أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/239.jpg?v=1766066191&w=220&q=100&f=webp

علي بن محمد الرباعي

أسلمة الشخصيات التراثية.. حمامة المسجد

لو طرح أحدنا اليوم قصةً من قصص بيئة محليّة أو جهويّة، فقلّ ما سيتقبّل الحضور القصّة كما هي، فهناك من سيرفضها وينكرها من أصلها، ويراها مُختلقة؛ وهناك من سيصفها بحديث إفك، وهناك من يضيف إليها، وهناك من يحذف منها، وهناك من يحوّرها، وهناك من يرحّلها إلى بيئة أخرى، تفادياً لما ترتّب عليها أو سيترتّب، مما يخشاه المستمع الذي تلامس القصة أسلافه بدرجة من الدرجات، علماً بأنها حديثة عهد، وتعوم في بحر نصف قرن من زمن مضى، وليست موغلةً في القِدم، وربما بعضُ رواتها أو شهودها أحياء.

وقراءة التراث في رمضان فائدة ومتعة، فلا داعٍ لانتظار حلقات مسلسل تاريخي سيناريوهاته موجّهة؛ فالمنبع أصفى من المصبّ، والعودة إلى السِّيَر التراثية سبر لأغوار شخصياتها، وغالباً لا يمكن لكل من يقرأ تراثه أن يكون قارئاً محايداً، فهناك قارئ يستسلم لغواية موروثه؛ ويسلّم بمروياته تسليماً كُلّياً، وهناك من يرفضه رفضاً مُطلقاً، والعدلُ يقتضي ألا نحكم على التراثِ إجمالاً بالنزاهة، ولا نتحامل عليه في سبيل إدانته بالتفصيل، ويمكن أن نقرأ للمُتعة، لا لتسجيل انطباعات، ولا لإصدار اتهامات، فمثل ما هناك مذهب الفنّ للفنّ، والفنّ للتسلية، والفنّ للاستشفاء، فكذلك القراءة، التي لا تحاكم بها الشخص، ولا تحتكم بها إلى النصّ.

ولكل قارئ تراثي منطلق؛ ومبررات وحيثيات، منها ما هو منطقي وموضوعي؛ ومنها الذاتي القريب من العاطفي، الذي ينظر إلى التراث بكُلّه نظرة إعجاب لا مساءلة ولا عتاب، ولا غرو أن تحاط بعض سِيَره بهالة كبيرة تحجب عنا، أو تخطف منا بشريّة الفرد، وقدراته، وعواطفه؛ وأشواقه؛ ورضاه، وغضبه، ودهاءه، أو حماقته، وكلٌّ ما هو كذلك وأكثر من ذلك، مما هو من طباع الناس، وفي أصل فطرتها.

ولعلنا نتفق على أن التراث، ليس ملاكاً ودوداً؛ كما أنه ليس شيطاناً مريداً، وإن أوحى تاريخ بعض شخصياته بشيء من الشيطنة، إلا أننا باعتبارنا قُرّاء حالمين، نقع في خطأ الاحتكام إلى معايير أخلاقية، والتراث عبر التاريخ لا يمكن أن نطلق عليه أوصاف الكمال بالتواتر وبالقطعيّة، ولا نجرّده من مزاياه لمجرد أنه خبر آحاد لا يبلغ درجة المتواتر؛ وشخصيات التراث عدا الأنبياء عليهم السلام، بشر لهم محاسن ومزايا، وعليهم أخطاء وخطايا.

ومن الشخصيات التي لها كبير فضل على العرب والمسلمين شخصية الخليفة عبدالملك بن مروان، الذي قيل عنه (إن الناس يولدون أبناءً، وهو وُلدَ أباً)، بل عدّه الأعمش، فيما نقله عن أبي الزناد من فقهاء المدينة وقال هم أربعة: (سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وقبيصة بن ذؤيب، وعبد الملك بن مروان). وروي عن نافع (لقد رأيتُ المدينة وما بها شابٌّ أشدُّ تشميراً ولا أفقهُ ولا أنسك ولا أقرأ لكتاب الله من عبدالملك بن مروان). وقال الشعبي (ما جالستُ أَحداً إلا وجدتُ لي فضلاً عليه؛ إلا عبدالملك).

ولم ينزّه عبدالملك بن مروان، نفسه من أخطاء وقع فيها، لم يكن قصده سيئاً بحكم أنه من أعرف أهل زمانه بكتاب الله، ودليل شعوره بشيءٍ من الذَّنْبِ أنه كان يدعو في أُخريات أيامه «اللهم إن ذنوبي عظام؛ وهي صغار في جنب عفوك». علّق الذهبيُّ على الدعاء: قائلاً (الحَجَّاجُ مِن ذنوبه).

وكان من الألقاب التي أطلقت على الخليفة الأموي الخامس، والمؤسس الثاني للدولة الأموية قبل توليه الخلافة (حمامة المسجد)، ومما يُروى، أنه لمّا جاءه نبأ توليه؛ أغلق المصحف، وقال هذا آخر عهدنا بك، أو هذا فراقُ بيني وبينك، وقيل إنه قال في أوّل خطبة له «من قال لي اتق الله رددتُ عليه بسيفي»، وهذا غيض من فيض ما جُمِع في كتب التراث، والذي لا يمكن وضعه في كفّة التصديق الانفعالي، ولا كفة التكذيب الغالي.

لعبدالملك بن مروان، رحمه الله، من الإنجازات ما يؤكد، استثنائية شخصيته، فهو على مستوى القيادة والإدارة، وتوظيف الخبرات من أكفأ الخلفاء عقب معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، ولكن من يهب الشخصية التراثية عصمةً ما وهبها لها الله ورسوله؟ وربما جاشت عاطفة الإعجاب بحكم ما تربينا عليه أو تعزز لدينا من تمجيد النماذج التي نقل لنا التاريخ جانبها البطولي أو الحضاري، والعاطفة ليست معياراً نزيهاً في كل الأحوال، إذ متى تكشّفت جوانب منفّرة عن الشخصية المقروءة؛ فالعاطفة ستنفر منها، ويمكن أن نقول إنّ الاعتراف ببشريّة الشخصية التراثية، أعدل من أسلمتها.

ولعلّ التراث لم يحظَ بما حظي به الحديث، من نقد وتمحيص، ودراسة السند والمتن، وإن كان حدث فليس بتجرّد دوماً، ولا بحُسن نوايا غالباً، إلا أن إشكالية البعض في التعامل مع التراث تتمثّل في تعامله معه تعامل الدِّين، ومنح شخصياته قداسةً، تغدو حصانة؛ ما يحرم عاشق التراث من قراءة الظواهر والأحداث التاريخية، بشيء من النقد والتحليل، وفق ما تقتضيه ظروف كل مرحلة، فالشخصية العامة محكومة بظروف زمانها ومكانها وإمكانات عصرها، ومعطيات وتأثيرات مراكز القوى حولها.

ولأنّ معيار بعضنا عند قراءة شخصيات التراث تراثيّ، فربما جنى أو تجنّى عليه؛ أو تجنّن منه؛ فمن المعايير التراثية ما هو فقهي كوصفنا لفعل أو سلوك أو عمل بأنه حلال أو حرام، ومنها معايير اجتماعية؛ مثل توظيف مفردات عيب على سبيل الذم؛ أو فحل بقصد الإطراء وقلّ ما نجد في تاريخ شخصيات التراث؛ شخصية لم تجنح يوماً إلى تصرّف بشري عفويّ، أو عُنفي؛ أتى كردة فعل على موقف أو حدث، كما نقرأ في سير أعلام النبلاء قوله عن شخص واحد (فقيه، عابد؛ سفّاح) ولكل وصف من الأوصاف شواهده البالغة حدّ الاستفاضة.

تلويحة؛ في أسلمة التراث إساءة إلى الإسلام، كما أنّ أنسنته تبرئة له من الإدانة، وما نعرفه عن تراثنا شظايا من صورة تم إعادة تركيبها مراراً، إثر انكسار البرواز أكثر من مرّة.

