أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/238.jpg?v=1768301522&w=220&q=100&f=webp

عبده خال

هل هناك جيل تائه في هذا الزمن؟

ما زلت في دهشة كلما ارتهنت إلى المقاييس الزمنية السابقة لقياس المتغيّرات، لكن غدا واضحاً، لم يعد هناك ثبات اللحظة، ففي كل ثانية ينقلب العالم رأساً على عقب، فالمتغيّرات تتسابق، والقياس مختل إن ارتهنت على قياسك القديم. نعم سبق أن كتبت مقالاً بعنوان (الحركة هناك)، مشيراً إلى أننا نعيش في زمن فائق السرعة حتى أن المقاييس القديمة للحكم على السرعة أو البطء للمجتمعات لم تعد قادرة على القياس، ومع ذلك ما زالت الحركة هي سيدة القياس.

فالحركة من أهم مقوّمات الحياة، فالمجتمعات تشكّل تنوعاً بشرياً يخضع لتلك الحركية، فالمجتمعات الثابتة لا يمكن لها التناغم مع المعطيات المستحدثة، كون الثبات هو السكون، وفي تلك الحركة الدائبة لا يمكن لأي جزء من أجزائها أن يكون ثابتاً متخلفاً عن الحركة العامة، فكل مكوّنات تلك المجتمعات تكتسب حركية الحياة ذاتها بحيث تتناغم مع السرعة الواجب إحداثها تشكّلاً مع المتغيّرات الدافعة للسير للأمام، وأي تلكؤ -لأي مجتمع- أو تقاعس يؤثر تأثيراً سلبياً في وجوده بين المجتمعات المتحركة.

طرأ في البال جدلية الثابت والمتحرك وأنا أتابع لقاءً مع مسؤول ثقافي عربي يتحدث عن الثوابت الثقافية التي تعتبر حجر الزاوية في قرارات المنشأة التي يترأسها، وأن تلك الثوابت لا مندوح عن الافتراق عنها قيد أنملة، وطال حديثه عن تلك الثوابت التي تجاوزها الزمن والواقع بمعطيات حياتية وثقافية متجدّدة تسخر من تلك الثوابت.

الزمن يغيّر ثوابته، ممكن أن تظل تلك الثوابت القديمة محفوظة في الكتب، أو في الذكريات إلا أن سرعة المتغيّر سيمحو الكثير منها؛ ولذا صدقت مقولة علي بن أبي طالب (ربوا أولادكم لزمن غير زمنكم) - المقولة ليست نصية وإنما تعني ذلك المعنى.

ومن لم يُربَّ لأزمنة لم تمر بآبائه وأجداده، سيكون الآن في تيه.

وفي اعتقادي أن حركيّة الزمن لا تبقي أي شأن من شؤون الحياة في حالة ثبات مطلقاً، فكل مكوّناتها تتحرك دفعة واحدة، فالثوابت تعني الموات لمن يتمسك بها، ومن يريد السير مع حركيّة الحياة عليه تجديد ثوابته، ففي كل فترة زمنية هناك ثابت قابل للتغيّر بما يتناسب مع حركيّة الواقع، فالمعطيات المستحدثة تغيّر أصل كل ثابت، فليس هناك ثوابت تظل جامدة لمئات أو عشرات السنوات، بل يوجد لكل منحى حركة تتلاءم مع واقعها، وهذا لا يعني الاستلاب أو الابتزاز وإنما يعني أن جوهر ما تؤمن به لديه طاقة متجدّدة قادرة على البقاء والنمو عبر كل التشكيلات الزمنية.

فالهوية الثقافية أو الدينية ما لم تكن قادرة على الانتقال عبر الزمن، ستكون في المؤخرة مهما ادعينا تناسب تلك الثوابت مع المتغيّرات المتلاحقة التي تحدثها حركية الحياة.

ومن يتابع الحركية الفائقة للمملكة يرى أنها قطعت مسافات شاسعة من النمو في جميع المجالات بعكس عمّا كانت عليه، فالقرارات السيادية التي اتخذها الأمير محمد بن سلمان أدّت إلى الانفكاك من الثبات صوب الحركة الفاعلة ذات التصاعد؛ لأن كل نجاح يؤدي إلى نجاح. ونحن- ولله الحمد- نتقدّم بالفعل الحركي الحادث، الذي يستهدف بلوغ المستقبل بأفضل النتائج.

