أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1776.jpg?v=1770304478&w=220&q=100&f=webp

فراس طرابلسي

محامي | كاتب رأي

محمد بن سلمان.. حين تتكلم الأفعال

استقبل السعوديون باهتمام واعتزاز توقيع «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان؛ اتفاقية لا تستمد أهميتها من اجتماع ثلاث قوى مؤثرة في العالم الإسلامي فحسب، ولا من توقيتها في واحدة من أكثر مراحل المنطقة اضطراباً، بل من المبدأ الذي قامت عليه: أن أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد اعتداءً عليها جميعاً. وفي السياسة الدولية، لا تمر عبارة كهذه بوصفها تفصيلاً بروتوكولياً؛ فهي تعيد رسم حسابات الردع، وتوسع دائرة المصالح المرتبطة بأمن المملكة، وتطرح سؤالاً أبعد من الاتفاقية ذاتها: كيف تُبنى حماية الأوطان قبل أن يصل الخطر إلى حدودها؟


ولعل أصعب ما يواجه الكاتب حين يكتب عن قائدٍ يحترمه أن تبقى الإشادة في موضعها الصحيح؛ فلا تتحول إلى مبالغة، ولا يدفعه التردد من المبالغة إلى إنكار ما تقوله الوقائع. وفي هذا المقال تحديداً لن أتوارى خلف الحياد اللغوي حين تكون النتيجة أمامنا جميعاً. فبعد فضل الله وحفظه، عاش السعوديون أمناً واستقراراً في لحظات كان الخوف فيها قريباً من المنطقة، وهذه ليست صفة أسبغها على قائد، بل حالة عاشها وطن كامل. ولذلك فإن الإشادة بمحمد بن سلمان هنا ليست خروجاً عن موضوع المقال؛ إنها موضوع المقال حين تكون الأفعال هي الدليل.


وللإجابة عن هذا السؤال، ربما ينبغي ألا نبدأ من اتفاقية مكة، بل من القائد الذي وقّعها. فمن يتابع مسيرة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان خلال السنوات الماضية يلحظ أن أمن المملكة في رؤيته لا يُدار بمنطق انتظار الخطر ثم التعامل معه، بل باستباقه وبناء الخيارات قبل أن تصبح الحاجة إليها ملحّة. ولهذا يصعب قراءة الاتفاقية الجديدة بمعزل عن مسار أطول سبقها: تطوير للقدرات العسكرية، وتوطين للصناعات الدفاعية، وتنويع للشراكات، وتوسيع لهامش القرار السعودي، بالتوازي مع دبلوماسية لا تتردد في فتح أبواب الحوار وخفض التصعيد متى كان السلام ممكناً. إنها معادلة تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها من أصعب معادلات الحكم: أن تبني من القوة ما يحمي السلام، ومن الحكمة ما يجنبك الاضطرار إلى استخدام تلك القوة.


ولم تبدأ هذه القراءة اليوم. فقبل نحو ثماني سنوات، وفي عام 2018 تحديداً، كان ولي العهد يتحدث بوضوح عن أحد أخطر الاحتمالات التي قد تواجه أمن المنطقة: أن يقود البرنامج النووي الإيراني إلى سباق تسلح يغيّر موازين القوة، موضحاً أن امتلاك إيران سلاحاً نووياً سيضع المملكة أمام خيارات تفرضها مسؤوليتها عن أمنها. يومها كان ذلك حديثًا عن خطر محتمل؛ أما السنوات التي تلت فقد جعلت الملف النووي والصواريخ واتساع المواجهة الإقليمية في صميم حسابات الأمن الدولي. وما يستحق التوقف هنا ليس أن نقول إن الأمير «تنبأ» بما سيحدث، بل ما هو أهم سياسياً من التنبؤ: أنه قرأ اتجاه الخطر مبكرًا، ثم أمضى السنوات التالية في بناء خيارات الدولة قبل أن يصبح ذلك الخطر عنواناً يومياً للأخبار.


وما بين ذلك التحذير المبكر واتفاقية مكة اليوم، لم تقف المملكة في موقع المتفرج على تحولات المنطقة. كانت تبني بهدوء عناصر قوتها: ترفع جاهزيتها الدفاعية، وتدفع نحو توطين صناعاتها العسكرية، وتنوع شراكاتها، وتوسع علاقاتها مع القوى المؤثرة شرقاً وغرباً، وتمنح القرار السعودي مساحة أرحب للحركة. وفي الوقت نفسه، لم تُغلق الرياض باب الحوار حتى مع من اختلفت معهم؛ لأن الغاية لم تكن صناعة خصومات جديدة، بل صناعة أمن سعودي لا يتوقف على حسن النوايا، ولا يُرهن بحليف واحد، ولا ينتظر الأزمة حتى يبحث عن أدوات مواجهتها. ومن هنا تبدو اتفاقية مكة اليوم أقل شبهاً برد فعل على أزمة عابرة، وأكثر قرباً بحلقة جديدة في مسار طويل أراد له ولي العهد أن يمنح المملكة شيئاً أثمن من التحالف ذاته: تعدد الخيارات حين تضيق خيارات الآخرين.


ولعل أصدق ما يختصر قيمة كل ذلك ليس ما جرى خلف أبواب غرف العمليات، بل ما لم يتحول إلى نمط حياة في الداخل السعودي. ففي الوقت الذي عاشت فيه أجزاء من المنطقة على وقع صفارات الإنذار، وتعليق الرحلات، وإغلاق المجالات الجوية، وأخبار الصواريخ والمسيّرات التي دخلت تفاصيل اليوم العادي لدى شعوب قريبة، بقي الإيقاع العام للحياة في المملكة مختلفًا على نحو يستحق التأمل: مواطن يذهب إلى عمله، وأسرة تمضي في يومها، وأسواق ومطارات تعمل، ومشاريع تستمر، والخوف لم يصبح جزءاً من الحياة اليومية. وهذه النعمة، بعد توفيق الله وحفظه، لم تكن محض مصادفة؛ بل كانت خلفها دولة تستعد، ومؤسسات تعمل، وقيادة تقرأ الخطر قبل وصوله. وهنا يأخذ حرص ولي العهد على أمن المواطن معنى يتجاوز الكلمات؛ لأن الوفاء الحقيقي في الحكم لا يُقاس بما يقوله القائد عند الخطر، بل بما يفعله قبله لتقليل أثر ذلك الخطر على الناس. وهذه المملكة، التي كان الأمن والإيمان والرخاء عنواناً لمسيرتها منذ توحيدها، تحمل اليوم في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمين الأمير محمد بن سلمان المعنى ذاته بأدوات دولة أكثر قوة واستعداداً: أن يبقى السعودي آمناً على أرضه، وأن تبقى الطمأنينة جزءاً من حياته مهما اضطرب ما حوله.


وللقارئ غير المتخصص، فإن المعنى القانوني لاتفاقية مكة يستحق التوقف عنده. فحين تتفق ثلاث دول على أن الاعتداء المسلح على إحداها يُعد اعتداءً عليها جميعاً، فإنها لا تضيف مجرد عبارة سياسية إلى بيان مشترك، بل تنقل أمن كل دولة من نطاقه المنفرد إلى دائرة أوسع من الدفاع الجماعي. وهذا المفهوم له أصل راسخ في القانون الدولي؛ فالمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة تقر بالحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن نفسها عند وقوع اعتداء مسلح. غير أن ذلك لا يعني -وفق التفاصيل المعلنة حتى الآن- أن كل حادث يقود تلقائياً إلى حرب تشارك فيها الدول الثلاث بالطريقة ذاتها؛ فالتفاصيل العملياتية للاتفاق لم تُعلن. والأهم أن القيمة الأولى لمثل هذه الاتفاقيات تسبق لحظة استخدامها: فهي تغيّر حسابات من يفكر في الاعتداء، لأن السؤال لم يعد ماذا ستفعل الدولة المستهدفة وحدها، بل ماذا يمكن أن تفعل معها منظومة كاملة من الشركاء.


وهذا هو الفارق بين القوة والردع. القوة هي ما تملكه الدولة من أدوات، أما الردع فهو ما يجعل خصمها يعتقد أنه سيواجهه إذا قرر اختبار تلك الأدوات. ومن هنا فإن أنجح اتفاقية دفاع ليست بالضرورة تلك التي تُفعّل في حرب، بل ربما تكون التي تحقق غايتها دون أن تُفعّل أصلاً؛ لأنها جعلت كلفة الاعتداء أعلى من مكاسبه. فالغاية الأخيرة من بناء القوة ليست الحرب، بل أن يصبح السلام أكثر أماناً.