** مبارك عليكم رمضان، وكل عام وأنتم بخير.

منذ 12 ساعة

يا الله في مطر وسيل

أصبحت شمس نهار القرية ذابلة، وإطلالتها على أودية القرية شاحبة. يبست الغروب والدلوة على الأوتاد؛ وعشّبت عيدان عوارض الآبار؛ وانشغل الأهالي عن طلب الرحمة، بتعليل وتسبيب القحط، الذي لم يمرّ على قريتهم مثله؛ إلا في زمن الحُمريّة؛ ومنهم من قال؛ إلا من يوم دخلت المشعوذة (ماحية) قريتنا محت البركة، واللي في قلبه حثمه على العريفة؛ دفّها عليه وقال؛ الله يسقي زمان شيبته خيران رحمه الله؛ ما كان المطر يونّي ليل الله مع نهاره ومن يوم تشيّخ علينا فقران نشفنا؛ واللي يعزو انقطاع الغيث إلى (المهروش) اللي عوّد عليهم من السفر؛ بشنطه (بِكم) وحدّ الليل يطقّ اصبع، ومرته ترقص وتضرب بالمصقع.

جمع الفقيه الصغار صبح الجمعة، وقال؛ يا حُبّاني استرحموا لنا كمّن ربي ينظر فينا؛ وأبشروا بعدما تعوّدون عليّه بالزبيب واللباب، وحفّظهم الابتهال؛ فانطلقوا بنشوة وامتلأت المساريب باستغاثات براءة صاعدة من النقاء إلى السماء

«يا الله في مطر وسيل؛ يسقي الوادي العليل؛ ويشفي القلب الغليل؛ مدّة الله الكريم؛ ما هي مدات البخيل) والخبثاء الناقمين على العمّ سهيل صاحب الدكان لأنه ما يديّنهم، يضيفون؛ يستحب كهلة سهيل وينزّلها مليل»، وعندما مرّوا ببيت الخطاطة؛ فهدأت أصواتهم؛ وتملكتهم حالة ذهول من هول منظر لم يسبق لهم رؤيته؛ فجارتهم التي حلّت في القرية هي وأمها ووحيدها أبو سنام، ملقيّة ظهرها العاري للشمس، وقاعدة تحجّم أمها، فكّت ممص المحجم من بين براطمها؛ والتفتت عليهم، فانفجعوا من أثر الدم، ونسيوا يشربون من قربتها المعلّقة، وصاحوا في بعضهم؛ اشردوا؛ لا تلحقكم الخطاطة أمها.

عوّدوا على الفقيه؛ تداحشوا على سدة مصراعه، وجغروا «يا فقيه يا فقيه؛ من عطانا الله يعطيه» فبدا عليهم بخريطته؛ وطلب منهم، يفتّحون حثولهم؛ وهو يقبض بيده ويمد سمّ.. سمّ؛ فأقبل عليه ديكان؛ بعطيفه فوق كتفه؛ صفّ بين الورعان وفتح حثله وقال؛ زبّبني يساني ما يساهم؛ ردّ عليه؛ ما فيك صدقة يا ديكان جرمت السدر والغرب بعطيفك لغنمك؛ ما كان للديرة حامي، جرمك الداب الظامي؛ فأقسم ؛ لو ما يزببه ليصفق خريطته بعطيفه وينثر ما فيها للنمل والدجاج، فمدّ له بثلاث قبضات؛ وقال؛ ما بتعلمني اعرفك لا ذكرت بخير، وبعدما ضمن الزبيب واللباب قال؛ إلا بنشدك يا فقيه؛ ذلحين ربي بيمطرك بالورعان، والمطاليق شمطان اللحى ومفتلة الشوارب ما يمطرهم؟ ردّ؛ ما يعزّ على ربنا شيء والورعان ما بعد تحوقوا الذنوب سواتك يا ديكان، ردّ عليه؛ امّا انته يُصلى في طرف ثوبك لا تخليني أعلّم مرتك بالبقرة اللي سرينا عليها أنا وانته وكتفتاها بعمامتك و مقّيت ضرّتها لين اغديتها شلاء وضفعت فوق عمامتك، وضع كفه على فمه؛ مردداً؛ أبتل الله يفشلك إن كان بتفضحني قدام أم المحّالة.

أمطرتْ الغيوم قبل ما تغرب الشمس؛ وأزلة الرعود تهزّ الجبال هزّ، والبروق تخلّي ظلمة البيوت ضحوة؛ وما تسمع إلا الأصوات؛ (عطّها يا بو العطايا؛ م الصباح إلا العشايا)؛ ومما في قلب المذّن؛ يفتح يديه للقُطّار اللي يخرّ فوق رأسه؛ ويرفع نظره إلى السماء؛ ويرفع الصوت لتسمع مرته؛ (يا الله اعطهم لين يغدون كما الكعم فوق وجه السيل يموج بهم من جال إلى جال)، ولم تنقطع السيول ثلاثة شهور؛ وتفقع وجه الأرض بالنجول، ونبت الحبق والخروع والطبّاق والحُرّاق في الطرقات وعلى الجدران، وبارك الله في الأحمية والأودية، وصارت الغنم تغيب في الحيا.

أقبل عليهم من الشرق رعاة، بجلبهم وعيالهم، وحلّوا في شُعبان مجاورة؛ وقال الخرّاز للفقيه؛ يا فقيه قُل لعريفتك الجلّابة عينهم بالربيع؛ وإن كان ما قرعناهم حلّوا في البيت والوادي؛ وزاد؛ ذوله عيال بدوه ياخه ما يحكّ الواحد منهم قفاته إلا بالمشعاب، وتوّهم على بيت العريفة؛ محتزمين بالجنابي؛ وعازمين على المسراح؛ قال العريفة؛ والله يا من يبزّ من عندي قلم، لاغدي ملحه ما يملح، واخلّي عشره ثمان، من صدقكم بتكاوفون شرّابة الدم؟ خلوهم يرعون ويتحمضون؛ ويسقون حلالهم من الكظايم، وبيصدّرون، ويعودون من حيث ما جو، وأضاف «والشقى على الحيله وش يرزاكم أرعو معهم وتحلّبوا واقضموا من اللقط لين تضرسون ولا أطيب من سمرة معهم»، نطّ الفقيه واستقعد قبالته، فلمح العريفة فيه لمحة الشرّ؛ ونشده؛ وشبك لصقت فيّه يا فحمة المرمّد؟ وهرب الخرّاز قائلاً؛ بغدي افلح معي ضيعه؛ وردّ الفقيه؛ الرجاجيل يا عريفة مثل حصى البنا، منهم ربض، ومنهم لزازة؛ علّق عليه مستهزئاً؛ وبتنغيم من رأس خشمه؛ آهو صادق...؛ ايوه.. وانت من ايات فيهم؟ تناول الطاسة ورشف له جغمه، وقال؛ حمانا واشفايانا غدت للرعيان؛ وانت يا كبير القدر والمقام، تحسب ان كل المخاليق يقنون المعروف، فيه من يقناه وفيه من يسلته بين ارجوله، تناول العريفة عمامته واستقام؛ وقال الله لا يجعلك تزيد عن حدّك، برّعناك فوقنا تزرم وتقضم الله يقضم عودك؛ وتحرّك تجاهه ودفعه بيده هامساً؛ قُل عني كذيه، يا بو عقيربان معك فقعة، والناس يتحاشون الفتنة؛ ويدعون الله يسرّها ويقرّها وانت تبغيني أورد جماعتي فوق النار! التقوا بعد العصر في ظُلّة المسيد، ولكي يستثير الشاعر انفعال الفقيه؛ قال؛ ما ودّك يا عريفة نعزم جيراننا رعيان الحلال؟ حكّ العريفة قفاته؛ فعلّق الفقيه؛ هم ونسوانهم، وأضاف؛ ما تشوف العريفة كلما لمح أم البرقع، كنه بارود في ثُمّ المدفع، وغمز للشاعر؛ فبدع؛ (من سرى بالليل الأظلم وهو من غير شونه؛ يلتقي حيّات شوقب وسمّ عقاربه) ضاق العريفة ووقف واستخرج مسبحته من جيبه؛ وحندر في الفقيه وقال؛ ادخلوا مع آذانيه اللي كما محقن السليط، فطلب منه الشاعر يقعد ويتعوّذ من الشيطان؛ ردّ ماني قاعد؛ وأضاف بضيقه وهو معطيهم ظهره (لو كان عنتر قعد بين الهمج لاهمجو به).

