أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/238.jpg?v=1768301522&w=220&q=100&f=webp

عبده خال

حين تتشرّف الجائزة بفاروق حسني

معالي المستشار تركي آل الشيخ أحدث طفرة في الاحتفاء برموز الوطن العربي على جميع المستويات والفنون.


وبقيادته (ومن خلال هيئة الترفيه) أقيمت حفلات تكريم لعديد من الرموز العربية، والعالمية، والملاحظ أن الهيئة اتخذت من شعار الوفاء عنواناً لتكريم الرموز العربية، وهو الوفاء الذي سنّته المملكة لكل من خدم الثقافة والفنون العربية، وبالأمس تم تكريم وزير الثقافة المصري فاروق حسني، هذا الرمز العربي الفنان والذي تولى وزارة الثقافة المصرية (1987-2011).


وقد حدثت في زمنه أعمال كثيرة ذات عمق ثقافي وعمراني، وهو الوزير الفنان الذي تشعر من خطواته الثقة والفخامة خطوات استقراطية اتسم صاحبها بالهدوء المتزن، ومع ذلك الاحتفاء الذي حدث بالأمس تذكرنا زمن الثقافة المصرية في عهد الوزير فاروق حسني، زمن كان التشدّد يسير حثيثا في عداء حاد مع كل الفنون، تذكرنا حرق رواية (وليمة لأعشاب البحر) لحيدر حيدر، والمظاهرات التي فارت على سمعة تلك الرواية، وتذكرنا محاولة اغتيال الروائي النوبلي نجيب محفوظ، وتذكرنا أن الوزير فاروق حسني اعتبر الثقافة مشروعاً وطنياً يستوجب نهوض كل المؤسسات في ترسيخ الثقافة كحالة إلزامية لمواجهة التطرف الديني، وتذكرنا معركة اليونسكو التي أخفت أسرار سياسية كانت تقف في طريق ترؤسه لذلك المنصب... تذكرنا الأيام الخوالي بين الصعود والهبوط على سلالم الثقافة، تذكرنا المنطلقات والانعطافات، وتذكرنا جمال الفنون وانحصارها.


البارحة كان احتفالاً للجمال بصانع الجمال.. وقد منح معالي المستشار تركي آل الشيخ الاحتفاء (أبهة) بذلك الرمز العربي، واصفاً المحتفى به بجملة عميقة المعنى والأثر حين قال: (رجل عظيم من بلد عظيم)، كما أن تقبيل الرأس تقديرا يفوق الجائزة رفعة وإجلالا.


وفعلاً الأشخاص هم من تسعد بهم الجوائز، وليس العكس، وهذا ما قاله معالي المستشار:


«الجائزة تتشرف بك».

00:00 | 21-01-2026

الكلمات تلد نفسها يومياً

لا يزال في النفس ترجح بين مقولات عديدة إلا أن الزمن يثبت أن المقولات المتداولة تظهر وتختفي وفق ظروف اجتماعية أثرت فيها حالات بعينها، ولأني ما زلت على يقين بأن كل إنسان لديه فكرة ما يسير عليها من غير تمحيص، وقد كتب مقالاً سابقاً بعنوان (في حنايا النفس زوايا أرحب)، وهو مقال رديف لمقالة أخرى بعنوان (سقوط السقوط)، والكتابات في الغالب لا تصمد زمناً طويلاً خاصة الكتابة الصحفية، فهي كتابة استهلاكية، تظهر وتختفي وفق ما يمور في المجتمعات، ولأن الواقع متغيّر تستجيب المقالة الصحفية لانجرار مع المتغيّرات اليومية، وليس هناك مقال صحفي استطاع الصمود لسنة أو سنتين خاصة إن كان تعليقاً على حدث سيّار.. لننتقل خطوة لتغيّر الموقع في هذا المقال.

كان الفلاسفة (عبر الأزمان) يعتبرون العامة هم من انتهج الفكر البسيط مكونين مكنة أو مضخة لنقل الأحاديث الرخوة من غير تمحيص، وعادة يكونون وسيطاً جيداً لنقل الاتهامات والشائعات، وهذا الاعتبار تم بناؤه على ما يجده الفلاسفة من تنكيل إزاء أفكارهم، حين يتم الاستناد على العامة في محاربة أي فكرة فلسفية تناقض أو تناهض السائد.