وليس اختيار تركيا وباكستان تفصيلاً عابراً في هذه المعادلة. فباكستان تمثل ثقلاً عسكرياً واستراتيجياً معروفاً، وعلاقتها بالمملكة ممتدة ومتجذرة، فيما تمثل تركيا قوة إقليمية وعضواً في حلف شمال الأطلسي، إلى جانب ما طورته من قدرات وصناعات دفاعية. أما المملكة فتدخل هذه الشراكة بثقلها السياسي والاقتصادي، ومكانتها العربية والإسلامية، وموقعها المحوري في أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي. وحين تجتمع هذه العناصر، فالقيمة لا تكمن في جمع القدرات العسكرية فحسب، بل في تشابك المصالح واتساع دوائر الردع وارتفاع الكلفة السياسية والإستراتيجية لأي تهديد محتمل. وربما الأهم أن هذا التحالف لا يقول إن السعودية اختارت شرقاً بدل غرب، أو حليفاً بدل آخر؛ بل يقول شيئاً أكثر نضجاً عن السياسة التي يقودها ولي العهد: أن تكون للمملكة علاقات مع الجميع، ولكن أن يكون قرارها لها، وأن تتعدد شراكاتها دون أن تتعدد بوصلتها؛ فالبوصلة في النهاية سعودية.


ولمن يقرأ مسيرة الأمير محمد بن سلمان منذ أن تصدّر المشهد القيادي والسياسي في المملكة، يصعب أن يفصل هذه الاتفاقية عن سمة باتت واضحة في طريقته في الحكم: أنه لا يكتفي بإدارة الحاضر، بل يضع الغد على طاولة القرار اليوم. قبل ثماني سنوات قرأ اتجاه الخطر في المنطقة وتحدث عنه بوضوح، وفي السنوات التي تلت لم ينتظر أن تثبت الأحداث صحة مخاوفه؛ بنى القدرات، ووسّع الشراكات، وفتح أبواب السلام، وعزز الردع، وأبقى القرار السعودي مستقلاً. وهذه ليست سياسة أزمة، بل مدرسة قيادة تتعامل مع أمن الوطن باعتباره التزاماً مستمراً لا بنداً موسمياً. ومن يتتبع مشروع محمد بن سلمان منذ بدايته يجد أن الرجل اختار أصعب معيار يمكن أن يُحاسَب عليه القائد: النتيجة. وضع أمام السعوديين مشروع دولة أقوى، واقتصاد أكثر تنوعاً، ومكانة تليق بالمملكة، وحياة يكون فيها المواطن في قلب الأولويات؛ ثم ترك للسنوات أن تتكلم.


واليوم، ربما لا يحتاج السعودي إلى قراءة اتفاقيات الدفاع أو خرائط التحالفات حتى يعرف قيمة ذلك كله. يكفي أن يشعر بالأمان في وطنه، وبالاعتزاز حين يحمل اسمه خارجه. وهذه، بعد فضل الله وتوفيقه، أمانة دولة حملها المؤسس الملك عبدالعزيز، وتعاقب على صيانتها أبناؤه الملوك، ويحمل لواءها اليوم خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، فيما يبني ولي عهده أدواتها للمستقبل بعقل يعرف أن حماية الوطن لا تبدأ عندما يصل الخطر إلى حدوده، بل قبل ذلك بسنوات؛ بالقرار، والقوة، والاقتصاد، والدبلوماسية، والتحالفات. فالأمن الذي ينعم به السعودي لم يولد مع أزمة، ولن ينتهي بانتهائها؛ إنه إرث دولة، ومقياس نجاحه الأصدق أن يبقى المواطن مطمئناً والوطن عزيزاً ماضياً في البناء.


وحين ينظر السعودي حوله فيرى إقليماً تغيرت فيه أشياء كثيرة، ثم ينظر إلى وطنه فيجده ثابتاً في موقعه، ماضياً في مشروعه، يدرك أن بعض الوعود لا تحتاج إلى أن تُكرر على المنابر؛ يكفي أن يعيش الناس نتائجها. أن ينام مطمئناً، وأن يستيقظ على وطن يزداد قوة، وأن يحمل اسم بلاده خارج حدودها فيشعر بعزتها ومكانتها؛ فذلك هو المعنى الذي تتضاءل أمامه كثرة الكلام، وهو أيضاً ما يمنح تجربة محمد بن سلمان في القيادة معناها الأوضح: حين يكون الوطن هو الوعد، والأمن هو الأمانة، والمواطن هو الغاية، لا تعود القيادة بحاجة إلى كثير من القول... تتكلم الأفعال.

19:58 | 8-08-2026

العقار السعودي... حين تكتمل المنظومة

لم يكن قرار مجلس الوزراء، برئاسة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، بنقل الخدمات الرقمية والتشغيلية المرتبطة بالتوثيق العقاري إلى الهيئة العامة للعقار، مجرد قرار تنظيمي أو إعادة توزيع لاختصاصات بين جهات حكومية. فمن يقرأ هذا القرار في سياق التحوّل الذي يشهده القطاع العقاري خلال السنوات الأخيرة يدرك أنه يمثل خطوة جديدة في مشروع أشمل، يستهدف بناء منظومة عقارية متكاملة، تتكامل فيها البيانات، وتتحد فيها المنصات، وتتقارب فيها الإجراءات، بما يعزّز كفاءة السوق، ويرفع موثوقيته، ويجعل رحلة المستفيد أكثر وضوحًا وانسيابية. ولعل أكثر ما يلفت النظر في القرار أنه لم يكتفِ بإعادة توزيع الاختصاصات، بل رسّخ مبدأً تنظيميًا بالغ الأهمية، وهو أن الخدمات العقارية كلما تكاملت تحت مظلة واحدة، ازدادت كفاءتها، وارتفعت موثوقية التعاملات، واقتربت رحلة المستفيد من أن تكون أكثر بساطة ووضوحاً.

ولذلك، لا ينبغي النظر إلى القرار باعتباره انتقالاً لخدمة من جهة إلى أخرى، بل باعتباره انتقالاً في طريقة إدارة القطاع العقاري نفسه. وهذه ليست قراءة تُستنتج من قرار منفرد، بل امتداد لمسار تشريعي وتنظيمي متكامل شهدته المملكة خلال الأعوام الأخيرة. فما بين السجل العقاري، والبورصة العقارية، والخدمات الرقمية، وتطوير الأنظمة، تتشكّل اليوم منظومة واحدة، هدفها أن تصبح البيانات أكثر تكاملاً، والإجراءات أكثر اتساقًا، والخدمات أكثر كفاءة.

شرحًا لمن لا يتابع تفاصيل القطاع العقاري، فإن القيمة الحقيقية لهذا القرار لا تكمن في انتقال المنصات، وإنما في توحيد البيئة التي تعمل من خلالها. فكلما أصبحت الخدمات والبيانات والأنظمة تعمل ضمن إطار مؤسسي أكثر تكاملاً، ارتفعت موثوقية المعلومات، وتراجعت ازدواجية الإجراءات، وأصبح الوصول إلى الخدمة أكثر وضوحًا وسهولة. والنتيجة ليست مجرد تطوير تقني، بل رفع لجودة السوق العقارية نفسها.

وماذا يعني ذلك للسوق العقارية وللمتداولين فيها؟ يعني، ببساطة، أن التنظيم يصبح جزءاً من حماية السوق. فكلما توحدت مصادر البيانات، وارتفعت موثوقيتها، وتعزّزت قابلية التحقق منها، ارتفع مستوى اليقين النظامي، وأصبحت حماية الحقوق أكثر رسوخاً، وتقلصت مواطن الاختلاف التي قد تنشأ بسبب تشتت المعلومات أو تضاربها. فالأسواق لا تبنى بالثقة المجردة، وإنما تبنى حين تكون الحقوق أوضح، والبيانات أدق، والإجراءات أكثر انضباطاً وقابلية للتتبع.

ولعل من يتابع القرارات العقارية في المملكة خلال الأعوام الأخيرة يلحظ أنها لا تأتي منفصلة عن بعضها، بل تُبنى حلقةً بعد أخرى. فمن السجل العقاري، إلى تنظيم الوساطة العقارية، إلى تطوير الخدمات الرقمية، وصولاً إلى هذا القرار، تبدو الصورة أكثر وضوحاً، نحن لا نشهد تطوير خدمة بعينها، وإنما إعادة هندسة للقطاع العقاري بأكمله، وفق رؤية تجعل البيانات أصلاً في اتخاذ القرار، والتنظيم ركيزة للثقة، والرقمنة وسيلة لرفع الكفاءة، لا غاية في حد ذاتها.

وهنا تتجاوز آثار القرار حدود الإجراءات اليومية. فالمستثمر، والمطور، والممول، والمشتري، وحتى الممارس العقاري، لا يبحثون عن سرعة الإجراء وحدها، بل عن وضوحه واستقراره وقابليته للتنبؤ. وكلما تكاملت المنظومة، وتوحّدت مصادر البيانات، وتعزّزت موثوقيتها، أصبح اتخاذ القرار الاستثماري أكثر اطمئنانا، وأصبحت البيئة العقارية أكثر قدرة على جذب الاستثمار، لأنها تقوم على سوق يمكن الوثوق بإجراءاته قبل الثقة بعوائده.

إن القيمة الحقيقية لهذا القرار لا تكمن في نقل خدمة من جهة إلى أخرى، وإنما في ترسيخ مفهوم «المنظومة». فالأسواق الحديثة لا تُدار بمجموعة خدمات متفرقة، وإنما بمنظومات مترابطة، يعمل كل عنصر فيها على تعزيز العنصر الآخر. وعندما تتكامل المنصات، وتتحدث البيانات بلغة واحدة، يصبح التنظيم نفسه قيمة مضافة للسوق، لا مجرد إطار لإدارته.

