أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1776.jpg?v=1770304478&w=220&q=100&f=webp

فراس طرابلسي

محامي | كاتب رأي

المحامي ليس طرفاً في النزاع... بل ركيزة في النظام

في أي منظومة عدلية تُبنى على فكرة الدولة وسيادة النظام، لا يُنظر إلى المحامي باعتباره مجرد ممثلٍ لطرف في خصومة، بل بوصفه أحد أركان العملية القضائية ذاتها. فالمحاماة ليست حضوراً شكلياً إلى جوار موكل، ولا صوتاً إضافياً في قاعة المحكمة، وإنما ممارسة لحق أصيل في الدفاع، وتجسيد لمبدأ تكافؤ الفرص أمام القضاء. المحكمة لا تقوم بالقاضي وحده، ولا يكتمل ميزانها إلا بحضور من يصوغ الحجة، ويؤطر النزاع داخل حدوده القانونية، ويُعيد الخصومة من دائرة الانفعال إلى مسارها النظامي الرشيد. ومن هنا، فإن المساس بالمحامي أثناء أداء عمله لا يُقرأ كواقعة فردية، بل كإشارة تمس توازن المنظومة بأكملها.

الحادثة التي شهدتها إحدى المدن العربية مؤخراً، وراح ضحيتها محامية أثناء مباشرتها تنفيذ حكم قضائي في نزاع عقاري، تشير وفق ما تداولته التقارير إلى تعرضها لاعتداء جسيم أثناء وجودها في موقع التنفيذ، أدى إلى سقوطها من شرفة العقار محل التنفيذ، ما أفضى إلى وفاتها، في واقعة ما تزال محل نظر الجهات المختصة. هذه التفاصيل، على قسوتها، لا ينبغي أن تُستحضر بوصفها مادة صادمة، بل باعتبارها لحظة كاشفة تعيد طرح سؤال جوهري: هل تحظى منظومة العدالة، بكل أطرافها، ببيئة عمل آمنة خارج أسوار المحاكم؟

المحامي، بحكم دوره، يتحرك في مناطق التوتر: نزاعات أسرية محتدمة، خلافات مالية متشابكة، ملفات تنفيذ تلامس مصالح حساسة. وهو يفعل ذلك لا بوصفه خصماً، بل بصفته وكيلاً يمارس حقاً أصيلاً للمتقاضي في الدفاع والتمثيل. غير أن الوعي المجتمعي أحيانًا يختزل الصورة، فيرى في المحامي امتداداً لخصومة موكله، لا عنصراً مهنياً داخل إطار نظامي منضبط. وهنا يكمن الخطر؛ لأن تحويل المحامي إلى «طرف شخصي» في النزاع يعني تجريد العدالة من أحد أعمدتها المهنية.

فالأنظمة الحديثة في جوهرها لا تحمي الأشخاص فحسب بقدر ما تحمي الأدوار. فكما تُشدد العقوبات على من يعتدي على القاضي أو رجل الضبط أثناء أداء عمله، فإن المنطق ذاته يقتضي حماية المحامي وهو يمارس وظيفة العدالة. الاعتداء عليه بحكم مهنته يتجاوز الإطار الشخصي ليصبح مساسًا بحق التقاضي، وبمبدأ المساواة أمام القضاء، وبهيبة الحكم الذي صدر باسم النظام.

ومع ذلك، يكشف الواقع العملي أحياناً فجوة بين النصوص وبين بيئة التنفيذ الميداني. فملفات التنفيذ، على وجه الخصوص، قد تشهد احتكاكات مباشرة في بيئات مشحونة، حيث تختلط الانفعالات بالمصالح، وتتجاوز الخصومة حدودها القانونية. وهنا يبرز سؤال التنظيم لا العاطفة: هل تُفعّل المرافقة الأمنية في القضايا الحساسة؟ هل تُقيّم المخاطر مسبقاً قبل مباشرة التنفيذ في نزاعات عالية التوتر؟ هل تُدرج سلامة أطراف المنظومة ومنهم المحامون ضمن اعتبارات التخطيط الإجرائي؟

ولعل من المناسب، في ضوء ما تكرره مثل هذه الحوادث في بعض البيئات، التفكير في جملة من الإجراءات المؤسسية التي تعزز مناعة المنظومة دون تضخيم أو مبالغة. من ذلك: وضع بروتوكولات واضحة لتقييم المخاطر في ملفات التنفيذ ذات الحساسية العالية، وتفعيل التنسيق المسبق بين المحامين وجهات التنفيذ في المواقع التي يُتوقع فيها احتكاك مباشر، وتغليظ الوصف النظامي للاعتداء على من يمارس وظيفة العدالة أثناء أداء مهمته. كما يمكن أن يكون من المفيد إدراج برامج توعوية تعيد ترسيخ الفارق بين الخصومة وبين شخص المحامي، حتى لا يُختزل دوره في وعي بعض الأطراف إلى صورة «خصم» بدل كونه جزءًا من إطار نظامي يحمي الجميع.

هذه المقترحات ليست امتيازاً لفئة مهنية، بل استثمار في استقرار العدالة ذاتها. فالمنظومات الراسخة لا تنتظر الحوادث لتراجع أدواتها، بل تتعلم منها لتعزيز جاهزيتها.

فالثقة هي رأس مال العدالة. وحين يشعر المجتمع أن المحامي يؤدي دوره في بيئة آمنة، وتحت مظلة نظام يحمي الوظيفة لا الأشخاص، فإن الرسالة تكون أوضح: أن الدولة تحمي مسار العدالة من بدايته إلى نهايته، وأن تنفيذ الأحكام ليس ساحة مواجهة، بل امتداد طبيعي لحكم صدر باسم القانون.

كما أن المحامي ليس طرفًا في النزاع، حتى وإن وقف في صف أحد أطرافه. هو ركيزة في النظام، وضمانة لإعمال الحق في الدفاع، وصمام أمان يحول دون انزلاق الخصومة إلى فوضى. وحين تُصان هذه الركيزة، تُصان معها هيبة الحكم، ويترسخ في الوعي العام أن العدالة ليست شعاراً يُرفع، بل منظومة تُحمى... وتُمارس... وتُصان في كل مراحلها.

منذ 21 ساعة

حين تتحوّل الرؤية لمنظومة اقتصادية متكاملة

في إدارة الاقتصادات الكبرى، لا تُقاس الجدية بمدى التمسك بالخطة كما أُعلنت، بل بمدى القدرة على مراجعتها حين تتغيّر المعطيات. فالخطط الإستراتيجية ليست نصوصاً جامدة، بل أدوات تُبنى على بيانات، وتُختبر بالواقع، وتُعدل وفق المستجدات. وكلما ارتفع حجم الطموح، وتعاظمت قيمة المشاريع، وتداخلت الأسواق العالمية في حساباتها، أصبحت المراجعة الدورية شرطاً من شروط النجاح، لا علامة ارتباك. فالدولة التي تُدير استثمارات بمئات المليارات لا تملك رفاهية الجمود، بل تحتاج إلى عقل مؤسسي يقرأ الأرقام قبل الانطباعات، ويُقدّم الاستدامة على الإيقاع الإعلامي.

خلال منتدى صندوق الاستثمارات العامة المنعقد مؤخراً في العاصمة الرياض، جاءت الإشارات الواضحة إلى إعادة ترتيب بعض الأولويات وجدولة عدد من المشاريع الكبرى لتُقرأ في سياقها الطبيعي: ليس بوصفها تراجعاً، بل بوصفها انتقالاً مدروساً من مرحلة إلى أخرى في إدارة الاقتصاد الوطني.

