إلا هذا (شبّاب) مستاق غنمها، ويحذفها بالحصى، غيّرت مسارها من طريق الجمّالة، واعترضت طريقه قبل ما يصل ساحة بيته؛ شاورت له على البيت، ففهم أن زوجته بتسمع وربما تخرج عليه وتوطّي فيه ما وطّى السلقة في خاله؛ فآثر الصمت، فمدّت له باللبانة، فشافها خاتمة وكسوة، هدأ و حط اللبانة بين ضروسه وبدأ يعلك، قال؛ ما ودك تعدين تشربين معي فنجال، لم تردّ؛ واحترفت غنمها، فعلّق؛ والله لو ما تخلّي في الركيب زِنه؛ لكن معي حثمة على (حمران) سقط عليّه؛ وسبقني عليك، أعمى آبوك الطماع، إلا والله ما حقّك إلا هذا الصدر، وخبط بيده على صدره الدالع البارزة ضلوعه؛ فردّت عليه؛ أبشر بالعوض، إن كان ودّك تأخذ (مِفرحة) لولدك (فرحان) فأعجبته الفكرة، طمعاً في شوفتها ويصير له عذر يغدي ويجي.

حاول يقنع (فرحان) هو وأمه بمفرحة، وأمّ فرحان صدّاقة بني زريرة، تجتهد يا غافل لك الله علّام النوايا. طلّق من ظهر أمه؛ لو ما وافق؛ ليظهره من البيت والوادي، وقال مستهزئاً؛ يا فرخان؛ مراحمة (حمران) شكالة ونكالة، ما تدري أن (حمران) سمّاه جدّه (خوطان) باسم جمل من جمال الهجاهجة؛ ردّ عليه؛ مفرحة ما تفرّح يابه تخرع طايفه من الجنّ؛ علّق؛ من هيالتك انت وامك؛ بغت تردّ؛ فقاطعها؛ جدك (حوتان) قد باعوه رفاقته في سوق المخواة بعشرة ريال، وما اعتقله إلا جدي، فصمتتْ.

عاد (حمران) من سوق السبت، بعد الظهر، وطلب من ابنته (مفرحة) تنزّل خُرج الحمارة من فوقها، وتحط الحلس، وتسقيها، كعادة أم مفرحة، تناولت الخرج من بنتها، وحطته قدام أبو مفرحة، أخرج السفرة، وقال؛ ألزمي ملّحي اللحمة وانشريها فوق الحمّالة، ومن فتحة الخرج الثانية، أخرج القسبة، وزبيب رازقي، ولُباب من عند صاحبه علي فقس؛ نشدته؛ كن بيجينا ضيوف، ردّ؛ ضيفي وضيفك الله؛ هذي وُثاقة؛ يمرّنا شابر والا عابر، إلا وفي بيتنا ما نقطع به الشرهة.

ما غربت شمس النهار، إلا ولد آخوها (شِرْكان) في الساحة، رحّبت ومازحته؛ من حصّب لك الطريق يا زفران، بيجي المطر؟ فقبّل رأسها؛ وقال آبي يسلّم عليك وتراه له كم يوم ما يذوق الذُّوق؛ وما على لسانه إلا أخته (بركة) أدخلته، وقالت له؛ عدّ تعشّ معنا ونسري، ردّ؛ إلا نتعشى ونسمر وبكرة يحلّها الحلّال؛ وفوق العشاء؛ قال؛ يا عم حمران، زوجني مفرحة، فقال؛ والله انك وعشرة أنعام يا زفران، لك مفرحة متعافية وانت جلد ومشاش، أخاف ما تقدر فيها؛ علّق؛ والله لا احوسها واحوس أبوها! ردّ عليه؛ تهبى وتخسى آبوها ما قدروا فيه شمطان اللحى يا بو صنّه كما صنّة اللّحام، وبدع (عادتك تقبل توالي الليل يا بو الليول؛ شدّتْ وسارت جِمال البدو باحمالها).

ما أمدى أم مفرحة تصل هي وزفران، إلا والجماعة فوق المقبرة، صاحت وناحت (يا آخي آخياه) وشاركتهم أحزانهم، وعوّدت لبيتها؛ خاطرها متكدر، وحالها يرْحِم، وما به بطى إلا و(شباب الهواوي) وولده (فرحان) هذا مبداهم؛ قال وعينه على أم مفرحة؛ علمنا وسلامتكم؛ جينا مصهّرة في (مفرحة) لفرحان؛ فقال أبوها؛ ردّي عليه يا مرة! استنكر وقال؛ تعقب ما تردّ عليّه حرمة يا الناقص؛ قال؛ همّنك تعلّمني بعلمك، وعينك قاطعة فيها.

امتص غضبهم؛ لأنه ميّس بهم يبدون ما معه عوين إلا الله؛ فقال تقهووا الله يحييكم لحاجة ولغير؛ وانتم فصّلوا وانحن نلبس؛ لكن المرواح حول الليلة، انفرجت الأسارير؛ ومن تالي يوم؛ وشبّاب وثيرانه؛ ومرته وولده في خدمة حمران وبلاده؛ يا شباب معنا محرثة نهار.. ابشر يا الرحيم، معنا سوق سرّح فرحان بالثيران.. ابشر يالرحيم.. معنا دمنة بنرحلها، ودنا بالحمار والحفص.. ابشر يالرحيم.. وذات ظهيرة؛ وصلت معه كيس التنباك؛ فقال يا فرحان؛ المثل يا ولدي يقول (قال لا شربت مرقتها عرفت سنّها؛ قال لا إذا فرّيتها عرفت سنّها) والله ما يحول الحول إلا وهذا الرجّال قد قطّع ظهري وظهر أمك وظهرك، وصرم حالنا وحلالنا؛ ما ينقرب لا ذِكر بخير، وأضاف؛ اختار الله وأنا أبوك؛ بغينا نركب الجمل وطاح فوقنا.