وفي العصور الماضية تمّت محاربة الفلاسفة أو أصحاب الفكر النيّر وتم اتهامهم بأنهم زنادقة مبتدعون وأصحاب رؤى فسادة، هذه التهم تحرص العامة على نقلها والتواصي بنبذ فكرة مستحدثة أو عالم قدم مخترعاً يحيل المجرد إلى مشخص، أو مفكر وقف مناهضاً لأفكار قديمة، وفعلياً تقوم فئة (السمعية) أو الناقلون سمعاً ببذر ما يسمعون على زوايا الأرض ولا يعنيهم فحص ما يسمعونه أو يقولونه سواء أكان حسناً أم رديئاً.

وإزاء أو اعتبار أن أصحاب الرأي السديد هم من يضعون قواعد الراجح والأرجح وقد جرت العادة اعتبار العامة هم الداء، وأطلقوا مفردات عدة لهؤلاء العامة: الغوغاء، والرعاع، وسقط القوم، ولم يستكن الناس، بل نهضوا، وهمهم تبادل القذف بالمفردات مع المفكرين.

فقال العامة أن المفكرين ما هم الا أناس خارج التوقيت، وليس لهم من شيء سوى دلق الكلمات.. دلق كلمات لا تفهم.. هنا يصبح الحكمان ساقطين كون كل منهما اتخذ من التعميم سبيلاً، والتعميم غالباً يجافي الحقيقة.

وفي زمن متأخر ظهرت مفردة النخبة وتعني أصحاب الرأي السديد من فلاسفة ومفكرين، ومثقفين، وأدباء، ومفردة النخبة كان ظهورها ملتصقاً بمجموعة صغيرة من الأشخاص المسيطرين على الحياة الاجتماعية لهم المقدرة الفاعلة في التأثر ولديهم قدرة التغيير أكثر من غيرهم.

وحدث أيضاً استلال هذه المفردة (النخبة) من أصحابها والتصق بها الكتّاب والمفكرون واعتبار بقية الشعب عامة (استحياء من القول إنهم غوغائيون)، وكذلك تم (تقسيم مفردة النخبة، فيقال: النخبة السياسية والنخبة اقتصادية والنخبة الاجتماعية...)

وهذه النعرات الثقافية ليست وليدة الحاضر، بل هي متجددة وفق العصر وأحداثه والأفكار التي تنتجها عقول الحكماء أو الفلاسفة الذين لا يظهرون في الصورة وإنما في مقدمة البرواز.

وعندما كتب غوستاف لوبون عالم النفس الجماعي الفرنسي (7 مايو 1841 - 13 ديسمبر 1931) كتابه ( سيكولوجية الجماهير) نقله إلى العربية المفكر هاشم صالح.

فهذا الكتاب يعتبره الدارسون هو الركيزة الرئيسة للحكم على الشعوب أو الجماهير كتصنيف معترف به خاصة بعد ظهور علم النفس الاجتماعي.. ومن البديهي أن (لوبون) حكم على زمنه بظروف ذلك الزمن ولا يمكن اعتبار السيكولوجية النفسية للجماهير نفسية ثابتة، فالمتغيّرات مهولة وأدوات الزمن طرأ عليها تغيرات جوهرية، فالناس الآن يعيشون في غرفة واحدة، فهل هذا يعني توحيد آراء العامة؟ بالضرورة لا. إلا أن أهم ما يميّز الوقت الراهن في زمن مواقع التواصل الاجتماعي أنها اسقطت مفردة النخب، فهل انتصر العامة على تلك العقول التي تعتبر نفسها مسيرة للمجتمعات؟

وعودة للبدء، المقالة الصحفية لا تصمد طويلاً، وإزاء السؤال الأخير أجد من الجسارة القول إن العامة لا يستطيعون تسيير مركبة فضائية من خلال خطام الجمل..

وما زالت في حنايا النفس أقوال تحتاج الى مساحة أرحب.

23:45 | 19-01-2026

أبنائي في فجاج الأرض

هل الدنيا صغيرة؟

هذه الرؤية المجازية نرددها غالباً حينما نلتقي بأشخاص فرّقت بيننا الأيام..