ولهذا، فإن العقار السعودي لا يدخل اليوم مرحلة جديدة فحسب، بل يقترب أكثر من مرحلة النضج المؤسسي. وإذا كانت الأسواق تُقاس بحجم استثماراتها، فإنها تُبنى في الأصل على جودة تنظيمها، ووضوح إجراءاتها، وموثوقية بياناتها. وما تشهده المملكة اليوم يؤكد أن بناء الثقة في السوق يبدأ دائمًا من بناء المنظومة التي تحميها. وحين تكتمل المنظومة... يصبح التطور نتيجةً طبيعية، لا استثناءً.

00:00 | 31-07-2026

ما بين الرياض وأبوظبي.. حين تتقدّم الأخوّة على الضجيج

لا تُقاس العلاقات بين الدول بمواقف عابرة، ولا تُختزل في قراءة متعجلة لحدثٍ واحد. فالعلاقات التي تبنيها المصالح وحدها قد تتأثر بتبدل المواقف، أما العلاقات التي يصنعها التاريخ، وتوثقها الثقة، وتحميها القيادة، فهي أكبر من أن تُفسَّر بمشهد عابر أو يُحكم عليها بلحظة مؤقتة. وهذا ما ينطبق على العلاقة بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة؛ علاقة لم تُبنَ يوماً على ظرف سياسي طارئ، بل على إدراك راسخ بأن أمن الخليج واستقراره وازدهاره مسؤولية مشتركة، وأن ما يجمع البلدين أعمق من أن تختزله لحظة، وأرسخ من أن تنال منه قراءة متعجلة. فالعلاقات التي تُبنى على الثقة لا تُختبر في الأيام الهادئة، وإنما في قدرتها على تجاوز المنعطفات دون أن تفقد اتجاهها، وهذا ما يميز العلاقات التي تصنعها الرؤية بعيدة المدى، لا الحسابات العابرة.

ولذلك، لم تنظر المملكة يوماً إلى الخليج باعتباره مجرد جوار جغرافي، بل بوصفه امتداداً طبيعياً لأمنها ومستقبلها. وهذه ليست قراءة تُستنتج من الأحداث، بل فلسفة أثبتتها الممارسة قبل أن تعبر عنها الكلمات. ولعل من أبلغ ما عبّر عنها ما قاله ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز عندما استشهد بتجربة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، مؤكداً أنها رفعت سقف الطموح في المنطقة، وأن نجاح دبي حفّز بقية العواصم الخليجية على المضي في مسارات أكثر طموحاً، وصولًا إلى رؤيته بأن الشرق الأوسط يمكن أن يصبح «أوروبا الجديدة». والأهم من هذه الكلمات أنها تكشف فلسفةً في القيادة لا ترى نجاح الشقيق منافساً، بل رصيداً، ولا تنظر إلى نهضة الخليج بوصفها سباقات منفصلة، بل مشروعاً حضارياً مشتركاً تتعاظم فيه قوة الجميع بنجاح الجميع. ومن هنا، لم يكن الحديث عن نجاح دبي أو أبوظبي أو غيرهما حديثاً عن إنجازات متفرقة، بل عن حلقات في مشروع خليجي أوسع، يقوم على قناعة بأن ازدهار المنطقة لا يتجزأ، وأن نجاح إحدى دولها يضيف إلى قوة الجميع.

كما أن العلاقة بين الرياض وأبوظبي لم تكن يوماً رهينة تطابق المواقف في كل توجهاتها، ولا أسيرة لحسابات اللحظة، وإنما قامت على ثقة تراكمت عبر العقود، وشراكة أثبتت حضورها في ملفات الأمن، والاقتصاد، والتنمية، والاستثمار، والعمل الخليجي والعربي المشترك. ولهذا جاءت الصورة التي جمعت وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان بن عبدالعزيز بأخيه الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، لتجسّد هذه الحقيقة بهدوء. وكان أبلغ ما في تلك الصورة أنها لم تدخل في سجال، بل تركت للوقائع أن تنطق بما تعجز عنه التأويلات؛ فالعلاقات الراسخة لا تحتاج في كل مرة إلى ما يثبتها؛ لأن رصيدها الحقيقي يُبنى بالمواقف، ويُقاس بما يتحقق على الأرض، لا بما يُقال عنها. ولعلها لذلك بدت أبلغ من كثير من التعليقات؛ لأنها لم تحمل خطابًا بقدر ما عكست حالة من الثقة والاطمئنان، تاركةً للواقع أن يقدم البرهان الأصدق.

وفي المقابل، وفي هكذا لحظات مفصلية، تصبح مسؤولية الإعلام مضاعفة؛ ليس في صناعة العلاقات، وإنما في نقلها بميزان من الدقة والإنصاف، بعيداً عن القراءات المتعجلة أو الروايات التي تختزل علاقات تاريخية في أحداث عابرة. فالإعلام الرصين يقرأ الوقائع في سياقها، ولا يسمح للضجيج أن يحجب الحقائق؛ لأن الخبر حين يُفصل عن سياقه يصبح عرضة للتأويل، أما حين يُقرأ في إطار مسيرة طويلة، فإنه يكشف أن الثابت أكبر من المتغير، وأن العابر لا يستطيع أن يطغى على الراسخ.

فقد أثبتت التجربة أن العلاقة السعودية الإماراتية لم تُبنَ على ردود الأفعال، بل على رؤية بعيدة المدى ترى أن استقرار الخليج أساس لاستقرار المنطقة، وأن التنمية الحقيقية لا تتحقق إلا بالتكامل، وأن نجاح أي دولة خليجية ينعكس أثره على بقية دول المجلس اقتصادياً وسياسياً وأمنياً. ولهذا بقيت هذه العلاقة أكثر رسوخاً من أن تهزها التأويلات؛ لأنها تأسست على الثقة قبل المصالح، وعلى الأخوة قبل الحسابات. كما أن قوتها لم تكن يوماً في غياب التحديات، بل في امتلاكها من الرصيد السياسي والإنساني ما يجعلها قادرة على تجاوزها دون أن تمس جوهرها أو تغير اتجاهها.

ولهذا، ظل ما بين الرياض وأبوظبي شاهداً على أن العلاقات الكبرى لا تُبنى على ظرف سياسي، ولا تقوم على مصلحة عابرة، بل تنمو برؤية، وترسخها الثقة، وتحميها المواقف. وإذا كانت الأحداث تصنع عناوين الأيام، فإن الرؤى هي التي تصنع تاريخ الأمم. فالعلاقات التي تؤسسها الأخوة، وتثبتها المواقف، لا تحتاج إلى كثير من الكلام؛ لأنها ببساطة تعرف كيف تتحدث عن نفسها.

00:00 | 24-07-2026

الأرجنتين.. ثقافة الفوز حتى الصافرة

ليست كل الفرق التي تفوز هي الأفضل طوال المباراة، كما أن التفوق لا يُقاس دائماً بعدد الدقائق التي يسيطر فيها فريق على الملعب. أحياناً يكفي أن تعرف كيف تبقى في المباراة، وأن تحتفظ بأعصابك وأدواتك إلى اللحظة التي يبدأ فيها الآخرون استعجال النهاية. وهذه، باختصار، هي الثقافة التي أوصلت الأرجنتين إلى نهائي كأس العالم مرة أخرى.

أمام إنجلترا، بدت المباراة متجهة إلى نهاية مختلفة. تقدّم الإنجليز، وأغلقوا المساحات، وبدأت ملامح التأهل تلوح أمامهم. لكن الأرجنتين لم تتعامل مع التأخر بوصفه حكماً نهائياً، ولم يتحوّل الوقت المتناقص إلى مصدر للذعر. انتظرت، وضغطت، وواصلت البحث عن الثغرة، حتى أدركت التعادل في الدقائق الأخيرة، ثم خطفت هدف الفوز في الوقت بدل الضائع، بمساهمتين حاسمتين من ليونيل ميسي، لتتأهل إلى النهائي.

وما حدث أمام إنجلترا لم يكن واقعة منفصلة. أمام مصر، عادت الأرجنتين من وضع بالغ الصعوبة وحسمت المباراة في الوقت القاتل، وفي مواجهة سويسرا احتاجت إلى وقت إضافي قبل أن تفرض خبرتها وتحجز مقعدها في نصف النهائي. ومع تكرار المشهد، لم يعد من المبالغة الحديث عن سمة أرجنتينية واضحة: هذا الفريق لا يعتبر المباراة منتهية ما دامت الصافرة لم تُطلق.

ويمكن تسمية ما يحدث في النهاية بـ«عشر دقائق ميسي». وليس المقصود أن الرجل يفعل كل شيء وحده، وإنما أن حضوره يمنح زملاءه يقيناً بأن فرصة أخرى ستأتي، وأن تمريرة واحدة قد تغيّر مسار بطولة كاملة. أمام إنجلترا ظل تحت الرقابة فترات طويلة، لكنه أعاد تمركزه، وتحرك في المساحات التي تؤلم خصمه، ثم صنع اللحظتين اللتين قلبتا المباراة. فالعبقرية هنا ليست في المهارة وحدها، بل في الاحتفاظ بالصفاء الذهني عندما يصبح الملعب كله مشبعاً بالتوتر.

