أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1775.jpg?v=1769684372&w=220&q=100&f=webp

عبداللطيف آل الشيخ

مَن فوّضك؟

أسهل طريقة لتمرير رأي ضعيف، أن تجعله يرتدي اسم مشروع كبير، تقول ما تريد، ثم تترك للاسم مهمة إسكات المعترضين، فإذا سُئلت عن حجتك، أجبت عن إخلاصك للمشروع، وإذا نوقشت في استنتاجك، نقلت النقاش إلى موقف الآخرين من المستقبل، هكذا يختفي صاحب الرأي خلف الرؤية، ويصبح مطلوباً من الناس أن يناقشوا قناعته الشخصية كما لو كانت قراراً وطنياً واجب التسليم.

هنا تحديداً يأتي السؤال: مَن فوّضك؟ بأي صفة تنتقل من تأييد رؤية السعودية إلى احتكار تفسيرها، ومن المشاركة في مشروعها إلى توزيع شهادات الانتماء إليه؟ فبين أن تقول «أرى»، وأن تقول «هذا ما تريده الدولة»، مسافة لا تعبرها كثرة الحماسة، ولا ارتفاع الصوت، ولا قدرتك على إحراج مَن يخالفك أمام جمهور لا يملك وقتاً لتفكيك هذا الخلط.

الرؤية لها أهداف معلنة يمكن الرجوع إليها، ومن بينها «تعزيز القيم الإسلامية والهوية الوطنية»، إلى جانب قيم الوسطية والتسامح، وهذا شاهد ينبغي أن يبقى على الطاولة كلما حاول أحد تصوير التنمية باعتبارها خصومة مع هوية المجتمع، فمَن ينسب إلى المشروع ما يناقض أحد أهدافه، عليه أن يفسّر التناقض قبل أن يطالب الناس بتصديق نسبته.

المشكلة تبدأ حين تصبح عبارة «مع الرؤية» مظلة يوضع تحتها كل شيء، رأي في الأسرة، وحكم على المجتمع، وموقف من التاريخ، وذائقة في الفنون، ثم تُقدَّم هذه الحزمة كاملة باعتبارها الطريق الوحيد إلى المستقبل، مع أن الانتقال من هدف تنموي إلى حكم ثقافي يحتاج حجة تخصّه، ولا يكفي أن تكون المقدمة وطنية حتى تصبح كل نتيجة تُعلَّق عليها صحيحة.

خذ مثالاً بسيطاً، إتاحة نشاط تعني أن باب المشاركة فيه أصبح مفتوحاً، لكنها لا تجعل المشاركة اختباراً لوعي المواطن، ولا تمنح أحداً حق السخرية ممن يختار غيره، فإذا تحولت الخيارات إلى امتحان اجتماعي، وصار الإنسان مطالباً بتغيير ذائقته ليثبت انفتاحه، فقد أُعيد بناء الوصاية داخل اللغة التي تزعم تحريره منها، وصارت الحرية اسماً جديداً للطاعة المطلوبة.

وفي هذه المسافة تتسلل الأيديولوجيا، حين يُستبدل السؤال عن منفعة الفكرة بالسؤال عن أهلية المعترض، وحين يُقسَّم الناس إلى فئة تفهم العصر وأخرى ينبغي تجاوزها، وحين يُعامل المجتمع بوصفه خطأ ينتظر التصحيح الشامل، هذه طريقة تفكير قديمة مهما استعارت من مفردات الحداثة، فمَن يحتكر الحقيقة اليوم لا يصبح أكثر انفتاحاً لأن قاموسه مختلف عن قاموس مَن احتكرها بالأمس.

لنعد إلى الشاهد، «تعزيز القيم الإسلامية والهوية الوطنية»، وجود هذا الهدف في صلب الرؤية يُسقط الحيلة التي تجعل الاعتزاز بالجذور قرينة على العجز عن مواكبة التحول، فكيف يصبح ما تريد الرؤية تعزيزه شيئاً ينبغي للمواطن أن يعتذر عنه؟ وكيف يحتكر تمثيل المستقبل مَن يضع الناس أمام خيار مصطنع بين النجاح في عصرهم والوفاء لانتمائهم؟

وهذا لا يمنح أي عادة حصانة من النقد، فالمجتمع الحي يراجع أخطاءه، ويصلح ممارساته، ويوسّع فرص أبنائه وبناته، لكن النقد الجاد يسمّي الخلل ويثبت ضرره ويقترح إصلاحه، أما إصدار حكم ازدراء على مجتمع كامل، ثم تقديم هذا الازدراء باعتباره وعياً متقدماً، فلا يضيف إلى التنمية معرفة، بقدر ما يضيف إلى العلاقة بين الناس خصومة مجانية.