درستُ مئات الطلاب في المرحلة الابتدائية، الذين تجاوزوا مراحل الطفولة ووصل كل منهم إلى مبتغاه، وفي مواقع عديدة أرى أولادي بعضهم غيرت الأيام ملامحهم، وبعضهم لا زالت صور وجوههم حاضرة في ذهني، فقط تحتاج إلى نبش الذاكرة، غالباً أتذكر اسم طالبي، وموقعه في الفصل، ومستواه التعليمي، وبعضهم يبادرني بالسلام ويعرّفني بنفسه.. لدي أبناء في مواقع وظيفية مرموقة، ومتوسطة، ومجهدة، أفرح بهم جميعاً، اليوم تلقيت اتصالاً من أحد أبنائي، اتصالاً أحدث في داخلي تموّجات من فرح.. كان الاتصال من ألمانيا، ودعوة لحضور معرض برلين القادم.. أبديت موافقتي من غير الوقوف على اسم راسل الدعوة، فإذا بالداعي يتصل لتأكيد حضوري، صدمت حين قال: أنا تلميذك في مدرسة الخوارزمي..

الخوارزمي هذه مدرسة كانت حديقتي، أبذر فيها حباً وعلماً لأطفال عيونهم معلقة في المستقبل، ليس هناك شيء سوى ترتيب مناهج الدراسة، والشرح، والالتزام بالواجب، والانتقال بين سنوات مراحل التعليم، نجح جميع طلابي، وبقيت في المنهج لم أبرح صفحاته.

سنوات طويلة تقاطر فيها مئات الطلاب أمامي، وأنا أجيز عبورهم: لا علاقة بيننا إلا أستاذ وتلميذ، المعلمون جسر تعبره أجساد غضة، هم يحلمون بالغد، وأنت تحلم بإحصاء طابور القادمين إليك، (سنة وراها سنة)، سنين تخطوها داخل مبنى المدرسة، يتناصف عمرك، وكل سنة تدفعك إلى بوابتها الخارجية، ويوم ما تجد نفسك خارج الأسوار متقاعداً، كل من عشت وعاشوا معك، ارتحلوا إلى مواقع حياتية تمثل سعادتهم الآن، أبنائي عبروا الأيام، وكل واحد منهم اتخذ موقعاً حياتياً وصل إليه بجهده.. أفرح كثيراً حين التقي بأحد أبنائي ناجحاً في مسيرته العملية، التقيت بالعشرات، وفي ذلك الالتقاء أفتش في ذاكرتي لكي أتذكر هذا الابن أو ذاك، ونظل في بهجة لتذكر تلك الأيام، بهجة طفولته، وبهجتي في أن ثماري أينعت. رؤيتي لأبنائي في مواقعهم الحياتية يمنحني الرضا عن مشواري التعليمي.. التقيت بكثير منهم، إلا أن التقائي بالابن محمد عثمان كان لقاء هز مشاعري كثيراً.. الالتقاء كان عبر مكالمة سبقتها رسالة، كانت الرسالة دعوة لحضور معرض برلين للكتاب، برلين وحكى لي محمد بأنه ارتحل إلى ألمانيا من سنوات خوالٍ واستقر هناك، وأصبح الآن مديراً للفعاليات في الديوان - البيت الثقافي العربي في برلين، ومنحه جده ومثابرته لأن يصبح مترجماً للكتب الألمانية إلى اللغة العربية.

فأي فرحة حين تجد أبناءك متناثرين في الأرض كنبتة أثمرت، وأخذت موقعا لتعليم القادمين من فجاج الأرض.

00:00 | 13-01-2026

الدراما لها مخاتلة عودة الزمن !

كل منا يجد نفسه محاطاً بأقاويل معادة، ولا يمكن للمرء (منفرداً) طمس أو محو ما يقال أو يتردد كحقيقة مطلقة، ومن تلك الأقاويل (التاريخ يعيد نفسه) حينما تتطابق الأحداث وتقترب من إعادة حدث ماضوي بعينه، وهي مقولة تتناسخ وفق نوعية تلك العودة، وحين نرددها نحن -كأفراد- فهذا يعني تطابق الحدث في عودته مع أمانينا لما كنا عليه من أنس في زمن الحدث نفسه.. وسبق أن كتبت بأن الزمن لا يعاد بتاتاً. ومن غير هذه المقدمة الباحثة عن فلسفة مقولة (التاريخ يعيد نفسه) ثمة أحداث ترفع ستارة الماضي وتمكنك من مشاهدة ما تحب، مثلها مثل الذكريات التي تمكنك من استعادة الماضي ليس بحذافيره وإنما الاقتراب مما كانت عليه اللحظة.