وهذا هو الفارق بين فريق يلعب جيداً، وفريق يعرف كيف يفوز. الأول قد يسيطر، ويصنع الفرص، ويتقدم في النتيجة؛ أما الثاني فيمتلك، إلى جانب ذلك، الصبر والخبرة والقدرة على تغيير الخطة واستثمار اللحظة التي يبدأ فيها الخصم بالتراجع أو الخوف أو الاكتفاء بما حققه. حاولت إنجلترا حماية تقدّمها، فتراجعت أكثر مما ينبغي، بينما تعاملت الأرجنتين مع كل متر تخلت عنه بوصفه مساحة جديدة للهجوم.

وفي الحياة أيضاً، لا يذهب النجاح دائماً إلى صاحب البداية الأقوى، ولا إلى الأكثر ضجيجاً أو موهبة. كم من مشروع بدأ متأخراً، ثم سبق غيره لأن أصحابه لم يفقدوا التركيز؟ وكم من إنسان امتلك فرصة النجاح ثم بدّدها لأنه استعجل الاطمئنان قبل النهاية؟ الفارق كثيراً ما يُصنع في «الدقائق العشر الأخيرة»؛ حين يتعب الآخرون، أو يطمئنون، أو يظنون أن النتيجة أصبحت ملكاً لهم.

ثقافة الفوز لا تعني إنكار التعب، ولا الادعاء بأن الهزيمة مستحيلة، وإنما تعني ألا تمنح خصمك نهايتك قبل أن يفرضها عليك. تعني أن تحتفظ بخطة بديلة، وأن تظل قادراً على المحاولة حين تضيق المساحات، وأن تدرك أن الأدوات التي لم تستخدمها بعد قد تكون أهم مما استخدمته منذ البداية.

ولهذا، فإن أجمل ما قدّمته الأرجنتين في هذه البطولة لم يكن الأهداف المتأخرة وحدها، بل درسها المتكرر في إدارة الأمل. فهي قد لا تكون الأفضل في كل دقيقة، لكنها تعرف أي الدقائق يجب أن تكون فيها الأفضل. وميسي ورفاقه لا يستعجلون الاحتفال، ولا يصدقون أن المباراة انتهت لمجرد أن خصمهم بدأ يصدق ذلك.

فالمنتصر الحقيقي ليس دائماً من يبدأ أقوى، بل من يبقى قادراً على تغيير النتيجة حتى آخر لحظة. وميسي ورفاقه، أثبتوا مجدّداً تفوقهم على كل الفرق في هذه البطولة، من حيث إتقان فن اللعب حتى صافرة النهاية.

00:02 | 17-07-2026

وصية ترمب العسكرية.. هل تبقى أوامر الرئيس بعد غيابه؟

حين أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أنه ترك تعليمات بالرد على إيران إذا نجحت أي محاولة لاغتياله، بدا الخبر للوهلة الأولى وكأنه وصية عسكرية ستبقى نافذة حتى بعد غياب صاحبها. فالرئيس يتحدث عن قرار مصيري يتعلق باستخدام القوة العسكرية، ويبدو من ظاهر التصريح أن تنفيذ تلك التعليمات قد أصبح معلقًا على وقوع حدث معين، لا ببقاء الرئيس في منصبه.


غير أن هذا الخبر يثير سؤالاً دستورياً أكثر أهمية من الخبر نفسه: هل يملك رئيس الولايات المتحدة أن يترك أوامر عسكرية ملزمة تُنفذ بعد وفاته أو فقدانه لمنصبه؟ أم أن سلطته تنتهي بانتهاء ولايته الدستورية، لتبدأ سلطة رئيس جديد يملك كامل الحرية في اتخاذ القرار من جديد؟


وهنا ينتقل النقاش من السياسة إلى القانون؛ فالمسألة في النظام الأمريكي لا تتعلق بما يريده رئيس، وإنما بما يسمح به الدستور، وبالحدود التي تقف عندها إرادة الأشخاص حين تبدأ سلطة المؤسسات.


ولأن النظام الدستوري الأمريكي لا يحتمل فراغاً في قمة السلطة، وضع الدستور الأمريكي آلية واضحة وفورية لما يحدث عند غياب الرئيس. فإذا توفي الرئيس، أو أُقيل، أو استقال، تنتقل الرئاسة إلى نائب الرئيس بحكم الدستور، فلا يتولى المهمة بصفة مؤقتة، بل يصبح رئيساً كامل الصلاحيات، يملك وحده سلطة القرار، بما في ذلك القرارات العسكرية الأكثر حساسية. وقد نظم التعديل الخامس والعشرون من الدستور الأمريكي، المُقرّ عام 1967، آلية انتقال السلطة وحالات عجز الرئيس عن ممارسة مهامه، بما لا يترك مجالاً للفراغ أو للتنازع على من يملك القرار.


وهنا تكمن المفارقة الدستورية التي يغفل عنها كثيرون، فنائب الرئيس في النظام الأمريكي لا يصبح منفذاً لإرادة سلفه، ولا حارساً على وصيته السياسية، وإنما يصبح صاحب القرار الدستوري الجديد. وله أن يعتمد الخطط العسكرية الموضوعة، أو يعدلها، أو يوقفها بالكامل إذا رأى أن المصلحة الوطنية تقتضي ذلك.


فالدستور الأمريكي في انتقال إدارة الدولة من الرئيس لنائبه، يورّث السلطة، لكنه لا يورّث إرادة من غادرها.


ومنذ اللحظة التي تنتقل فيها السلطة، تنتقل معها كامل المسؤولية الدستورية. فالرئيس الجديد لا يرث قرار الحرب، وإنما يعيد تقييم المشهد وفق المعطيات القائمة، ثم يتخذ قراره هو. ذلك أن سلطة استخدام القوة العسكرية في الولايات المتحدة مستمدة من كون الرئيس القائد الأعلى للقوات المسلحة بموجب المادة الثانية من الدستور الأمريكي، وهي صفة تنتقل بالمنصب لا بالشخص، فتثبت لمن يتولى الرئاسة وتنقطع عمّن غادرها.


بل إن سلطة الرئيس العسكرية ليست مطلقة، فالدستور الأمريكي يجعل إعلان الحرب من اختصاص الكونغرس، كما وضع قانون صلاحيات الحرب الفيدرالي الصادر عام 1973 قيوداً على استخدام الرئيس للقوة العسكرية دون الرجوع إلى الكونغرس خلال مدة محددة. وهذا يؤكد أن القرار العسكري في الولايات المتحدة محكوم بمنظومة متوازنة من الصلاحيات بين الرئيس والكونغرس، لا بإرادة فردية تمتد إلى ما بعد المنصب.


وإذا كانت السلطة تنتقل دستورياً من رئيس إلى آخر، يبقى سؤال أكثر دقة: هل يختلف الأمر إذا جاء الرئيس الجديد من الحزب نفسه، أم من الحزب المنافس؟ والجواب أن الدستور الأمريكي لا يميّز بين الحالتين، فالرئيس الجديد، أيّاً كان انتماؤه الحزبي، لا يتلقى سلطاته بوصفه امتداداً لمن سبقه، وإنما بوصفه صاحب الاختصاص الدستوري الأصيل منذ اللحظة التي يدخل فيها البيت الأبيض. وله أن يُبقي على سياسات سلفه إذا رآها محققة للمصلحة الوطنية، وأن يعدلها أو يلغيها إذا تغيرت الظروف. فالمعيار في النظام الأمريكي ليس هوية الرئيس السابق أو انتماءه الحزبي، وإنما تقدير الرئيس القائم للمصلحة العامة وقت اتخاذ القرار.


لذلك، فإن ما وُصف إعلامياً بوصية ترمب العسكرية لا يعدو أن يكون توصيفاً سياسياً لتوجه أو تعليمات محتملة، أما دستورياً فلا يكتسب أي أثر ملزم بمجرد غياب الرئيس، إذ تستمر مؤسسات الدولة في أداء اختصاصاتها، بينما تنتقل سلطة القرار كاملة إلى الرئيس القائم. وبذلك، فإن ما يبقى بعد الرئيس في الولايات المتحدة ليس أوامره، وإنما الدستور الأمريكي الذي يحدد من يملك سلطة اتخاذها.

00:02 | 12-07-2026

المنتخب المصري.. حين يكسب الخاسر احترام العالم

في كرة القدم، ليست كل هزيمة سقوطاً، وليست كل خسارة نهاية حكاية. أحياناً يخرج الفريق من البطولة، لكنه يخرج أكبر مما دخل؛ أكثر احتراماً، وأكثر حضوراً، وأكثر إقناعاً بأن ما حدث لم يكن ومضة عابرة، بل بداية مشروع يستحق أن يُبنى عليه.