00:01 | 1-05-2026

العالم شركة هاجسها الربحية

مثل ما ينشغل ربُّ أسرة صغيرة، يومياً بقوت عياله، ويجول في الأسواق لاستجلاب الرزق، مما سهّل الرحمان؛ وما أغرى به الشيطان؛ وهكذا طبع الإنسان؛ ولقمة العيش (عند البعض) لا تخضع لمعيار الحلال والحرام، بل معيارها الحرفنة والمهارة، بصرف النظر عن الحِلّيَة من عدمها، علماً بأن في الاعتماد الكُلي على القدرات خللاً عقائدياً؛ فالأرزاق كفلها الله للكل؛ وجعل في الأرض معايش (وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين)، كما أن في الاعتزاز بالمواهب والفهلوة واستباحة مال الغير دون وجه حق؛ مغالطة أخلاقية؛ إذ إنه غالباً ما من نعمة موفورة إلا وإلى جانبها حقٌّ مُضيّع، كما قال الإمام علي رضي اللهُ عنه وكرّم وجهه.

وعالم السوق الذي نشهده اليوم، لم يكن بهذا التغوّل منذ نشأته، أو تشكّله؛ فهو وُلد تقليديّاً، بمقايضات بسيطة، ثم انتقل إلى بيع وشراء، وأخذ وإعطاء، ثم تطوّر الأمر إلى إقراض، ثم تمويل بفوائد، ثم تحوّل التاجر البسيط إلى مؤسس شركة، والشركة فتحت باب المساهمات، والمساهمات حقّقت الأرباح، وتجاوزت كل ما له جانب عقائدي، أو أخلاقي؛ وطوت أدبيات التعامل، تحت إبط (دعه يعبر دعه يمرّ).

وجدتُ مقولةً للرئيس الأمريكي الثاني والثلاثين (روزفلت) تؤكد على (ضرورة أن يتوحد عمل التجارة العالمية، وألا يتسبب أي إخفاق في عوق الحياة الاقتصادية، في كل بقاع المعمورة)، وهذا في الأربعينيات من القرن الماضي. والملاحظ منذ دخول الألفية الثالثة أن العالم تحول إلى شركة عملاقة، ذات مقرات رئيسية؛ وفروع طرفيّة؛ ذات أقسام وتخصصات ومهام عدة، ولأنه لا شركة ناجحة إلا بمجلس إدارة محترف، ولا إدارة محترفة إلا برأسمال محفّز، ولا رأسمال إلا بتمويلات ضخمة، فلابد من تشريعات تخدم الغاية القصوى للشركة، فيما تتمثل التحديات في نوعية الموظفين والموظفات، وهوى ورزالة وصلافة بعض العملاء والعميلات، ولذا تنتهج الشركة مرونة وجلافة لتغيير السوق، أو استبدال المنتجات، أو تغريم وتبديل العملاء.

والغالب على الظن؛ بأن العالَم تحوّل فعلياً إلى شركة، له حيثيات ومبررات، منها أن الأرقام غدت اللغة الغالبة على لسان السياسيين، فعقد الصفقات هاجس متجدد، ورفع الأسعار من لوازم تفادي الخسائر، وتعزيز الرساميل أمان للمستقبل، والتوسع في النشاط بفتح المزيد من الأسواق، يسهم في سرعة استهلاك منتهي الصلاحية.

ومن أخطر أقسام الشركة (الدعاية والإعلان) ثم (إدارة التسويق والمبيعات)، فأحياناً الشركة تبيع كلاماً، أو مواقف؛ ولخدمة العملاء فضل امتصاص وتنفيس ردود الأفعال، بعيداً عن سمع وبصر العضو المنتدب، أو المدير التنفيذي، الذي ينبغي المحافظة على نفسيته ومشاعره ولياقته ومزاجه ومحفظته.

هناك فضاء واسع؛ لا ناقة له ولا جمل فيما حدث ويحدث؛ وبحكم أن تفكيره منصب على ما يأكل ويشرب ويلبس؛ فالشركة تلبّي تطلعاته، وتحقق أحلامه الغريزية، ولا تبخل على نهمه؛ بل تحوّل كل ما هو قابل للتدوير إلى طعام وشراب ومتعة، وإن عبّر عن امتعاض ما؛ فلأنه أكل ما لم تتعوّد معدته عليه، أو لبس ما ليس على مقاسه، أو ارتدى ما يتنافى مع الذوق العام، وانتهك بروتوكول اللباقة الجمالية.

ولا تتأثر سياسات الشركة بسخط العمال، ولا باحتجاجات الزبائن، ومن مصلحة الشركة بين حين وآخر، افتعال إشكاليات، لرفع أسعار أو تخفيضها، ولا خلاف على أن الصوت الأقوى في مجلس إدارة الشركة، من نصيب مالك الحصص الأكبر من الأسهم، وبحسب حصته يؤثر في قرارات الإدارة، ويضيف ويحذف، ويجمّد ويُرقّي، ويُدني ويُقصِي.