ونحن لا نستوعب أن الاستعادة هو حكم شخصي، فالأحداث التي مرت بك يمكن استعارة مقولة (التاريخ يعيد نفسه)، ويسقط هذا الادعاء عندما تطبق المقولة على حدث لم تعشه، أو قرأته، أو سمعت به، إذ إن المقروء أو المسموع قد يحمل في طياته أحداثاً تم حذفها أو تغييرها أو أُضيفت عليها زوائد أخرى.. ويصبح ترديدك أن التاريخ يعيد نفسه حكماً متسرعاً،


يضلل من يواجه الحدث الآني بأن تاريخ أمته قد مر بنفس الحدث، وهذا قول مثبط، وقد يكون استسلاماً لحالات السقوط المتتابع.. فكل حدث وليد ظروف قد تتشابه مع الماضي إلا أن ظرف الآن ليس هو الظرف الماضوي، وفي هذه الحالة يمكن القول إن المسببات لا تزال تتكرر بينما الحدث ليس هو، وإنما تراكمية الأحداث هي التي تجعلنا نتصور أن التاريخ يعيد نفسه.


وفي اعتقادي أن الزمن لا يعيد نفسه مطلقاً، لا يعيد نفسه كما حدث سابقاً، فكل لحظة زمنية هي بصمة جديدة لم يسبق أن تطابقت حرفياً بما سبقها أو لحق بها.. وعلينا التمحيص في ما نقرأ أو نشاهد عن فترات زمنية سابقة..


وحين ترغب السينما أو الدراما استرجاع الأحداث الماضوية، فهناك مؤثرات قوية تبعد الحدث الأم، واستبداله بأحداث مختلقة أو محسنة أو مشوهة، كما أن وسيلة الدراما وسيلة ترفيهية لا تُعنى بالتصويب أو المراجعة، فهي معنية بخلق عوالم بصرية جاذبة بغض النظر عن صحة ما يتم عرضه... كما أن الكتابة التاريخية سجن لا تمكن الكاتب من حرية الانطلاق، فالمخيلة الإبداعية تتعطل إن أراد السير على أحداث المكتوب عن الحدث تاريخياً.. ولذلك يستحسن ذكر أن المقدم للجمهور ليس بواقعية التاريخ ذاته وإنما تم دمج التاريخ بالمتخيل.. والجميل أن تقدم السينما أحداثاً تاريخية بها جمال المتخيل، والأجمل أن يستوعب المشاهد أنه في رحلة متعة بصرية وليس في درس تاريخي يحفظه كما شاهده..