فحين تُدار مشاريع بمئات المليارات، وتتحرك استثمارات عبر قطاعات متعددة من السياحة إلى التصنيع، ومن اللوجستيات إلى التكنولوجيا فإن مراجعة الإيقاع، وتعديل الجدول الزمني، وإعادة توزيع التدفقات الرأسمالية ليست علامات قلق، بل أدوات إدارة رشيدة. فالسؤال الحقيقي ليس: هل تغيّرت الخطة؟ بل: هل هناك قدرة على تعديلها حين يقتضي الواقع ذلك؟

الاقتصاد العالمي نفسه يمر بمرحلة إعادة تقييم عميقة؛ أسعار فائدة مرتفعة، تقلبات في سلاسل الإمداد، تغيّرات جيوسياسية، وضغوط على أسواق رأس المال. في مثل هذا المناخ، تصبح المرونة الإستراتيجية ميزة تنافسية، لا ترفاً إدارياً. فالدولة التي تمتلك الجرأة على إعادة ترتيب أولوياتها في الوقت المناسب، تحمي استدامتها المالية، وتعزز كفاءة إنفاقها، وتمنح مشاريعها فرصة نجاح أعلى.

ولا يمكن قراءة هذه المراجعات بمعزل عن الاستحقاقات الكبرى التي تقف على الأفق، وعلى رأسها استضافة المملكة لمعرض Expo 2030، واستعداداتها لتنظيم كأس العالم 2034. فهذه ليست فعاليات عابرة، بل جداول زمنية ملزمة عالمياً تتطلب جاهزية بنية تحتية، وتسارعاً في التنفيذ، وتكاملاً لوجستياً بين قطاعات متعددة. وعندما تعيد الدولة ترتيب تدفقاتها الاستثمارية بما يتوافق مع هذه الاستحقاقات، فإنها لا تقلّص طموحها، بل تُحسن توزيع رأس المال وفق أولويات زمنية واضحة، تضمن الجاهزية دون إرهاق للمنظومة.

لكن الأهم من إعادة الجدولة هو ما يجري في العمق. فالمرحلة الحالية لا تقتصر على ضبط الإيقاع، بل تعبّر عن انتقال أعمق من بناء قطاعات متوازية إلى تكامل منظومات اقتصادية مترابطة. فبعد سنوات من الاستثمار طويل الأمد في تأسيس قطاعات إستراتيجية منذ 2017، تدخل المنظومة اليوم مرحلة أكثر نضجاً، حيث تتداخل الصناعة مع الخدمات، وتتقاطع اللوجستيات مع السياحة، وتُبنى القيمة عبر شبكة مترابطة لا عبر مشروعات منفصلة.

هذا التحوّل يعني أن النمو لم يعد قائماً على إطلاق الفرص بقدر ما أصبح معنياً بتسريع أثرها. كما أنه يعيد تعريف دور القطاع الخاص، من مستفيد من الإنفاق إلى شريك محوري في توليد العائد. ومع كل إعادة ترتيب للاستثمارات، تنشأ مساحات أوسع أمام المستثمرين المحليين والدوليين لملء الفراغات التشغيلية، وتطوير الخدمات، وتعظيم القيمة من البنية التحتية التي أُسّست خلال السنوات الماضية.

فالتحوّل الجاري ليس انكماشاً، بل انتقال من مرحلة التأسيس إلى مرحلة التمكين، ومن ضخ رأس المال إلى تعظيم كفاءته. وهنا يصبح دور الدولة أكثر دقة: أن تبني الإطار، وتضبط الإيقاع، وتترك للمحرك الاقتصادي القطاع الخاص مساحة أوسع لقيادة النمو المستدام.

لهذا، فإن المرونة الإستراتيجية ليست علامة ارتباك، بل علامة ثقة. والثقة في الاقتصاد لا تعني الجمود، بل القدرة على التحرك في الوقت المناسب. ومن يقرأ التحوّلات الأخيرة بهذه الزاوية، يدرك أن إعادة ترتيب الأولويات ليست تقليصاً للحلم، بل حماية له. وأن الطموحات الكبرى، كي تزدهر، تحتاج إلى إدارة ذكية بقدر ما تحتاج إلى رؤية جريئة.

00:06 | 13-02-2026

حين تُستدعى العدالة إلى موائد الموتى

في الفضاء العام، لا تقتصر خطورة بعض الأطروحات على مضمونها فحسب، بل تتجاوز ذلك إلى الطريقة التي تُقدَّم بها. فحين تُطرح القضايا الكبرى بأسلوب صادم، خالٍ من التأصيل، فإنها لا تُناقش الفكر بقدر ما تُستفز به المشاعر، ولا تبحث عن حلول بقدر ما تبحث عن التفاعل.


فعلى سبيل المثال، خرج أحد المغردين مؤخراً بتغريدة، ليُسوق من خلالها لفكرة مفادها فرض ضرائب على أموال الميراث إذا تجاوزت رقماَ معيناً، وطرحها بوصفها خياراً طبيعياً، بل وضرورياً، وكأنها نتيجة اقتصادية مكتملة لا تحتمل النقاش. لم تُقدَّم الفكرة في إطار مؤسسي، ولا ضمن رؤية مالية شاملة، بل عُرضت بصيغة استفزازية، ثم دُفع بها إلى أقصى حدود الجدل، وكأن الغاية ليست اختبار صحتها، بل اختبار قدرتها على إشعال التفاعل.


وهنا لا نكون أمام نقاش اقتصادي جاد، بل أمام نموذج لتسويق الجدل بوصفه رأياً. الأخطر من الفكرة ذاتها هو الدفاع عنها باعتبارها أمراً «عادياً» أو متوقعاً، والتعامل مع الاعتراض وكأنه رفض غير مفهوم، في إيحاء ضمني بأن الدولة يمكن أن تتماهى مع طرح مرتجل لمجرد أنه تصدّر المشهد الرقمي.


وهنا تكمن المشكلة الحقيقية، فالدول العظيمة، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، لا تُدار عبر منصات التواصل، ولا تُبنى سياساتها المالية عبر «تغريدات» أو أطروحات رقمية. أي نقاش حول الضرائب أو العدالة المالية يكون دائماً مبنياً على أرضية صلبة: رؤية اقتصادية واضحة، أثر اجتماعي محسوب، حماية للمواطن، وربط مباشر بين أي عبء مالي وبين منفعة عامة تعود على المجتمع قبل أن تعود على الخزينة.


أما القفز مباشرة إلى طرح يمس ميراث الناس، والتلويح به كأداة لإعادة التوزيع، دون أي إطار قانوني أو اجتماعي أو شرعي، فهو طرح يتجاهل أبسط الحقائق. فالميراث ليس حكراً على فئة بعينها؛ قد يكون قليلاً أو كثيراً، وقد يطال مختلف شرائح المجتمع. وتسويقه بهذه الطريقة يوحي ضمنياً بأن الدولة قد تمتد إلى أموال الناس الخاصة لإرضاء شعور طبقي، وكأن الاقتصاد يُدار بمنطق نقل الثروة لا بمنطق إنتاجها.