منذ يومين

علَّ أحدهم يأتي

ليس هناك أيّ رثاء يمكن له أن يكون محيطاً لما تشعر به.. وسعيد السريحي محيطٌ لا تحتويه المفردات.

سعيد لا يموت في داخلي، ولا أستطيع استيعاب فقده حتى أنني لم أحضر دفنه؛ لكي لا أتأكد أنه رُدِم تحت التراب.. أحبتي الأموات أحياء في حياتي، أبقيهم كما هم، مع التطعيم بقناعة أنهم على سفر، وأزور حساباتهم في مواقع التواصل، علَّ أحدهم يفيق من سفره، بعد أن ينفض التراب عن جبينه، بحثاً عن ماء يتخلص به من وعثاء السفر، كل من سافر من أحبتي لم يعد، وأظلّ في انتظاره على أرصفة العائدين، أمي الوحيدة التي تزورني للاطمئنان على وفائي لها بالبقاء محبّاً، كاشفة الدمغة التي أوسمتني بها ذات طفولة:

- الحياة حبٌّ، فلا تعش من غيره وتغادر أحلامي، بعد أن تشير للطريق الذي عليّ أن أسلكه ذات يوم؛ لكي التقي بكل أحبتي.

- أكان علينا شق غمام الغياب؟ كل سفر حبيبٍ أوسع معه مساحة الأرصفة التي أفترشها، وتلويحة الوداع لا أظهرها علّه يأتي من بعد غياب فاحتضنه كما لم أفعل ذات يوم.. كل الراحلين يجتمعون في نقطة وحيدة، وكل وقت، وأنا أحلم بإزاحة ستار البرزخ، لأقول لهم:

- طال الغياب، فجئتكم. ربما تفرح أمي بتلك الزيارة، أمي التي حملتني تسعة أشهر، سأطالبها بأن تعيدني جنيناً في بطنها.. نحن لا نستطيع أن نعيش من غير رحم يحمينا من كبد الدنيا.. وأنا منذ زمن طويل أبحث عن رحم ينجيني من بكاء الفقد، فقدت أحياء كثيرين، وأمواتاً كثيرين، وليس هناك من ملجأ إلا الانتظار على أرصفة المودعين علَّ أحدهم يأتي.

00:05 | 16-02-2026

كيف يمكن إيقاف التهام الضفة؟

ما يحدث من التهام للأراضي الفلسطينية اليوم هو نتاج لطوفان القدس، ذلك الطوفان الذي أغرق القضية، ودمّر الأرض، وقضى على البشر، وأدّى إلى تغيّرات جذرية في النظام العالمي، ومكّن إسرائيل من فعل ما لم يُفعل عبر سنوات احتلالها الطويلة، الآن لا يفيد البكاء على اللبن المسكوب، ولا يفيد لوم حماس التي كُلّما تلقت لوماً أمعنت في اتخاذ القرارات الخاطئة، وبعد كل فعل عشوائي تتخذه يكون رضوخها لشروط إسرائيل مذلاً، وهذا أمر طبيعي، فالضعيف يسحق إن لم يكن ملمّاً بظرفه، وظرف عدوه..


سنتان ونصف دُمّر كل شيء في غزة، ولم يعد هناك إلا مُسمّاها الذي ربما يتغيّر من إدارتها الجديدة. والآن تحاول إسرائيل التهام الضفة الغربية، متعمّدة القضاء على فكرة الدولتين،وهو ما استنكرته الدول الثماني العربية والإسلامية.. وها هي شعوب العالم تخرج مندّدة، وقبلها دول عديدة.


7 أكتوبر كانت القشة التي قسمت ظهر البعير، فماذا تبقى من مقاومة تدّعيها حماس؟


طوفان الأقصى ارتد ارتداداً عكسياً على القضية، وعلى النظام العالمي، وأبشع نتيجة تقويض النظام العالمي، وفتح ملعب (كل مين إيده إلو).


الأيام تتسارع، وإسرائيل تتمادى في البطش، واحتلال ما لا يُحتل، هذا القول ليس استسلاماً، وإنما بحث عن فكرة توقف هذا العبث.