00:06 | 13-02-2026

السياسي يبني دولة والأيديولوجي يهدمها

يطول الحديث عن تاريخ الأيديولوجيات، منذ ظهور الدولة، بكلاسيكية حذرة، إلى دولة وطنية، ثم دولة مؤسسات؛ كسبت الاجتماع والإجماع، واستقرت بها أوضاع الشعوب نسبيّاً، وبزيادة الوعي غدت السيادة الوطنية أكبر مكتسب أمّن حياة الإنسان، وحمى عرضه، وحفظ كرامته وحقوقه.

فيما يستميتُ بعضُ المُتسلّطِين أو الشلطويين باسم الأديان؛ في سبيل إثبات دينية الدولة؛ أي أن الدين سابق عليها؛ وموجّهٌ لها؛ وهي حاكمة بأمره؛ ومذعنةٌ لغلبته وقهره؛ لتغدو مرجعية دولتهم المُتخيّلة (نصوصاً مقدّسة) قابلة للتفسير والتأويل والانزياح، ما يتيح لهم الاستبداد والفساد باسم التشريع، فيما الدولة بناء سياسي واجتماعي يستفيد من معطيات عدة، منها أعراف الشعوب؛ والسياسي يبني دولة بالأنظمة والقوانين التي تسع الجميع، وتحكم ولا تتحكّم، وتبني الروح والعقل والجسم والنفس ولا تهدم؛ والأيديولوجيا تهدم؛ وفي عالمنا العربي تحديداً الأيديولوجيات مشبوهة؛ ويكفي لتقريب الصورة للذهن استعادة أمثلة؛ واستقراء واقع ما حدث في العراق 2003، ومصر عام 2011، واليمن 2014، فالدول التي انبنت عبر عقود انهدمت في أشهر؛ بسبب العبث في مفاصلها، واستبدال دولة المؤسسات بأيديولوجيات الجماعات والمليشيات؛ ظناً أن الأيديولوجيات تصنع الدُّوَل.

ومما أثبته الواقع وعزّزته الوقائع أن الأيديولوجيا (عمياء) وتزداد عمى، كلما صادمت العقل؛ وتصدّت لحراك المجتمع الحيوي بطبعه؛ مستندة إلى نص ديني؛ مفهومه بحسبهم مُحرّض واستفزازي؛ ما يخلق حالة الفوضى، ويؤسّس نزعة الاحتراب؛ والأحزاب والمذاهب والتيارات والطوائف، سهل تأسيسها وصعب التحكم فيها؛ ولا يصعب اختراقها وتوجيهها لتغدو حربة في نحر الأوطان، والعمل ضد مصلحة الإنسان، علماً بأن بذرة فنائها تكمن في داخلها، وعلى المدى تتآكل أو تأكل نفسها.

ومن مظاهر عور الأيديولوجيا، أنها ترفع الاحتمالات إلى مرتبة اليقينيات؛ فخطابها قطعي لا محل فيه للظنّيات، وحلولها ناجعة نتائجها النهائية، دون أي اعتبار للنسبية؛ كما أنها تستسهل الحكم على النوايا (التي لا يعلمها إلا الله)، وتدين قبل توفير الأدلة؛ وتجنح إلى إساءة الظن، وتمارس العنف وتبث الرعب كونهما يولّدان الكراهية؛ المستندة بزعمهم للمقدّس؛ المتحتّم الاحتكام إليه، والتعويل عليه، في إدارة مجتمعات مستقرة بأدوات إشكالية، ما يفضي إلى إهانة البشر، وتشويههم بالتعسّف والتحكم، ما ينامي أجيالاً مشحونة بطاقة الانتقام والتوجس.

وبين ما هو متعدد وإشكالي؛ والمتحد أو الموحد السلمي؛ مثل ما بين السماء والأرض؛ فما يترتب على الإشكالي لا يمكن إلا أن يكون إشكالياً؛ وما يترتب على السلمي أقرب للقبول والتعايش، والأيديولوجيات إشكالية، والتجارب الحركية في العالم الإسلامي؛ حاولت حكم الناس بما تزعمه دِيناً، في ظلّ غياب الدولة، ولم تُفلح ولم تنجح مشاريعها، وكل ذلك نتاج قناعاتها القائمة على خطأ في التصوّر لماضي الإسلام، ولأنه ليس لدى جماعات الإسلام السياسي رؤية موضوعية، لرسم ملامح الواقع وتخطيط معالم المستقبل، تلجأ الأيديولوجيا للماضي، باعتباره الموروث الثابت الذي يمكن التأسيس عليه! ظنّاً بأنه كلٌّ لا يتجزأ؛ وواحدٌ لا يتعدّد، وهو بالبحث والتقصي أكثر من موروث؛ وليس له تراكمية متواترة؛ بل مراحل أحادية شبه مستقلة، وكل مرحلة تراوح بين القبليّة والمدنيّة، والاستقلالية والتبعيّة.

ولعل من مزايا دِين الإسلام، وربما كافة الأديان؛ أنّ لديها قابلية، للتفاعل مع المجتمع، والتأثير فيه والتأثر به؛ وهذا تأكيد على أنّ العادات والأعراف والتقاليد تلقي بظلالها على الموروث التديّني، وتغدو جزءًا منه أو يغدو جزءًا منها، وبهذا كانت البيئات تحصّن نفسها من الأيديولوجيات، ولذا من الطبيعي أن تلتم سريعاً تحت راية الدولة؛ التي هي بأقسى معطياتها، أرحم وألطف من أي أيديولوجية، علماً بأنه لم يثبت فيها لُطف.

00:10 | 6-02-2026

صنعة أبوك لا يغلبوك.. دعم الريف

يمكن أن يفلت الزمام لعلّة في الفرس، أو لزلة من الفارس، لتبرز المهارة في استعادة الزمام، في وقت قياسي، ودون كبير وكثير أعباء وتكاليف، وفي زمن مضى منذ نصف قرن، كان العاملون من القرويين في المُدن، يختارون مع كل عودةٍ إلى القرية، اثنين أو ثلاثة من الشبان، لاصطحابهم لميدان العمل، تعاطفاً مع وضع أسرهم المادي، وإشفاقاً على مستوى معيشتهم، ولأن (النواة تسند الزير) كما يقول المثل، فغالباً ما تنتقل هذه الأسر من ترتيب متقدّم في الفقر والفاقة إلى الكفاف، وربما تقفز من طبقة دنيا إلى طبقة متوسطة.

ومن عناوين الطفرة التسعينية، أن الدولة صرفت رواتب حتى للمواشي، وهي ليست رواتب للعجماوات بالطبع، وإنما إعانات للرعاة كي لا ينصرفوا للوظائف؛ ويتخلوا عن حِرفة الرعي ، كما تلقت البقية من الحِرف دعماً كبيراً؛ وهي استراتيجية توطين وتوطيد دعائم الأمن الغذائي، وهذه السياسات ارتبطت بالوضع الاقتصادي، ودوام الحال من المحال.

واليوم تدعم الرؤية السعودية؛ الأرياف باعتبارها حاضنة الطبقات المتوسطة، وأي إغفال أو إهمال لبيئة، أو مشروع، يتسبّب في الانقراض، لتغدو المعالم أثراً بعد عين، وللطبقات المتوسطة في المجتمعات، دور إفراز النُخب من جهة، ودعم السوق بالإنتاجية المحلية الآمنة؛ ما يرتقي بكفاءة شريحة من الطبقة الوسطى، وما دون المتوسطة اللتين هما من معيار توازن المجتمع اقتصادياً، ونموّه، ومؤشر للحفاظ على الطبقية بمعناها الإيجابي، والحدّ من انقسام أفراد المجتمعات، بين أثرياء ثراءً فاحشاً، وفقراء فقراً مُدقعاً، إذ كلما زاد عدد أفراد الطبقة المتوسطة، دلّ ذلك على تعافي الاقتصاد، وقوّته، وتنامي الناتج المحلّي.