مؤكد أن العالَم الشركة لا يقبل أن يخسر، وهو معني بالتعويض، وتقليل المخاطر، وتفادي الإشكال، وتحسين السُّمعة، ولا ريب أن الموظفين والموظفات المهرة يتبوؤون منزلة رفيعة، وهم محل التقدير، ولهم أولوية في الترقيات، خصوصاً الذين يحققون المستهدفات، ويرفعون نسبة الإنتاجية، ويلتمسون العذر للرئيس؛ ولا غنى للشركة عن التعامل مع قراصنة ولصوص وسماسرة، بالمجافاة تارة وبالمحاباة تارات، وأحياناً بالمواجهة الشكليّة أو الفعليّة، إذ لا تسمح شركة قوامها على مداخليها أن يعطّلها أو يعبث بها أو يتطاول على نظامها وآليات عملها؛ كائن من كان.

وعندما يغدو العالَم سوقاً أو شركة، غايتها المكاسب المالية؛ والربحية المستمرة، يتراجع خطابها المثالي، ويسقط إعلامها الذي طالما سوّق لعنايتها بالحقوق، وكفل حياة كريمة لكل عضو وموظف ومستفيد ومساهم. ومن الطبيعي أنه كلما غدا العالم شركة؛ أن ترتفع أسعار أسهمها؛ ويزيد تمويلها؛ وتتسع أنشطتها؛ وتتضاعف مواردها؛ وكلما تضخمت؛ تضاءلت مكانة الإنسان، إن لم يتحوّل نفسه إلى سلعة؛ بخسة الثمن.

00:00 | 24-04-2026

اكسسوار الحمار..!

لزم (المنفقع) بوصية شيبته، الذي أوصاه قبل يعصره عزران: اقن الحمير يا منفقع ترى عشرة حمير خير من بعير، وتوارثت العائلة (الحِمارة) كابراً عن كابر، لكن المنفقع بحكم خبراته الحمارية، اعتنى بالمذوَد والمقوَد، تدجين، وتمرين، وتصعيب، وأضاف للحمرنة الدِّلالة عليها في أسواق المنطقة، وكلما شافت الحمير (المنفقع) دنّت بروسها، وتحاشت النهيق، وولد النهّاق يتضيعف لا شافه، تفادياً للعنا والردى في عقاب شدا، وترتفع أسهم (المنفقع) في الشتاء، كونه موسم التزاوج، فيعدّ العدة، باختيار (صعب) مخه في ساقه، ويضرّمه أسبوعين، ويجمع له حثل الدِّلال والبراريد ربّ الله تنشطه، ويبيّض وجهه في الموسم.

يشترط (المنفقع) لكل علَوة تلقيح خمسة ريالات، وإذا قال أحدهم بشرط، تلقح حمارتي، يردّ عليه، الله يا هب لك ما هبى للتيس أبو ديس، ويضيف، تبغيني أضمن لك مصقة الحمار؟ ثم يهدأ ويقول، وحق الله ما قد فسد في معبره عبروده، وإذا صبحن عليه النسوان حلوات اللسان بالخير، يقبل منهن ما تيسر ولو منافع متبادلة (فزعة في صرام، والا نقل دمنة، والا دياس) وكثيراً ما يتجمّل بتلقيح حمارة محموم والا معلول أو شوي بدون مقابل، ويطلّق بالثلاث ما يجي فيها لا قرش ولا ريال، وأنها عسيّة.

ويختار (المنفقع) للتلقيح ضحويّة الجمعة، استثماراً لبركة النهار، وليضمن كثرة المتفرجين، فالناس ينبسطون إذا لقحت حمارة؛ لأن كثرة الحمير تكنز الشعير، وتنهز الما من البير، مثل ما قال الأول، ومن يحضر يسوّق له ولحماره (بقمان) اللي ما جا له مثيل، والقرى كلها تتطارى به، ويشترط على أهل الحمارة المشوّلة للتلقيح، الفال الدسم له وللحمار، ويبدّي الحمار على نفسه، فإذا اطمئن أنهم أعلفوا الحمار، اقترب التبسي وتخفّس لين تصرّ إذنه.

ولم يكن الحمّار المنفقع حيّياً، بل أكلح وجه ما يستحي، فيطلب من سيدة البيت، تخطم الحمارة، وتلوي حبلها على شجرة، وتلزّ مقدمتها بين الأغصان، وتشد سلسلتها، وتفتح عيونها ولا تكشر، تخلي بالها من مباقمة الحمارة، ويحذّرها تهزهز والا تمزمز فتخلع خوش الحمار، وإذا انتهى الحمار، يخمش من قاعة الشجرة طينة باردة، ويذرّها حول ذنب الحمارة كي تشفط وتقمط ولا تسقط النطفة.

غدا حمار (المنفقع) كما الجبل، ما يزحزحه عشرة رجاجيل، في زمن شحّت فيه الحمير، وغدا كنّه واحد من عياله، ولم تتوقف عنايته به عند إطعامه وسقيه، بل يندر به الغدران فيغسل بطنه وظهره، ويمرخ ذيله بالسذاب، ويفرك خنافره بالعثرب، لين يذلّي يلقّ ما كنه إلا حصان؛ ولأن المنفقع ما هوب قليل شرّ، استخذّ الناس بحماره، الذي غدت القرية كلها في حاجة إليه فاستخدمهم وطاوعوه حشمة حماره، يحرث ويدمس، ويسوّق وينقل، ويلقّح اللي مكتوفة واللي مشعوفة.

طلبت منه حرمته، يتصدق على ميتّم تبغي (بقمان) يعلو حمارتها، فقال، والله يا الصدقة أنها فيك ما هي فيها، وزاد، ما تعرفينها عين في الفحل وعين في البعل، ومن كثرة دخالتها عليه، قِبِل وقال، خليها تجيبها لي في السفل، ما ودي حد يدري، فيغدي تعب فحلي بلاش، ولم يتمالك (زهدان) ولد الميتم نفسه وهو يشوف الهيالة، فقال لأمه، يا ليتني حمار، قالت، بهوى ربي فيك، وكلن يعوّد لأصله.