00:09 | 10-02-2026

نسخة إعلامية غير مسبوقة

منتدى إعلامى غدا الوصف دليلاً عن جماله.من أين؟ علينا البدء في ذكر جمال المنتدى السعودي للإعلام؟

أحياناً يبهرك الجمال فلا تجد مفردات تسعفك لإظهار تلك الصفة أو الصفات التي تميز بها المنتدى.

حقا، كان مبهراً، ففي هذه النسخة (٢٠٢٦) سجل المنتدى إنجازاً عالمياً، وقد وصُف إعلامياً بأنه غير مسبوق بدخوله إلى موسوعة (غينيس) للأرقام القياسية كأكبر حدث إعلامي في العالم من حيث عدد الحضور، وإن أردت الاستدراك على هذا الخبر لا بد من إضافة ليس عدداً، فالحضور ليس رقماً بل كيفية الحضور، وعمقهم الإعلامي، وإدراكهم بما يقتضيه الإعلام فعله، الآن، ومستقبلاً، فقد حضرت طاقات إعلامية عالمية، أحدثت تفاعلاً.. حضوراً ومناقشة، وبث آراء، وإجابات أو حلول لما يعترض تدفق الرسالة الإعلامية.

والمملكة في تنشيط دورها العالمي قد وضعت الإعلام محوراً رئيساً في حركتها الراهنة والمستقبلية، فإذا كان شعار العولمة يرتكز على ثلاثة محاور: (الإعلام والثقافة والاقتصاد)، فسوف نجد أن بلادنا نشطت نشاطاً فاعلاً في هذه الركائز، نشاطاً أثمر نجاحات فذة في تلك الجوانب.

والإعلام لدينا اتسعت رئته في صناعة المحتويات المترامية الأطراف، وكل فرع من فروع الإعلام تمت تقويته بالطاقات البشرية الواعية بكل ما يدور في العالم من أحداث، ومعوقات كإحاطة وإلمام بما يجب على إعلامنا سلوكه كطريق موصل للنجاح.

23:30 | 7-02-2026

كيف تنظر إلى نفسك من الخارج..؟

بدءاً يمكن الإشارة عن الأثر الذي يترك بصمة في منطقة مكة المكرمة، وهي إشارة أرى أنها جاذبة، ففي المحافظات والقرى، لا تدخل التنمية بضجيج المدن، ولا تُعلن عن نفسها بخطابات عالية النبرة، بل تأتي هادئة، تمشي على مهل، وتبقى طويلًا قبل أن يُلتفت إليها، هناك، حيث التفاصيل الصغيرة تصنع الفرق، وحيث الأثر الحقيقي يُقاس بما يبقى لا بما يُقال.

من هذا المعنى، بدا المنتدى الثاني لجمعيات محافظات وقرى منطقة مكة المكرمة أشبه بلحظة وعي جماعية، توقّف فيها العمل الخيري أمام مرآته، لا ليسأل عن نُبل المقصد، فذلك محسوم، بل عن جودة الأثر، وعمق ما يُترك بعد انقضاء المبادرات.

في جدة، اجتمعت الجمعيات القروية؛ لتطرح السؤال الأصعب: ماذا نترك بعد أن ننتهي؟ أثراً يُبنى عليه، أم ذكرى سرعان ما تخفت؟ هنا تحديداً، خرج العمل غير الربحي من خانة الواجب الأخلاقي وحده، إلى مساحة أوسع، كمسؤولية وطنية، وركن من أركان التنمية المستدامة.

لم يعد النجاح يُقاس بعدد المبادرات، ولا حتى بحجم الإنفاق، بل بقدرته على أن يُترجم إلى مؤشرات واضحة، وأثر يمكن تتبعه وتطويره، وحين تتحدث المؤشرات الوطنية عن مليارات الريالات، ومئات آلاف من المتطوعين والمتطوعات، يُصبح السؤال الجوهري: كيف نعرف أننا نفعل الصحيح؟

في هذا السياق، جاء الحديث عن مؤشرات الأداء، والعائد الاجتماعي على الاستثمار، ونظرية التغيير، كلغة جديدة للعمل الخيري؛ لغة يفهمها المجتمع، ويطمئن إليها الداعم، ويعتمد عليها صانع القرار، لغة تنقل العمل إلى فضاء المنهج والمعرفة.