أدركنا في المجتمع القروي، مُلّاك الأراضي، ومن جمعوا بين الزراعة والتجارة، والحرفيين، والرعاة، وذوي الحيازات الصغيرة، وكان المُلّاك (غير الاقطاعيين) يوثرون صغار وضعاف الطبقات الكادحة، بمنحهم حيازات تشعرهم بالانتماء وترفع كفاءتهم، ليرتقوا في سُلّم الملكيّة تدريجياً، فيما يتيح الجامعون بين زراعة وتجارة، فرص الشراكة مع الطبقة المتوسطة، والطبقة المتوسطة تستعين بكواهل الطبقة الأدنى منها، الذين سرعان ما يلتقطون سرّ المهنة، ويتقنون مهارات تعزز حضورهم مادياً ووجاهةً اجتماعية.

ولو تساءل البعض عن مصير المجتمع الفلاحي، الذي أدركته وجيلي، فمن يُمن الطالع وبركة الحظ أنه لم ينقرض تماماً من جغرافية المملكة المتنوعة والمكتنزة بالثراء البشري ومقوّمات الاقتصاد، إلا أنه ضَعُف وتراجع كثيراً طيلة فترات الطفرات والصحوة وما أعقبها من اعتماد الوظيفة مصدر دخل واحد ووحيد، ولكن لو قمنا اليوم بجولة في الأسواق لرأينا المنتوجات المحليّة حاضرة وبقوّة من الخضار إلى الفواكه إلى توطين نباتات وأشجار وافدة، فيما هناك روافد داجنة، من دواجن ولحوم وأسماك قائم عليها سعوديون في مناطق الأرياف.

ولعل مما يدهشنا؛ منظر أو لقطات فيديو لسائحين سعوديين يزورون مزارعين ومناطق فلاحية في بلدان آسيوية وأوروبية، ويجدون لديهم ما لذّ وطاب من الطعام والشراب المنتج في بيئة تقليدية، وينقدونهم ثمن ما يأخذون بسخاء معهود وغير مستغرب من النفوس الكريمة بطبعها أو المتحليّة بالكرم الموسمي، والرؤية النابضة بوطنيتها تدعم الريف السعودي؛ وبعض المبادرات ومنها إحياء المدرجات (توقفت ونتطلع لعودتها ودعمها)، فالريف غدا صناعة وسياحة وزراعة، ما يفترض اعتماد مبادرات متجدّدة داعمة مالياً ولوجستياً لإحياء المدرجات بتوسع لا محدود، و تمويل مبادرات أهلية، و تطوير وعي الأسر المنتجة، لتنتقل من طبخ وجبات بمواد مستوردة، إلى الطبخ من إنتاجها؛ فالرؤية تتسع لتخرج من إطار الاعتماد على النفط وتنويع مصادر الدخل.

من القرى تنبعث رائحة الخبز، وتتعزز الرؤية البصرية بجمالية الاخضرار، وتصح الأبدان بالخلو من التلوث أو الحد منه بحكم التمثيل الضوئي، والمساحات الخضراء من أسباب نزول المطر بمشيئة الله؛ إضافة إلى أهم مرتكز متمثلاً في استيعاب أعداد من الشباب والصبايا الذين ينتظرون وظائف، وهؤلاء بحاجة إلى عرض مُغرٍ للتحوّل إلى مزارعين وفلاحين ومربي دواجن وماشية، توفير الأعلاف

وبالطبع الانتاج يحتاج إلى تسويق، وإلى تدخل الدولة لشراء السلع والخدمات وإعادة تسويقها أو تحويلها إلى منتجات صناعية؛ ولطالما كان رجال ونساء وشبان وفتيات الأرياف رافداً للوطن بكامل لياقتهم وطاقاتهم وقدراتهم الإنتاجية والإبداعية بروح المنتمي للمكان والزمان والوطن.

ربما يقول قائل مردود الأرياف طفيف، والعمل على تأهيله مُكٍلِف، وهذا صحيح؛ لكننا نعيد لمجتمع الانتاج المعتمد على نفسه مكانته وحضوره، وكما قال المثل (صنعة أبوك لا يغلبوك).

00:05 | 30-01-2026

أبعد اللحم ع اللحم لا يخرب

تلهّمت (حامية) شيبتها المرحوم، وطولة ذراعه، وسرعة كُراعه، واحتلاجه بين الثيران في موسم الحرث والدياس، ففاضت رموش عينها بالدمع الساخن، وتناوشتها الذكريات بين البيت والوادي، وغنّت (يا ليت ما مرّ من عمر الصبيّة توخّر، يكون ذاقت من الحالي مع المر شويّة) وعدّدت بعض محاسنه، واستدركت عندما لمحت جارها (المفتول) يطهر لصلاة الظهر، وكيف أن زهرة شبابها ذبلت، وهي تحرم نفسها من طوف وإلا طوفين من ساري ليل، وإلا قطّاع سيل، حشمة (سنعوب) اللي لا هو ملح يذوب، ولا لبن يروب، فانقلب مزاجها، واستعادت عذاباتها الوهمية معه، فانفرط لسانها بالدعاء على الفاني، الله يجعله في جحيم وحال سقيم، ويحرمه النعيم، ما قد بدا عليّه بعذق كادي يوم المطاليق يصدرون بالزنابيل والسُّفر تفوح بالعطر والزفر، وش التهم منه، لا كسوة يوم عيد ولا مرود جديد، وكي لا تظلمه قالت، ما باغش ذمتي كان راعي بشاشه، وضروسه تقضم المشاشه، وفي الشتا يخصي الكباشه، ويدفّي فراشه، رقّ عليه قلبها ثواني، ثم علّقت، جاه ما سدّه، تولاه أبو الصدر الدالع، والبطن البالع، والعقل الخالع، لين ما ظلّا فيّه عرق ينفح.

أفتنها ابنها (سنعوب) متى تخطبين لي (زينة) بنت خالتي؟ وهدّدها لو ما خطبتيها، لأسافر وما عاد تشوفيني، ردّت عليه، يا ولدي بنت خالتك شيمة وقيمة، وخطابتها عشرة، وخالتك تبغيها تدرس وتتخرج مدرّسة، وانته لا بعد فدت ولا صدت، ومن يوم استحبّ المولى في شيبتك، وأنا في رجا الله ثم في رجاك، ومن يطلب الفود جابه، والمراجل يفيدها مغبّر شاربه، وذا ما يغبّر شاربه ما دسّمه، رمى عمامته من فوق رأسه على ركبته، وأدخل أصابع كفه اليمين في شعره الأكعش، وصار يحك، ويسرد عليها حكاوي يسلي بها نهارها، ويصوّر لها أن ما مثله في البلد ولد، وحلف لها أنه تطارح مع الجنّي وطرحه، واقتعد وأضاف، ثم شالني الجنّي بكعشتي، وطحت كنّي جاي من جوّة العرش، وصحيت إلى ونّي تحت السرير، فضحكت، فقال، ما دام ضحكتِ، فمتى بتخطبين لي بنت خالتي؟ قامت، فطلب منها تزبط له البراد، وأخرج البكت، أقربت منه الكفكيرة والفنجان وقالت بضيقة، تكنفح.

شاورت (حامية) شقيقتها (نامية) وأبدت رغبة (سنعوب) وأنه منتحي (زينة) حليلة حميلة، فطلبت منها تعدّي تتقهوى وتسمع منها جوابها، قالت البنت، يا خالة ولدك لا ضيعة ولا بيعة، وما يعرف يراكب كلمتين فوق بعضها سواة الخلق، وأنا باكمّل دراستي، وذلحين قلي له، ما له في سوقي مسوَق، ونظرت لأمها قائلة، وش يقول المثل؟ ردّت أمها وخالتها، وش قال؟ فقالت: (ابعد اللحم ع اللحم لا يخرب)، وعندما سمع الردّ، حسّ في قلبه كما حزّ الجنابي، فاحتزم بجنبيّة الشيبة، وقام يقصّد ويحتلج: (الله يرحم جدّي اللي شرا الجنبيّة، يبغيني أوفي قالته واحتزم بها)، ومن تالي نهار، ركب مع سايق مرتدس، في الغمارة بخمسة ريال إلى الطائف، وحلف ليغدي سنعوب سنعوبين، ويرد الصاع صاعين.