وهذا، في تقديري، ما فعله المنتخب المصري في مباراته الأخيرة أمام الأرجنتين. فقد لعب منتخب مصر مباراة كبيرة، بل بطولة كبيرة، منذ بدايتها وحتى لحظاتها الأخيرة. ظهر منظماً، شجاعاً، واثقاً، لا يلعب بعقلية الفريق الذي ينتظر المفاجأة، بل بعقلية الفريق الذي يصنعها. وفي خمس مباريات، قدم صورة مختلفة عن المنتخب العربي القادر على مجاراة الكبار، لا بالاندفاع العاطفي، بل بالانضباط، والاختيارات الفنية الجيدة، والروح التي تجعل العالم يلتفت.

والإنصاف يقتضي هنا الإشادة بالمدرب حسام حسن قبل اللاعبين، فقد بدا المنتخب المصري فريقاً يعرف ماذا يريد، لا مجموعة مواهب تنتظر لحظة فردية. اختياراته كانت واضحة، وقراءته لكثير من فترات البطولة كانت شجاعة، والأهم أنه صنع شخصية للمنتخب داخل الملعب؛ شخصية لا تخاف الاسم الكبير، ولا ترتبك أمام التاريخ، ولا تلعب وكأنها جاءت لتودع بشرف، بل لتنافس بجدية.

أما اللاعبون، فقد أثبتوا أن الجيل الحالي يملك شيئاً أكبر من الحماس والطموح. ويمتلك القدرة على مقارعة أقوى المنتخبات في العالم، والوقوف أمام بطل كبير كالأرجنتين دون شعور بالنقص أو الرهبة. هؤلاء الشباب لم يقدموا مباراة جيدة فحسب، بل قدّموا إعلاناً واضحاً بأن مصر قادرة على الحضور في البطولات العالمية لا كضيفة عابرة، بل كمنافس حقيقي إذا استمر البناء وحُفظ المشروع من الانفعال.

نعم، كانت هناك أخطاء تحكيمية مؤثرة، ومن حق الجمهور المصري أن يغضب منها. فالظلم التحكيمي، حين يقع، لا ينبغي أن يُدفن تحت عبارات المجاملة. لكن الخطأ الأكبر أن تتحوّل الأخطاء إلى نظرية مؤامرة كاملة، وكأن خروج المنتخب لم يكن له سبب إلا أن العالم اجتمع على إقصائه. هذه القراءة تظلم المنتخب قبل أن تظلم الحكم؛ لأنها تختصر مباراة عظيمة في غضب، وتختصر مشروعاً واعداً في مظلومية.

الحقيقة أن المنتخب المصري لم يخسر لأنه أقل قيمة أو حضوراً من الأرجنتين، بل لأنه وصل إلى لحظة كان يمكن أن تُدار بصورة أفضل. فقد قدم المنتخب المصري واحدة من أفضل مبارياته في البطولة، وكان في فترات طويلة الطرف الأكثر تنظيماً والأقرب إلى فرض إيقاعه على اللقاء، لكنه اصطدم في النهاية بخبرة منتخب يعرف كيف يدير اللحظات الحاسمة. وحين تقدّم المنتخب المصري، كان يحتاج إلى خطة بديلة تُحسن إدارة ما تبقى من المباراة، وتغلق المساحات، وتحافظ على أفضلية النتيجة، بينما نجحت الأرجنتين في توظيف خبرتها الطويلة في مثل هذه المباريات لتقلب موازين اللقاء في دقائق معدودة. وهذا لا ينتقص من قيمة ما قدمه المنتخب، بل يؤكد أن الفارق لم يكن في الموهبة أو الشجاعة، وإنما في إدارة التفاصيل التي كثيراً ما تحسم مباريات الكبار.

ولم يكن مكسب المنتخب المصري داخل الملعب وحده. فقد كان لافتاً ذلك الالتفاف الجماهيري الكبير حوله، لا من المصريين فقط، بل من جماهير عربية واسعة رأت في هذا المنتخب صورة قريبة منها، وحلماً مشتركاً يخصها. في مدن عربية كثيرة، كان الناس يشجعون مصر كما لو كانت تلعب باسمهم، وهذه اللحمة العربية الجميلة كانت واحدة من أجمل صور البطولة، لأنها ذكّرتنا أن كرة القدم، في لحظاتها الصادقة، قادرة على جمع ما تفرقه السياسة والحدود.

لقد خسر المنتخب المصري بطاقة التأهل، لكنه كسب احترام العالم. وهذه ليست جملة تعويضية لجمهور حزين، بل حقيقة رياضية. فالفريق الذي يقف أمام الأرجنتين بهذا المستوى، ويجبر العالم على متابعته باحترام، لا يحتاج إلى نظرية مؤامرة كي يثبت قيمته. قيمته ظهرت في الملعب.

ما يحتاجه المنتخب المصري اليوم ليس الوقوف طويلاً عند مباراة مضت، بل البناء على ما كشفت عنه من إمكانات كبيرة. فالتجارب العظيمة لا تُقاس بنتيجة واحدة، وإنما بما تتركه من دروس، وبما تفتحه من آفاق للمستقبل. وإذا أحسن المنتخب قراءة هذه التجربة، فإنه لن يكون قد خسر بطاقة تأهل فحسب، بل سيكون قد وضع حجر الأساس لمرحلة أكثر نضجاً وحضوراً في البطولات العالمية المقبلة.

لقد خرجت مصر من البطولة، لكنها لم تخرج من الذاكرة. خسرت النتيجة، لكنها كسبت شيئاً لا تمنحه صافرة حكم ولا تلغيه أخطاء التحكيم: احترام العالم.

00:01 | 10-07-2026

وزارة العدل.. حيث يلتقي الذكاء الإداري بالذكاء الاصطناعي

من أصعب ما يواجه كاتب الرأي أن يكتب عن جهة ينتمي إلى منظومتها المهنية. ففي تلك اللحظة، تختلط مشاعر الانتماء بواجب الحياد، ويصبح التحدي الحقيقي ألا تتحول الإشادة إلى مجاملة، ولا يتحول الحرص على الموضوعية إلى تجاهلٍ لمنجز يستحق أن تُقال فيه كلمة حق. ولعل هذا تماماً ما وجدته وأنا أتابع، بحكم عملي في مهنة المحاماة، التحولات المتسارعة التي تشهدها وزارة العدل. فمن يلامس المنظومة العدلية بصورة يومية يدرك أن ما يحدث لم يكن مجرد توسع في الخدمات الرقمية، أو تحديث للإجراءات، أو تطوير للتشريعات، بل مشروع تحول مؤسسي متكامل يعيد رسم العلاقة بين العدالة والتقنية، وبين جودة القرار وسرعة الوصول إلى الحق.


وما يزيد الكتابة عن هذه المرحلة صعوبة أنها لا تسمح لك بالوقوف عند إنجاز بعينه. فكل مشروع يقود إلى مشروع آخر، وكل مبادرة تبدو امتداداً لما قبلها، حتى أصبح من الصعب النظر إلى الذكاء الاصطناعي، أو التحول الرقمي، أو تجربة المستفيد، أو العدالة الوقائية، بوصفها مشاريع منفصلة، لأنها في حقيقتها أجزاء متكاملة من رؤية واحدة تتجه بالمنظومة العدلية نحو المستقبل.


غير أن أكثر ما استوقفني في هذا المسار لم يكن إدخال الذكاء الاصطناعي إلى العمل العدلي، فالتقنية أصبحت متاحة للجميع، وإنما الكيفية التي اختارت بها وزارة العدل توظيفه. فهناك فرق كبير بين مؤسسة تستخدم الذكاء الاصطناعي، ومؤسسة تعيد بناء طريقة عملها على أساسه. وفي تقديري، فإن هذا هو الفارق الذي بدأت ملامحه تتشكل بوضوح في التجربة العدلية السعودية، وهو ما يجعل الحديث اليوم لا يدور حول مشروع تقني جديد، بقدر ما يدور حول مرحلة جديدة في تطور العدالة نفسها.


لذا، فإذا أردنا أن نلخص المرحلة التي تعيشها المنظومة العدلية اليوم في عبارة واحدة، فربما أمكن القول إن وزارة العدل لا تنتقل من الورق إلى الشاشة، فهذه المرحلة تجاوزتها منذ سنوات، وإنما تنتقل من رقمنة العدالة إلى ذكاء العدالة. وبين المرحلتين فرق جوهري لا يكمن في الأدوات، بل في الفلسفة.


فالرقمنة تهدف إلى تسريع الإجراءات، وتبسيط الخدمات، وتقليل الوقت والجهد، وهي مرحلة حققت فيها الوزارة إنجازات جعلتها من أكثر الجهات الحكومية تقدمًا في التحول الرقمي. أما ذكاء العدالة فهو مرحلة أكثر عمقاً، مرحلة تصبح فيها البيانات عنصرًا في صناعة القرار، والتحليلات أداة لرفع جودة المخرجات، والذكاء الاصطناعي شريكًا في تحسين الأداء، واستشراف التحديات، وتعزيز كفاءة المنظومة بأكملها.