الورش والجلسات التي احتضنها المنتدى، كانت أشبه بمحاولات جادة لتعليم الجمعيات كيف تنظر إلى نفسها من الخارج، كيف تروي قصتها دون مبالغة، وكيف تقيس أثرها دون خوف، وكشفت عن قصص نجاح قروية صادقة، تقول إن هذا الطريق ممكن، وإن الأثر القابل للقياس ليس حكراً على المدن الكبرى، بل يمكن أن يولد من قلب القرى.

وفي امتداد هذا التفكير، صاغ المنتدى توصياته، وطرح فكرة منصة وطنية لقياس الأثر، وبنى جسور شراكة مع الجامعات ومراكز البحث، وكأن المعرفة قرّرت أخيراً أن تغادر القاعات المغلقة، وتمشي في طرق القرى، وتبقى مع أهلها، وتستمع لتجاربهم.

الرسالة كانت واضحة، وإن قيلت بهدوء: العمل غير الربحي لم يعد هامشاً في دفتر التنمية، بل أصبح سطراً أساسياً فيه، فهو قطاع منظم، وقادر على أن يكون شريكاً حقيقياً في بناء الاقتصاد والمجتمع.

المنتدى الثاني لجمعيات محافظات وقرى منطقة مكة المكرمة، في جوهره، كان أشبه بإعلان عمّا يجب أن يكون؛ في صورة انتقال إلى الأثر المستدام، والمبادرات المنهجية المؤسسية، والقدرة على حمايته واستدامته.

ربما هذا هو المعنى الأعمق لما جرى في جدة، أن تتعلم الجمعيات الخيرية كيف تُحصي خطواتها، لتترك أثراً لا يزول بانتهاء الفعل، بل يبقى شاهداً على تنمية تعرف طريقها، وتدرك مسؤوليتها.

00:02 | 29-01-2026

عواصم العالم وموسيقانا الجاذبة

الفنون الموسيقية هي حاملة للإرث الموسيقي، والهوية الثقافية الوطنية بين الأجيال المتتابعة، كما تعدّ مصدراً اقتصادياً مهماً مع انتشارها وترسّخها في المحافل الدولية.

وخلال السنوات المتأخرة حظيت موسيقانا بالاهتمام الرسمي والشعبي، وقد سبق أن كتبت مقالاً بعنوان (فنوننا تصدح عالمياً) مفتوحاً ذلك المقال بسؤال (هل وصل إلى أسماعكم ما تحدثه موسيقانا من وجد وولع في العالم؟).

وكان سؤالاً تحفيزياً لمتابعة ما يحدث في العالم من قوى ناعمة تصدرها بلادنا كوجود إنساني موغل في الزمن، والإيغال مقترن بوجود الإنسان زمنياً ومكانياً.. وآخر حضور لفنوننا الموسيقية هو ما حدث في مدن العالم، فقد تنوّعت الاحتفالات العديدة على مستوى العواصم العالمية..

نعم، جاء زمن لم تكن لدينا فرقة موسيقية تستطيع المراهنة على أدائها في المحافل الدولية، نعم كان لدينا فنانون رائعون إلا أن الظرف الاجتماعي قلَّص اندماجهم في المشاركة الجادة، ذلك التجمّد الاجتماعي سحب اهتمام مبدعين كثر من مواصلة الإبداع الخاص بهم، ففضلوا الابتعاد عن (وجع الرأس) الذي يأتي من قبل بعض أفراد المجتمع لوماً وتحريماً لمن يشارك غناء أو موسيقى. هذا الموقف الاجتماعي أدّى إلى ضياع كثير من المواهب، وتبقى القلة كمحافظين على الإرث الغنائي مع الإسهام في تطويره.. ومع ظهور هيئة الثقافة واهتمامها بهذا الجانب، مكّنتنا من إظهار تفاخرنا بوجود الأوركسترا والكورال الوطني السعودي من خلال فرقة موسيقية وطنية.

هذه الفرقة تجوب عواصم العالم وتحصد الإعجاب بما تقدّم من إرثنا الغنائي والموسيقي والأدائي.