ويزداد الخلل في هذا الطرح حين تُقدَّم فكرة أن أخذ المال بعد وفاة صاحبه يُعد «ميزة» بحد ذاته، على أساس أن المتوفى لن يتضرر. هذا التصور يتجاهل حقيقة قانونية وإنسانية أساسية: أن الحق في الميراث لا يبقى معلقاً باسم المتوفى، بل ينتقل فوراً إلى ورثته، ويصبح ملكاً خالصاً لهم قبل أن يكون مالاً «متروكاً» بلا صاحب. فالألم، خلافاً لما يُروَّج، لا ينتهي بالوفاة، بل يبدأ غالباً عندها؛ حيث ينتقل العبء النفسي والمعيشي إلى أسر فقدت معيلها، وأبناء انتقلت إليهم المسؤولية قبل أن تنتقل إليهم الثروة. والنظر إلى الميراث بوصفه مالاً يمكن المساس به لأنه لم يعد «يؤلم صاحبه» هو اختزال قاسٍ يتجاهل أن الملكية تغيّرت، وأن المساس بها لا يقع على ميت، بل على أحياء.


هذا النوع من الخطاب لا يمت إلى العدالة الاجتماعية بصلة، ولا يوجد له أصل في الشريعة الإسلامية التي نظّمت الميراث بدقة، وحمته من العبث، وجعلته حقاً ثابتاً لا مجال للاجتهاد الشعبوي فيه. ولم تعرف دولتنا الرشيدة، عبر تاريخها، فكرة التلويح بأموال الناس لإثارة الترقب أو استمالة الغضب، لأن العدالة في ثقافتنا لا تُبنى على التحريض، بل على التكافل المنضبط.


إن أقرب تشبيه لمثل هذه الأطروحات هو ذلك الخيال السينمائي الذي تقدمه أفلام «روبن هود»، حيث تُختزل العدالة في أخذ المال من طرف وتسليمه لآخر، دون إدراك أن الدول لا تُبنى بهذه السذاجة، ولا تُدار بهذه الرومانسية الزائفة. فالدولة الحديثة لا تحارب الثروة، بل تنظمها، ولا تستهدف النجاح، بل تحفّزه ليعود بالنفع على الجميع.


الأدهى من الفكرة نفسها هو الاستهانة بعقل المجتمع. فطرح القضايا السيادية الحساسة بهذه الطريقة يفترض أن الناس تُقاد بالاستفزاز، وأن الوعي الجمعي يمكن جره خلف أي شعار صادم. وهذا افتراض خاطئ. فالمجتمع السعودي، بتجربته ووعيه، بات يميّز بين النقاش الجاد وبين الاستعراض، وبين الفكر الحقيقي وبين البحث عن المتابعات.


القضايا السيادية ليست مادة للتجريب الإعلامي، ولا منصة لبناء حضور رقمي سريع. ومن يطرح فكرة عليه أن يتحمّل مسؤولية طرحها علمياً، وقانونياً، وأخلاقياً، لا أن يُلقي بها ثم يتعامل مع الاعتراض وكأنه رد فعل غير مفهوم.


عليه، فإن احترام الدولة يبدأ باحترام منهجها، واحترام المجتمع يبدأ بعدم استغفال وعيه. أما تحويل القضايا الكبرى إلى أدوات استفزاز رقمي، فهو لا يخدم فقيراً، ولا ينصر عدالة، ولا يبني اقتصاداً، بل يضيف طبقة جديدة من الضجيج في وقت نحن أحوج ما نكون فيه إلى العقل.

00:08 | 9-02-2026

الأمير يعِد.. نزاهة تُنفّذ.. والوطن يزدهر

لم تعد مكافحة الفساد في المملكة العربية السعودية ملفاً يُفتح عند الحاجة، ولا حملة تُستدعى عند ارتفاع الصوت، بل أصبحت مسار دولة يُدار بهدوء، ويُنفّذ بثبات، ويُقرأ من نتائجه لا من بياناته. فما نشهده اليوم ليس تصعيداً استثنائياً، بل انتظام مؤسسي يعكس انتقال الدولة من مرحلة الإعلان إلى مرحلة القاعدة، ومن منطق الاستثناء إلى منطق الحوكمة.

وفي هذا السياق، يأتي الإعلان الأخير الذي باشرت فيه هيئة مكافحة الفساد (نزاهة) عدداً من القضايا المتنوعة، ليؤكد أن هذا المسار لم يعد وصفاً نظرياً، بل ممارسة مستمرة. فالإعلان لا يُقرأ بمعزل عمّا سبقه، ولا يُفهم بوصفه حالة منفردة، بل حلقة جديدة في نمط عمل واضح تتقدّم فيه المساءلة بهدوء، وتتّسع فيه الدائرة دون ضجيج.

اللافت في الجهود الأخيرة لهيئة مكافحة الفساد ليس كثافة القضايا فحسب، بل طبيعتها المتنوعة واتساع نطاقها. فالمساءلة لم تتوقف عند قطاع حكومي تقليدي، ولا عند موظف مدني على رأس عمله، بل امتدت لتشمل قطاعات مختلفة ذات طبيعة متباينة: جهات صحية وخدمية، أمانات ومرافق عامة، أطراف ذات صلة بالعمل العسكري أو الأمني، كيانات في القطاع الخاص، وأشخاص لم يعودوا أصلاً في مواقعهم الوظيفية. هذا التنوع لا يمكن قراءته بوصفه وقائع منفصلة، بل كمشهد واحد متكامل يعكس فهماً عميقاً لطبيعة الفساد كما هو في الواقع، لا كما يُختزل في الصورة النمطية.

الأهم أن بعض هذه القضايا لم يكن جوهرها الاستيلاء المباشر على المال العام، بل ممارسات أخرى لا تقل أثراً على عدالة الدولة، كالتدخل في الإجراءات، أو استغلال النفوذ، أو التوسط للتوظيف لأفراد العائلة، أو تسهيل مسارات كان يفترض أن تحكمها قواعد واضحة ومتكافئة. وهنا يظهر التحوّل الجوهري في المقاربة؛ فالفساد لم يعد يُقاس فقط بما أُخذ، بل بما اختل في الإجراء، وبما تضرر في مبدأ تكافؤ الفرص، وبما تزعزع في ثقة الناس بالنظام نفسه.

وتُحسب لنزاهة ومنسوبيها، إدارتها لهذا الملف بمنهج هادئ ولغة مؤسسية صارمة، بعيداً عن الاستعراض أو الانتقائية. فلا أسماء تُلوَّح، ولا قطاعات تُستثنى، ولا زمن يُتخذ ذريعة للإفلات. بل عمل تراكمي يراكم الثقة، ويؤكد أن النزاهة لم تعد شعاراً أخلاقياً، بل ركيزة من ركائز الدولة المتقدمة.

غير أن هذا التحوّل لم يكن ليتحقّق لولا لحظة تأسيسية واضحة في مسار الدولة، حين قال سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بوضوح وحسم إن من دخل في قضية فساد لن ينجو، سواء كان أميراً أو وزيراً أو أيّاً كان، وإن كل من تتوافر عليه الأدلة الكافية سيُحاسَب. لم يكن هذا القول تعبيراً عن حزم عابر، ولا رسالة ردع وقتية، بل إعلان صريح عن طبيعة الدولة التي يُراد بناؤها، وعن البيئة التي لن يُسمح للفساد أن يتنفس فيها.