قال له سواق الشاحنة، انصب ركبتك من فوق القير يا واد، ردّ عليه، انصب ركبتك أنت الله يجعلها تعطب، وشدّت الهروج، فقال، اعرف ماضيك لا تقعد تنخّس الكلام يا شرّاب القاز، فعلّق السواق بلهجة مكيّة، ما هو بدري عليك السفر يا غرنوق، فتضاحك الركاب، فحزم عمامته على رأسه، وقال، تحسبني باقي أرضع أصبعي، وأضاف، ترى يميني طويلة لا تخليني أمدّها، فقال السواق، طويلة مدّها في صحن الرزّ يا فرخ القُمري، فتعالت الضحكات، فحلف (سنعوب) ما عاد يبقى في الغمارة إلا ما بقي، وصعد إلى السلّة، وكلما قيّلوا في وادي أو باتوا على ربوة وقام السواق يصلّي بالركاب، يفنجل عينه في السايق، ويقول، تصلّي يا سكّار، فيضحك السايق، ويرد عليه، يا غرنوق ساعة لقلبك، وساعة لربك، وساعة كفاك الله شرّها.

وصل إلى مقصده، وجاودوا به أهل الخبرة عند تاجر فاكهة، واعتنى به عمه المكاوي، وسجّله في مدرسة ليلي، وتعلّم وغدا صاحب قلم، وخبر الهوى وعاشه بكل التفاصيل، وتولى دكان عمه، ونجح فسلّمه الخيط والمخيَط، يقفل الدكان، ويرجع للدهليز المُخصص للسهرة، وفي ليالي الشتاء الطويل تعلّم الفنّ على أصوله، وصار خبير في الكيف، وماهر في تخمير الفواكه منتهية الصلاحية، وذات ليلة صحي ضميره، فقال: شمتّ بالسواق السكّار، وابتلاني ربي، وردد المثل: (عاب على ظُهريّة الجُلاس، وما حبكت السهرة إلا وهو بينهم يدير الكأس).

بعد أعوام، تذكّر (زينة) بنت خالته، وعينه قاطعة تالي الأيام على خزنة (الكركوبة) كما يُطلق على عمه المكاوي، وكانت يده طويلة أكثر من اللازم، وعاد للقرية بالأرزاق، والمفارش، والكساوي، ورادي بسماعتين، ومن وفرة ما عاد به، بغت أمه تحاحي، وخالته كل يوم وهي مقبلة عليهم بالفتّة والقشر، وسنعوب ما يفتي بزينة الذِّكر، قالت الخالة، ما للبنت إلا ولد خالتها، فانفرجت أساريره وأسارير والدته، ورغم تمسك زينة بموقفها وترديدها (ابعد اللحم ع اللحم لا يخرب)، إلا أن أمها، طمعت وفركت شحمة إذنها، وهي تردد ضريتِ بالفقر يا بنت آبوها.

ليلة العرس، أخرج سنعوب السوبيا من جركل مدفون في العلف، وكلّف (زينة) البنت القرويّة العفيفة ما لا طاقة لها به، وفي لحظة حماقة حذفها بالرادي، فصابها في المضّاغة، وفاضت روحها قبل طلوع الفجر، وهرب (سنعوب) قبل شروق الشمس للجنوب، وأظلمت القرية التي كانت زينة بدر ليلها وشمس ضحاها، وحزنت حتى حصى الطريق التي كانت تسرح وتروح منها، وقضت أم زينة، بقية عمرها تندب حظها وحظ بنتها، وتعاتب نفسها، ليتني سمعت كلام زينة (ابعد اللحم ع اللحم لا يخرب).

00:02 | 23-01-2026

التخبيب السياسي والتطبيب

لم يعد التخبيب قاصراً أو مقصوراً على إفساد العلاقات الزوجية، بإظهار محاسن بديل خارجي، مقابل الاستخفاف والمقارنة الجائرة بأخلاق الأصيل الداخلي (الخلقيّة أو المختلقة) لتتسع دائرته، فيشمل تخبيباً إدارياً، وعائلياً، واقتصادياً، وربما رياضياً، والإسلام يرفض التخبيب؛ باعتباره من (إفساد ذات البين)، وهو حالقة كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يحلق الشعر بل يحلق الدِّين.

والعلاقة بالهويّة القوميّة، أو الدينيّة، والانتماء إلى الجغرافيا، والولاء لإرث تاريخي وثقافي، ليس بالأقوال، ولا بالشعارات، فالذين رددوا شعارات، ورفعوا صوراً ولافتات (ممن عاشوا وتعيّشوا على الادعاءات)، إما أنهم أوّل من يهرب عند حلول الأزمات أو أفجر من يطعن في الظهر في أحلك الأوقات.

للدوّل محطات فاصلة في التاريخ، ولها كبوات لا تقل عن كبوة جواد قلّ ما كبا، ويتخلل المسير والمصير منعطفات مُحرجة، ومؤامرات ودسائس خفيّة ومُعلنة، وكل إنجاز له حيثياته، وكل إخفاق أو تعثّر له أسبابه، ومبرراته، ولم تمض دولة عبر التاريخ في منحىً تصاعدي منذ نشأتها إلى ذروتها، عدا بلاد الحرمين، بفضل الله أوّلاً ثم بفضل خبرات سياسية تراكمية، يتلقاها الوعي من المهد، بضمير حيّ، وقلب نقيّ، وعقل سويّ، ونفس عفيفة، إلا عن المجد والسموّ.

وفي علم السياسة العملية، ليس هناك سياسي هاوٍ، بل السياسي محترف، فعله محسوب، وردود فعله غير متوقعة، خصوصاً إنْ كان وطنه أولوية، فلا مغامرة ولا مقامرة، ولا تبعيّة، بل إعلاء مصالح تراعي مكانة الدولة التاريخية، وتحفظ حقوقها القانونية، وتؤثر الثابت على المتحوّل.

وأزعمُ أن المواطن الصالح، يعيش شؤون وطنه وشجونه، ويعايش الأحداث، ويتمثّل في كل لحظة مراحل الكفاح، وحقب التحديات، ويميّز صدق المشاعر من زيفها، وتتجدد ثقته في قيادته بمرور الزمن، كونها تثبت أنها أقرب إلى الروح والعقل والطموحات، ويدرك ثقل مسؤولياتها، ويؤمن إيماناً لا يخالجه شك في أهليّة الخلف والسلف، مهما تصاعدت غيوم التخبيب، التي سرعان ما تذروها رياح المعالجة والتطبيب.

تحمّلت المملكة تبعات قرارات؛ مراعاةً لمصالح العالمين العربي والإسلامي والبشرية جمعاء، وكان أحياناً، وراء تلك التبعات تخبيب أشقاء وأصدقاء، وأدعياء خبثاء، ومما أدركته قطع امدادات النفط قبل حرب أكتوبر 1973، والإسهام في تحرير الكويت من احتلال صدام حسين، وأحداث الحادي عشر من سبتمبر، وليست أزمة اليمن الشقيق آخرها، وكانت ولا تزال بلادنا تمر بسلام، وتتخطى المكائد باحترافية التطبيب، دون أي تحسس من جني مكاسب أو تفادي خسارات.

تلويحة: لا شكّ أنّ التطبيبَ أشق وأوعر من التخبيب، إلا أنّ ثمار التطبيب مضاعفة الأجر في الدنيا والآخرة، وما أرقى مقام من يطبّب الكلوم والجراح، في الجسد والأرواح، وما أدنى وأرذل مرتبة المُخبّبِين.

