أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/uploads/authors/1785.jpg&w=220&q=100&f=webp

سلطان السعد القحطاني

في السياسة.. الجغرافيا تقول «كل شيء» لأنها «أهم شيء» !

كان للرئيس الفرنسي شارل ديغول أسلوبه الخاص في فهم العالم والتعامل مع التحديات التي تواجه بلاده. فعندما كان يواجه قضية تستدعي التفكير العميق والتقدير الإستراتيجي، لم يكن يبدأ بالتقارير المطولة أو التحليلات السياسية المعقدة، بل كان يطلب من مساعديه إحضار خريطة للعالم ويبسطها أمامه.

كان يتأمل الحدود، ويتفحّص مواقع الدول ومساحاتها، ويقدّر من خلالها أوزانها الحقيقية. ومن خلال هذا التأمل في الجغرافيا كان يقرأ حركة السياسة الدولية ويفهم اتجاهاتها. فبالنسبة له لم تكن الجغرافيا مجرد خطوط مرسومة على الورق، بل كانت مفتاحًا لفهم السياسة ومحركًا أساسيًا من محركاتها. فمن خلال الموقع والمساحة والحدود والموارد تتشكّل كثير من القرارات السياسية، وتتحدد إلى حد بعيد موازين القوة بين الدول.

في السياسة الدولية، كثيرًا ما يُقال إن الجغرافيا ليست مجرد خلفية للأحداث، بل هي العامل الذي يفسّر الكثير منها. فالجغرافيا، بما تحمله من موقع ومساحة وموارد وحدود، تشكّل الحقيقة الأكثر ثباتًا في عالم السياسة. وقد تتغيّر الأنظمة، وتتبدل التحالفات، وتتصاعد القوى الاقتصادية أو تتراجع، لكن الجغرافيا تبقى العنصر الثابت الذي يحدد إلى حد كبير مكانة الدول ودورها. وفي عالم اليوم تبرز المملكة العربية السعودية مثالًا واضحًا على أهمية الجغرافيا في فهم السياسة وموازين القوة.

إن الجغرافيا السياسية تمثل أحد أهم مصادر قوة الدولة وتأثيرها في محيطها الإقليمي والدولي. وقد لا يظهر هذا العامل بوضوح في فترات الاستقرار والرخاء، حين تبدو القوة الاقتصادية أو التكنولوجية وكأنها قادرة على تعويض كل شيء. لكن عندما تقع الأزمات الكبرى، سواء كانت سياسية أو عسكرية أو اقتصادية، تعود الجغرافيا لتفرض نفسها باعتبارها العنصر الأول الذي يحدد قدرة الدول على التأثير والصمود. ففي لحظات التحوّل الكبرى يتذكر العالم أن الدول تستمد ثقلها الإستراتيجي أولًا من موقعها الجغرافي قبل أي شيء آخر.

خلال فترات الازدهار، قد تنتشر سرديات سياسية وفكرية توحي بأن الثروة وحدها كافية لبناء القوة، أو أن الاقتصاد قادر على تجاوز قيود الجغرافيا. غير أن الأحداث الكبرى غالبًا ما تكشف محدودية هذه الرؤية. فالجغرافيا تظل الأساس الذي تقوم عليه بقية عناصر القوة، سواء كانت اقتصادية أو عسكرية أو دبلوماسية. ومن دون موقع جغرافي مهم أو عمق إستراتيجي مناسب، يصعب على أي دولة أن تحافظ على دور مؤثر في محيطها.

من أهم عناصر قوة الدول حجمها الجغرافي وموقعها الإستراتيجي. فالدول ذات المساحات الواسعة تمتلك عادة عمقًا إستراتيجيًا يمنحها قدرًا أكبر من القدرة على المناورة والتأثير، كما أن الموقع الجغرافي يمكن أن يحوّل الدولة إلى نقطة ارتكاز في التوازنات الإقليمية والدولية. وهذا ما نشهده بوضوح في منطقة الخليج العربي، حيث تمثل المملكة العربية السعودية العمق الإستراتيجي لدول مجلس التعاون الخليجي، ليس فقط بحكم مساحتها الكبيرة، بل أيضًا بسبب موقعها الذي يربط بين آسيا وأفريقيا ويشرف على أهم الممرات الحيوية للطاقة والتجارة العالمية.

انطلاقًا من هذا الموقع، تلعب السعودية دورًا محوريًا في استقرار المنطقة وفي ضمان استمرارية إمدادات الطاقة إلى العالم. فاقتصاد العالم الحديث لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على تدفق الطاقة بشكل آمن ومستقر، وهو ما يجعل لدول الخليج عمومًا، وللسعودية على وجه الخصوص، أهمية إستراتيجية تتجاوز حدودها الإقليمية. ولذلك فإن الدور الذي تضطلع به المملكة في هذا المجال لا يقتصر على مصالحها الوطنية فحسب، بل يمتد ليشمل الاستقرار الاقتصادي العالمي، وهو دور تتعامل معه بمسؤولية كبيرة وبحسابات دقيقة.

وتعلّمنا الجغرافيا أيضًا أن التهديدات التي تواجه الدول ليست متشابهة، بل تختلف باختلاف المواقع والظروف الإقليمية. فما قد يبدو تهديدًا ثانويًا لدولة بعيدة جغرافيًا قد يكون خطرًا مباشرًا لدولة تقع في قلب التوترات الإقليمية. وفي حالة دول الخليج، كان موقعها الجغرافي يجعلها أكثر حساسية تجاه التحوّلات في البيئة الإقليمية المحيطة بها. ولذلك فإن إدراك طبيعة التهديدات يتطلب فهمًا عميقًا للجغرافيا السياسية للمنطقة.