غدا بقمان مضرب المثل في القرى، ومقصد الشعار، كل ما جا مناسبة، قال شاعر: (حصان عنتر ما يجاريك يا بقمان، لو كان جده من خيول القياصرة)، وقال آخر: (حي بقمان ذا يشتل حمل البغالة والجمال، والمشاديد من جور الحمولة تضيحك هاربة). وقال في اللعب: (يا حي بقمان يا نسل الحمول المطانيخ، بقمان ما ينتسم في طلعةٍ وانتداري)، وإذا قال المنفقع، اعذروني في الكساوي وإن شاء الله نكسيكم من ظهر بقمان! يردون، والله ما تجينا وش حدّ بقمان في المكاوفة ليل الله ونهاره.

ويا حليل اللي يتعرّض لـ(بقمان) بسوء، أو ينهره ولو انتزى وسط الخريف أو الصيف، فلولاه ما حد عمل ولا زمل ولا صرم ولا حزم، القرية على الله ثم عليه، ولذا غدا الجميع في خدمته ورهن إشارته، اللي يكسيه حِلس شامي، واللي يحط فوق ظهره خُرْج تهامي، واللي يلبسه غطاء رأس مكتّل، والكبيرات يحنّين ظهره وجبهته نهار العيد، والصبايا، ينسجن له مخانف وقلايد ويضفّرن شعر عرفه بالخرز الملون.

زادت اكسسواراته، وصار الكبار والصغار يتنافسون لكسب رضاه، ولم يكن يبخل بظهره ولا بعره ولا قفعته، هذا ينادي، يا منفقع معي حب باغدي أطحنه، فيقول، بين ايديك الحمار وراعيه، وذيك تستفزع، تبغي تروح حطبها من الوادي، فيرد على خشمي دهانة، واللي في نفسه شيء عليه، يقل له، شِل فوق راسك ولا معونة، فاستثقل الفقيه والمذّن، دم الحمار وراعيه، فكادوا له وكمنوا بليل، صرموا له دنقه وأعلفوه لين ضيّع وفقد الطاسة، وسروا به على شعب الجعيره، قائلين، نسدك في حُثلان اللي ما عاد يدري منين ترغي الراغية بفضل بقمان، وفي صباح اليوم التالي عاد عليهم بعافية كل عافية، وحلف حارس الغابة إنه شافه يأكل الجعير ويقصع عظامه كما عيدان الذرة.

00:01 | 17-04-2026

كلن ينبّز شوكه بِيْدُه

انقضت أيام؛ و(مفروك الليّن)، يحوف ويطوف بالقُرى، يسير على ساقه ويحبي بروحه؛ ينقي بيوت؛ يغلب على ظنه أنها تقضي لزومه، يوم يشارك بعض كبار السنّ براد العصريّة؛ وأيام يشرب دلّة الضحى مع أرامل ومعمرات؛ غضّنت السنين بشرتهن؛ ونشّفت الحوادث دمع مقلهن، وشمّط الدهر ما تبقى من شعرات حواجبهن، ويضحكهن بحكاياته ونوادره؛ ويجي له معهن لقمة من قرص مدغْوَل في رماد.

أفصح عن رغبته في عروس؛ ووعد من تسنعه منهن؛ بكسوة يسمع بها البدوان والتهمان؛ وكلما شرن عليه بشور، يتخبّر ويتحيّر، وربك المدبّر؛ سألته أخبرهن بالنُكح؛ وش في بنات جماعتك؛ ليش ما خطبت في قريتك؟ فصارحها؛ أنه راعي بلاد؛ ويبغي له وحدة قومانية؛ من بيت جور وبور؛ فقالت؛ مطلوبك عندي؛ وبدهاء عرفت خافيه، وأبدى لها بالعيوب اللي فيه، ونبّشت سرايره؛ ففرط لها السبحة؛ وأخبرها أنه عاش وأهله حياة شقافة ولقافة، وقضوا أعمارهم عطوان عند قرابتهم؛ بطونهم بظهورهم؛ ولذا عقد العزم، على الاقتران ببنت حرام، تجيب له أولاد قشران، ينتصرون للمظلّمة من سلفه وخلَفه.

قالت له صاحبة الرشادة، دقّ في كفي ريال فضة؛ فأخرجه من كمر محوي ما ندر من وسطه، حوافه مُحلت؛ فطلبت منه؛ يبتل ولا يركز مشعابه إلا في مجلس جارها (شمتان القاسي) وأوصته يطلبه ملزمة الله في أخته (مطيرة) وصفتها له وصف المحرّج للبضاعة؛ وبيّنت مزايا وعيوب ما يعرفها عن السلعة إلا دلالها؛ وفقدت له بما بقي في ثمها من نيبان؛ إنها لتملأ له السُّيح بالذراري اللي تتعوذ منهم حتى الجنّ، فانمرش من حينه، ونادى يا أهل البيت؛ رحّبت حرمة القاسي؛ وفرشت له جاعد سدة الباب؛ وما أمداه تواسى، إلا (شمتان) داخل عليه، عيونه يتطاير منها شرر، خامسه وفغص كفه؛ ولقيها حرشاء فانفرجت أساريره؛ وسرعان ما احتفش وفكّ الكمر؛ ومد به للعاني يعلقه في الزافر، فسمع رنة الفضة، وحسّ بثقلها، تقهوى؛ وأعطاه علمه؛ وقال؛ أختك مطيرة ما لي عنها خيرة، وما خرج من عندهم إلا نهار تالي.