23:56 | 15-01-2026

شَبَرْنا حنطته وتلقّم شعيرنا

التصقت فقاقيع الطلّ الصباحي بأحجار الطرق، وعَلِقتْ بحلوق بيبان يكاد خشبها ينخلع شوقاً إلى ندى طال غيابه، جبدت (كبيرة المقام)؛ مصنفها الزبيدي من فوق حبل نايلون ممتد فوق سريرها، والتحفت به، أدخلت طرفاً منه تحت ابطها الأيسر، وأعلت الطرف الآخر على كتفها الأيمن، ثم عقدته بزاوية بين صدرها وبطنها؛ وتناولت عصاتها العُتم التي تسميها (مِذهِبه) من وراء خصاف الحبّ، (تفخر بأطول عصاة في محيطها برغم قُصر قامتها)، وكلما نشدها الصغار؛ ليش تسمينها «مذهبه يا جدة»؟ تجيبهم؛ لنّها تذهب الجنّ من روسكم، وعندما يستلطفون مزاجها، يتعمّدون استثارة عباراتها اللاذعة، فيسألونها؛ ما كن عصاتك أطول منك يا جدّة؟! فتردّ، وعلى محياها ابتسامة قرويّة؛ تجيد اللعب بالمفردات (أعرف مقداري عند الكلاب) ! فيشرع الأحفاد والحفيدات في النباح، فتقوم عليهم قائلة؛ أبشروا بمذهبه، فيتفرقون سريعاً وهم يتضاحكون.

دفعت بعصاتها غطاء القُترة، النافذة من داخل البيت إلى السقف، وأزاحته لتمكّن ضوء الشمس من الولوج إلى الفُرُش والجدران وشُقاق الحطب المردوم فوق الحِرانة، مرددة؛ يا الله سفرك اللي ما يظلم ووجهك الراضي اللي ما يعتم؛ تحفّز أهل البيت الخامدين من طول عناء أمس للنهوض؛ نقّطت من حواف تنكة القترة فوق رأسها قطرات الطلّ، فمررت عليها أصابعها المحنّاة، ومسحت بها وجهها وقالت؛ إذا طلّ هلّ؛ وأضافت؛ يا الله تعطيناه برضا، ولا تورّينا قوّتك، وتكفينا غضبك، وشديد عقابك؛ فسمعها حفيدها البكر، فأزاح بطانيته عن نصف جسده العلوي، وقال بحرقة ويأس؛ وهو يتحكك من حَمَط الدّياس؛ الله يعطيناه بقوّة لين تغدي سما وما؛ ونظلّي كما الكعم فوق وجه السيل.

صدّت دعوة الجدة المبروكة، وما مالت شمس نهارهم للزوال، حتى قلب الجوّ، وحدْسُ القرويين لا يخيب؛ اللي في الوادي راح، واللي في البيت ما سرح، وانطلقت أصوات الأمهات تنادي الرعاة وحماة الطير (روحوا.. السيل فيكم)، وانطلق نسوة لاقتلاع صكك الحمير من المراغات المجاورة؛ وقبل ما ترخي السماء أثمام القِرَب العلوية، أسربت الغنمان وراء بعضها، وكلما حاذت خزلة منها؛ منزل أهلها فرقت وانفرزت وراحت، دون تدخل رعاتها؛ دنّ الراعد؛ واختلط صوته، بأصواتها التي تملأ المساريب بالهذّاء، وزادت في سرعتها لما بلغ سمعها صوت هذي بهمها المحروم من الرضاع من صباح العالمين، حتى بالكاد ينشغ (بأاااا).

صعد المذّن فوق المسيد ليؤذن لصلاة العصر؛ وضربت صاقعة في جبل يشرف على القرية من شمالها؛ فنزل يسعى ما كمّل (حيّ على...) وهو يردد؛ (حوالينا ولا علينا) ردّت عليه جارة المسيد (مرزيّه)، وين حوالينا يا ديكان، وانحن أحوج من غيرنا؛ إلا علينا ثم علينا خذلك ربي يا الذلال، فلم يردّ عليها؛ كي لا ينسى أذانه؛ وينشغل بمجاراة أُم الرُّقم.

افتزع (أبو مذاري) بالجماعة عقب الصلاة؛ ديّستي محروصة من أمسي ما هبت البحريّة نذرّي؟ فقال العريفة؛ هب لها بعرة فوق حجر وتهبّ عليك هبهب الله عليك، تضاحك الموامين؛ فغيّر العريفة نبرة الصوت؛ نافدى النشامى؛ تكفون استروا حنطة رفيقكم لا تغديها السما خيسه، فتنادوا نسوان ورجاجيل وأطفال؛ بالقشابي وأكياس العلفة؛ وهبّوا ونقلوا الديّسة حبّها وعلفها إلى بيت (بيحان) ولحقهم البلل؛ وسرى عليهم أبو العطايا؛ والجدّة ودّها بالمرقة.

ولكي تغيض زوجة ابنها، انفردت بالحفيد (المشوّش)، وناولته شفرتها اللي ما تظهرها إلا لحيف أو ضيف، وخفتته في أذنه؛ فانمرش مع الدرج؛ احتزّ (المشوِّش) رقبة الدجاجة البيّاضة (سَكَبه) بعدما أحكم قبضته على منقارها كي لا تصدر صوتاً، علّقت أمه؛ والله لنغزني صدري، ودقني قلبي؛ يوم شفت (حجر أبو علي) تخفتك، أحرمتنا البيض، الله يلوي لسانها عن الشهادة؛ وينتبزها نبز الشوكة من كعب السفيه.

نقعت الجدة (سكبه) في ماء ساخن؛ وطلبت من حفيدتها؛ تناولها القُطف؛ فأخرجت منه سبع حبات بُنّ؛ وقالت بانفعال؛ امسكي بقلبك يا هَمله؛ واعطي أمك تحمسها، وتشهّفها لين أصلّي المغرب، احتجت زوجة الابن بصوت مسموع؛ ذلحين أصب حليب الغنم في الشكوة، والا أنتف ريش الدجاجة، والا احمس قهوة، حمّد يا تُهمان.

افتقد ديك (أبو مذاري) زوجته الدجاجة (سكبة) فانبرى للتفتيش عنها، وصعد درج بيت الجيران نافشاً صدره وريشه؛ ودخل مستثمراً نور الفانوس المبقبق، واقترب من الطباخة، فأيقن أن سكبة، غدت مرقه، لمحه المشوّش؛ وقال؛ تسري وإلا ألحقك مرتك؟ لم يرجع لمأواه إلا بعدما انتقم منهم، شاف طحين الشعير في صحن؛ فقفز فوقه، وبعثره في كل اتجاه ؛ وما أحد انتبه من الأسرة الملتمة حول ملّة الخبزة.

طلبت الجدة من (هملة) تعجن عشاهم، وعندما اقتربت من الصحن، لم تجد فيه ما تقبض عليه كفها، حاولت إقناع الجدة تستلف من جيرانهم طحين كندي يهني بالهُنا، ردّت عليها شعرا؛ وإن تعوّدنا على حبّ الكند من يمنّه لنا؛ ثم غيّرت الطرق من عرضة إلى لعب (حب الكند ما نريده؛ ما نشتي إلا الشعيري).

شمّ (أبو مذاري) رائحة المرق، فوهّم أنهم تعشوا ديكه؛ غرّز أسفل ثوبه في كمره، تفادياً للبلل من قوة دفق ماء المطر من السيالات والسُّربان؛ وقصدهم؛ لقي الديك تحت جناحهم يرتعد برداً وحُزناً، فاحتضنه، ودعب ما سلّم، وهم منشغلين بالأكل، ولم ينتظر منهم عزيمة للمشاركة، دخل بين الجدّة والمشوّش؛ واختفس له دغبوساً، ولحق جناح من الدجاجة؛ وغادرهم يتلحّس أصابعه، وديكه على صدره؛ قالت الجدة؛ عساه تواك يا عيرنا؛ إن كان شَبَرْنا حنطتك، وجيت تتلقم شعيرنا.

00:00 | 9-01-2026

كوت هتلر

لم يكن بَرْدُ الجبال، رغم صلافته، مميتاً للأرواح الشغوفة بالحياة، وإنْ عطّل أو أجهض بعضاً من نشاطها، وكانت وسائل التدفئة محدودة، منها التمر إن جادت به يد الكريم المنّان، والحطب المكنوز مُبكّراً؛ احتياطاً، ولبيوت القُرى المصقولة حجارتها من صخور المقلّع، فضل امتصاص هبّات الزمهرير، وتخفيف هجمات ليالي القرير، وإن هطلت الأمطار تُعلَنُ حالةُ الطوارئ، خصوصاً عندما يبدأ القُطّارُ عزف مقطوعاته الموسيقية، على حواف الأواني النحاسية، التي تتلقفه في أحضانها، تلقف الرضيع صدر مُرضعته.