قيمة هذا القول لم تكن في قوته اللفظية فحسب، بل في ما ترتب عليه. فقد تحوّل إلى مبدأ حاكم، وحُمّلت به مؤسسات الدولة التزاماً صريحاً، ثم تُرك لها أن تُثبته بالفعل، لا بالضجيج. وهنا تتجلى إحدى أهم سمات القيادة: أن تقول ما يعنيه القول، ثم تمضي لتبني منظومة تُجبر نفسها قبل غيرها على الالتزام به، وتحوّل الوعد إلى بيئة عمل لا تسمح بالالتفاف أو التراخي.

بهذا المعنى، لا يُقرأ المشهد الراهن بوصفه حملة، بل ثمرة مسار طويل. مسارٌ أُريد له أن يكون معياراً لجدية الدولة في مواجهة الفساد، لا باعتباره خللاً إدارياً فحسب، بل كونه خطراً استراتيجياً على الثقة والاستقرار والازدهار. ومن هنا، لم تعد مكافحة جذور الفساد شأناً رقابياً فحسب، بل جزء أصيل من مشروع الدولة الحديثة التي تُدار بالقانون، وتُبنى بالمساءلة، وتزدهر بالعدالة.

وفوق ذلك كلّه، باتت الرسالة واضحة لمن أراد أن يقرأها بهدوء: أن الفساد لم يعد رهاناً على الزمن، ولا على التقاعد، ولا على تغيّر المواقع. فالدولة التي اختارت هذا المسار تمتلك من الأدوات النظامية، والآليات المؤسسية، والقدرات التقنية، ما يجعل عينها ساهرة على المال العام، وقادرة على تتبّع المخالفات واسترداد الحقوق ولو بعد حين. هنا لا يُراهن على النسيان، ولا تستباح التبرئة بانقضاء السنوات، ولا تمنح الصفة السابقة حصانة لاحقة. فالمساءلة في هذا النموذج ليست لحظة، بل مسار، ولا تتوقف عند اكتشاف الخطأ، بل تمتد حتى يُستعاد الحق وتُغلق الملفات على عدالة كاملة. وهكذا، لا يخرج القارئ بوعيد، بل بيقين راسخ: أن من دخل في قضية فساد، أيّاً كان موقعه أو زمنه، لن ينجو منها.

00:10 | 6-02-2026

في الاتحاد.. حيث لا تكفي السيرة الذاتية وحدها

في الأندية الكبرى والجماهيرية، لا تكون السيرة الذاتية لرئيس النادي ضمانة للنجاح، ولا الخبرة الإدارية شهادة عبور. فهناك كراسي، حين يُجلس عليها، تفرض شروطها الخاصة، وتكشف سريعاً الفارق بين من يملك المؤهلات النظرية، ومن يملك القدرة على القيادة في الميدان.


حين جاء فهد سندي إلى رئاسة نادي الاتحاد، لم يأتِ محمولاً على صراع انتخابي مشتعل، ولا وسط تنافس برامج أو رؤى متباينة. بل جاء في ظرف استثنائي، بعد انسحاب المرشحين وبقائه وحيداً في مشهد المنافسة، وفي مرحلة كان الاتحاديون فيها يبحثون عن الاستقرار أكثر من بحثهم عن الأسماء. ورغم ذلك، أحاط الجمهور الرجل بتفاؤل صادق، وتفاعل إيجابي، لا لأنه ابن مدرج أو كونه رمزاً جماهيرياً، بل لأن سيرته الإدارية أوحت بأن النادي قد يجد أخيراً يداً منظمة في مرحلة مضطربة.


غير أن التجربة سرعان ما كشفت أن إدارة نادٍ عريق مثل الاتحاد لا تُختزل في الخبرة الإدارية وحدها، مهما بلغت من الاحتراف والانجازات الموسسية. فالأندية الجماهيرية لا تُدار بعقل الشركة، ولا تُقاس بمعايير المؤسسات التقليدية. بل هي منظومات معقّدة، تتداخل فيها الفكرة الرياضية، والقدرة المالية، والحضور الجماهيري، وفهم رمزية الكيان، قبل أي مهارة تنظيمية أو إدارية، وهي ما كانت بكل تاكيد تنقص الرئيس الحالي للنمور.


فمنذ البدايات الأولى للادارة الحالية، بدت الإشارات مقلقة. فالتجربة لم تنطلق برؤية رياضية واضحة، ولا بمشروع يُقنع الجماهير بأن ما هو قادم يستحق الصبر. ومع توالي التعثرات، انتقل المشهد من محاولة احتواء الغضب إلى الانغماس فيه، حين اختار الرئيس أن يكون حاضراً في كل نقاش، يرد على كل تغريدة، ويبرّر كل قرار، ويشرح كل تأخير، ظناً منه أن الشفافية تعني التفاعل الدائم، وأن امتصاص الغضب يكون بالحضور المستمر.


لكن كرة القدم لا تعترف بهذا المنطق. فالردود، حين لا تسندها نتائج، تتحوّل من شفافية إلى تبرير، ومن حضور إلى إنهاك للمنصب. وشيئاً فشيئاً، تآكلت هيبة الكرسي، وتحول موقع القرار إلى مساحة جدل يومي، في وقت كانت الجماهير تبحث عن أفعال لا تفسيرات، وعن صمت يُنتج قرارات، لا كلام يُضاعف القلق.


وعلى أرض الملعب، لم تكن الصورة أفضل حالاً. فبدءاً من تعاقدات باهته بلا أثر، مروراً بالتساهل والتفريط في عناصر مؤثرة في الفريق، وانتهاءً بغياب تام لأي ملامح تنبئ بنجاح مشروع رياضي. ومع كل جولة، كان الإحساس يتعمق بأن الاتحاد -هذا الكيان الذي اعتاد أن يفرض نفسه- بات أشبه بنادٍ بلا مخالب، لا لضعف لاعبيه وحدهم، بل لغياب الرؤية التي تحميهم وتستثمر فيهم.


وحين تتوالى الإشارات السلبية منذ البداية، فإن النهايات نادراً ما تكون مفاجئة. فكما يقول المثل العربي البليغ: «ليالي العيد تبان من عصاريها». وحين تكون «العصاري» مثقلة بالارتباك، ومتخمة بالتبرير، فإن انتظار العيد لا يحمل في الغالب بشائر، بل يطيل زمن الخيبة. لذلك لم يعد الصبر على التجربة فضيلة، بقدر ما أصبح مغامرة قد تنتهي بمفاجأة سلبية أشد ضرراً من الحسم المبكر.


وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون الخروج من المشهد قسوة، بل ضرورة لحماية الكيان من مزيد من الاستنزاف.


وفي ذروة هذا المسار، جاء خبر انتقال كريم بنزيما إلى نادي الهلال، في واقعة شكّلت صدمة رمزية لجمهور يرى في الاتحاد أكثر من نادٍ، ويرى في نجومه جزءاً من هيبته وتاريخه. لم يكن الحدث في ذاته هو المشكلة، بقدر ما كان تتويجاً لمسار فقد فيه الاتحاد قدرته على فرض شروطه، وحماية رمزيته، وإدارة ثقله كما يليق به.


وبمنطق التقييم الهادئ، لا المنفعل، يمكن القول إن تجربة فهد سندي ستُدرج ضمن أكثر التجارب التي أساءت فهم طبيعة كرسي رئاسة الاتحاد. ليس لأنه الأسوأ نية، ولا لأنه الأقل كفاءة إدارية، بل لأنه أخطأ في قراءة الكيان الذي يديره. ففي تاريخ الاتحاد، مرّ رؤساء كُثر، بعضهم تعثّر مالياً، وبعضهم أخفق رياضياً، لكن القلّة فقط هم من أخطأوا في فهم العلاقة بين الرئيس والنادي نفسه؛ أن الاتحاد لا يُدار كملف، ولا يُحتوى بالتصريحات، ولا يُطمْأَن بالردود.