00:04 | 23-12-2025

خطر الطفولة بين الثقافة الصلبة والسائلة

كنت ضيفاً على جمعية أدب الطفل وثقافته، وانطلقت في حديثي عن مجموعتي القصصية (حكاية المداد) التي كتبتها قبل ثلاثين عاماً، حين كان محور مهرجان الجنادرية عن أدب الطفل، في تلك الأيام كنت مشرفاً على صفحة الطفل بجريدة «عكاظ»، التي كانت تصدر يومياً، بمحررين في سن الطفولة، وهم من يقومون بتوفير المادة الصحفية لصفحتهم، وكان نشاطهم لافتاً حتى أنهم أجروا لقاءً صحفياً مع معالي الوزير محمد أحمد الرشيد (رحمه الله) الذي أصدر قراراً وزارياً لجميع مدارس المملكة بالتعاون مع صفحة الطفل في «عكاظ» (وتلك الصفحة قام محرروها بأعمال صحفية منتقاة وتحتاج إلى كتابة خاصة عن تلك الفترة)، في ذلك الزمن فاتحني الأستاذ عبدالفتاح ابو مدين (رحمه الله) إن كان لدي قصص لنشرها وتقديمها لمحور الطفل في الجنادرية، فكتبت مجموعة (حكاية المداد).. وكان حديثي منصباً على أدب الطفل ومعوقاته من وجهة نظري.. ذاكراً أن الطفولة كنز الأسئلة المجردة، والمخيلة الخصبة التي لا يحدها حد، تلك المخيلة الخصبة تجف مع الدخول إلى التعليم، فكلما كبر طفل يتم تهجين ذاكراته (بما يجب فعله وتفكير فيه) ذاكراً أن التعليم عبودية، والعلم حرية، ولأن الطفل (في العالم العربي) تم تحييد عقله وأسئلته، وتحويله إلى جهاز تسجيل، حتى أن الأدب الذي كتب له كان أدباً توجيهياً وليس محفزاً للأسئلة، كما أن كاتب الطفل مسلوب، فلم يقدم أدباً منطلقاً بل أدب سجين مخيلة كلسية، وكما عجزنا عن تصنيع لعبة أو فلم كرتون تم اختطاف أطفالنا منذ ذلك الزمن من خلال الألعاب وأفلام الكرتون.. ربما كنت حاداً عندما قلت تم اختطاف الطفل سابقاً وآنياً، أنياً بصورة الاتصالات وتقدم التقنية والتي أصبح العالم يتغير يومياً، بحيث تحولت الثقافة إلى مادة سائلة تتفلت كل لحظة بما تخلقه التقنية والبرامج المتغيرة يومياً، والثقافة السائلة تحتاج الى معلمين قادرين على مسايرة الثورات التقنية بمعارفها المستجدة، وهذا يستوجب قلب المثلث، فقد دأب العالم العربي الى إسناد المواد التعليمية لمراحل تعليم أطفالنا إلى معلمين متواضعين في علومهم، وآن الأوان لوزراء التعليم في العالم العربي إسناد تعليم الأطفال إلى الأساتذة الأكاديميين ذوي التخصص في العلوم الطبيعية، هؤلاء هم من يستطيع إنقاذ أطفالنا من الاستلاب المحموم للتقنية وما تصدره من معارف مستحدثة.

هذه خطوة أولى لتصويب ما يحدث للطفل في المدارس التي أصبحت عاجزة بمعلميها عن اللحاق بعجلة الزمن السريعة والمتغيرة في معطيات المعرفة، ويلي ذلك خطوات جبارة، فعلى المعنيين بالطفل تجهيز وإعداد المناخ الجيد لتثمين عقلية ومخيلة الطفل التي لا تحد، فالثقافة الصلبة التي سادت علينا الإسراع بالطفل الى الثقافة السائلة.

23:36 | 20-12-2025

«الأثر المستدام» لا «الضوء المؤقت»

من البدء يمكن كشف الأثر الاتصالي للرياضة، حين تتحول الفعالية إلى رسالة وطنية، فلم يعد النقاش حول الرياضة بوصفها نشاطاً جماهيرياً كافياً لفهم دورها الحقيقي في المرحلة الراهنة، فالحوار الذي دار في أمسية «الأثر الاتصالي من الأحداث الرياضية» التي نظمها مجتمع «وَصْل» كشف بوضوح أن الفعاليات الرياضية باتت إحدى أكثر أدوات الاتصال تأثيراً في تشكيل الصورة الوطنية وبناء الانطباع العالمي عن المملكة.

ما طُرح خلال الجلسة، يؤكد أن المملكة لا تنظر إلى استضافة الأحداث الرياضية بوصفها إنجازاً لحظياً، بل كجزء من إستراتيجية اتصال طويلة المدى، تُحوِّل الحدث من مجرد منافسة رياضية إلى منصة سردية تعكس التحول الاقتصادي، والانفتاح الثقافي، وجودة الحياة، وهو ما يتسق تماماً مع فلسفة رؤية السعودية 2030 التي تراهن على «الأثر المستدام» لا «الضوء المؤقت».

أحد أهم مخرجات الحوار تمثّل في التأكيد على أن الاتصال الرياضي يبدأ قبل صافرة البداية بسنوات، من خلال بناء مراكز إعلامية، وتكامل الرسائل، وتوحيد الخطاب بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص، وهو ما يعكس نضجاً مؤسسياً في إدارة الصورة الوطنية. فنجاح الاستضافة لا يُقاس فقط بسلاسة التنظيم، بل بقدرة الرسالة على الوصول والبقاء في الذاكرة العالمية.