خلال العقود الأربعة الماضية، شكّلت إيران أحد أبرز التحديات الأمنية لدول الخليج. فالقرب الجغرافي، إلى جانب التوترات السياسية والإستراتيجية، جعل من هذا الملف عنصرًا أساسيًا في معادلات الأمن الإقليمي. ومن هنا فإن فهم سياسات دول الخليج ومواقفها لا يمكن أن يكون كاملًا من دون إدراك تأثير الجغرافيا في تشكيل رؤيتها الأمنية والإستراتيجية.

وهكذا ندرك أن الجغرافيا تظل العامل الأكثر ثباتًا في عالم السياسة. فقد تتغيّر الأدوات والوسائل، لكن الموقع والمساحة والبيئة الإقليمية تبقى عناصر حاسمة في تحديد مكانة الدول وأدوارها. والسعودية، بحكم موقعها وعمقها الجغرافي ودورها في منظومة الطاقة العالمية، تمثل مثالًا واضحًا على كيف يمكن للجغرافيا أن تصنع التأثير السياسي والإستراتيجي للدول.

منذ يوم

نعم نعم.. نحن بحاجة إلى «مصانع الأفكار»

هناك في العاصمة التي تعتبر كنز الأسرار، وبنك المعرفة، والتي تتقن فن الهمس في الظلام، والأثر الخفي الذي يظهر في اللحظة المناسبة، هناك أدركت مبكراً أهمية وجود مراكز دراسات، كونها بالفعل مصانع أفكار لا مثيل لها، تثري التجربة، وتمنح الكاتب نظرة أوسع لهذا العالم المعقد. أتذكر في السنين اللندنية الغاربة، كيف كان التصاقي بمراكز الدراسات والبحوث في العلوم السياسية مفيداً لي سواء في الدراسة الأكاديمية، أو في عملي الصحافي المتخصص، وجعلني إلى حد ما، قادراً على السباحة في هذا العالم الرحيب.

وفي زمن تتسارع فيه التحولات السياسية والاقتصادية والتقنية، لم تعد مراكز الأبحاث والدراسات الاستراتيجية ترفاً فكرياً أو نشاطاً أكاديمياً معزولاً، بل أصبحت أداةً رئيسية لصناعة القرار وفهم تعقيدات العالم. وفي بلد بحجم المملكة العربية السعودية، التي تخوض مرحلة تحول كبرى وتنخرط بفاعلية في قضايا إقليمية ودولية، تزداد الحاجة إلى مراكز فكر قادرة على تحليل المشهد، واستشراف الاتجاهات، وصياغة توصيات مبنية على معرفة دقيقة لا على اجتهادات وقتية.

تُشكّل هذه المراكز ما يشبه «مصانع الأفكار»، فهي تنتج رؤى وسياسات تساعد صُنّاع القرار على التعامل مع التحديات المعاصرة بمرونة ووعي. غير أن نجاحها لا يقاس بعدد الندوات أو المظاهر الإعلامية، بل بمدى تأثير دراساتها في السياسات العامة. فالمركز البحثي الحقيقي هو الذي يمتلك منهجية علمية واضحة، وباحثين متخصصين، وإنتاجاً معرفياً متجدّداً يخضع للنقاش والتقييم.

ومع توسّع دور هذه المراكز، يبرز تحدٍ أساسي يتمثل في الموازنة بين الاستقلال العلمي ومتطلبات التمويل. فبينما تحتاج إلى موارد مالية لضمان استمراريتها، يجب أن تحافظ على حيادها الفكري واستقلال أجندتها البحثية، فالمصداقية هنا تُبنى على الشفافية، والالتزام بالمعايير العلمية بعيداً عن الانحيازات.

وفي اعتقادي أن تعزيز دور المراكز البحثية في المملكة سيكون خطوة استراتيجية مهمة لمواصلة النهضة الفكرية والسياسية التي يشهدها الوطن. فهذه المراكز ليست مجرد مؤسسات بحثية، بل محركات فكرية تواكب التحولات، وتنتج أفكاراً وسياسات تسهم في تحقيق الأمن والاستقرار والتنمية، وترسم ملامح مستقبل يبنى على المعرفة والعقلانية.

00:13 | 5-03-2026

لماذا تستيقظ صباحاً؟ سؤال والإجابة من شيكاغو!

الاقتصاد ليس مجرد أرقام تُسجَّل في تقارير البنوك أو منحنيات تُرسَم في قاعات الجامعات، بل هو نسيجٌ خفيٌّ يتداخل مع تفاصيل حياتنا اليومية. إنه حاضر في توقيت استيقاظنا، وفي اختيارنا لوجبة الإفطار، وفي قرارنا بالعمل أو الراحة، وحتى في شكل عطلاتنا. قد نظن أن الزمن مفهوم طبيعي ثابت، لكن الاقتصاد أعاد تشكيله؛ فمواعيد العمل والإنتاج، وساعات الدوام، وأنماط الاستهلاك، كلها صنعت إيقاعاً خاصاً للحياة الحديثة. هكذا أصبح الاقتصاد أشبه بضوءٍ يشع في كل مكان، لا يُرى دائماً، لكنه يوجّه الحركة ويحدد المسار.