ولهذا، فإن الذكاء الاصطناعي في وزارة العدل لا يُنظر إليه بوصفه مشروعاً تقنياً مستقلاً، بل بوصفه امتداداً طبيعياً لمشروع عدلي متكامل، غايته أن تصبح العدالة أكثر سرعة في الوصول إلى الحق، وأكثر دقة في معالجة الوقائع، وأكثر قدرة على خدمة الإنسان، دون أن تمس جوهرها أو استقلالها. وهذا، في تقديري، هو الفارق الحقيقي بين رقمنة العدالة.. وذكاء العدالة.


ومن المؤكد أن ما يميز هذا التحول أنه لم يكن استجابة متأخرة لموجة الذكاء الاصطناعي العالمية، بل استمرار وتطوير لرؤية مؤسسية بدأت ملامحها تتشكل قبل أن يصبح الذكاء الاصطناعي عنواناً رئيسياً في مختلف القطاعات. فاستحداث وحدة متخصصة بالذكاء الاصطناعي داخل وزارة العدل لم يكن مجرد قرار تنظيمي، وإنما رسالة واضحة بأن المستقبل لا يُنتظر، بل يُستعد له. فالوزارة لم تتعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه تقنية جديدة تضاف إلى قائمة المبادرات، وإنما بوصفه أحد الممكنات الإستراتيجية التي ستعيد تشكيل العمل العدلي خلال السنوات القادمة.


ولهذا لم يكن مستغرباً أن ترتبط بهذه الرؤية مفاهيم مثل الجاهزية للمستقبل، والتمكين المؤسسي، وجودة المخرجات، وتحليل البيانات، والتحليلات المتقدمة، لأنها جميعًا ليست مشاريع مستقلة، بل أجزاء من فلسفة واحدة تقوم على بناء منظومة عدلية قادرة على التعلم والتطور واتخاذ القرار بكفاءة أعلى. فالسبق الحقيقي لا يكون في امتلاك التقنية، وإنما في امتلاك الرؤية التي تعرف كيف توظفها، ومتى توظفها، ولأي غاية توظفها.


ولذلك، فإن المستفيد الحقيقي من هذا التحول لن يكون الوزارة وحدها، بل كل من يقف على أبواب العدالة. فالمتقاضي لن يلمس الذكاء الاصطناعي بوصفه تقنية معقدة، وإنما سيشعر به في اختصار الإجراءات، وسرعة الوصول إلى الخدمة، ودقة المعلومة، وسهولة رحلته داخل المنظومة العدلية. والمحامي سيجد أدوات أكثر ذكاءً في البحث والتحليل واستدعاء الأنظمة والسوابق، بينما سيستفيد القاضي من بيئة تقنية تختصر الأعمال المتكررة، وتمنحه وقتًا أكبر للتأمل في الوقائع وصناعة الاقتناع القضائي. وهنا تتجلى القيمة الحقيقية للتقنية، فهي لا تستبدل الإنسان، وإنما تمنحه فرصة لأن يمارس أفضل ما لديه.


ولعل من أكثر المفاهيم نضجًا في هذا التحول مفهوم العدالة الوقائية، وهي فكرة تتجاوز الدور التقليدي للقضاء في الفصل في النزاعات إلى محاولة الحد من نشوئها أصلًا. فحين تصبح المنظومة أكثر قدرة على قراءة البيانات، وتحليل الأنماط، ورصد المؤشرات المبكرة، وتعزيز الامتثال، فإنها لا تنتظر الخصومة حتى تقع، بل تعمل على تقليل أسبابها قبل أن تصل إلى أروقة المحاكم. وهذه نقلة فكرية عميقة، تعكس انتقال العدالة من إدارة النزاع إلى الإسهام في الوقاية منه، وهو ما يرسخ الاستقرار القانوني والاجتماعي معاً.


ولا يقتصر أثر هذا التحول على الخدمات أو الإجراءات، بل يمتد إلى جوهر العمل العدلي نفسه. فالتمكين المؤسسي الذي تتبناه وزارة العدل لا يعني تمكين التقنية بقدر ما يعني تمكين الإنسان من التقنية. فكلما أصبحت البيانات أكثر تكاملاً، والتحليلات أكثر دقة، والمعلومة أسرع في الوصول، ارتفعت جودة المخرجات، وأصبح القرار أكثر إحاطة، والحكم أكثر جودة، والعمل العدلي أكثر كفاءة. وهنا لا يصبح الذكاء الاصطناعي بديلاً عن الخبرة القانونية أو الاجتهاد القضائي، وإنما شريك في الارتقاء بهما، بما يجعل جودة العدالة نفسها هي المستفيد الأول من هذا التحول.


ولا تقف مستهدفات هذا التحول عند حدود المحاكم أو أطراف الخصومة، بل تمتد إلى الاقتصاد الوطني بأكمله. فالعدالة لم تعد تُقاس بعدد الأحكام التي تصدر، بل بمقدار الثقة التي تبنيها. وكلما أصبحت المنظومة العدلية أكثر قدرة على استثمار البيانات، وتسريع الإجراءات، ورفع جودة المخرجات، ازدادت ثقة الأفراد في حماية حقوقهم، وازدادت ثقة المستثمر في البيئة النظامية، وتعززت قدرة قطاع الأعمال على اتخاذ قراراته في مناخ قانوني أكثر استقراراً ووضوحاً. ومن هنا، فإن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي داخل المنظومة العدلية ليس استثماراً في التقنية فحسب، بل استثمار في الثقة، والثقة هي أول ما تُبنى عليه الاقتصادات قبل أن تُبنى عليه الأسواق.


وفي تقديري، فإن القيمة الحقيقية لما تشهده وزارة العدل اليوم لا تكمن في إدخال الذكاء الاصطناعي إلى المنظومة العدلية، بل في إعادة تعريف الدور الذي يمكن أن تؤديه التقنية في خدمة العدالة. فحين تصبح البيانات مصدراً لرفع جودة الأحكام، والتحليلات أداة لتعزيز القرار، والتقنية وسيلة لتقريب الحق إلى صاحبه، فإننا لا نكون أمام مشروع رقمي جديد، بل أمام مرحلة جديدة في تطور العدالة السعودية. وإذا كانت بعض المؤسسات تستخدم الذكاء الاصطناعي لأنها تواكب المستقبل، فإن وزارة العدل تبدو وكأنها توظفه لتسهم في رسم ملامحه، مقدمةً نموذجاً سعودياً رائداً يبرهن أن التقنية تبلغ أعلى قيمتها حين تُسخّر لخدمة العدالة والإنسان معاً.

22:03 | 6-07-2026

اللص لم يعد يراقب منزلك فحسب.. بل يراقب «الستوري» الخاص بك

لم يعد أخطر ما يهدّد خصوصية الإنسان هو اللص الذي يقف أمام منزله، ولا ذلك الذي يراقب تحركاته من بعيد. ففي كثير من الأحيان، أصبح صاحب المنزل نفسه هو من يتولى هذه المهمة دون أن يشعر. فهو يخبر الجميع متى غادر، وأين سافر، وكم سيغيب، ثم يوثق ذلك كله بالصوت والصورة، وينشره طواعية على وسائل التواصل الاجتماعي، وكأنه يكتب تقريراً يومياً مفتوحاً لكل من يشاهده.

هنا تتغير قواعد اللعبة تماماً.

فاللص الذي كان يحتاج قديماً إلى أيام، وربما أسابيع، حتى يتأكد من خلو المنزل من أصحابه، لم يعد بحاجة إلى كل ذلك. يكفيه اليوم أن يراقب «الستوري» الخاص بك، ليعرف ما كان يحتاج في الماضي إلى مراقبته بنفسه.

وقد أعادت واقعة متداولة أخيراً في إحدى الدول العربية هذا السؤال إلى الواجهة، بعدما كشفت التحقيقات عن سرقة منزل إحدى الأسر المعروفة إثر سفر أفرادها إلى خارج البلاد، بينما كانت تفاصيل الرحلة تُنشر تباعاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي. والمفارقة أن الجناة لم يكونوا غرباء، بل من أشخاص يعرفون الأسرة ويتابعون ما تنشره. فكان «الستوري» كافياً لتأكيد خلو المنزل، وتحوّلت المعرفة إلى وسيلة للاستطلاع، ثم إلى جريمة.

لكن القصة في حقيقتها لم تكن قصة سرقة.. بل قصة وعي.

فاللصوص لم يتطوروا وحدهم.. بل نحن أيضاً تطورنا في مساعدتهم.

في تقديري، لم تعد المشكلة في تطور أساليب الجريمة بقدر ما أصبحت في تراجع وعينا الأمني أمام اندفاعنا لنشر كل تفاصيل حياتنا. لقد دخلنا دون أن نشعر عصر الكرم الرقمي؛ حيث أصبح بعض الناس أكثر سخاءً في مشاركة تفاصيل حياتهم مما ينبغي، بينما الحقيقة أن اللصوص وحدهم هم الذين استفادوا من هذا التطور أكثر مما استفدنا نحن.

تبدأ القصة بصورة من المطار، ثم «ستوري» من وجهة السفر، ثم تعليق عابر يقول: «إجازة عشرة أيام». وفي اللحظة نفسها، يبدأ شخص آخر في جمع هذه التفاصيل، لا ليشاركك فرحتك، بل ليبني منها خريطة كاملة لحياتك.