وهنا تتجاوز المسألة حدود الأشخاص. ففهد سندي، بكل إنصاف، ليس رجلاً سيئاً، ولم يأتِ بنيّة الإضرار بالاتحاد. لكن التجربة أثبتت أن حسن النية، حين لا يُرافقه فهم عميق لطبيعة القيادة الرياضية والجماهيرية، قد يتحول من نقطة قوة إلى عبء ثقيل. فإدارة نادٍ مثل الاتحاد تحتاج رئيساً يعرف متى يصمت، ومتى يقرّر، ومتى يترك النتائج تتحدث، ويدرك أن الكرسي ليس مساحة تواصل، بل موقع اختبار قاسٍ لا يرحم.


فالاتحاد ليس مجرد كيان إداري، بل حالة جماهيرية، وثقل رياضي، وتاريخ لا يمنح الفرص مرتين لمن لا يحسن التعامل معه. ومن يتصدّر لإدارته، يجب أن يمتلك أكثر من سيرة ذاتية جيدة، وأكثر من خبرة تنظيمية؛ يمتلك فهماً راسخاً لطبيعة النادي، وضغطه، ورمزيته، وحساسية جماهيره.


وتجربة فهد سندي، بكل ما حملته من آمال وخيبات، تقدّم درساً مؤسسياً بالغ الأهمية؛ أن الأندية الكبرى لا تُدار بعقل إدارة منظومة خدمية أو تجارية، ولا بعاطفة المدرج، بل بمزيج نادر يجمع بين الحزم، والرؤية، والقدرة على تحمّل الصمت حين يكون الصمت أبلغ من ألف تبرير.

00:03 | 3-02-2026

تملك الأجانب للعقار.. هكذا تُدار الفرص

لم يعد قرار تملك الأجانب للعقار في المملكة يُقرأ بوصفه خطوة اختبار أو استجابة ظرفية، بل باعتباره نتيجة طبيعية لمرحلة نضج وصلت إليها السعودية في إدارتها للاقتصاد والاستثمار. فالدولة التي تفتح هذا الملف اليوم، تفتحه وهي تعرف بالضبط أي نوع من المستثمرين تريد، وأي علاقة تسعى لبنائها معه: علاقة تتجاوز الشراء إلى الاستقرار، وتتخطى الصفقة إلى بناء حياة.

المقصود هنا ليس السماح بالتملك بمعناه المجرد، بل إدخاله ضمن منظومة منظمة ومفهومة. التملك لم يعد قراراً فردياً معزولاً، بل إجراءً يمر عبر قنوات واضحة، ومنصات رقمية محدّدة، وشروط معلنة، تتيح لمن يدخل السوق أن يعرف منذ البداية أين يمكنه التملك، وما نوع العقار، وما الغرض منه، وما الالتزامات المرتبطة به. هذه الشفافية لا تُختصر الزمن فقط، بل تُعيد تعريف العلاقة بين المستثمر والنظام، من علاقة قائمة على الاجتهاد إلى علاقة قائمة على القاعدة.

ومن يقرأ هذا القرار من خارج المملكة، يدرك أن الرسالة ليست موجهة لمن يبحث عن صفقة سريعة، بل لمن يفكر في الانتقال، وربط استثماره بحياته اليومية. فحين تكون إجراءات التملك واضحة، والتسجيل منضبطاً، والتحقّق إلكترونياً، فإن السوق يقول ضمناً: هنا يمكن التخطيط، لا المناورة. هنا يمكن بناء أصل طويل الأمد، لا إدارة مخاطرة قصيرة.

هذا النوع من التنظيم يخدم المستثمر بقدر ما يخدم الدولة. فاليقين النظامي، لا الاتساع المطلق، هو ما يقلل المخاطر ويجعل القرار أسهل. ومن يملك عقاراً ضمن هذه المنظومة، لا يملك أصلاً جامداً فحسب، بل يدخل بيئة جاذبة ومتكاملة، تتيح له العمل، والإقامة، والتشغيل، وبناء شبكة علاقات اقتصادية واجتماعية. العقار هنا يصبح جزءاً من حياة، لا مجرد بند في محفظة.

وفي الداخل، لا يمكن تجاهل أثر هذا القرار على السوق المحلي. نعم، من الطبيعي أن يفتح الباب نقاشاً حول الأسعار، وحول المنافسة، وحول تغيّر موازين العرض والطلب. لكن التجربة الاقتصادية تشير إلى أن السوق يتضرر حين يُدار بالخوف، لا حين يُدار بالتنظيم. دخول طلب جديد، حين يكون منضبطاً، لا يعني بالضرورة إضعاف فرص المواطن ضمن معادلة التملك، بل قد يدفع باتجاه تحسين المنتج، ورفع الجودة، وتوسيع العرض، وتحفيز المطوّرين المحليين على الابتكار بدل الاكتفاء بالحلول التقليدية.

المنافسة هنا ليست تهديداً تلقائياً، بل أداة ضبط. السوق الذي يعرف أن الطلب متنوع، وأن المعايير واضحة، يتجه بطبيعته إلى تحسين القيمة، لا الاكتفاء برفع السعر. والمواطن، في نهاية المطاف، يستفيد من سوق أكثر نضجاً، سواء من حيث جودة المنتج، أو تنوع الخيارات، أو استقرار المعايير.

السعودية، في هذا السياق، لا تبيع عقاراً بقدر ما تعرض نموذجاً. نموذج يقول إن الفرص لا تُترك بلا إدارة، وإن الانفتاح لا يأتي قبل التنظيم، وإن من يدخل السوق اليوم يدخل وفق قواعد تعرف ماذا تريد منه، وماذا تضيف به. وهذا بحد ذاته تحوّل في العقلية الاقتصادية، قبل أن يكون تحوّلاً في الأنظمة.

بهذا الفهم، لا يكون تملك الأجانب للعقار عنواناً منفصلاً، بل جزءاً من قصة أوسع عن اقتصاد قرر أن ينتقل من جذب الفرص إلى إدارتها، ومن رد الفعل إلى التصميم. وهكذا تُدار الفرص في السعودية:

بهدوء، وبثقة، وبمنظومة تعرف كيف توازن بين الداخل والخارج دون أن تخسر أيّاً منهما.

00:05 | 30-01-2026

ريادة الأعمال تبدأ باحترام المكان

لم تعد عربات الطعام المتنقلة (food truck) مجرد ظاهرة عابرة أو موضة مؤقتة، بل تحوّلت إلى مساحة حقيقية لريادة الأعمال، ومنفذ ذكي للشباب لإطلاق أفكارهم، واختبار مشاريعهم، وبناء مورد رزق مشروع بأدوات بسيطة وطموح كبير. وهي، في جوهرها، تجربة إيجابية تستحق الدعم والتمكين؛ لأنها تعكس روح المبادرة، والعمل الحر، والقدرة على الابتكار خارج الأطر التقليدية.