دخل على أمه؛ ترافقه عشان تشوف العروس، قالت؛ يا هدسه الأجنبيّة ما عندها رحمة ولا ماويّة؛ بدّ اهبط خذ لنا؛ غراز وكادي، وقهوة وحوايج، وكم قطعة قماش؛ وصلت هي وياه عند الأرحام؛ وأغرقوها بالتراحيب؛ وهم في طريق عودتهم؛ سألته؛ وش أغداك عليها؛ يا الله لك الحمد؛ لا ملفى في مقعد، ولا مقفّى في مرقد؛ فلف عمامته على رقبتها وطلبها تسكت، قائلاً؛ أدري، أدري؛ إنها لا وجه ولا قفى؛ لكنّ أهلها لا يحلّلون ولا يحرّمون، أرب الله يجي لي عيال؛ يقطّرون حليب الدُّميا في عيون الكبار قبل الصغار.

راحت العروس؛ وأخرج مسدسه من بيته ورمى من فوق رأسها ثلاث طلقات؛ أوصته أُمه؛ ينذّر بها أوّل ما تدخل عليه؛ وقالت؛ (انترها من قدمها الشمال وقل دبوا منيه، والزم شحمة إذنها اليمين وقل؛ وخرجوا منيه) ولا تسمي بالرحمن؛ وابشر بالورعان؛ قال؛ بليت همها ما تصبح إلا كما امها؛ فخجلت ولقته ظهرها، وهو نسي الوصايا، ورقد قبل ما تدخل العروس عُليّتها؛ بغى يستلحقها قبل الفجر، لكنه استحى من المدغبسة صوتها يلعلع تحت الجناح.

ما مضى العام، إلا وبطنها قرتها؛ وكتب الله تجيب (ماطر، ومطران) وما طوّلت الفرحة؛ مات (مدهوف الليّن) وتنكرت القرابة للميتّم واليُتمان؛ وما انقضت حسبتها، إلا ودقوا في قفاتها وأقفية صغارها وقالوا؛ أهلك مطروا؛ عوّدي على حق أبوك؛ كبر الصبيان، وكثرة شكاوي القرية منهم؛ جارتهم تقول؛ مدري من لقط البيض من تحت دجاجي؟ والمذّن؛ يحلف أنهم خنقوا ديكه؛ والملغّب تهوّل منهم كيف وصلوا للبارود؛ وبغوا يشبون بيته بمن فيه؛ والدلّالة؛ شلّوا ضرة بقرتها، خلوها لين سرحت تختلي؛ ودخلوا السفل وكتفوا الحسيل، وامتصوا ما فيها من حليب، وهو يلمح في صنع الله بعين الحسرة.

حطّوا في كل بيت ناعية، وبعدما اشتدت سواعدهم، قرروا يعودون إلى أهل أبوهم، يدورون حقهم؛ ونشبوا في حلق ولد عمّهم (نعمة الله) فشهّد عليهم الجماعة، والجماعة في النهار معه؛ وبالليل عليه؛ وكان منشغلاً بحماية الخريف إلى المغرب، ويسرح يكلاه إلى الفجر؛ وفي ليلة تعمى ظباها؛ هجموا على الركيب؛ وما أمداهم يقصعون العذوق؛ إلا وذراع كما ذراع بعير؛ تخمهم من وراهم وتصاكع بروسهم، وقلطهم في كُرّ مليان عقش وطلح يابس؛ تخمّشوا، وذلّت دميانهم تعطي؛ وطلعت عليهم الشمس؛ وكل ما مرّ عليهم سارح، ينشدهم؛ وشبكم؟ فيردون؛( نعمة الله) فيعلقون؛ الله يزيدكم؛ طلب ماطر من شقيقه مَطران؛ يرفعه ليظهر، وهو بيمد له يده ويطلعه؛ وقعدوا في القف يتباكون؛ قال؛ مطران؛ اقرب نبّز شوكي، وأنا بعدها أنبز شوكك، ردّ عليه؛ لا لا؛ كل واحد ينبّز شوكه بيده.

00:01 | 10-04-2026

حروب عَرَضيّة وحروب استعراضية

ربما لا تحاسب شعوب رؤساءها على أخطائهم وخطاياهم، إن حقّقوا لهم نتائج إيجابية، تطلّعَت طموحاتهم إليها، ومنها استتباب الأمن، واستقرار الاقتصاد. وبما أنّ التاريخ مفتاح الحاضر، وقنطرة المستقبل، وقفتُ على مقالة كتبها عام 1941م المليونير الإعلامي الأمريكي «هنري لوس» في مجلته «لايف»، بشّر فيها بالقرن الأمريكي، وذهب إلى أن المشكلة الأساسية التي يواجهها العالم حينها، هي أن أمريكا لم تقبل حتى ذلك التاريخ، كامل المسؤولية لتثبيت ملكيتها للقرن العشرين، وكان الكاتب شديد التحزب والتعصب، علماً بأنه مولود في الصين، ودرس في إنجلترا، وربما كان أول الداعين إلى أمركة العالم.

لم تمرّ مقالته مرور الكرام، بل ردّ عليها «هنري أغارد والاس»، وكان يعمل نائباً للرئيس «فرانكلين روزفلت»، عبر كلمة ألقاها عام 1942م، ومما جاء فيها: «القرن الـ21 قرن الإنسان العادي، ويمكنها أن تكون فرصة أمريكا لتوفير الحريات والواجبات، التي يجب على الإنسان العادي أن يعيش بهداها، ولن يكون لأيّ أمة حقٌّ إلهي باستغلال باقي الأمم، وسيكون للبلدان العريقة الامتياز في مساعدة الأمم الناشئة، للانطلاق في مجال التصنيع، ولكن لا يجوز ممارسة أي استعمار عسكري أو اقتصادي، علماً بأن الطرق المستخدمة في القرن الـ19، لن تنجح في قرن الشعب الذي سيبدأ الآن».