حين نتأمل يومنا العادي نجد أن القرارات الصغيرة التي نتخذها -ماذا نشتري، أين نعمل، كيف نقضي وقتنا- هي في جوهرها قرارات اقتصادية. نحن نختار بين بدائل، ونوازن بين كلفة وفائدة، ونسعى إلى تحقيق أكبر منفعة ممكنة ضمن موارد محدودة. هذا المنطق لا يقتصر على الأسواق والمتاجر، بل يمتد إلى العلاقات الاجتماعية والتعليم وحتى داخل الأسرة.

من أبرز من عمّق هذا الفهم الاقتصادي للحياة المفكر والاقتصادي الأمريكي غاري بيكر، أستاذ الاقتصاد في جامعة شيكاغو وأحد أعلام مدرسة شيكاغو للاقتصاد. رأى بيكر أن الاقتصاد ليس علم المال فحسب، بل علم السلوك الإنساني. ففي محاضرته الشهيرة حول «الطريقة الاقتصادية في النظر إلى الحياة»، أوضح كيف يمكن استخدام أدوات التحليل الاقتصادي لفهم قضايا تبدو بعيدة عن السوق، مثل الزواج، والتعليم، والجريمة، واتخاذ القرار داخل الأسرة.

الفكرة الأساسية في طرحه أن الإنسان، في مختلف جوانب حياته، يتصرف وفق منطق الاختيار العقلاني؛ فهو يقارن بين البدائل، ويتوقع النتائج، ويتحمّل التكاليف مقابل المنافع. حتى القرارات التي نراها عاطفية يمكن فهمها ضمن إطار المفاضلة بين خيارات متعدّدة، في ظل قيود زمنية ومالية واجتماعية. وبهذا المعنى، يصبح الاقتصاد لغة لفهم الإنسان، لا مجرد معادلات ورسوم بيانية.

وقد شدّدت مدرسة شيكاغو على أهمية الحوافز في تشكيل السلوك البشري؛ فالناس يستجيبون للتغيّر في الأسعار والقوانين والفرص. عندما ترتفع كلفة شيء ما يقل الإقبال عليه، وعندما تزداد الفائدة المتوقعة يزداد السعي نحوه. لذلك فإن السياسات الاقتصادية لا تغيّر الأرقام فقط، بل تعيد تشكيل أنماط العيش والعلاقات داخل المجتمع.

إن العلاقة بين الاقتصاد والحياة علاقة تفاعل مستمر. نحن نصنع الاقتصاد بقراراتنا اليومية، وهو بدوره يعيد تشكيل أوقاتنا وأولوياتنا وطموحاتنا. وبين الإنسان والزمن والموارد المحدودة تتشكّل قصة البحث الدائم عن التوازن والاستقرار والمعنى. وهكذا يتضح أن الاقتصاد ليس قوة بعيدة عنا، بل هو مرآة تعكس طبيعتنا البشرية وسعينا المستمر نحو حياة أفضل وأكثر تنظيماً.

00:14 | 26-02-2026

وهذه هي التحوّلات التي صنعت العالم.. أيها الصديق

يمضي العمر سريعاً سريعاً سريعاً، لدرجة تعتقد فيها أن السنوات ليست مجرد شهور، بل ومضات سريعة تقدح شرارتها في الذاكرة وتمضي. هذا ما قفز إلى ذهني وأنا أشاهد أوائل مقالاتي المتخصصة في العلاقات الدولية والإعلام السياسي، وإطلالتي على الصفحات الأولى، في رحلة بدأت منذ العام 2003، واستمرت حتى الآن. رحلة جعلتني أفكر في أن هذا العالم الواسع الممتد، وهو بحر العلاقات الدولية، ليس مجرد مياه متحركة بدون ضفاف، بل محيط محكوم بتوازنات تاريخيّة لا تزال تلقي بظلالها على عالمنا حتى اليوم.

فهمُ العالم ليس ترفاً معرفياً للكاتب أو الصحافي المتخصص في الإعلام السياسي والعلاقات الدولية، بل هو شرطٌ مهنيٌّ يسبق الكتابة نفسها. فمنذ التحاقي بالإعلام السياسي عام 2003، ثم دراسته أكاديمياً، أدركت أن الخبر اليومي ليس سوى طبقةٍ سطحية تخفي تحتها تراكماتٍ تاريخية واتفاقياتٍ مفصلية وتحوّلاتٍ كبرى أعادت تشكيل ميزان القوى الدولي. من لا يمتلك مفاتيح التاريخ الحديث يقرأ الحدث معزولاً، بينما السياسة العالمية تتحرك في سياقٍ ممتد لا ينفصل عن جذوره.

أول هذه المفاتيح يتمثل في الاتفاقيات المؤسسة للنظام الدولي. فقد أرست «معاهدة وستفاليا» مفهوم الدولة الوطنية ذات السيادة، وهو المبدأ الذي لا يزال يحكم العلاقات بين الدول حتى اليوم. ثم جاء مؤتمر فيينا ليعيد رسم خريطة أوروبا بعد الحروب النابليونية، ويؤسّس لفكرة «توازن القوى» التي أصبحت لاحقاً أداة مركزية في السياسة الدولية. وفي القرن العشرين، شكّل مؤتمر يالطا محطة مفصلية قسّمت العالم إلى معسكرين وأطلقت مرحلة الحرب الباردة.