غير أن نجاح أي فكرة لا يُقاس بانتشارها وحده، ولا بعدد من دخلوا هذا المجال، بل بقدرتها على التعايش المنظّم مع المكان الذي تعمل فيه. وهنا تحديداً تبدأ الإشكالية؛ إذ إن بعض المواقع المخصصة لعربات الطعام، رغم وضوح تنظيمها من حيث الوقوف والتجمع، تتحوّل بعد مغادرتها إلى مساحات مثقلة بالمخلفات وبقايا العمل، وكأن المكان مؤقت بلا أثر، أو أن تنظيفه مسؤولية جهة أخرى ستأتي لاحقاً لمعالجة ما تُرك خلفها.

الإشكال ليس في الفكرة، ولا في نوايا الشباب من أصحاب هذه المشاريع، ولا حتى في كثرة العربات، بل في غياب الربط الواضح بين الاستفادة من المكان والالتزام تجاهه. فالمكان العام ليس منصة عمل فحسب، بل جزء من المشهد الحضري، وحق مشترك للمجتمع، واحترامه ليس ترفاً تنظيمياً، بل أساس من أسس الاستدامة لأي نشاط اقتصادي.

ومن الخطأ الاعتقاد أن وجود تصريح رسمي أو ترخيص نظامي كافٍ وحده لضمان جودة التجربة. فالتصريح يُنظّم النشاط، لكنه لا يكفي لضمان أن الأثر بعد انتهاء اليوم سيكون إيجابياً. النظافة، والالتزام بالمحيط، وترك الموقع كما كان أو أفضل يجب أن تُعامل باعتبارها جزءاً من معايير التشغيل، لا مجرد مسألة تُترك لحسن النية أو لتدخل لاحق من البلدية.

التنظيم الذكي لا يعني التعقيد، ولا فرض أعباء مرهقة على أصحاب المشاريع، بل يعني وضع معادلة واضحة وبسيطة: من يستفيد من المكان، يلتزم بحمايته. ويمكن ترجمة ذلك عملياً من خلال اشتراطات واضحة، مثل إلزام صاحب العربة بتنظيف موقعه قبل المغادرة، وتوثيق ذلك بصرياً، أو ربط الاستمرار في الموقع أو تجديد التصريح بسجل الالتزام بالنظافة والانضباط العام.

بل يمكن التفكير في آليات أكثر نضجاً، كاعتماد تقييم دوري للمواقع، أو اشتراط تقديم ما يثبت الالتزام بنظافة المكان، لا باعتباره إجراءً عقابياً، بل جزءاً من الثقافة المهنية للمشروع. فكما يُطلب الالتزام باشتراطات السلامة الغذائية داخل العربة، يجب أن يُنظر إلى محيطها الخارجي بوصفه امتداداً مباشراً للنشاط نفسه.

لذا، فحين يُربط الترخيص أو الاستمرار في الموقع بسجل الالتزام، تتحوّل المسألة من عبء رقابي إلى ثقافة عمل. فصاحب المشروع الذي يحرص على نظافة موقعه، لا يحمي المدينة فحسب، بل يحمي مشروعه، وسمعته، وثقة المجتمع فيه. وهو بذلك يرسل رسالة غير مكتوبة مفادها أن الريادة ليست بيع منتج فقط، بل إدارة أثر.

وختاماً، فإن ريادة الأعمال لا تبدأ من العربة، ولا من وصفات الطعام، ولا من التسويق، بل من احترام المكان الذي منح المشروع فرصته الأولى. فالمشاريع الصغيرة تنجح، وتكبر، وتستمر، حين تدرك أن الأثر الذي تتركه بعد انتهاء اليوم، لا يقل أهمية عن الربح الذي حققته خلاله.

00:02 | 23-01-2026

آن الأوان لتسمية الأمور بمسمياتها

لم تكن المملكة العربية السعودية منذ نشأتها دولة تتخذ قراراتها بمبدأ ردّات الفعل، ولا تُدار سياساتها الإقليمية بمنطق الانفعال أو الاستجابة اللحظية. فمنذ تأسيسها على يد المؤسس المغفور له الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن، اعتمدت المملكة نهجًا ثابتًا في التعامل مع القضايا المعقّدة: حسن النوايا، وضبط النفس، وإتاحة المخارج للطرف الآخر قبل تثبيت المواقف. هذا النهج لم يكن يومًا تعبيرًا عن تردد، بل سلوك دولة تعرف وزنها، وتدرك أن إدارة الخلاف أحيانًا أكثر حكمة من تحويله إلى صدام مفتوح.


لهذا، ومن منطلق حكمة القيادة آثرت السعودية التحلي بصمت الكبار، وتجاوزت كثيرًا، وغضّت الطرف عن ممارسات لم تكن خافية عليها، لكنها آثرت اختبار النيّات بالفعل لا بالخطاب، ومنحت الوقت فرصةً لإعادة قراءة المصالح بمفهوم الدولة لا بمنطق الأدوات. غير أن حسن النوايا، حين يُساء تفسيره، يفقد معناه، وضبط النفس حين يُقابَل بالتمادي لا يعود فضيلة. ومن هنا، يصبح من المشروع ومن الواجب الانتقال إلى مرحلة تسمية الأمور بمسمياتها.


وفي هذا الإطار، لا بد بداية وضع لقاء القيادات والشخصيات الجنوبية الذي عُقد في الرياض مطلع الأسبوع الحالي في سياقه الصحيح. فهذا اللقاء لم يكن مؤتمرًا جامعًا، ولا تمثيلًا شاملًا للجنوب، بل اجتماع تشاوري لمكوّن واحد، يندرج ضمن مسار تمهيدي لحوار جنوبي شامل سوف ترعاه المملكة وتستضيفه بوصفه الإطار الوحيد القادر على التعبير عن الإرادة الجنوبية بكل أطيافها. تقديم الاجتماع بغير وصفه الدقيق لا يخدم القضية الجنوبية، بل يختزلها؛ وهنا تقتضي الأمانة السياسية تسمية الأمور بمسمياتها: خطوة تمهيدية لا تفويضًا سياسيًا.


فالقضية الجنوبية، في أصلها التاريخي، قضية عادلة ومشروعة، ولا خلاف على مركزيتها في أي حل دائم. لكن عدالة القضية لا تعني حصانتها من الاختطاف، ولا تبرّر اختزالها في شخص أو كيان. فالخلط بين المطالب الجنوبية المشروعة وبين ممارسات سياسية أضرّت بهذه المطالب وفي مقدمتها ممارسات عيدروس الزبيدي أفضى إلى تعميق الانقسام، وتوظيف الشارع لمكاسب شخصية، وإضعاف فرص الحل الجامع. حين نُجرّد الحدث من زخمه الإعلامي، يتضح أن الإشكال ليس في القضية، بل في من حاولوا توظيفها خارج مسار الحوار الشامل.


ومن الضروري هنا التأكيد على حقيقة واضحة، تتمثل في أحقية بقاء خيارات أبناء الجنوب بيدهم، وأن المملكة ليست في موقع الوصاية على أي خيار سياسي يرتضيه النسيج المجتمعي الجنوبي بما في ذلك خيار الانفصال متى ما جاء ثمرة حوار جنوبي–جنوبي صرف وشامل لا يفرضه شخص أو جهة ولا يحتكره مكوّن من خارج الإقليم. وهو ما حاولت المملكة رفضه من منطلق رفض فرض الأمر الواقع واحتكار التمثيل، وإقصاء أي فصيل من حق النقاش وتعدد الآراء. هذا الفارق ليس لغويًا، بل جوهري؛ وهو الفارق بين منطق الدولة ومنطق المغامرة.