وكان أحد رفاق الطفولة، يعاني فوبيا الشتاء، فيشعر بالبرد بمجرد ما يسمع باقتراب موسمه، وإذا قصر النهار وطال الليل، لا نجده إلا مرتجفاً حتى وهو يتشمّس، وحين نسرح نتشرّع في الغدران، ينتبذ مُرتفعاً قصيّاً، ويتابع دون أن يشاركنا، وبدنه يقشعِرّ، وحين يتكلم وهو صرد، لا نتمالك أنفسنا من الضحك، لأن فكيه يتحركان لا إرادياً، ويقبعان في بعضهما، وتصدر الأسنان طقطقة شبيهة بصوت مروحة يحك في طرف رِيَشها عود.

وبحكم غياب والده طيلة العام في المدن، ولأنه وحيد أمه، كان أوفر مِنّا حظاً، بما يخصه به أبوه من هدايا وعطايا، ولطالما تمنينا أن نكون إخوته؛ فالأب المكافح إذا عاد يعود معه بأدوات وهدايا، و«حمبص» وحلاوة «حمبصيّة»، وتنكة حلاوة طحينية، لم نعرفها أوّلاً إلا عنده، ولكي نشبع طرعنا بلقمة أو أكثر؛ نعتني بهذا الرفيق، ونتودد إليه؛ ونلبّي ما يطلبه، بما في ذلك مساعدته في حلّ الواجبات المدرسية، والكتابة بدلاً عنه، كون أصابعه تنتفض طيلة الوقت، ولا تنجح محاولات إحكام الأنامل على المرسم.

وفي إحدى عودات أبيه الصيفية للقرية، جاء له بـ( كوت)، أطلقنا عليه من باب الغيرة (كوت الأموات)، فالشائع أن الألبسة التي يموت أصحابها يبيعها الورثة في الأسواق، أو يتصدقون بها على نيّته، وعندما اشتكى لأبيه مما نعيّر به كوته قال الأب المتفتح وعيه: قل لهم هذا (كوت هتلر)، الذي هزّ عروشاً بجسارته، وكاد يسيطر على العالم ويحكمه، لولا صقيع جليد روسيا الذي داهم جيشه وفتك بهم.

استسمى صاحبنا من حينها هتلر (هتلر جاء، هتلر راح)؛ بسبب كوته الرمادي الواسع عليه، طويل الأكمام، عريض الأكتاف، سمادي الرائحة، الذي يندرج فيه صاحبنا قصير القامة، ضئيل البنيَة، المشهور بكثرة حركة؛ وقِلّة بركة، وعندما يكون محتاجاً لنا نستغله، فنطلب منه يُسلفنا الكوت لدقائق وأحيانا لساعات، وإذا اشتدت به الحاجة نفرض عليه أن يهرّب لنا في جيوب (كوت هتلر) من بيت أمه حلاوة طحينية، وشتفة من قرص الصاج.

لم نكن بعد عرفنا (هتلر) الحقيقي بشحمه ولحمه، حتى درسنا عن الحرب العالمية الثانية في الابتدائية، ورسم لنا أستاذنا السوري رسمةً لهتلر على السبورة بطباشير ملونة، وكان مغرماً به، وضحكنا لأن الملامح تتقاطع مع ملامح صاحبنا أبو كوت، واستغرب المدرّس، وقال: «على شو عم تضحكوا هتلر زلمه وقبضاي»، فتحوّل الضحك إلى قهقهة، وثبتت التسمية، على مستوى القرية والمدرسة، وتحديداً عندما تبدأ حصة التاريخ.

وعندما شاهدنا في التلفزيون، لأول مرة أفلام (شارلي شابلن) بالأبيض والأسود ظنناه هتلر، ودارت الأزمان، وتفرّق شمل الخِلّان، وبما أن الأسماء تُشقي وتُسعد، أُغرم الرفيق هتلر (أبو كوت) بالتجارب، ولم يرعوي عن عشق المغامرة، ولم ينجح في أي مشروع، ولم يربح من عمل، وهو بطبعه لا يقبل نصيحة، ولا يقنع بالمقسوم، إضافة إلى كونه صليب رأس، ولا يثق إلا برأيه.

يبدو أن عوادي الدهر المتغوّلة، قلعت أظافر عزيمته، وخلعت أنياب جسارته، وعندما ضاقت به الحياة عاد لبيت أبويه المهجور، منذ رحيلهما إلى الدار الآخرة، وكنا نقلق عليه من وحشة الوحدة، ولا نطمئن إلا عندما نسمع صوت سعاله منتصف الليل، خصوصاً عندما يحلّ (الربيع) كما يطلقون على الشتاء في ديارنا.

عندما افتقدته العمالة الوافدة، التي تجاوره في السكن، فتحوا عليه الباب، وكان مستغرقاً في النوم، متوسّداً تحت رأسه كوت هتلر الذي أصبح على مقاسه، وكانت أطرافه الباردة تؤكد أن الشتاء غدر به وصفّى حسابه معه في نومته تلك، التي لم يفق منها، ولقينا بجواره دفتراً عتيقاً وقلماً، وكان آخر ما كتب: «أشعلتُ في صدر الزمانِ مواقدي، وأموتُ وحدي كالجماد الباردِ».

00:02 | 2-01-2026

من جرف في دحديره

فات قطار الزواج (أبو منقبه) أغواه الهوى، واستهلكته المساري، في الغداري ما حد داري، استذرى أنداده، وهو بكرة إلا بعده، وبعدما شِبع غوى، وعزم يخطب؛ ما لقي في قريته بنت حلال، ترشّق قهوته، وتسقيه دواه، وتزهّب غداه وعشاه، وتدفّي شِتاه، وتذراه وتمكّن عُراه. شاور أهل العِرف، فقالوا؛ وش غرّك من عمرك، يوم ما عاد تلقى السفّافه افتكرتْ النُكح؟.

تودّد لأرملة، عاقر، بين بيته وبيتها مدماك صخري، وكلما لمحها تنشر غسيلها، فوق حبل معقود طرف منه في أصياخ البداية؛ والطرف الثاني في وتد بالمدماك، وتمقّل كحلتها المثخّنة؛ دلدل عليها نصّ عمره، وبدع (يا راع الدلع وش تدّلِع به، ويا ليلٍ سرى واشتد لعبه) ومرّة تخزره بعينها، ومرّة ما تلقيه الوجه الراضي، وغيّر القصايد، بقصص بطولاته وغزواته؛ يوم كان في وردة شبابه، وكيف كان يعلّق البندق المنيمس في إبهامه، وأنه كان يضرّط البعارين إذا ركب على الصعب، ردّت عليه «وش ينبغى بالعُمر لا مات أوّله» فاعتزى بنفسه قائلاً (أبو منقبه) وأضاف؛ يفداك من مات أوّله، وأقسم لو يُلزّ بدماغه في رصّ بيتها ليهده، ولو يميل الزافر ليشتال السواري فوق منكبيه؛ فانفرجت أساريرها، وطلبت منه يفلح لأخيها (نكدان) نشدها وين ألقاه؟ قالت؛ هبّاط أسواق؛ مدوّر أرزاق؛ يمشي حافي، ولا يرزاه لا مطر ولا سافي، فقال؛ أبشري بي.

أوّل ما شافه قال (إذا شفته حافي قُل يا كافي) ردّ عليه؛ حافي رِجل شبعان عقل، علّق ؛ ونعم يا الرحيم؛ فالتفت له ونشده؛ منين جيت لي رحيم لا رِحمت، فطلب منه مُلزمة الله، و(نكدان) ما هو دون شيء، ما ينقرب من عرينه؛ ولا ينداس في جرينه ولا يذرّى في مصبّره؛ ساومه على بلاد وزناد؛ وكلما سمع منه طمعة يردّ (ليتك تعوّد حُناشه يا خشب بيتنا) والحافي يرد عليه (ولا يقل للمعاون يا آخ شبيتنا).