ومن المفاتيح الكبرى أيضاً التحوّلات التي أنهت أنظمةً كاملة وأعلنت ميلاد أخرى. فقد مثّل سقوط الاتحاد السوفييتي عام 1991 نهاية نظام القطبية الثنائية وبداية مرحلة الهيمنة الأمريكية. وقبل ذلك بعامين، كان سقوط جدار برلين رمزاً لانهيار الستار الحديدي وانفتاح أوروبا الشرقية على نظام عالمي جديد. هذه الأحداث لم تكن مجرد تغيّرات جغرافية، بل إعادة صياغة لمفاهيم الأيديولوجيا والتحالفات والأمن الجماعي.

في السياق العربي، شكّلت حرب الأيام الستة، المعروفة بالنكسة، نقطة تحوّل عميقة في الوعي السياسي والإستراتيجي العربي، إذ أعادت تعريف مفاهيم القوة والردع والتحالف. كما أن حرب الخليج الثانية بعد غزو الكويت دشّنت مرحلة جديدة من الحضور العسكري الدولي في المنطقة وأعادت ترتيب موازين القوى في الخليج.

ولا يمكن إغفال أزمة السويس التي كشفت تراجع النفوذ الاستعماري التقليدي وصعود أدوار دولية جديدة، أو اتفاقية القسطنطينية التي نظّمت الملاحة في قناة السويس وأكّدت أهميتها الإستراتيجية العالمية. بل إن الجذور الأعمق لفهم العلاقة بين السلطة والدين والسياسة تعود إلى مجمع نيقية الأول، الذي مثّل نموذجاً مبكراً لتداخل العقيدة بالقرار السياسي في تشكيل النظام العام.

إن قراءة هذه المفاتيح تمنح الكاتب والصحافي القدرة على فهم حركة العالم بوصفها عملية تراكم تاريخي لا سلسلة أحداث منفصلة. فعندما نتابع اليوم صعود قوى كبرى أو تحوّلات في التحالفات، فإننا نستحضر منطق توازن القوى الذي تأسّس في «فيينا»، ومبدأ السيادة الذي أقرّته «وستفاليا»، والانقسامات الأيديولوجية التي كرسّها «يالطا». بهذه الرؤية يتحوّل العمل الصحافي من نقلٍ للخبر إلى تحليلٍ للسياق، ومن متابعةٍ آنية إلى فهمٍ عميق لمسارات التاريخ التي لا تزال تصنع حاضر السياسة الدولية.

23:54 | 18-02-2026

مضت أيام الدم.. وانتصرت السعودية على الإرهاب

كصحافي عايش عن قرب سنوات الإرهاب التي ضربت العاصمة الرياض، أستطيع اليوم أن أستشعر بوضوح حجم التحوّل الذي تعيشه المملكة العربية السعودية. لم تكن تلك السنوات عابرة في الذاكرة الوطنية؛ كانت أياماً عصيبة ومؤلمة، شهدت جرائم مرعبة استهدفت الأمن والاستقرار، وزرعت الخوف في المجتمع. أكثر من عشرات الحوادث الإرهابية، بتوقيتها العنيف ورسائلها الدموية، كانت كفيلة بإسقاط دول أو إدخالها في دوامات فوضى طويلة الأمد. غير أن ما حدث في السعودية كان مختلفاً؛ إذ واجهت الدولة تلك التحديات بشجاعة وحسم، مستندة إلى تماسك مؤسساتها ودعم مجتمعها.

لقد شكّلت تلك المرحلة اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة على حماية نفسها ومواطنيها. ومع مرور الوقت، تراجعت الأعمال الإرهابية بشكل لافت حتى انخفضت إلى مستوى الصفر، في مؤشر واضح على نجاح الاستراتيجية الشاملة التي انتهجتها المملكة. لم يكن الأمر مجرد مواجهة أمنية تقليدية، بل كان مشروعاً متكاملاً لمحاربة التطرف من جذوره، أمنياً وفكرياً في آنٍ واحد. فإلى جانب الجهود الاستخباراتية والميدانية الدقيقة، أطلقت برامج فكرية متخصصة، وعزّزت الخطاب الديني الوسطي، وفتحت المجال أمام مراجعات فكرية عميقة ساهمت في تحصين المجتمع.

هذا التحوّل لم ينعكس فقط على الجانب الأمني، بل أسهم أيضاً في تعزيز مسار الانفتاح الذي تشهده المملكة اليوم. أصبحت السعودية أكثر حضوراً على الساحة الدولية، وأكثر ثقة في تقديم نموذجها الخاص في التحديث والتنمية، دون التفريط في هويتها. ويعد ذلك دليلاً مُهماً على التغيير الذي شهدته البلاد في السنوات الأخيرة، بقيادة طموحة تسعى إلى نقل المملكة إلى مرحلة جديدة قوامها الاستقرار والانفتاح والتنمية المستدامة.

ومن المهم التأكيد أن السعودية لم تكن يوماً دولة تطرف أو عدوة للأديان، بل هي دولة تعتز بخصوصيتها الدينية والثقافية. شعبها يحمل رؤية دينية عميقة، بحكم كونها مهد الإسلام ومنبع الرسالة، وهو ما يمنحها مسؤولية مضاعفة في ترسيخ قيم الاعتدال والتسامح. صحيح أن الإرهاب حاول استغلال بعض الشعارات الدينية لتبرير جرائمه، لكن المجتمع السعودي كان أول من اكتوى بناره، وأول من رفضه وواجهه.