ولعل أخطر ما كشفته تلك الواقعة أن الخطر لا يأتي دائماً من الغرباء، بل قد يأتي أحياناً ممن يعرفونك جيداً، ويتابعونك أكثر مما تظن. فالثقة قيمة عظيمة، لكنها لا تُغني عن الحذر، والصداقة لا تعني أن كل تفاصيل حياتك يجب أن تكون متاحة للجميع.

وفي علوم الأمن، هناك حقيقة لا تتغير: أخطر المعلومات ليست دائماً المعلومات السرية، بل المعلومات الصغيرة التي تبدو بلا قيمة إذا نُظر إليها منفردة، لكنها تصبح شديدة الخطورة عندما تُجمع معاً. صورة، وموقع، وموعد سفر، ومدة غياب.. وفي النهاية تتشكل أمام المجرم صورة شبه كاملة عن حياتك اليومية.

وهنا يبدأ ما يعرف أمنياً بالاستطلاع المفتوح (OSINT)؛ حيث لا يحتاج المجرم إلى اختراق هاتفك أو حساباتك، لأنك تكفلت بنفسك بتزويده بالمعلومات التي يحتاجها.

ولهذا، لم يعد الحديث عن الخصوصية مجرد شأن اجتماعي أو خيار شخصي، بل أصبح جزءاً من الأمن الوقائي. فالقانون سيلاحق الجاني ويعاقبه، لكنه لن يستطيع أن يمنع الإنسان من منح المجرم معلومات لم يكن ليصل إليها لولا أنه نشرها بنفسه.

وليس المقصود أن نتوقف عن مشاركة لحظاتنا الجميلة، وإنما أن ندرك الفرق بين مشاركة الذكرى، ومشاركة المعلومات التي قد تتحوّل إلى مخاطر أمنية على الإنسان وأسرته وممتلكاته.

ولعل ما يدعو للتأمل أن بعض المستخدمين أصبحوا أكثر حرصاً على حماية كلمات مرور حساباتهم البنكية من حرصهم على حماية تفاصيل حياتهم اليومية، مع أن الأخيرة قد تكون الطريق الذي يبدأ منه الضرر كله. فالأمن الرقمي لا يبدأ من كلمة المرور فقط، بل يبدأ من سؤال بسيط ينبغي أن يسبق كل منشور:

هل يحتاج الناس فعلاً إلى معرفة هذه المعلومة؟

وهنا يظهر الجانب القانوني الذي كثيراً ما يُغفل. فالإفراط في نشر المعلومات الشخصية قد لا يكون مخالفة في حد ذاته، لكنه قد يفتح الباب لسلسلة من الجرائم اللاحقة؛ من السرقة والاحتيال، إلى انتحال الشخصية، والهندسة الاجتماعية، والابتزاز الإلكتروني. ولهذا، فإن الوعي الأمني اليوم لم يعد مسؤولية الجهات المختصة وحدها، بل أصبح مسؤولية كل مستخدم يحمل هاتفاً في جيبه.

وفي المملكة العربية السعودية، حيث ننعم ولله الحمد بمجتمع ينعم بدرجة عالية من الأمن والاستقرار، تبقى هذه النعمة دافعاً لمزيد من الوعي، لا سبباً للتهاون. فالأخذ بالأسباب لا ينتقص من الثقة في أمن الوطن، بل يجسّدها، ويعكس وعياً بأن الوقاية كانت وستبقى الشريك الأول للأمن.

فالخصوصية اليوم لم تعد تعني أن تغلق باب منزلك فقط، بل أن تعرف أيضاً متى تغلق كاميرا هاتفك، ومتى تؤجل النشر، ومتى تحتفظ ببعض التفاصيل لنفسك. فليس كل ما نعيشه يستحق أن يُنشر، وليس كل ما يُنشر يستحق أن يُعرف.

وقد لا تستطيع أن تمنع وجود اللصوص.. لكن تستطيع أن تتوقف عن العمل لديهم مرشداً سياحياً.

00:00 | 3-07-2026

العقار السعودي... حين تُعيد التشريعات رسم السوق

قد يظن البعض أن موافقة مجلس الوزراء على اللائحة التنفيذية لتملك غير السعوديين للعقار تتعلق بحق التملك وحده، بينما أراها في حقيقتها تشريعاً يعيد تعريف السوق العقارية السعودية بأكملها. فهي لا تضيف مساراً جديداً للتملك فحسب، بل تعكس انتقال السوق إلى مرحلة أكثر نضجاً، يكون فيها التشريع أداةً للتنمية الاقتصادية، لا مجرد وسيلة لتنظيم العلاقة بين البائع والمشتري.

ولذلك، فإن النظر إلى هذا التنظيم من زاوية السماح بالتملك فقط، يحجب جزءاً كبيراً من الصورة. فالأسواق العقارية العالمية لم تصبح جاذبة لأنها فتحت باب التملك، بل لأنها نجحت في بناء منظومة قانونية مستقرة، وإجراءات واضحة، وشفافية عالية، وثقة متبادلة بين جميع أطراف السوق. فالثقة هي السلعة الأولى التي يبحث عنها رأس المال، والتشريع هو أول من يصنعها.

ومن هذا المنطلق، فإن أول المستفيدين من هذه المرحلة قد لا يكون المستثمر الأجنبي، بل السوق العقارية السعودية نفسها. فكلما اتسعت دائرة المشترين المحتملين، ارتفع سقف المنافسة بين المطورين، ولم يعد الموقع والسعر وحدهما معيار النجاح، بل أصبحت جودة التصميم، وكفاءة التنفيذ، ومستوى الصيانة، وإدارة المجمعات السكنية، وتجربة المالك بعد الاستلام، عوامل حقيقية في صناعة القيمة.

كما سيحفّز هذا التنظيم قطاعات اقتصادية مساندة، مثل إدارة الأملاك، والتقييم العقاري، والتمويل، والتأمين، والخدمات القانونية والهندسية، وهو ما يضيف عمقاً اقتصادياً أكبر للقطاع العقاري، ويخلق فرصاً مهنية واستثمارية تتجاوز بيع الوحدات السكنية نفسها.

غير أن أكثر ما يلفت الانتباه في هذا التنظيم، في تقديري، ليس قدرته على جذب رؤوس الأموال، وإنما قدرته على جذب المالك طويل الأجل. فالسوق لا تحتاج إلى مشترٍ عابر يبحث عن مكسب سريع، بقدر حاجتها إلى مالك يضيف قيمة حقيقية للمدينة، ويستثمر فيها، ويصبح جزءاً من اقتصادها. فهناك فرق كبير بين سوق تنمو بالمضاربة، وسوق تنمو بالاستقرار.

وقد يتساءل المواطن: ماذا يعني هذا التنظيم بالنسبة لي؟ والإجابة أن نجاحه الحقيقي يجب أن ينعكس على جودة المنتج العقاري، واحترافية المطور، وتحسن الخدمات، ورفع كفاءة إدارة المجمعات السكنية، واستقرار السوق، لأن المواطن هو المستفيد الأول من أي سوق أكثر نضجاً وشفافية، قبل أن يكون المستثمر.

لكن نجاح هذه المرحلة لن يتحقق بمجرد فتح باب التملك، فالتشريع الجيد يحتاج إلى تطبيق أكثر جودة. وهنا تصبح الرقابة عنصراً مكملاً للنجاح، لا عائقاً أمامه. فالرقابة الفاعلة هي التي تمنع المضاربات غير الصحية، وتحول دون أي ارتفاعات مصطنعة في الأسعار، وتحد من محاولات التحايل أو استغلال التنظيم بصورة تخالف أهدافه، كما تمنح المستثمر الجاد الثقة، وتحفظ في الوقت ذاته حق المواطن في سوق عادلة ومتوازنة.

كما أن استمرار تطوير السجل العقاري، ورفع كفاءة إجراءات التسجيل، وتعزيز الشفافية في الإفصاح عن الأسعار والصفقات، سيبقى جزءاً أساسياً من نجاح هذا التحول؛ لأن المستثمر، أياً كانت جنسيته، لا يبحث عن حق التملك فحسب، بل يبحث عن منظومة تمنحه الثقة في أن هذا الحق واضح، ومحمي، وسهل النفاذ.

إن التشريعات العظيمة لا تُقاس بعدد موادها، وإنما بعدد الأسواق التي تنجح في إعادة تشكيلها. فإذا نجحت هذه اللائحة في رفع جودة المنتج العقاري، وتعزيز الشفافية، وترسيخ الثقة، فإنها لن تكون قد وسعت دائرة التملك فحسب، بل ستكون قد أسهمت في إعادة رسم مستقبل السوق العقارية السعودية، لتصبح أكثر تنافسية، وأكثر استدامة، وأكثر قدرة على استقطاب الاستثمار النوعي الذي يضيف قيمة حقيقية للاقتصاد الوطني.

00:00 | 26-06-2026

حين كشف وزير العدل فلسفة نظام التنفيذ الجديد

لا أخفي أنني من الأشخاص الذين يتجنّبون الإشادة بالمسؤولين أو الأنظمة أو المبادرات قبل أن تتضح آثارها وتُختبر عملياً. فالمحامي بحكم عمله يرى النصوص من زاوية التطبيق، ويقيس نجاحها بما تحققه على أرض الواقع لا بما يُقال عنها.