وقد دأب المسؤولون على اجتماع هيئتَي الموسيقى والمسرح والفنون الأدائية على تقديم الإرث الحقيقي من تراثنا الغنائي جنباً إلى جنب.. ولكون الموسيقى إرثاً إنسانياً تخاطب الوجدان، وحضورها في أي مكان هو تأكيد على اللغة الموحّدة بين شعوب العالم، تلك اللغة التي يستوعبها الإنسان في أي جهة كانت، فشاركت هذه الموسيقى السعودية في باريس، والمكسيك، ونيويورك، وآخر ظهور فاخر لهذه الهيئة الموسيقية ما حدث في مدينة (سيدني) بأستراليا..

وحضورنا في أي مسرح غنائي ندمج بين فنانينا وفناني البلد المضيف لأداء ألحاننا المحلية، ولذا شارك كبار الموسيقيين العالميين في عزف الفنون السعودية كالمجرور والخبيتي والسامري والمزمار، ودمج العازفين السعوديين مع عازفي البلد المستضيف لخلق تناغم موسيقي إنساني رائع.

هذا المجهود الموسيقي الكبير بحاجة إلى الإشادة لفنانينا المشاركين في كل محفل وإبراز طاقتهم من خلال إعلام يواكب ما يحدثها ويقدّمه فنانونا الشباب من روائع فنية جدير بها أن تتصدّر وسائل الإعلام المحلية على الأقل.. ومن الأمور التي يستوجب على الإعلام فعلها تقديم أولئك الفنانين في برامج فنية كإشادة لما يتم تقديمه على المسارح العالمية.

وما تشاهده العين تعجز الكتابة من تجسيد ما كان حادثاً على المسرح، عشرات الشباب والشابات في تناغم موسيقي أخّاذ يسلب الدهشة والفرحة معاً.

23:55 | 26-01-2026

حين تتشرّف الجائزة بفاروق حسني

معالي المستشار تركي آل الشيخ أحدث طفرة في الاحتفاء برموز الوطن العربي على جميع المستويات والفنون.


وبقيادته (ومن خلال هيئة الترفيه) أقيمت حفلات تكريم لعديد من الرموز العربية، والعالمية، والملاحظ أن الهيئة اتخذت من شعار الوفاء عنواناً لتكريم الرموز العربية، وهو الوفاء الذي سنّته المملكة لكل من خدم الثقافة والفنون العربية، وبالأمس تم تكريم وزير الثقافة المصري فاروق حسني، هذا الرمز العربي الفنان والذي تولى وزارة الثقافة المصرية (1987-2011).


وقد حدثت في زمنه أعمال كثيرة ذات عمق ثقافي وعمراني، وهو الوزير الفنان الذي تشعر من خطواته الثقة والفخامة خطوات استقراطية اتسم صاحبها بالهدوء المتزن، ومع ذلك الاحتفاء الذي حدث بالأمس تذكرنا زمن الثقافة المصرية في عهد الوزير فاروق حسني، زمن كان التشدّد يسير حثيثا في عداء حاد مع كل الفنون، تذكرنا حرق رواية (وليمة لأعشاب البحر) لحيدر حيدر، والمظاهرات التي فارت على سمعة تلك الرواية، وتذكرنا محاولة اغتيال الروائي النوبلي نجيب محفوظ، وتذكرنا أن الوزير فاروق حسني اعتبر الثقافة مشروعاً وطنياً يستوجب نهوض كل المؤسسات في ترسيخ الثقافة كحالة إلزامية لمواجهة التطرف الديني، وتذكرنا معركة اليونسكو التي أخفت أسرار سياسية كانت تقف في طريق ترؤسه لذلك المنصب... تذكرنا الأيام الخوالي بين الصعود والهبوط على سلالم الثقافة، تذكرنا المنطلقات والانعطافات، وتذكرنا جمال الفنون وانحصارها.


البارحة كان احتفالاً للجمال بصانع الجمال.. وقد منح معالي المستشار تركي آل الشيخ الاحتفاء (أبهة) بذلك الرمز العربي، واصفاً المحتفى به بجملة عميقة المعنى والأثر حين قال: (رجل عظيم من بلد عظيم)، كما أن تقبيل الرأس تقديرا يفوق الجائزة رفعة وإجلالا.


وفعلاً الأشخاص هم من تسعد بهم الجوائز، وليس العكس، وهذا ما قاله معالي المستشار:


«الجائزة تتشرف بك».