إن سردية ربط السعودية بالتطرّف والإرهاب لم تعد ذات جدوى، بل تبدو اليوم بعيدة عن الواقع. فالدولة التي عانت من الإرهاب وواجهته بحزم، وتمكّنت من تحييد خطره وإبعاده عن مجتمعها، لا يمكن اختزالها في اتهامات قديمة أو تصوّرات نمطية. لقد كان هناك دور أمني حاسم، ودور فكري لا يقل أهمية، تكاملا ليقودا المملكة إلى بر الأمان في مرحلة بالغة الحساسية من تاريخ المنطقة.

ورغم محاولات بعض الخصوم إعادة إنتاج خطاب يربط السعودية بالإرهاب والتطرف، فإن الوقائع على الأرض تقول غير ذلك. التجربة السعودية في مواجهة الإرهاب تقدّم مثالاً على قدرة الدول على تحويل المحن إلى فرص، وعلى أن الحسم الأمني حين يقترن بالإصلاح الفكري والاجتماعي يمكن أن يصنع تحوّلاً حقيقياً ومستداماً.

23:56 | 11-02-2026

«اليمين» الذي لم يصافح «اليسار».. فنجا بعض البعض!

وأنت تنظر هذه الأيام لأحوال العالم العربي تستذكر الكثير من الفرص المهدرة. ولكن التاريخ يقدح لك في الظلام ألف شعلة. رحلة في تاريخ المنطقة تكشف كيف أن اليسار سلب من العرب الكثير من الوقت، والفرص والأجيال. شُوّهت سمعة اليمين تاريخياً، ولكن الأحداث أثبتت أنه كان أكثر عقلانية، وقدرة على البناء.

شهد العالم العربي في منتصف القرن العشرين صعود اليسارية العربية والتيارات الثورية المرتبطة بالاشتراكية والقومية الراديكالية، والتي رفعت شعارات كبرى عن التحرر والوحدة والعدالة الاجتماعية. غير أن هذه الشعارات، حين تحوّلت إلى أنظمة حكم، أدّت في كثير من الحالات إلى تقويض الدولة الوطنية، وتفكيك الاقتصاد، وتكريس الاستبداد باسم الثورة. في خضم هذا المد الجارف، برزت شخصيات سياسية امتلكت وعياً سياسياً مبكراً بخطورة اليسار العربي، وكان موقفها في حينه أشبه بشعاع لم يُفهم في وقته، بل وُوجه بالتخوين والتشويه.

يُعد كميل شمعون في لبنان نموذجاً واضحاً لهذا الوعي المبكر. فقد أدرك أن الناصرية واليسارية العربية لا تحمل مشروع دولة، بل مشروع هيمنة أيديولوجية عابرة للحدود. رفض شمعون محاولات جرّ لبنان إلى معسكر «الثورة العربية»، مدافعاً عن التعددية السياسية والاقتصاد الحر وسيادة الدولة اللبنانية. موقفه من جمال عبدالناصر لم يكن صراعاً شخصياً، بل رفض جذري لفكرة تصدير الانقلابات وإلغاء الخصوصيات الوطنية باسم القومية. وقد أثبتت التجارب اللاحقة أن كثيراً من الدول التي خضعت لذلك الخطاب فقدت استقرارها ومؤسساتها، بينما بقي لبنان، رغم أزماته، مساحة نسبية للحرية.

أما الملك فيصل بن عبدالعزيز، فيمثّل حالة أعمق وأكثر شمولاً في مواجهة اليسار العربي. فقد فهم مبكراً أن الاشتراكية العربية والناصرية ليستا مشروع نهضة، بل خطاب عاطفي يفتقر إلى التخطيط ويستنزف الموارد. واجه الملك فيصل هذا التيار بهدوء استراتيجي، معزّزاً مفهوم الدولة القوية، ومقدّماً الهوية الإسلامية كبديل حضاري جامع في وجه الأيديولوجيات المستوردة. استخدم النفط كأداة سياسية واقتصادية ذكية، لا كشعار ثوري، وسعى إلى بناء توازن إقليمي يحدّ من نفوذ اليسار العربي. رؤيته كانت بعيدة المدى، ولهذا اصطدم مباشرة مع التيارات الثورية التي رأت في مشروعه تهديداً لخطابها التعبوي.

وتبرز شخصية الحبيب بورقيبة في تونس كنموذج مختلف في مواجهة اليسار الراديكالي. فقد اختار طريق الإصلاح التدريجي وبناء الدولة الحديثة، رافضاً الانجرار وراء الخطاب الثوري السائد. ركّز بورقيبة على التعليم، وتحديث القوانين، وبناء مؤسسات الدولة، وخاصة في المجال الاجتماعي وحقوق المرأة. ورغم سلطويته السياسية، إلا أنه أدرك أن الثورة الدائمة والشعارات اليسارية لا تصنع مجتمعاً مستقراً، بل تؤدي إلى الفوضى وتعطيل التنمية.