كذلك، لا تُدان الفكرة لأنها جاءت من خارج حدودنا، فالمعرفة الإنسانية أوسع من الجغرافيا، والاستفادة منها دليل قدرة على التعلم، إنما تُسأل الفكرة عما تصلحه هنا، وعن الثمن الذي تطلبه، وعن صلاحية افتراضاتها لواقعنا، أما استيراد خصومات جاهزة، ثم البحث لها عن أطراف محلية، فهو إلزام للمجتمع بأن يعيش أزمة لم ينتجها، كي تجد الأيديولوجيا المستوردة عملاً تؤديه.

ونجاح مشروع وطني لا يثبت صحة كل أيديولوجيا يرفع أصحابها شعاره، فمَن يريد أن ينسب الإنجاز إلى أفكاره مطالب بإثبات إسهامها فيه، كما أن مَن يعرض علينا خصومة ثقافية بوصفها شرطاً للتنمية مطالب بإثبات هذه الضرورة، إذ لا يجوز أن يتحول جهد المؤسسات والمواطنين إلى رصيد مجاني يستخدمه فريق لمنح قناعاته حصانة لم تستحقها بالحجة.

وعلى مَن يربط أجندته بالرؤية، أن يجيب عن أسئلة محددة، أين النص الذي يسند هذه النسبة؟ وما الصلة المنطقية بين الهدف المعلن والنتيجة التي تفرضها؟ وبأي معيار سنعرف أن مقترحك خدم المواطن؟ هذه الأسئلة تعيد النقاش إلى موضعه الطبيعي، حيث يقدّم صاحب الفكرة دليله، ويتحمل مسؤولية قوله، ويقبل أن يكون اجتهاده قابلاً للخطأ والمراجعة.

أما الرد على الأسئلة باتهام السائل بأنه ضد التغيير، فهو تهرّب يكشف ضعف الحجة، لأن الرؤية لا تحتاج أن نجعل كل رأي يُلصق بها فوق النقاش، ولأن حماية مشروع وطني من التحريف تبدأ بإبقاء الفارق واضحاً بين أهدافه وتأويلات الناس له، وبين ما قررته مؤسساته وما يتمناه متحدث باسمه من تلقاء نفسه.

إن تحويل الاختلاف مع فرد إلى شبهة موقف من الدولة يحمّل الدولة تبعات أقوال لم تقلها، وينسب إليها خصومات لا يلزم أن تكون خصوماتها، ويجعل اسمها طرفاً في كل مشادة ثقافية، وتلك إساءة إلى المعنى السيادي للمشروع، فالمصلحة الوطنية أوسع من انتصار كاتب في جدال، وأكبر من حاجة تيار إلى إعلان غلبته على الآخرين.

مَن يثق بفكرته يستطيع أن يطرحها باسمه، ومَن يملك حجة يستطيع أن يعرضها دون استعارة هيبة أحد، لذلك يظل سؤال «مَن فوّضك؟» ضرورياً كلما جرى رفع رأي شخصي إلى مقام الإرادة الوطنية، إنه سؤال عن ادّعاء التمثيل، يطالب صاحب الكلام بأن يقف أمام الناس بحجته كاملة، وبمسؤوليته كاملة، دون أن يجعل الرؤية تتلقى عنه الاعتراض.

نقطة آخر السطر

الرؤية مشروع دولة، ومَن يجعل رأيه الشخصي أمراً باسمها، فليُبرز تفويضه قبل أن يطالب الناس بالامتثال.

00:02 | 4-10-2026

الجواب ما تراه.. لا ما تسمعه

نعيش زمناً صار فيه الصمت تهمة، والتأخر في الرد ضعفاً، والامتناع عن التعليق ارتباكاً، حتى بدا كأن الدول مطالبة بأن تفتح هاتفها كل صباح، لتثبت للجمهور أنها ما زالت تعرف ماذا تفعل.

خبرٌ ينتشر، فيُقال: لماذا لم ترد الدولة؟

إشاعةٌ تُطلق، فيُقال: أين البيان؟

خصمٌ يستفز، فيُقال: لماذا الصمت؟

ثم يقع حدثٌ أمني أو سياسي، فتسبق الأسئلة تفاصيله: ماذا ستفعل الدولة، ومتى، وأين، وكيف، وبأي حجم؟

كأن إدارة الدول مؤتمر صحفي مفتوح، وكأن السيادة مطالبة بأن تشرح خطتها قبل أن تنفذها.

السؤال ليس المشكلة، فمن حق المواطن أن يعرف ما يمس أمنه، ورزقه، ومستقبله، لكن الخلل يبدأ حين نخلط بين أمرين مختلفين تماماً: حق المواطن في أن يعرف ما وقع، ورغبة الجمهور في أن يعرف ما سيقع..

فالأول حق.. والثاني ليس حقاً لأحد.

والسبب بسيط، لكنه يضيع في ضجيج المنصات: البيان لا يُكتب لقارئ واحد.