00:00 | 21-01-2026

الكلمات تلد نفسها يومياً

لا يزال في النفس ترجح بين مقولات عديدة إلا أن الزمن يثبت أن المقولات المتداولة تظهر وتختفي وفق ظروف اجتماعية أثرت فيها حالات بعينها، ولأني ما زلت على يقين بأن كل إنسان لديه فكرة ما يسير عليها من غير تمحيص، وقد كتب مقالاً سابقاً بعنوان (في حنايا النفس زوايا أرحب)، وهو مقال رديف لمقالة أخرى بعنوان (سقوط السقوط)، والكتابات في الغالب لا تصمد زمناً طويلاً خاصة الكتابة الصحفية، فهي كتابة استهلاكية، تظهر وتختفي وفق ما يمور في المجتمعات، ولأن الواقع متغيّر تستجيب المقالة الصحفية لانجرار مع المتغيّرات اليومية، وليس هناك مقال صحفي استطاع الصمود لسنة أو سنتين خاصة إن كان تعليقاً على حدث سيّار.. لننتقل خطوة لتغيّر الموقع في هذا المقال.

كان الفلاسفة (عبر الأزمان) يعتبرون العامة هم من انتهج الفكر البسيط مكونين مكنة أو مضخة لنقل الأحاديث الرخوة من غير تمحيص، وعادة يكونون وسيطاً جيداً لنقل الاتهامات والشائعات، وهذا الاعتبار تم بناؤه على ما يجده الفلاسفة من تنكيل إزاء أفكارهم، حين يتم الاستناد على العامة في محاربة أي فكرة فلسفية تناقض أو تناهض السائد.

وفي العصور الماضية تمّت محاربة الفلاسفة أو أصحاب الفكر النيّر وتم اتهامهم بأنهم زنادقة مبتدعون وأصحاب رؤى فسادة، هذه التهم تحرص العامة على نقلها والتواصي بنبذ فكرة مستحدثة أو عالم قدم مخترعاً يحيل المجرد إلى مشخص، أو مفكر وقف مناهضاً لأفكار قديمة، وفعلياً تقوم فئة (السمعية) أو الناقلون سمعاً ببذر ما يسمعون على زوايا الأرض ولا يعنيهم فحص ما يسمعونه أو يقولونه سواء أكان حسناً أم رديئاً.

وإزاء أو اعتبار أن أصحاب الرأي السديد هم من يضعون قواعد الراجح والأرجح وقد جرت العادة اعتبار العامة هم الداء، وأطلقوا مفردات عدة لهؤلاء العامة: الغوغاء، والرعاع، وسقط القوم، ولم يستكن الناس، بل نهضوا، وهمهم تبادل القذف بالمفردات مع المفكرين.

فقال العامة أن المفكرين ما هم الا أناس خارج التوقيت، وليس لهم من شيء سوى دلق الكلمات.. دلق كلمات لا تفهم.. هنا يصبح الحكمان ساقطين كون كل منهما اتخذ من التعميم سبيلاً، والتعميم غالباً يجافي الحقيقة.

وفي زمن متأخر ظهرت مفردة النخبة وتعني أصحاب الرأي السديد من فلاسفة ومفكرين، ومثقفين، وأدباء، ومفردة النخبة كان ظهورها ملتصقاً بمجموعة صغيرة من الأشخاص المسيطرين على الحياة الاجتماعية لهم المقدرة الفاعلة في التأثر ولديهم قدرة التغيير أكثر من غيرهم.

وحدث أيضاً استلال هذه المفردة (النخبة) من أصحابها والتصق بها الكتّاب والمفكرون واعتبار بقية الشعب عامة (استحياء من القول إنهم غوغائيون)، وكذلك تم (تقسيم مفردة النخبة، فيقال: النخبة السياسية والنخبة اقتصادية والنخبة الاجتماعية...)

وهذه النعرات الثقافية ليست وليدة الحاضر، بل هي متجددة وفق العصر وأحداثه والأفكار التي تنتجها عقول الحكماء أو الفلاسفة الذين لا يظهرون في الصورة وإنما في مقدمة البرواز.

وعندما كتب غوستاف لوبون عالم النفس الجماعي الفرنسي (7 مايو 1841 - 13 ديسمبر 1931) كتابه ( سيكولوجية الجماهير) نقله إلى العربية المفكر هاشم صالح.