ومن باب الإنصاف، عند قراءة الأزمة من زوايا المشهد الراهن، ألّا يتم التعامل مع الحوادث الأخيرة في منطقة الجنوب بوصفها حادثة معزولة عن سياقها الزمني. فالدور الذي لعبته أبوظبي في اليمن لم يبدأ بالأمس، ولا يمكن فصله عن مسار متراكم من التدخلات التي راكمت الوقائع على الأرض: من دعم تشكيلات مسلحة خارج إطار الدولة، إلى فرض مراكز نفوذ موازية، ثم الانتقال إلى توظيف هذا الواقع سياسيًا وإعلاميًا. هذا المسار الذي قوبل طويلًا بصبر سعودي محسوب، لم يكن خافيًا على الرياض، لكنه أُعطي من الوقت أكثر مما يستحق، على أمل أن تُعاد قراءة المصلحة المشتركة بمنطق الدولة لا بمنطق الأدوات. وهنا يصبح لزامًا تسمية الأمور بمسمياتها: إن ما قُدِّم دعمًا للاستقرار انتهى عمليًا إلى إطالة أمد الأزمة وتعقيد مسارات الحل.


وحين تتشابه النتائج في أكثر من ساحة في اليمن كما في السودان، وفي الصومال، وفي ليبيا، فإن الإشكال لا يعود مرتبطًا بخصوصية كل ملف، بل بنهج واحد في إدارة النفوذ. عند هذه النقطة، يصبح من غير الدقيق الاستمرار في توصيف هذه الممارسات بوصفها دعمًا للاستقرار، بينما هي عمليًا تعيد إنتاج الفوضى وتطيل أمد الأزمات. وهنا تقتضي المسؤولية السياسية تسمية الأمور بمسمياتها: المشكلة في ممارسات حكومة أبوظبي وأدواتها على الأرض، لا في النوايا المعلنة ولا في الخطاب المصاحب.


في المقابل، اختارت قيادة المملكة مسارًا مغايرًا. لم تتعامل مع الجنوب كورقة تفاوض، ولا مع القضية الجنوبية كأداة ضغط، بل كملف سياسي يستوجب الرعاية لا الاستثمار. اللقاءات التي استضافتها الرياض، والتواصل المؤسسي مع القيادات والشخصيات الجنوبية، أسهما في تعميق فهم أبعاد القضية ورفع مكانتها السياسية، وأنتجا نتائج ملموسة، من تسريع معالجة أزمة صرف المرتبات إلى إعلان دعم اقتصادي وتنموي بقيمة 1.9 مليار ريال. هذا الفارق لا يحتاج إلى تزيين إعلامي؛ لأنه فارق نهج لا خطاب.


أما الشارع في عدن، فلا يمكن اختزاله في شخص، ولا يُفهم بوصفه تفويضًا لزعامة فردية. المظاهرات تعبّر عن قضية عادلة، لا عن أجندة ضيقة. استغلال هذا الغضب المشروع لخدمة تدخلات خارجية وتحديدًا أجندة أبوظبي إساءة للقضية قبل أن تكون إساءة للجنوب. هنا أيضًا يجب وضع الوصف في مكانه الصحيح.


لذا، فإن أخطر ما يرافق هذه المرحلة ليس السلوك على الأرض فحسب، بل الشحن الإعلامي الذي يحاول إعادة تعريف الصبر السعودي بوصفه ترددًا، وتصوير الوضوح بوصفه تهديدًا. والحقيقة أن الصبر السعودي لم يكن يومًا ضعفًا، وأن الوضوح القادم ليس تصعيدًا. هو انتقال محسوب من مرحلة الاحتواء إلى مرحلة ضبط المعنى، بعدما تبيّن أن استمرار التدخل الخارجي —بقيادة أبوظبي— في الشأن اليمني، والتحريض وشق وحدة الصف في مواجهة الإرهاب، يعرقل بشكل مباشر فرص الأمن والاستقرار.


وختاماً، لا بد من تثبيت المعادلة الأوضح: تسمية الأمور بمسمياتها ليست قطيعة ولا خصومة، وليست تخليًا عن الحكمة التي ميّزت السياسة السعودية. إنها لغة الدولة الواثقة حين تنتهي مرحلة الصمت ويبدأ واجب الوضوح الذي يحمي القضية الجنوبية من الاختطاف، ويحمي اليمن من الفوضى، ويؤكد أن الاستقرار الإقليمي لا يُبنى بالأدوات، بل بالدول.

23:59 | 19-01-2026

الجوازات السعودية... حين تتجاوز الخدمة معناها التقليدي

ليست كل زيارة لجهة خدمية تستوجب التوثيق، ولا كل اطّلاع يستحق أن يتحوّل إلى مقال. لكن أحياناً، تخرج من تجربة معيّنة وأنت تحمل شعوراً مختلفاً؛ شعوراً بالاطمئنان أكثر منه بالانبهار، وبالثقة أكثر من الدهشة. هذا ما تولّد لديّ بعد اطّلاع مباشر على ما يجري في المديرية العامة للجوازات، حيث لا ترى مجرد إجراءات تُنجز، بل منظومة تُدار بعقل يقرأ الحاضر بعناية، ويستعد للمستقبل بوعي واضح.


ما شاهدته عن قرب لم يكن استعراضاً لتقنيات متميزة، ولا سرداً لإنجازات، بقدر ما كان صورة لمؤسسة تجاوزت سؤال «كيف نُنجز الخدمة؟» إلى سؤال أعمق: «كيف نصمّم تجربة تحترم الإنسان، وتحمي المنافذ، وتُجسّد هيبة الدولة دون أن تثقل على من يتعامل معها؟». فقد بدا واضحاً أن هناك شعوراً بأن العمل لا يتوقف عند تلبية الحاجة الآنية، بل يتقدّم بخطى محسوبة نحو نموذج متكامل يُدار بهدوء، ويتطوّر بوتيرة متسارعة، دون ضجيج أو ادّعاء.


ومن أكثر ما لفت انتباهي أن التحوّل لم يتوقف عند الأنظمة والأتمتة، بل امتد إلى الإنسان نفسه. فالجميل في ما وقفتُ عليه أن منطق نقل الخبرة التقليدي من رتبة أعلى إلى رتبة أقل، كلٌّ بحسب فهمه واجتهاده لم يعد هو الأساس. اليوم، هناك عمل احترافي واضح على التأهيل والتدريب، من خلال معهد متكامل يُدار وفق أعلى الممارسات، لا يقوم على التلقين أو المحاضرات النظرية، بل على التدريب العملي، وبناء المهارة، ومحاكاة الواقع، وقياس الجاهزية.


الرسالة بدت واضحة: بأن لا شيء يُترك للصدفة. فالكفاءة لا تُبنى بالارتجال، ولا تُعلّق على فرد، بل تُصاغ بمنهج، وتُقاس بمعايير، وتُطوَّر باستمرار. هذا النوع من التأهيل لا يعكس فقط تطور جهة، بل يعكس عقل دولة أدركت أن الاستثمار الحقيقي يبدأ من الإنسان، وأن الأمن الحديث لا يُدار بالأدوات وحدها، بل بالعقول المؤهلة التي تعرف ماذا تفعل، ومتى تفعل، وكيف تتعامل مع التفاصيل دون ارتباك.