نلحظ عند الكتابة عن أمريكا وقراءتها، بروز هاجس الاقتصاد، الذي تراه صلب حياتها، وأنه لابد له من قوة توجّهه وتحميه، وتبيد أو تحجّم من يهدّده، وهناك حروب عَرَضيّة غير محسوبة الحساب، محكومة بالصدفة، وغالباً تنجم عن استفزاز آني، فيما هناك حروب استعراضية، للتباهي بالقوة، وفرد عضلات، بحكم ما وصلت إليه القوة العسكريّة، أو لتمرير رسائل سياسية، ولا أدري لماذا كان الشبه الأقرب لذهني «رياضات استعراض العضلات»، فلاعب كمال الأجسام لا يُبقي عليه من ملابسه إلا ما يشبه الساتر الوهمي، كون لجنة التقييم تعطي كل عضلة حقها من التقييم، ولذا نراه يستدير يميناً وشمالاً، ويشحّط عروق زنوده وعضوده ليبدي التفوق، خصوصاً للمنافسين الشرسين.

ومما يلفت في مؤلفات الحروب، اتفاق الأساطير القديمة على التلازم بين آلهة الحرب، والحُبّ، والخصب، ولعله لم تتفق الأديان، والأساطير، والذاكرة الشعبية على شيء مثل اتفاقها على علامات الساعة، وحروب آخر الزمان، إما إجمالاً أو تفصيلاً، وإما كشفاً أو ترميزاً، وبمقاربة بين تلازم الآلهة المصنوعة «للحرب والحب والخصب»، وبين واقعنا، تعود صورة العاشق الحالم والطامح لفرض هيمنته، التي لا سبيل إليها إلا بالقتال وافتعال المعارك، فالصيت بالطغيان، يولّدُ الخوف والإذعان، بينما تحلم الجميلات بلقاء المحارب البطل وتتشرّف بالاقتران به، ومن لوازم العشق، الإسراف في القتل، لإقصاء كل نزق ومراهق عن فضاء المحبوبة، وليخلو الجوّ للمحارب الأقوى، ولا عتب على عنترة عندما قال «فوددتُ تقبيل السيوف لأنها، لمعت كبارق ثغرك المتبسم».

وإن ظفر الفارس بمعشوقته، يبدأ معها مرحلة استقرار، فتأتي الزراعة والرعي وإصلاح الأراضي، وكلما اهتنى بعيشه انفتحت شهيته للاستقواء تحسّباً لأي خطر محتمل، وفي حالة الشعور بالخطر، يقرر التوسع، لحماية خصبه ونصبه، ويفتعل الإشكالات في محيطه وجواره ليبرز عضلاته، ويرهب كل من تسوّل له نفسه منافسته أو الاقتراب من حماه وذراه. وتاريخ الشعوب مليء بقصص حروب دامت لعقود، وثأرات مات أهلها، وظلّت حيّةً تسعى، وتطل برأسها بين فينة وأخرى.

وتؤكد الكتب التراثية المقدسة أن الصراع ضرورة، بين متدينين موحدين، وبين كفار، ومؤمنين ولا دينيين، ومسلمين وأهل كتاب، وكلٌ لديه من نصوصه ما يُبوئه مرتبة الإيمان، ويضع غيره في خانة الكفر، فيغدو قتله باسم الدين والعقيدة مبرراً، ولعل عبدالمطلب جدّ النبي، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، أوّل من تنبّه لقضية الاستدراج للصراع، وخير من تفاداها، فسأل أبرهة: تريد إبلي أم البيت؟ فأجابه: لا شأن لي بإبلك، فقال: أنا حامي إبلي، وللبيت ربٌّ يحميه.

وبمراجعة سريعة لأحداث إخراج الخميني من العراق إلى فرنسا، وكفالة القوى له خروجاً آمناً، نلحظ جانباً من لعبة الأمم، فالشاه حليف أمريكا، ولذا كان تبني الخميني أوروبياً فرنسياً، وتأتي الثورة، وتتنكر أمريكا للشاه، وسرعان ما مكّنت الخميني من جغرافيا وشعوب، وخلقت له كاريزما وصنعت تاريخاً، ثم أرهبت منه العراق والخليج، ثم حوّلته إلى شرير، وسماها الشيطان، وها هي اليوم تدمّر إرثه الذي صنعته له بالأمس.

وإذا سلّمنا بأننا في زمن هو الأقرب لقيام الساعة، فما على عشّاق الدهشة إلا جمع النصوص والروايات والحكايات والأساطير، وإنزال منطوقها أو مفهومها على ما يراه ويسمعه، ففي ذلك تسلية له، وانشغال عن هاجس فناء العالم، بالطبع ليس هناك من يريد الفناء، لا حبّاً في العالم، بل لأن فكرة الخلود فطرة الإنسان، ولن يخلّده مثل عمل صالح، وما أوسع باب التفاؤل والأمل الذي فتحه لنا النبي الكريم عليه السلام «إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها»، والغالبية اليوم نسوا أو أهملوا غرس الفسائل، بسبب تركيزهم على قُرب القيامة، علماً بأن غرس الفسيلة «طوق نجاة».