إن القاسم المشترك بين الملك فيصل وكميل شمعون والحبيب بورقيبة هو إيمانهم بأولوية الدولة على الأيديولوجيا، وبأن بناء الأوطان يحتاج إلى عقلانية سياسية لا إلى حماسة ثورية. لقد وُصفوا في زمنهم بالرجعية أو العمالة أو معاداة «حركة التاريخ»، لكن ما جرى لاحقاً كشف أن كثيراً من الأنظمة اليسارية العربية انتهت إلى الاستبداد والانهيار الاقتصادي والتفكك الاجتماعي. إن إعادة قراءة هذه التجارب اليوم ليست مجرد مراجعة تاريخية، بل درس سياسي يؤكد أن الوعي المبكر، وإن بدا معزولاً في لحظته، قد يكون الأكثر صدقاً على المدى البعيد.

00:00 | 5-02-2026

كان سبتمبر عاصفة العواصف.. وهذه المملكة لم تهتز..

في سبتمبر، حين اشتدت العواصف وتكاثفت الضغوط، بدت الصورة لدى بعض المراقبين وكأن المملكة العربية السعودية تقف على حافة اهتزاز سياسي أو أمني. غير أن قراءة متأنية لمسار الدولة وتاريخها تكشف أن ما جرى لم يكن سوى اختبار جديد يضاف إلى سلسلة طويلة من التحديات التي واجهتها المملكة وخرجت منها أكثر تماسكاً وثباتاً. فالدول لا تُقاس بردود الأفعال العابرة، بل بقدرتها على الصمود حين تتعالى الأصوات وتشتد الرياح.

كصحافي عاصر أحداثاً جساماً مرّت بها المملكة خلال العقود الأخيرة، أجد نفسي أنظر إلى بعض الأخبار وحملات الضغط الإعلامي الأجنبية بنوع من السخرية المهنية. إذ يبدو أن ممولي تلك الحملات يراهنون على أن الضجيج الإعلامي كفيل بإرباك القرار السعودي أو النيل من أمنه الوطني. غير أن هذا الرهان يتجاهل حقيقة أساسية: السعودية واجهت ما هو أعقد وأقسى من مقالات رأي أو مؤتمرات صحافية. لقد تعرّضت لضغوط سياسية وعسكرية مباشرة، ووقفت في قلب صراعات إقليمية ودولية، ومع ذلك لم تغيّر بوصلتها ولم تتخلَّ عن ثوابتها.

ما يميّز المملكة في مثل هذه اللحظات هو وضوح الرؤية وصلابة الموقف. فهي دولة تعرف وزنها الجغرافي والسياسي، وتدرك أن الاستجابة للابتزاز الإعلامي ليست خياراً. من يعتقد أن السعودية قد تهتز بسبب حملة إعلامية عابرة يخطئ في فهم طبيعة هذه الدولة. فهنا نتحدث عن كيان سياسي بُني عبر عقود من الكفاح والتضحيات، تحكمه أسرة ملكية تُعد الأعرق في الجزيرة العربية، ولم تُمنح هذه الأرض على طبق من فضة، بل شُيّدت وحدتها بالسيف والسياسة، وبحسّ تاريخي عميق بأهمية الاستقرار.

إن ثوابت المملكة ليست شعارات تُرفع عند الحاجة، بل هي مرتكزات راسخة لا تحيد عنها مهما تبدلت الظروف. ولهذا السبب، فإن محاولات التشكيك أو التقليل من شأنها غالباً ما تصطدم بجدار الواقع. فالسعودية ليست مجرد دولة بالمعنى التقليدي، بل هي فكرة عربية وإسلامية تشكّلت عبر التاريخ، وورثت مسؤولية إدارة قلب الجزيرة العربية، وأحسنت التعامل مع هذا الإرث بثقل ومسؤولية.

قد تستطيع بعض الدول شراء اليخوت الفاخرة أو تشييد ناطحات السحاب، لكن التاريخ لا يُشترى، والشرعية لا تُستورد. وهذا ما يميّز السعودية وريثة الإمبراطورية العربية والإسلامية، التي لا تبحث عن دور إقليمي أو دولي بقدر ما تجد الأدوار تتقاطر إليها بحكم مكانتها. وفي زمن العواصف، يبقى الثبات هو اللغة الأوضح، وتبقى المملكة مثالاً لدولة تعرف نفسها جيداً، فلا تهتز، ولا تنجرف مع العناوين العابرة.

00:02 | 29-01-2026

السعودية تدشن حقبة «اليمن اليمني»... والرسالة وصلت !

في لحظة مفصلية من مسار الأزمة اليمنية، دشّنت المملكة العربية السعودية ما يمكن وصفه بحقبة «اليمن اليمني»، وهي رسالة سياسية واضحة المعالم مفادها أن اليمن ليس ساحة مفتوحة للعبث أو لتصفية الحسابات الإقليمية، بل ملف استراتيجي تمسّ المملكة أمنه واستقراره، ولا يمكن القبول بتحويله إلى رهينة بيد المليشيات أو أصحاب الأجندات الضيقة.

الحسم السعودي لم يكن عسكرياً بقدر ما كان سياسياً وأخلاقياً، إذ أكّدت الرياض أن حماية اليمن تعني صون استقلال قراره، والحفاظ على وحدته الاجتماعية، وتمكين أبنائه من تقرير مستقبلهم بعيداً عن الابتزاز المسلح أو الوصاية الخارجية. ومن هذا المنطلق، شدّدت المملكة على أن أي حل لا يمكن أن يكون إلا «يمنياً يمنياً»، عبر الحوار والتوافق، لا عبر فرض الأمر الواقع بالقوة.