يوم عقد القِران؛ طلب منه الفقيه يردد معه «استنكحتها» فما ضبطها؛ وقال؛ «أنكس تحتها» فتضاحكوا وقال رحيمه؛ نكسوك على قُرنتك إلين توصل الماء الصامط، تروّحها على شاة؛ فقال (نكدان) الذي حلّ مع أخته في بيت الرحيم، زد في القرى وادع الجماعة؛ فردّ عليه؛ هوّه ما خذتها وسرّها مصرور، قد فتقه الفاني الله واليها، وصار (نكدان) يتحكّم في المدخال، ويبيع ويشتري في حلال رحيمه، وفي يوم طابت نفسه؛ ووصلت معه كيس التنباك، فقال؛ يا متبلعة الذرعان، انتي ما تقرين في بيتك، كن في خوشك لهايبي، وبطنك كما الركيب المنصلق، ورفع الصوت بالنشيد (وآخوك ركّب بالسواني فوق بيري، ما يعقّل واشغل البير، يدرج على مهله وكن البير بيره) ونشدها؛ بيحيل آخوك عنّي في سعة ربي؛ وإلا صرمت حبلك وحبله! فقالت؛ وتصخاني؟ قال؛ صخيت أمي وآبي قبلك.

انفك منها، ومن أخوها، ولازم الفقيه كم يوم، وفتّح له أنظار، وأعاره الحمار؛ ودلّه على كم بيت في قرى الشاميّة واليمانيّة؛ وأوصاه؛ تهجّر وعلى سعتك، وإذا رزّيت عينك عوّد عليّه؛ وابشر باللي يقضي لزومك، خذ له مرة وافية؛ وسلتت له ثلاثة ورا بعضهم، وكل ما حد بارك له يقول؛ أبشركم معي مخلوقة كما الدجاجة اللي تبيّض وتحضّن وتفرّخ بدون ديك، وإن انسدحت ما قامت؛ وإن قعدت ما تلحلحت، وحليل من قعد في حراها.

دخله الشكك فطلّقها، وخلاها وعيالها في البيت، وانتقل لبيت شقيقته في قبيلة مشرّقة، وعندما نشدته عن حاله؛ أجابها؛ من شاف حالي ما شبرني؛ ولكن ودّي بعروس، معها فلوس وأهلها أهل ناموس، فقالت؛ من حلاتك، وإلا من صومك وصلاتك، وإلا من مرزقك وغلاتك، الله لا يدخِل الكلب المسيد، وأضافت؛ من جرف يا صديقي في دحديره؛ وصدحت (يا خوي عنيت نفسك في حلال تصاليه، دخيلك ارتاح من رعي الغنم والبهامه) فطلب الشاهي، وعمّر الغليون؛ وبدع؛ (يا ساق حيّرتني للمُحقره ولقيتها).

00:03 | 26-12-2025

وداعاً أبا مشعل.. مُلهِم سردياتي

أعدُّ نفسي محظوظةً، بأصدقاء هم الحياة، بمعناها الفنّي والثقافي، والمعرفي، والاجتماعي، وما أكبر حظوظ من وجد في صديقٍ مُعظم ما يبحث عنه، وما يحتاج إليه، من إنسانية ومهارات، وتجربة حياة، ودهاء أحياناً، يمنح قدرةً على فهم واقعك، والتعبير عنه، وتجاوز أو تفادي الفخاخ والكمائن، بحذر غير مُحبط، وتفاؤل غير مُفرِط، وأجمل ما يُكتسب من خبرات، ما أتى بطريقة غير مباشرة، من مدرسة الحياة، لا مدرسة المُقررات.

هناك شموس تطلُّ علينا دون ارتباطها بنهار، ومصابيح تضيء الدروب وإن لم نكن في حالك الظُّلمة، وغيث يهمي دون علاقة كهرومغناطيسيّة بغيم، ولُغة تترتّل لا صلة لها بالمعاجم ولا القواميس، تبني مداميك لحساسية الشعور والتعبير، وتمدّ الحكايات بالحيوية والطاقة؛ وتُعين الأسلوب على الانتقال من القصّ إلى القصيدة والنقد الساخر، ثم إعادة بناء الحبكة بسياق مختلف في مفتتحه ومختتمه.

أكتب عن أستاذي وشيخي عبدالرزاق بن صالح المذّي الغامدي، مُلْهِم سردياتي؛ ومؤسس البنية التحتية في وعيي، ليكون جاهزاً لمواجهة ما يُتوقّع وما لا يُتوقّع، ومجابهة خبايا الزوايا، والنوايا العمياء، وتزويدي بوصايا؛ تخفف سأم الصيف، وملل الشتاء، وتحفّز الذاكرة على الحكي وتوظيفه دون استثارة ردود أفعال، من يُسقطون ما نكتب على أنفسهم بسوء طويّة.

رحل بالأمس أبو مشعل، وبمجرد تلقي الآدمي نبأ رحيل شخص عزيز عليه، تتسمّر الحركة في مكانها، وتتخشّبُ الكلمات على لسانها، وتتحجر الدموع في عين موعود بمصادفة تُخضّرُ فيافي الروح، وتتوالى وتتولّد الذكريات؛ والذكريات جسرنا إلى نقاء المطلع، وصفاء الينابيع، وكأننا عندما نتذكّر، نقاوم شبح الرحيل، ووجع الفقد.

عندما انتقلتُ من ابتدائية بشير، إلى معهد الباحة العلمي، عبرتُ من قريةٍ إلى مدينة، ومن مؤسسة حميمة إلى شركة تعج بالملامح والأطياف، فاتسعت دائرة المعارف والعلاقات، وكان للمشايخ الأساتذة هيبة تبلغ بنا الرهبة، ولكل أستاذ طبيعته، وشخصيته التي يتعامل بها، وربما تتشابه طريقة المُدرسّين في التدريس والتعامل مع الطلاب، إلا أنّ (أبا مشعل) كان نموذجاً مختلفاً.

وبالطبع بحكم تجاور القرى، والعلاقات بين رموزها، كان يعرفُ والدي، وبينهما -عليهما رحمة الله- علاقة وديّة وطيدة، وإن كنتُ لستُ ممن يعتمدُ على نسبه؛ بل على عمله ومكتسبه، نشأتْ بين طالب وأستاذه مودّة أدبيّة، فأسلوب الشرح، وتوظيف البيئة في الدرس، وتطعيم الفصيح بالمثل والقصة وبيت الشّعر باللغة المحكيّة، والإيماءات الحركيّة، كل ذلك جذّر وشائج القُربى والصداقة بين شيخ ومُريد.

أعوام مضت، وعادت بي الأيام، إلى المعهد مُعلّماً، وبرغم اجتياح الصحوة لشيء من مشاعرنا، وأغواء الدروب عن الوطن الحبيب، إلا أنّ (أبا مشعل) لم يرفع يده عن قداسة ما بناه في ستة أعوام، ولم يكبت طموح تغيير العالم!، فعزّز صلتي بأساتذة هم في نفس الوقت زملاء، ونعم الزملاء؛ فدرستُ على أخلاقهم ومواقفهم ما حمى إنسانيتي من عواقب اللوثات؛ وعندما يقع (أبو مشعل) على زلّة أو شطحة مني، يقول لي بلهجته المُحببة (يا ولد خلّك رجّال) وإن تكررت وكثيراً ما هي، يصعّد اللغة والعتب قائلاً (شُفْ الحمار) ولا أجد غضاضة ولا تذمّرا مما نعتني به، بل أشعرُ بأبوّة حانية، دون وِصايةٍ جانية.

بالطبع مرّت بنا أحوال وظروف، عكّرتْ نهر مودتنا، وسرعان ما زالت، وعاد النهرُ إلى صفائه، وقَرُبتُ من شيخي مجدّداً، فعرفتُ فيه العابد، السخيّ، الوفيّ، الحريص على صدقة السرّ، المتعلق بذِكْر الله، الدائم السؤال عن الأصدقاء والزملاء، وكانت ظهيرة يوم الجمعة، التي ألتقي به في منزله، مصدر طمأنينة لقلبي، ففيها وبها امتداد وجداني؛ إلى جناب الأب، والأخ الأكبر، والمُعلّم المُغذّي سرديّاتي بإلهامه؛ الذي أرجو ألا ينقطع، وإن كان مُلْهِمي في دار الحق.

23:56 | 18-12-2025