كما برزت تجربة الجمهور بوصفها عنصراً اتصالياً حاسماً، حيث يتحول المشجع والزائر إلى ناقل تلقائي للرسالة، يروي تجربته بلغته ومن زاويته، وهو ما يمنح الاتصال مصداقية أعلى من أي حملة تقليدية. هذه الرؤية تعكس انتقال المملكة من الاتصال الموجَّه إلى الاتصال التشاركي، حيث يصبح المجتمع شريكاً في صناعة الصورة.

وتكشف النقاشات أيضاً أن المشاريع المستقبلية، مثل القدية، لا تُبنى فقط لاستضافة البطولات، بل لتكون واجهات اتصالية دائمة، تمتد آثارها بعد انتهاء الحدث، وتخدم سردية وطنية متكاملة تجمع بين الترفيه، والرياضة، والثقافة، والاقتصاد، في نموذج يعكس طموح المملكة في إعادة تعريف مفهوم المدن الرياضية عالمياً.

في المحصلة، يؤكد هذا الحوار أن الاتصال الرياضي في المملكة دخل مرحلة جديدة، لم يعد فيها السؤال: «كيف ننظم الحدث؟» بل «كيف نحوله إلى أثر؟». ومع تسارع الاستعدادات لاستضافة أحداث عالمية كبرى، فإن التحدي الحقيقي يكمن في الحفاظ على انسجام الرسالة، واستدامة التجربة، وتطوير خطاب اتصالي يعكس روح المملكة كما هي: طموحة، منفتحة، وقادرة على مخاطبة العالم بلغته دون أن تفقد هويتها.

00:02 | 15-12-2025

ارتفع الصرح عالياً   

الرفعة والقوة والسمو، هي صفات كاسية عن كل عيب رغب فيه الشائن الحط ممن يتمتع بتلك الصفات الرفيعة.

وأدبنا ماضياً وحاضراً يعلي تلك الصفات، (فالأعشى قال في تطاول اللئام على الكرام:

كناطحِ صخرةٍ يوماً ليُوهِنَها

‏فلم يَضِرْها، وأوْهى قَرنَه الوَعِلُ. وقال أيضاً الحسين بن حُميد:

يا ناطحَ الجبلِ العالي ليُوهِنَهُ

‏أشفِقْ على الرأسِ، لا تُشفِقْ على الجبلِ. وقيل نثراً: لا يضرُّ السحابَ نبحُ الكلاب، ولن يَضيرَ السماءَ نقيقُ الضفادع.

والبحث عن علو هذه الصفات لن يعجز الباحث عن وجودها في كل الآداب العالمية.

وفي كل يوم يبزغ لنا شأننا بما يتحقق لبلادنا من تطور وإنجاز عالمي، وأن فخرنا بجملة الإنجازات يؤكد على إسراعنا نحو المقدمة بالمواصلة الدائبة لتحديد موقعنا في القمة، ولا يعنينا ما تخرجه الأفواه من بذاءة أو محاولة الحط من إنجازاتنا بترديد: كانوا.. يعنينا تريد: أين أصبحوا..

وحتى وإن كنا، فماهية وجودنا هي نفس الخصال، ماضياً وحاضراً.

والمفاخرة ليست بالماضي وإنما بما أنت عليه الآن، وإن كان لك وجود مشرف ماضوي.

فلتكف الألسن المعوجة عن هذيانها الأعجمي، فنحن نكتب بلسان عربي فصيح مبين.

ولفصحاتنا أدلة مشعة في كل شؤون الحياة، نحن وطن استوطن النجاح، وأدلتنا على ذلك أننا أصبح لنا مقعد عالمي (ضمن دول الـ20).

وزيارة ولي العهد لواشنطن أكدت وسائل العالم أن استقباله كان من أفخم الاستقبالات، وإنجازه لبلاده من أضخم الاتفاقات الدولية التي ستعود للسعودية بنتائج مستقبلية سوف ترفع من مكانة البلاد ارتفاعاً يضاهي الدول الكبيرة إنجازاً ورفعة.

وها هي الأيام، والأحداث تؤكد علو كعبنا في كل المجالات.

فليتركنا كل شائن، وليفاخر بنا كل محب.

فالحياة تحني هامتها لمن رفع بنيانها.

00:10 | 2-12-2025

أدب «الفسيخ»!