لقد تجلّى هذا الموقف بوضوح في تعامل السعودية مع أزمة حضرموت الأخيرة. فبدل الانجرار إلى منطق الاستقطاب أو دعم طرف على حساب آخر، تعاملت الرياض مع الأزمة بوصفها شأناً يمنياً داخلياً يتطلب الاحتواء لا التصعيد. تحركت مبكراً، وفتحت قنوات التواصل مع القيادات المحلية والاجتماعية، واحترمت خصوصية حضرموت كركيزة استقرار، رافضةً تحويلها إلى ساحة صراع أو منصة نفوذ لأي جهة مسلحة.

وكانت الرسالة السعودية في هذا السياق حاسمة: الأمن لا يُبنى بالمليشيات، ولا بتغليب طرف بالقوة، بل عبر مؤسسات الدولة، والتوافق المجتمعي، واحترام إرادة أبناء المحافظة. وهو ما عرّى الدور السلبي لبعض الأطراف، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي، الذي حاول توظيف الأزمة ضمن حسابات خارجية، بما يهدّد النسيج الحضرمي ويقوّض فرص الاستقرار.

إلى جانب الدور السياسي، أدركت المملكة أن الاستقرار لا يتحقّق دون معالجة الجذور الاقتصادية والإنسانية للأزمة. لذا جاءت حزم المساعدات السعودية لليمن ضمن رؤية شاملة، تستهدف تحسين معيشة المواطن، ودعم الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم والطاقة، وتمكين الاقتصاد المحلي. فالفقر واليأس هما الوقود الحقيقي للصراعات، وأي مشروع سلام لا يضع الإنسان في صلب أولوياته محكوم عليه بالفشل.

هذه المساعدات لم تعزز فقط صمود المجتمع اليمني، بل دعمت حضور الدولة ومؤسساتها الشرعية، وأضعفت منطق السلاح والفصائل، في انسجام واضح مع الموقف السعودي الرافض لأي كيانات مسلحة خارج إطار الدولة، مهما كان غطاؤها السياسي.

ولم تقتصر جهود المملكة على الداخل اليمني، بل امتدت إلى الساحة الدولية، حيث لعبت دوراً دبلوماسياً فاعلاً في شرح تعقيدات المشهد اليمني، وإيصال الصوت اليمني الحقيقي. ففي المحافل الدولية، أكدت الرياض عدالة المطالب الجنوبية بوصفها قضية سياسية واجتماعية، مع رفض اختزالها أو احتكار تمثيلها من قبل أطراف مسلحة. تصريحات مندوب المملكة في الأمم المتحدة عبدالعزيز الواصل جسّدت هذا النهج القائم على الحلول السلمية، واحترام سيادة اليمن، ورفض تحويله إلى ساحة نفوذ.

هكذا، تؤسّس السعودية لمرحلة جديدة عنوانها: يمن مستقل، قراره بيد أبنائه، ومستقبله يُصاغ بالحوار لا بالبندقية. وهي رسالة وصلت، وستظل ترسم ملامح الطريق نحو يمن آمن ومستقر.

23:59 | 21-01-2026

وهكذا نعلن: بين بحرين يتشكّل مستقبل العالم..

وسوف نعلم أن البحر الأبيض المتوسط ليس مجرد مساحة مائية تفصل بين ثلاث قارات، بل هو بحق «أبو البحار» وأحد أهم مفاتيح الجغرافيا السياسية في العالم. فمنذ العصور القديمة، كان هذا البحر مركزاً للتجارة والحروب وتبادل الثقافات، وسبباً مباشراً في صعود وسقوط الإمبراطوريات. السيطرة عليه لم تكن يوماً مسألة ثانوية، بل كانت شرطاً أساسياً لبناء النفوذ والاستمرار في قيادة النظام الدولي.

ولا تقل أهمية البحر الأحمر عن نظيره الأبيض المتوسط، إذ يمثّل شرياناً حيوياً يربط الشرق بالغرب عبر باب المندب وقناة السويس. هذا البحر يتحكم في حركة التجارة العالمية، خاصة تجارة الطاقة والبضائع القادمة من آسيا إلى أوروبا. ولهذا فإن استقراره أو اضطرابه ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي وأسعار النفط وسلاسل الإمداد.

إن البحرين الملونين؛ البحر الأبيض المتوسط والبحر الأحمر، يتوقف عليهما مصير المنطقة ككل، كما تتشكّل حولهما تحالفات المستقبل والاستراتيجيات القادمة. وفي حال اندلاع صراع كبير بين القوى العظمى، مثل الصين والولايات المتحدة، فإن هذين البحرين سيكونان مسرحاً رئيسياً لإدارة الصراع غير المباشر. فلا يمكن لروسيا أن تصبح قوة عالمية مؤثرة دون موطئ قدم في البحر الأبيض المتوسط، ولا يمكن للمشروع الصيني الضخم، المعروف بطريق الحرير، أن يحقّق أهدافه دون ضمان أمن الملاحة في البحر الأحمر.

وتتداخل مع هذه المعادلة قضايا حيوية أخرى، مثل سد النهضة، الذي يمثّل مثالاً واضحاً على استخدام الموارد المائية كأداة استراتيجية. كما تعيد حكايات السد العالي إلى الأذهان كيف يمكن لمشروع مائي واحد أن يغيّر موازين القوة، ويعيد رسم العلاقة بين الجغرافيا والسياسة والأمن القومي.