00:08 | 3-04-2026

النُخبة نقص وزنها فزاد عددها

تقول الحكاية الشعبيّة؛ أنّ إحدى الأمهات؛ اشتاقت لابنها الذي سافر للعمل في مكة وانقطعت أخباره، وعندما علمت بأن أحد أفراد قريتها؛ ينوي الحج، ذهبت إليه، وحمّلته الوصايا والسلام، فسألها؛ وين ألقاه وهو له سنوات ضاربها خريمة؛ قالت بعفويتها القروية؛ إذا وقفت في عرفة، صوّت؛ (يا من شاف ولد مدهنة الغايب عن أمه سنة) وعدها أن يبذل جهده؛ وعاد بعد الحج؛ فأقبلت عليه متساءلةً متفائلة ؛ بشّرني؟ فحلف لها؛ أنه نادى حتى بُحّ صوته، ولكن في غلبة وجلبة الناس لم يردّ عليه، ولم يعره الانتباه أحد !! فقالت؛ ليش ما قلت أصه؛ فقال؛ من يقول في الحج أصه؛ فغدت مثلاً.

كان لمصطلح النخبة، رمزيته الوازنة، ففي مجتمع القرية، لا يجرؤ الصغار، أو الشباب، التحدث في مجلس الكبار، ودورهم يقتصر؛ على تقديم الماء لشارب، أو صبّ القهوة؛ وسكب ماء الغسل على كفوف المكثرين بالخير، عقب الانتهاء من الأكل، إثر وقوف طويل بالأباريق و الصابون في أيديهم، والمناشف على كتوفهم؛ وما أكبر الحظوة، عندما يقول مغسّل يديه«غفر الله لك ولوالديك ولمن غسّل بين يديك».

وبمرور الأعوام، انحسرت تدريجياً ثقافة التقدير، لمن هم أكبر سنّاً وقدراً، ليتحول التقدير والاحترام إلى جناب المحترم صاحب المال الوفير، ثم انتقلت المكانة النخبويّة بقدرة قادر أو مُقتدر للمشاهير، ومن لهم متابعون كُثر، و للتحولات سريرةٌ لا تُعلمُ!! ورحم الله المتنبي الذي استقرأ بفراسته حال و خلال البشر «وارفق بِنَفسِكَ إِنَّ خَلقَكَ ناقِصٌ، وَاِستُر أَباكَ فَإِنَّ أَصلَكَ مُظلِمُ، وَغِناكَ مَسأَلَةٌ وَطَيشُكَ نَفخَةٌ، وَرِضاكَ فَيشَلَةٌ وَرَبُّكَ دِرهَمُ».

و كان الأقدمون يقولون «من كان أستاذه الكتاب كان خطؤه أكثر من الصواب» كون الكتاب جامد، وإن كان فيه من روح مؤلفه، وتعليقات شراحه؛ إلا أن التفاعلية افتراضية، أو من طرف واحد، فالقارئ يقلّب الصفحات، و يؤشر على بعض الأسطر، وربما لا يفهم ما قرأ كما ينبغي؛ و لذا يخرج بتساؤلات أكثر مما يحوز إجابات.

فيما أنتج التتلمذ، على يد أساتذة أو مشائخ، في مدرسة أو جامع أو مسجد أو بيت، إكساب التلميذ مهارات، و صفات تنبعث أحياناً بعفوية من وجدان أساتذته و صفاتهم ؛ ما يصقل كاريزماه، و يبني وعيه، و يثري الذاكرة، و يُجمّل الأخلاق، ويرتقي بالذائقة، و يحسّن اللغة؛ و يهذّب الجَنان؛ و يروّض ردود الأفعال، وغيرها عديد من فوائد التلمذة، وثني الرُّكب في حِلق العلم، وفصول الطلب.

وإذا كان التعلّم على الكتاب، مظنة فقدان الصواب، أو ركاكة الفهم والاستيعاب؛ و طلسمة الجواب؛ فما هو الظنّ بمن أساتذته ( وسائل التواصل) و مُعلّمه (الذكاء الاصطناعي) الذي غالباً يلفّق ولا يُوفّق، والتغيرات السريعة المتلاحقة، ربما لا تتيح للنخب الثقافية والفكرية والاجتماعية، ما كانت تتيحه في الزمن الأكثر وقاراً، ولذا فهي مهددة بالفناء، أو التغييب، أو التحييد، وإن جاهدت ما وسعها الجهاد؛ في ترويض النفس على المرونة، و التصالح مع التحولات، أو القبول بتبادل المراكز؛ واسترضاء النخب الأحدث؛ التي يزيد عددها كلما تناقص وزنها.

لا ريب أن الاعتناء بالنُخب، كان هاجس المجتمعات والمؤسسات والدول لندرتها، في زمن ما قبل مواقع التواصل الاجتماعي، وتطبيقات الإنترنت الذكيّة، بل كانت محل حفاوة الرسمي والشعبي؛ إلى أن جاءت الآلات والأجهزة الإلكترونية، بأبطالها، و قضّها وقضيضها؛ فصنعت نُخبها على طريقتها وبمواصفاتها الخفيفة اللطيفة الظريفة ؛ و أكسبت النخبة الأجدد صفاتها الجامدة، أو صورتها المُحسّنة بالمال والتجميل واللياقة العالية، واللدانة المطواعة.

لعلنا من باب الخروج من الجدل؛ سنسلّم بأن لكل مرحلة نخبتها، التي يفرضها السوق، بقانون العرض والطلب؛ ففي ذلك كسب للوقت، وراحة البال، واحترام الذات؛ ويمكن للمتضرر أن يلجأ للسماء، أو يردد مع شاعر شعبي (وش اقعد أسوّي، لا ماتوا أندادي).