اعتبرت الأستاذة الدكتورة نورة القحطاني أننا نعيش في زمن عجائب الكتابة فقد تحول الأدنى إلى مقياس لجودة الكتابة، ضاربةً مثلاً بكاتبة لم تكتب في حياتها إلا عملاً روائياً يتيماً، لم تسلم تلك الرواية من ضعف فني (فضيع)، فتتحول تلك الكاتبة مدربة في ورشة تدريبية لكتابة الرواية!

فأي جهة تنظيمية تقبل بهذا، إلا أن كانت الجهة المنظمة أدنى فهما في تقديم المدربين لتعليم النشء فنون كتابة الرواية، وهذا ما يحدث في ورش التدريب، فالمدرب أقل مستوى فهما وإبداعا عما يدرب..

حضرت ورشة تدريبية، كانت المدربة تشرح للحضور فنية الكتابة متخذة من كتاباتها نموذجا للتطبيق عليها عن فنية الكتابة، وكانت كتابتها ضعيفة جدا، فهل مهمة المدرب تقديم نفسه من خلال (هزال) تجربته الكتابية لإخراج متدربين أكثر هزالا من المدرب نفسه؟

عملت سنوات طويلة في القسم الثقافي بجريدة عكاظ وقد أسند إلىّ تقويم مشاركات القراء، ومع الأيام أنشأت صفحة (أقلام) مهمتها تقديم التجارب الفنية للشباب، كانت تصل مشاركات كثيرة، لا ينشر منها إلا من حقق الحد الأدنى من جماليات الكتابة سواءً في القصة أو المقالة النقدية، وقد أخرجت تلك الصفحة أسماء أدبية عديدة، مضوا في تقوية تجاربهم حتى أصبحوا أسماء أدبية يشار لها بالبنان..

والذي أريد قوله إن وسيلة النشر عبر الصفحات الثقافية كان (جواز) عبور للكاتب الشاب، فالصفحات الثقافية لا تقدم تجارب هزيلة، فما يصلها من رسائل تنشر الجيد منها، وترد على صاحب التجربة الضعيفة برد محترم بأن عليه تكثيف القراءة والمحاولة مرة أخرى.. ومع ظهور المنتديات لم يعد هناك من يقيّم تلك المشاركات، وأصبح الكل ينشر، ويجد من الثناء ما يجعله كاتبا بارزا، ويغدو على ذلك الكاتب مفردات مثل (رائع-أحسنت- صح لسانك- أجدت)، وفي الحقيقة أن ما تم الإشادة به لا يعدو من كونه نصا متهافتا لا يصل إلى الحد الأدنى من جمالات الكتابة، وهذه المنتديات فاضت علينا بالمواهب الضعيفة، وشاركت في هذا الطوفان دور النشر التي لا تمتلك ضمير جدة المشارك في بث الثقافة الجادة، وأصبح من يمتلك ألف دولار قادراً على نشر الغثاء السقيم لكي يحظى بلقب كاتب أو قاص أو روائي!

وأنا ما زلت متحفظاً على فكرة تدريب الشاب لأن يكون كاتب قصة أو رواية أو شعر، فالتدريب لا يخلق موهوباً، لكتابة موهبة قبل أن تكون تدريباً، ومن ليس لديه موهبة لن يستطيع كتابة أدب حقيقي.

مرة أخرى، تدني مستوى مخرجات الأدب في السنوات الأخيرة حينما تم اعتماد أفكار التدريب الكتابي، وورشات الكتابة بسبب ضعف المدرب، وأن من يتدرب ليس لديه موهبة في الأساس.

00:08 | 30-11-2025

السعودية مكانٌ عبقري

لا يمكن المزايدة على مقولة الدكتور جمال حمدان بأن عبقرية المكان تخصّ السعودية دون سواها من الأماكن، وليس في ذلك غضاضة إن أردنا المقارنة، فإن سبق الدكتور جمال حمدان بصك مصطلح «عبقرية المكان» سبق لغوي، وليس جغرافياً بالمعنى الدقيق، فالسعودية قارة جاءت جغرافيتها في قلب العالم.