ولعل ما يدفعني إلى هذه الكتابة أنني بطبيعتي أتحفظ في الإشادة بالأشخاص في الشأن العام، لأن الأصل أن تُنسب النجاحات إلى المؤسسات والمنظومات لا إلى الأفراد وحدهم. غير أن قراءة حوار صحفي أخير لوزير العدل الدكتور وليد بن محمد الصمعاني دفعتني إلى التوقف طويلاً أمام فكرة أراها جوهرية؛ وهي أن التطوير الحقيقي لا يكمن في تغيير النصوص فحسب، بل في القدرة على الاقتراب أكثر من مستهدفات القيادة في تعزيز العدالة، وحماية الحقوق، وتيسير الوصول إليها، وبناء منظومة تحقق التوازن بين مصلحة الدائن وكرامة المدين في الوقت ذاته.

وأعترف أن جزءاً من اهتمامي بهذا الحوار لا يعود إلى نظام التنفيذ وحده، بل إلى المسار الذي تقوده وزارة العدل خلال السنوات الأخيرة. فالمتابع المنصف يصعب عليه تجاهل حجم التحولات التي شهدتها البيئة العدلية في المملكة، من تحديث الإجراءات، إلى صدور أنظمة محورية كالأحوال الشخصية والمعاملات المدنية، إلى مشاريع التطوير المستمرة في القضاء والتنفيذ. ولهذا، فإن قراءة حديث الوزير بدت لي امتداداً طبيعياً لمسار أوسع، يقوم على تحويل مستهدفات القيادة من أفكار ومبادرات إلى أنظمة وإجراءات وممارسات يلمس أثرها الناس على أرض الواقع.

ولعل الإنصاف يقتضي هنا أن أقول إنني أجد صعوبة متزايدة في الفصل بين تقديري للتحوّل النوعي الذي تشهده المنظومة العدلية، وبين تقديري لمن يقود هذا التحول ويتحمل مسؤوليته. فبعض المسؤولين يرتبط اسمهم بمنصب، بينما يرتبط آخرون بأثرٍ يبقى لعقود، وفي تقديري أن ما شهدته وزارة العدل خلال السنوات الأخيرة يضع الوزير في الفئة الثانية.

ولهذا، فقد تابعت النقاشات الواسعة التي صاحبت صدور نظام التنفيذ الجديد، كما تابعت التحليلات المتباينة حوله. وكان السؤال الذي يتكرر كثيراً: هل خفف النظام من أدوات التنفيذ؟ وهل أصبح أكثر ميلاً إلى حماية المدين على حساب الدائن؟

لكن بعد قراءة ذلك الحوار، بدا لي أن الشق الأكبر من النقاشات كان يدور حول تفاصيل النظام، بينما كانت فلسفته الحقيقية في مكان آخر تماماً.

فالجملة التي استوقفتني أكثر من غيرها كانت قوله:

«المطلوب من نظام التنفيذ الجديد الوصول إلى الحق لا الإضرار بالإنسان».

هذه العبارة وحدها تكاد تختصر التحول الذي يشهده نظام التنفيذ بأكمله.

فكثير من الناس سمعوا أن الحبس التنفيذي تقلص، وأن بعض القيود التي كانت معروفة في النظام السابق تغيرت، وأن النظام أصبح أكثر مراعاة للمدين. لكن السؤال الذي لم يُطرح بالقدر الكافي هو: ماذا كسب الدائن في المقابل؟

والإجابة، في تقديري، هي جوهر النظام الجديد كله.

فالفلسفة القديمة في كثير من أنظمة التنفيذ حول العالم كانت تقوم على الضغط على المدين شخصياً أملاً في الوصول إلى الحق. أما الفلسفة التي يتجه إليها النظام الجديد فتقوم على التركيز على الحق نفسه، وعلى المال نفسه، وعلى الذمة المالية نفسها.

فما الفائدة من سجن شخص لا يملك مالاً؟ وما الفائدة من منع سفر شخص بينما الأموال أو الأصول أو الحقوق القابلة للتنفيذ ما زالت بعيدة عن متناول إجراءات التنفيذ؟ وما الفائدة من تعطيل حياة المدين إذا كانت حقوق الدائن لم تصل إليه أصلاً؟

لهذا جاءت الفكرة الأساسية واضحة: الانتقال من التركيز على الإنسان إلى التركيز على الحق.

ولم يكن هذا التحوّل معزولاً عن بقية ما ورد في الحوار. فحين تحدث الوزير عن التقنية والذكاء الاصطناعي وتسريع الإجراءات وتكامل البيانات، بدا واضحاً أن القضية أوسع من مجرد تعديل في أدوات التنفيذ. فالهدف في جوهره هو بناء منظومة عدلية أكثر قدرة على الوصول إلى الحق، وأقل اعتماداً على الإجراءات الطويلة أو التعقيدات التي كانت تستهلك وقت المتقاضين وجهدهم.

ومن هنا يمكن فهم الفائدة العملية للنظام الجديد. فالدائن لم يعد يعتمد بالدرجة الأولى على الضغط على المدين بقدر ما أصبح يعتمد على أدوات أكثر كفاءة للوصول إلى الأموال والأصول والحقوق القابلة للتنفيذ. وفي المقابل، لم يعد التعثر المالي وحده سبباً كافياً لتحويل حياة المدين إلى سلسلة من القيود التي لا تحقق مصلحة حقيقية للدائن. أي أن النظام يحاول أن يجعل التنفيذ أكثر دقة في الوصول إلى المال، وأقل اعتماداً على الضغط على الإنسان.

وهنا تظهر أهمية ما تحدث عنه الوزير بشأن تتبع الأموال وتعزيز الإفصاح والوصول إلى الأصول ورفع كفاءة التنفيذ. فالدائن في النهاية لا يبحث عن معاقبة المدين، بل يبحث عن استيفاء حقه. وكلما أصبحت أدوات الوصول إلى الأموال أكثر كفاءة، أصبح التنفيذ أكثر عدالة وفاعلية.

ولعل هذه الفلسفة تتكامل مع بقية مسار التطوير العدلي الذي تشهده المملكة. فكلما أصبحت البيانات أكثر تكاملاً، والإجراءات أكثر سرعة، والمعلومات أكثر دقة، أصبحت العدالة أكثر قدرة على الوصول إلى أصحاب الحقوق في وقت أقل وبتكلفة أقل. ولهذا فإن الحديث عن الذكاء الاصطناعي في الحوار لم يكن حديثاً عن تقنية جديدة فحسب، بل عن أداة تساعد على رفع جودة العمل العدلي وتحسين كفاءة الوصول إلى المعلومة وصناعة القرار.

وفي الحقيقة، لم ينتصر النظام للمدين على حساب الدائن، ولم ينتصر للدائن على حساب المدين. بل انتصر لفكرة أبسط وأهم: أن التنفيذ الناجح هو الذي يوصل الحق إلى صاحبه بأعلى كفاءة ممكنة، وبأقل ضرر ممكن على الإنسان.

وهذه الفلسفة ليست قانونية فقط، بل اقتصادية أيضاً. فكلما ازدادت ثقة الناس في قدرة النظام على حماية الحقوق واستيفائها، ازدادت الثقة في العقود والمعاملات والاستثمار. ولهذا فإن أنظمة التنفيذ تعد من أهم المؤشرات التي ينظر إليها المستثمرون ورجال الأعمال عند تقييم البيئة القانونية في أي دولة.

ومن يقرأ مسار التطوير التشريعي في المملكة خلال السنوات الأخيرة يلاحظ أن هناك توجهاً واضحاً نحو بناء منظومة قانونية أكثر كفاءة ووضوحاً واتساقاً مع أفضل الممارسات العالمية، دون التفريط في خصوصية المجتمع وقيمه. ويأتي نظام التنفيذ الجديد بوصفه حلقة مهمة في هذا المسار.

ولعل ما يميّز حديث وزير العدل أنه لم يركز على الإجراءات بقدر ما ركز على الغاية. فالأنظمة في نهاية المطاف ليست غاية في ذاتها، وإنما أدوات لتحقيق العدالة. وإذا تحوّلت الوسيلة إلى مصدر ضرر يفوق المنفعة، فإن المراجعة تصبح ضرورة لا خياراً.

ولهذا، فإن القيمة الأهم التي خرجت بها من هذا الحوار ليست مادة نظامية بعينها، ولا إجراءً محدداً، بل الفلسفة التي تقف خلف النظام كله: أن المطلوب من التنفيذ هو الوصول إلى الحق لا الإضرار بالإنسان.

وفي تقديري، فإن هذه العبارة لا تمثل شرحاً لنظام التنفيذ الجديد فحسب، بل تمثل أحد أوضح التعبيرات عن الاتجاه الذي تسير فيه العدالة السعودية المعاصرة؛ عدالة أكثر كفاءة في حماية الحقوق، وأكثر قدرة على الوصول إلى المال محل التنفيذ، وأكثر حرصاً على أن يبقى الإنسان إنساناً حتى وهو طرف في خصومة أو التزام مالي.

19:18 | 18-06-2026