ويؤكد التاريخ أن الإمبراطوريات الكبرى لم تنجح إلا عندما سيطرت على البحر الأبيض المتوسط، سواء عبر الأساطيل العسكرية أو النفوذ التجاري. واليوم، نشهد تزاحماً واضحاً بين روسيا وأمريكا وحلف الناتو وإسرائيل، حيث تتنافس هذه القوى على القواعد العسكرية وخطوط الطاقة والممرات البحرية. هذه المحاولات المتسارعة للسيطرة سيكون لها تأثير مباشر على خريطة المنطقة ومستقبلها السياسي والأمني.

وفي هذا الإطار، يبرز الدور السعودي في البحر الأحمر كدور متميّز وعقلاني، يسهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي. فالمملكة تنظر إلى البحر الأحمر بوصفه جزءاً أصيلاً من أمنها الاستراتيجي. كما تبرز أهمية التنسيق السعودي المصري، خاصة أن السعودية تعد أكبر دولة مطلة على البحر الأحمر، ما يجعل حماية هذا الممر الحيوي ضرورة لأمن الطاقة وضمان استقرار أسواق النفط العالمية.

00:06 | 15-01-2026

في السياسة والتحالفات: البحر.. وما أدراك ما البحر!

الجغرافيا تتغيّر ولكن البحر حقيقة ثابتة. هذا ما تراه وأنت تنظر إلى خريطة العالم، متأملاً حدوده، متفحصاً مواقع النفوذ، ومكامن الخطر، باعتبار أن البحار أكثر من مجرد مسطحات مائية، بل هي أحد أعمدة القوة في النظام الدولي، ودليل نفوذ وفاعلية في العلاقات الدولية. الممرات البحرية لم تعد مسألة جغرافيا فقط، وإنما تحوّلت إلى عنصر مركزي في معادلات الأمن القومي، والاقتصاد السياسي، وصناعة النفوذ. ومن هنا ظهر مصطلح «الدول الحبيسة»؛ ليعبّر عن حقيقة سياسية قاسية: الدولة البعيدة عن البحر غالباً ما تكون بعيدة عن التأثير العالمي.

وبصفتي باحثاً في العلاقات الدولية، تستوقفني دائماً النظريات التي لا تبقى حبيسة الكتب، بل تجد لها صدى واضحاً على أرض الواقع. ومن أبرز هذه النظريات تلك التي ربطت بين السيطرة على البحر وصعود القوى العظمى. فمنذ أواخر القرن التاسع عشر، وضع ألبرت ثاير ماهان الأساس الفكري للاستراتيجية البحرية الحديثة، حين أكد أن القوة البحرية هي مفتاح التفوق الاقتصادي والعسكري. فالدول القادرة على حماية طرق التجارة البحرية، وتأمين أساطيلها، وفرض حضورها في البحار، هي دول تمتلك أدوات الردع والتأثير.

وتكتسب هذه الرؤية أهميتها اليوم في ظل حقيقة أن أكثر من 80% من التجارة العالمية تمر عبر البحر. فالممرات الاستراتيجية مثل مضيق هرمز، قناة السويس، ومضيق ملقا تمثل نقاط اختناق حيوية، يمكن لأي اضطراب فيها أن يهز الاقتصاد العالمي. ولذلك، لا تُقاس قوة الدول فقط بحجم جيوشها البرية، بل بقدرتها على تأمين هذه الشرايين البحرية أو تهديدها.

إلى جانب التجارة، يمثّل البحر مجالاً حيوياً للأمن القومي. فالدول الساحلية تواجه تحديات متزايدة، من القرصنة إلى تهريب السلاح والهجرة غير النظامية، ما يجعل السيطرة البحرية ضرورة لحماية السيادة الوطنية. كما أن البحار تزخر بالموارد الطبيعية، من النفط والغاز إلى الثروة السمكية والمعادن النادرة، وهو ما يفسر تصاعد الصراعات حول الجرف القاري والمناطق الاقتصادية الخالصة.

في هذا السياق، قدّم نيكولاس سبايكمان رؤية جيوسياسية أكثر ارتباطاً بالواقع المعاصر، من خلال نظريته حول «الهلال الخارجي» أو Rimland. فعلى خلاف ماكيندر الذي ركّز على قلب اليابسة، رأى سبايكمان أن السيطرة على المناطق الساحلية المطلة على البحار هي مفتاح الهيمنة العالمية. هذه المناطق تجمع بين الكثافة السكانية، والموارد الاقتصادية، والوصول إلى الممرات البحرية، ما يجعلها مركز الثقل الحقيقي في السياسة الدولية.

ولعل تطبيقات هذه النظرية تتجلى بوضوح في الاستراتيجيات الأمريكية، سواء خلال الحرب الباردة أو بعدها، حيث شكّلت التحالفات البحرية، وحماية الممرات الدولية، وانتشار الأساطيل، أدوات رئيسية لإدارة التوازنات العالمية.

وهذا يعني أن البحر ليس مجرد خلفية جغرافية للصراع الدولي، بل هو أحد ميادينه الأساسية. ومن يسيطر على البحر، يملك مفاتيح التجارة، والأمن، والتحالفات، وبالتالي يقترب أكثر من فهم كيف يُحكم العالم.

00:01 | 8-01-2026