وكانت مجاورة للحضارات القديمة، وبعض تلك الحضارات أصبحت ضمن أراضيها في الخارطة الجغرافية والسياسية، كما أن مكة المكرمة هي مركزية الأرض (حتى إن قيل إن هذا المفهوم مفهوم ديني)، إلا أنني استخدم مصطلح عبقرية المكان وفق ما ذهب إليه بعض الأدباء والاستراتيجيين الذين تخصصوا في الجغرافيا السياسية، وهي مقاربة أرى فيها موقع السعودية.

وربما أقتفي (ميشيل بوتور) الذي وظّف هذا المصطلح في الجانب الروائي كما أفعل في رواياتي حين أحول المكان إلى بطل بين الشخصيات والأحداث.

والأمكنة تمثّل دوراً فاعلاً نشطاً في مسيرة الأحداث، والسعودية مكان نشط عبر التاريخ، وهذا ما يجعل مكانها عبقريّاً وليس هامشيّاً.

وإن أردنا الانحياز إلى مفهوم التمكين، وتكريس عظمة المكان، فالسعودية تصنع ذلك من خلال الاستراتيجية السياسية الآن.

وإن كان المؤرخ البريطاني أرنولد توينبي قد اتخذ المكان مدخلاً وفق العقائد والحضارات والثقافات، فيمكن القول إن السعودية كانت المحطة الأخيرة لتلك العقائد من خلال المفهوم الإسلامي الذي احتوى تلك الرسالات كرسالة أخيرة جامعة لما سبق من عقائد.

وعلى مستوى العمق التاريخي فمكة تمثّل ذلك العمق، فهي أول بيت وضع للناس، وهو بيت قصده كل الأنبياء، وكل الأعراق..

إذاً، ما كتبته هنا خاضع لمفهومي للمكان وعظمته، فالعظمة استمرارية في رفعة المكان، والاستمرارية تبدأ من نقطة البدء إلى آخر نقطة في التواجد البشري.

00:05 | 23-11-2025

لا تترك قلبك وحيداً..

كم من عزيزٍ فارقنا، أو فارقناه؟

في جعبة كلٍّ منا عشرات الشخصيات التي لم نكن نتصور أن الزمن يستطيع قرض السنوات التي أوثقت رباطها بيننا..

نعم الحياة رحيل، ترحل أنت، أو يرحل هو.

والمؤلم أن يكون الرحيل في الحياة الدنيا، قلة من يحاول معرفة أسباب الرحيل لكي يزيل مسببات الفرقة، أو الانقطاع، ويصل منقطعاً.

وقلة من يستجيب للوصل، والكثرة تجذبهم تجاويف الحياة، ومشاغلها فيجمد لحظات الزمن في نقطة القطع.

وثمة مثل شعبي تهامي ينص على أن الأخوة هي أخوة الدنيا (أخويه في الدنيا وفي الآخرة يا بخت تلقاني).. وتقطُّع روابط الود والمحبة بحاجة إلى إعادة مد الحبال وربط المقطوع، ومسؤولية الإنسان الحقيقي أن لا يكون فرداً.

الفردانية صفة إلاهية، فلا يحق للإنسان أن يكون فرداً.

والذي يصيبني بالأسف، والحسرة، كثافة المقطوع من العلاقات الإنسانية، وأياً كان السبب، ما دام باستطاعتك ربط منقطع، سارع بالوصل، فالحياة الدنيا سريعة التخلى، والانقلاب.

ولأن الحياة هي ارتحال، فكم من شخص عزيز ارتحل إلى الضفة الأخرى.. كم؟

كل يوم أسمع أن عزيزاً أخلى مكانه، والتحف بالتراب، وغدا بعيداً، بعيداً جداً عن الوصل، والتواصل، وسبب حسرتي أني لم أوصل علاقتي بمن هو حي، أحبتي كثر، وكل واحد منهم أحبه من على بعد، وكان بالإمكان إجراء مكالمة فقط كي أبلغه مقدار حبي له، فأي مشاغل تقطعنا؟ وأي جفاف يسكننا؟.. بالأمس مات رؤوف مسعد، وهو آخر الراحلين الذين أحبهم، سنوات ولم أجر اتصالاً به، وعندما سمعت بموته لم تعد الحسرة أو الأسف قادرين على إيصال حي بميت.

وإذا كانت الحياة ارتحالاً، امسك بالحي وأوصل مشاعرك إليه قبل أن يترجل أحدكما من على صهوة هذه الحياة.

00:30 | 2-11-2025