فهذا الكتاب يعتبره الدارسون هو الركيزة الرئيسة للحكم على الشعوب أو الجماهير كتصنيف معترف به خاصة بعد ظهور علم النفس الاجتماعي.. ومن البديهي أن (لوبون) حكم على زمنه بظروف ذلك الزمن ولا يمكن اعتبار السيكولوجية النفسية للجماهير نفسية ثابتة، فالمتغيّرات مهولة وأدوات الزمن طرأ عليها تغيرات جوهرية، فالناس الآن يعيشون في غرفة واحدة، فهل هذا يعني توحيد آراء العامة؟ بالضرورة لا. إلا أن أهم ما يميّز الوقت الراهن في زمن مواقع التواصل الاجتماعي أنها اسقطت مفردة النخب، فهل انتصر العامة على تلك العقول التي تعتبر نفسها مسيرة للمجتمعات؟

وعودة للبدء، المقالة الصحفية لا تصمد طويلاً، وإزاء السؤال الأخير أجد من الجسارة القول إن العامة لا يستطيعون تسيير مركبة فضائية من خلال خطام الجمل..

وما زالت في حنايا النفس أقوال تحتاج الى مساحة أرحب.

23:45 | 19-01-2026

أبنائي في فجاج الأرض

هل الدنيا صغيرة؟

هذه الرؤية المجازية نرددها غالباً حينما نلتقي بأشخاص فرّقت بيننا الأيام..

درستُ مئات الطلاب في المرحلة الابتدائية، الذين تجاوزوا مراحل الطفولة ووصل كل منهم إلى مبتغاه، وفي مواقع عديدة أرى أولادي بعضهم غيرت الأيام ملامحهم، وبعضهم لا زالت صور وجوههم حاضرة في ذهني، فقط تحتاج إلى نبش الذاكرة، غالباً أتذكر اسم طالبي، وموقعه في الفصل، ومستواه التعليمي، وبعضهم يبادرني بالسلام ويعرّفني بنفسه.. لدي أبناء في مواقع وظيفية مرموقة، ومتوسطة، ومجهدة، أفرح بهم جميعاً، اليوم تلقيت اتصالاً من أحد أبنائي، اتصالاً أحدث في داخلي تموّجات من فرح.. كان الاتصال من ألمانيا، ودعوة لحضور معرض برلين القادم.. أبديت موافقتي من غير الوقوف على اسم راسل الدعوة، فإذا بالداعي يتصل لتأكيد حضوري، صدمت حين قال: أنا تلميذك في مدرسة الخوارزمي..

الخوارزمي هذه مدرسة كانت حديقتي، أبذر فيها حباً وعلماً لأطفال عيونهم معلقة في المستقبل، ليس هناك شيء سوى ترتيب مناهج الدراسة، والشرح، والالتزام بالواجب، والانتقال بين سنوات مراحل التعليم، نجح جميع طلابي، وبقيت في المنهج لم أبرح صفحاته.

سنوات طويلة تقاطر فيها مئات الطلاب أمامي، وأنا أجيز عبورهم: لا علاقة بيننا إلا أستاذ وتلميذ، المعلمون جسر تعبره أجساد غضة، هم يحلمون بالغد، وأنت تحلم بإحصاء طابور القادمين إليك، (سنة وراها سنة)، سنين تخطوها داخل مبنى المدرسة، يتناصف عمرك، وكل سنة تدفعك إلى بوابتها الخارجية، ويوم ما تجد نفسك خارج الأسوار متقاعداً، كل من عشت وعاشوا معك، ارتحلوا إلى مواقع حياتية تمثل سعادتهم الآن، أبنائي عبروا الأيام، وكل واحد منهم اتخذ موقعاً حياتياً وصل إليه بجهده.. أفرح كثيراً حين التقي بأحد أبنائي ناجحاً في مسيرته العملية، التقيت بالعشرات، وفي ذلك الالتقاء أفتش في ذاكرتي لكي أتذكر هذا الابن أو ذاك، ونظل في بهجة لتذكر تلك الأيام، بهجة طفولته، وبهجتي في أن ثماري أينعت. رؤيتي لأبنائي في مواقعهم الحياتية يمنحني الرضا عن مشواري التعليمي.. التقيت بكثير منهم، إلا أن التقائي بالابن محمد عثمان كان لقاء هز مشاعري كثيراً.. الالتقاء كان عبر مكالمة سبقتها رسالة، كانت الرسالة دعوة لحضور معرض برلين للكتاب، برلين وحكى لي محمد بأنه ارتحل إلى ألمانيا من سنوات خوالٍ واستقر هناك، وأصبح الآن مديراً للفعاليات في الديوان - البيت الثقافي العربي في برلين، ومنحه جده ومثابرته لأن يصبح مترجماً للكتب الألمانية إلى اللغة العربية.