وخلال هذا الاطلاع، توقفتُ عند نقطة ظننت قبل السؤال أنها من الملفات التي لا تحتمل كثيراً من التغيير، وهي إجراءات استخراج تذكرة المرور المؤقتة خارج المملكة. والتي بطبيعتها، تبدو هذه الخدمة حسّاسة، وكنت أتصور أنها ستظل محكومة بإجراءات مطوّلة نسبياً، حتى لو كانت ضرورية. لكن ما سمعته ورأيته كان مختلفاً تماماً.


فاليوم أصبح هناك ربط تقني مباشر بين عدة جهات، وإجراءات مختصرة، وقدرة على إصدار تذكرة المرور للمواطن خارج المملكة في وقت قياسي واستثنائي. لذا، فالرسالة التي التقطتها من هذا التحول أن زمن القبول بالتعقيد بحجة الحساسية قد انتهى، وأن الدقة والأمن لم يعودا يتعارضان مع السرعة، بل يُداران معاً ضمن منظومة واحدة محكمة، لا تترك مجالاً للثغرات، ولا تساوم على السيادة، ولا تُهمل إنسانية الخدمة.


في هذه التفاصيل الصغيرة، تتجلى الصورة الكبرى. فالجواز لم يعد مجرد وثيقة، ولا الجهة مجرد إدارة تنفيذية، بل نقطة تماس سيادي يومي، تُختبر فيها كفاءة الدولة، ومرونة أنظمتها، واحترامها لوقت الإنسان وكرامته. وما يبعث على الطمأنينة أن هذا التحول لا يبدو منغلقاً على ما تحقق، بل منفتح على تحسين مستمر، وتطوير متسارع، ورؤية تقرأ المستقبل قبل أن يفرض نفسه.


لهذا، فإن ما يحدث اليوم في منظومة الجوازات لا يمكن قراءته كتحديث إداري عابر، بل كجزء من منظومة أوسع تفهم أن السيادة الحديثة لا تُمارس بالقوة والتنظيم فقط، بل أيضاً بجودة التجربة، ودقة الإجراء، واحترافية الإنسان الذي يقف خلف النظام.


حين تصل مؤسسة سيادية إلى هذه المرحلة من النضج، فهي لا تطوّر خدماتها فحسب، بل تعيد تعريف علاقتها بالناس. الجواز هنا يصبح رسالة صامتة تقول إن الدولة التي تحمي حدودها بكفاءة، قادرة في الوقت نفسه على أن تُقدّم خدمة راقية، سريعة، وآمنة، دون أن تفقد هيبتها أو تساوم على معاييرها.


ذلك هو المعنى الحقيقي لأن تتجاوز الخدمة معناها التقليدي.

01:50 | 18-01-2026

ورحل القوي الأمين

ليس من السهل اختصار سيرة رجل دولة في كلمات، خصوصاً حين تكون هذه السيرة قد تشكّلت بهدوء، بعيداً عن الأضواء، ومضت في مسارها بوصفها واجباً. فبعض الرجال لا يُعرفون بكثرة ما قالوا، بل بثقل ما تحمّلوا، ولا يُقاس حضورهم بعلو الصوت، بل بعمق الأثر الذي يتركونه في مؤسسات الدولة وفي ذاكرة من عملوا معهم أو عرفوهم عن قرب.

إن رحيل الفريق أول سعيد بن عبدالله القحطاني ليس خبر وفاة فحسب، بل فقد لقيمة أمنية ووطنية تشكّلت عبر عقود من الانضباط والعمل الصامت. رجلٌ ارتبط اسمه بالأمن ارتباطاً راسخاً لا بوصفه قيادة أمنية رفيعة المستوى، بل بوصفه حاملاً للواء المسؤولية، كأمانة ثقيلة لا يحملها إلا من أدرك معناها.

في مسيرة الفقيد الممتدة لأكثر من نصف قرن، لم يكن حاضراً في الصفوف الأولى طلباً لزهو المشهد، بل كان في مقدّمة الصفوف حين يتعلّق الأمر بالواجب. وتنقّل بين مواقع حسّاسة، وتولى مهام دقيقة، في مواقع يتداخل فيها القرار مع المصير، ويتقدّم فيها الأمن بوصفه صمّام الاستقرار الأول. ولهذا، لم يكن اسمه مرتبطاً بالحدث العابر، بل بالثبات الذي يُبنى، وبالطمأنينة التي لا تُعلن.

وفي مثل هذه المناصب تحديداً، لا يكون المعيار معيار كفاءة فنية فحسب، ولكنها خصائص شخصية وأخلاقية تشكّل جوهر العمل الأمني في المجتمع السعودي، والمتمثلة في الانضباط، وضبط النفس، الأمانة، والقدرة على تحمّل المسؤولية دون ضجيج. وهي سمات لم تكن طارئة في سيرة الفقيد، بل كانت من صفاته الأصيلة في شخصيته، وهو ما جعله ركناً من أركان منظومة الأمن العريقة والتي تقوم على الثقة، المسؤولية.

وهنا لا يبدو الفقيد حالة فردية منفصلة عن سياقها، بل مثالاً على نمط رجالات يتشكّلون داخل هذا المجتمع، ويُؤتمنون على أدقّ ملفاته. فالعمل الأمني، في جوهره، ليس ممارسة حزم وقوة في كل وقت، بل ممارسة يومية للصبر، والحكمة، والانتباه للتفاصيل، والقدرة على اتخاذ القرار في اللحظة التي لا تحتمل الخطأ. وقد كان الراحل، صورة لكل هذه المعاني المعنى أكثر من كونه رجل دولة تقليدياً.

واللافت في سيرة الفقيد ليس فقط ما أنجزه، وإنما كيف أدّى دوره المؤتمن عليه. فالحزم الذي كان يمتاز به لم يكن مجرد صلابةً جافة، بل يتحاوز ذلك إلى قوة منضبطة تعرف حدودها، وتستند إلى أمانة داخلية عميقة. وتلك هي الأمانة التي تجعل صاحبها حاضراً حيث يجب أن يكون.

وأقول هذا من تجربة شخصية عابرة، لكنها كاشفة. فقد التقيته في مناسبات محدودة، خلال سفري على متن رحلة داخلية، في لقاءات قصيرة لا تسمح بالكثير من الحديث، لكنها تكشف الكثير عن الإنسان. رغم مقامه الكبير، ورغم الفارق العمري والمكانة الاجتماعية ، كان استقباله دوماً بابتسامة هادئة، ونظرة حانية، وإصغاء صادق يُشعرك دون تكلف بأنك أنت محل الاحترام. فلا أثر لوهج المنصب في حديثه، ولا مسافة مصطنعة في حضوره، بل تواضع رجل يعرف أن المكانة الحقيقية تُستمد من السلوك.

وفي مثل هذه اللحظات، يتّضح معنى لا يشيخ: أن القيم لا تُعرّف بالرجال، بل إن الرجال يُعرفون بما يحملون من حق ومسؤولية. وبعض الرجال لا يحتاجون إلى أن يُعرَّفوا عبر مناصبهم، لأن أفعالهم كفيلة بأن تُعرّفهم، وسيرتهم أصدق من أي توصيف.

رحل القوي الأمين، وبقي أثره شاهداً على أن الأمن، في جوهره، ليس إجراءً ولا منصباً، بل رجال يؤدّون أدوارهم بإخلاص، ثم يغادرون المشهد كما دخلوه: بهدوء، ودون ضجيج، تاركين خلفهم سيرة ناصعة وبصمة ممتدة الأثر.

23:56 | 15-01-2026