00:10 | 27-03-2026

ليلة القدر بين الرمزيّة والفتوحات البشريّة

كانت أُمّي عليها رحمة الله، تحدثنا في طفولتنا عن ليلة القدر، وكنّا نطلب منها توقظنا إذا حلّت ساعتها؛ طمعاً في تحقّق أحلامنا وطموحاتنا، دون تعب ولا بذل جهد ولا أسباب؛ إلا أنّها تعود، وتؤكد أنه لن يراها إلا صاحب قلب نظيف، وغير مؤذٍ ولا كذّاب، وسردت علينا أسماء (صدّاقين) من قريتنا، حظيوا برؤيتها، وهم ممن نقول عنهم (على نياتهم).

لا خلاف على أنّ للدِّين في البيئة القرويّة، مكانةً كبيرة، وهي من مكانة الله في صدور الناس، بما فيهم الظلمة، إلا أن غاية ما يطلبه القروي البسيط من ربه العفو والعافية، على مستوى شخصي، والمطر على المستوى العام، فالعفو والعافية يعنيان الصحة والنشاط، والمطر يعني الاقتصاد؛ متمثلاً في توفر لقمة العيش لكافة الفئات، وللمزارعين على وجه الخصوص.

ومما لفت نظري، أن هناك من يريد تأكيد إدراكه زمن ليلة القدر، بالكشف عن الليلة التي كانت فيها! علماً بأنها ليلة ليست للجميع، وما ليس للجميع، لا يمكن أن ندركه بالحواس، فهذا خاص بنور الرؤية القلبيّة التي لا ينالها إلا ذو حظّ عظيم، كما أنّ ليلة القدر تكون في بلد، وليست في ذات الوقت في كل البلدان، بحكم فوارق التوقيت، وفي صباح يوم الثالث والعشرين من رمضان، خرج عدد من روّاد مواقع التواصل الاجتماعي والمصورين لمناطق جبلية ليثبتوا أن الشمس طلعت بدون شعاع، موافقةً لما ورد في الحديث، لتأكيد صحة موعد ليلة القدر، علماً بأن الشمس التي أشرقت صبيحة ليلة القدر، زمن النبي صلى الله عليه وسلم ليست هي بالضرورة ذات الشمس، والمناخ ليس هو المناخ، والناس الذين رأوها ونالوا شرفها، بالطبع ليسوا هم نفس الناس.

وظهر قبل شهر رمضان هذا العام، على مواقع التواصل أحد مفسري الأحلام، ليؤكد أنّ ليلة القدر ستكون ليلة ثلاث وعشرين من رمضان، معتمداً على رؤية رآها أحد المشايخ كما قال، وربما كان تفسيره صحيحاً، إذ لا اعتراض على الأحلام ولا على تفسيرها، باعتبارها مبشّرات كما جاء في الآثار، إلا أنه إذا أخذنا في الاعتبار اختلاف المطالع، وتفاوت البلاد الإسلامية وغيرها في الليلة نفسها؛ فمعنى ذلك أنها ستكرر أكثر من ليلة، باعتبار ثلاثة وعشرين عندنا إما متقدمة أو متأخرة بحسب دوران الأرض وحركة الشمس والقمر!.

هذه المقدمة تعيدني إلى أهمية حفظ رمزية الأمكنة والأزمنة والمواقيت، والرمزيّة مُقدّسة زماناً ومكاناً وإنساناً، وهناك رمزيات عدة لا يليق بمسلم البحث عن كنهها، إلا إن كان مُشككاً في حقيقتها، أو صحة ما رُوي عنها، والرمزيّة تقتضي عنصر مفاجأة والمفاجأة منحة لذوات لها رمزيتها عند الله، وبها امتيازات خاصة لفئة من عباد الرحمن، وإذا انكشفت الليالي والأيام الفاضلة، تفقد شيئاً من خصوصية معناها أو جوهرها، ومقاصدها وغاياتها أو جلال وجمال رمزيتها.

مؤكد أنه لا يمكن جعل العلاقة مع الله، علاقةً تعاقدية، لها مذكرة تفسيرية، وشروط قانونية، فليس من الأدب مقايضة ربنا بصلاتنا وصومنا وقيامنا، ومن المسلمين بعضٌ يُدخل نفسه في دائرة اجتراح ما ليس ضرورياً اجتراحه، ليوهم الناس أنه بلغ غاية مقصود التعبّد، علماً بأن عالم الغيب، أضعاف عالم الشهادة (المشاهدة) والدلالة الغيبية توقيفية، ولو أنفق الإنسان عمره لتوضيح وتفسير مراد الشارع من كل أمر غيبي، لكان جهده غالباً بلا جدوى ولا ثمرة، فهناك من الغيبيات ما لا يعلم تأويله إلا الله، وهناك ما لا يُطلع عليه إلا من ارتضى من رسول (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً، إلا من ارتضى من رسول). وربما لا يُدرِك بعضنا، أنّ قيمة ما هو غيبيٌّ، وقوّته تتمحوران في غيبيّته.

وأرى، أن رمضان كله ليالي قدر وشرف ومغفرة.

و في ليلة القدر صورة من صور الاختصاص بالرحمة والفضل (يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم)، ولن يبلغ الإنسان مهما بلغت قدراته، تفسير ولا تظهير لُب العظمة الإلهية، كونه عاجزاً عن معرفة وتفسير لُبّ نفسه، ومن لم يستطع أن يعرف نفسه، فهو أعجز ما يكون عن فهم غيره.

تلويحة؛ غاية رمضان، ومقاصد ليلة القدر، أن نعيد ترتيب علاقتنا ببعضنا، فإذا خرج المسلم من رمضان فقط؛ بخلقَي العفة والطهارة، فهنيئاً له. تقبل الله منا ومنكم.. وكل عام وأنتم ومن تحبون بخير وصحة وسعادة.

00:04 | 20-03-2026