فأي فرحة حين تجد أبناءك متناثرين في الأرض كنبتة أثمرت، وأخذت موقعا لتعليم القادمين من فجاج الأرض.

00:00 | 13-01-2026

الدراما لها مخاتلة عودة الزمن !

كل منا يجد نفسه محاطاً بأقاويل معادة، ولا يمكن للمرء (منفرداً) طمس أو محو ما يقال أو يتردد كحقيقة مطلقة، ومن تلك الأقاويل (التاريخ يعيد نفسه) حينما تتطابق الأحداث وتقترب من إعادة حدث ماضوي بعينه، وهي مقولة تتناسخ وفق نوعية تلك العودة، وحين نرددها نحن -كأفراد- فهذا يعني تطابق الحدث في عودته مع أمانينا لما كنا عليه من أنس في زمن الحدث نفسه.. وسبق أن كتبت بأن الزمن لا يعاد بتاتاً. ومن غير هذه المقدمة الباحثة عن فلسفة مقولة (التاريخ يعيد نفسه) ثمة أحداث ترفع ستارة الماضي وتمكنك من مشاهدة ما تحب، مثلها مثل الذكريات التي تمكنك من استعادة الماضي ليس بحذافيره وإنما الاقتراب مما كانت عليه اللحظة.


ونحن لا نستوعب أن الاستعادة هو حكم شخصي، فالأحداث التي مرت بك يمكن استعارة مقولة (التاريخ يعيد نفسه)، ويسقط هذا الادعاء عندما تطبق المقولة على حدث لم تعشه، أو قرأته، أو سمعت به، إذ إن المقروء أو المسموع قد يحمل في طياته أحداثاً تم حذفها أو تغييرها أو أُضيفت عليها زوائد أخرى.. ويصبح ترديدك أن التاريخ يعيد نفسه حكماً متسرعاً،


يضلل من يواجه الحدث الآني بأن تاريخ أمته قد مر بنفس الحدث، وهذا قول مثبط، وقد يكون استسلاماً لحالات السقوط المتتابع.. فكل حدث وليد ظروف قد تتشابه مع الماضي إلا أن ظرف الآن ليس هو الظرف الماضوي، وفي هذه الحالة يمكن القول إن المسببات لا تزال تتكرر بينما الحدث ليس هو، وإنما تراكمية الأحداث هي التي تجعلنا نتصور أن التاريخ يعيد نفسه.


وفي اعتقادي أن الزمن لا يعيد نفسه مطلقاً، لا يعيد نفسه كما حدث سابقاً، فكل لحظة زمنية هي بصمة جديدة لم يسبق أن تطابقت حرفياً بما سبقها أو لحق بها.. وعلينا التمحيص في ما نقرأ أو نشاهد عن فترات زمنية سابقة..


وحين ترغب السينما أو الدراما استرجاع الأحداث الماضوية، فهناك مؤثرات قوية تبعد الحدث الأم، واستبداله بأحداث مختلقة أو محسنة أو مشوهة، كما أن وسيلة الدراما وسيلة ترفيهية لا تُعنى بالتصويب أو المراجعة، فهي معنية بخلق عوالم بصرية جاذبة بغض النظر عن صحة ما يتم عرضه... كما أن الكتابة التاريخية سجن لا تمكن الكاتب من حرية الانطلاق، فالمخيلة الإبداعية تتعطل إن أراد السير على أحداث المكتوب عن الحدث تاريخياً.. ولذلك يستحسن ذكر أن المقدم للجمهور ليس بواقعية التاريخ ذاته وإنما تم دمج التاريخ بالمتخيل.. والجميل أن تقدم السينما أحداثاً تاريخية بها جمال المتخيل، والأجمل أن يستوعب المشاهد أنه في رحلة متعة بصرية وليس في درس تاريخي يحفظه كما شاهده..

00:04 | 23-12-2025