الجملة التي تطمئن بها الدولة مواطنها، يقرؤها خصمها في اللحظة نفسها، ويبني عليها حساباته، فكل نيةٍ تُعلن تتحول إلى معلومةٍ مجانية، وكل ردٍ يُشرح قبل وقوعه ينتقل من دائرة المفاجأة إلى موعد يستطيع الخصم الاستعداد له.

لهذا، فالصمت السيادي ليس فراغاً في الموقف، بل قد يكون جزءاً منه، وفرقٌ كبير بين دولةٍ لا تعرف ماذا تقول، ودولةٍ تعرف تماماً لماذا لا تقول، الأولى مرتبكة، والثانية تدير كلماتها كما تدير أدوات قوتها.

ويُروى عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: «الكلام في وثاقك ما لم تتكلم به، فإذا تكلمت به صرت في وثاقه»، وهي حكمة تصدق على الدول أضعاف ما تصدق على الأفراد، لأن الكلمة في السياسة ليست صوتاً يخرج ثم ينتهي، بل موقفٌ قد يضيّق مساحة الحركة، ويكشف بعض الخيارات، ويرسم للخصم خريطةً يتحرك عليها.

ولعل أكبر أوهام عصر المنصات وهم السرعة، إذ صرنا نقيس المؤسسات بالثواني، ونطالب السياسة بإيقاع «الترند»، ونريد من غرف القرار أن تتحرك بسرعة غرف الدردشة.

لكن الدول لا تُدار بهذه الطريقة..

ما يصل إلى المواطن خبر، وما يصل إلى الدولة ملف، وما نراه حادثةً منفردة قد تراه مؤسساتها حلقةً في سلسلة، وما يبدو لنا مستحقاً لردٍ فوري، قد تكون قيمته الحقيقية في اختيار اللحظة التي يصبح فيها الرد أبلغ أثراً، وأقل كلفة.

وهنا يظهر الفارق بين الانفعال والقرار، الانفعال يريد أن يُسمع صوته الآن، والقرار يريد أن تتحقق نتيجته، ولو تأخر صوته.

وفي التاريخ شاهدٌ اختصر هذه الفكرة قبل قرون، حين كتب نقفور، ملك الروم، إلى هارون الرشيد متحدياً، لم يدخل الرشيد معه في سجال طويل، بل كتب إليه: «والجواب ما تراه دون أن تسمعه»، ثم سار بجيشه.

عبارةٌ قصيرة بقيت في الذاكرة، لأن قيمتها لم تكن في بلاغتها وحدها، بل في أن الفعل جاء بعدها يحمل معناها.

ولهذا لا تُقاس هيبة الدول بارتفاع نبرة بياناتها، ولا بعدد السجالات التي تدخلها، فالهيبة أن يعرف الآخر حدودك قبل أن تشرحها له، وأن يقرأ ردك قبل أن تعلنه.

وفي التجربة السعودية، لا تحتاج الدولة في كل مرة إلى رفع صوتها كي يُسمع موقفها، فالسياسة السعودية بنت عبر تاريخها لغةً لا تفصل الكلمة عن حسابها، ولا تجعل الضجيج بديلاً عن الفعل، وحين تتطلب المصلحة الكلام تتكلم، وحين تتطلب المصلحة أن يبقى القرار في غرفته، لا تستدرجها ضوضاء الخارج إلى كشفه.

وليست هذه دعوةً إلى الصمت الدائم، فالصمت ليس فضيلةً في ذاته، كما أن الكلام ليس ضعفاً في ذاته.

الضابط أبسط من ذلك وأدق: ما يمس حياة الناس، وأمنهم، وأرزاقهم تُشرح وقائعه، وما يمس حسابات الخصم تُحفظ نواياه.

الدولة الرشيدة تكشف الوقائع، وتكتم النوايا،

بهذا المعنى لا يكون الصمت نقيضاً للشفافية، فالشفافية أن يرى المواطن ما يعنيه، لا أن يرى الخصم ما ينتظره.

والمؤسسات الواثقة لا تتكلم لأنها استُفزت، بل لأنها قررت أن الكلام في تلك اللحظة يخدم المصلحة.

والقاعدة ليست سياسيةً وحدها، ففي حياتنا الشخصية، أكثر الناس حاجةً إلى شرح أنفسهم هم الذين جعلوا رضا الآخرين ميزاناً لصواب مواقفهم، أما من يعرف نفسه فلا يحمل ملف دفاعه معه أينما ذهب.

فكيف بدولة؟

الدولة التي تعرف قوتها، ومصالحها، وخصومها، وحلفاءها ليست مضطرةً إلى تحويل غرفة عملياتها إلى غرفة زجاجية، ولا إلى كشف أوراقها لتطمئن جمهوراً استعجل النتيجة، أو خصماً يستدرجها إلى التوقيت الذي يناسبه.

أحياناً يكون الرد بياناً.

وأحياناً يكون قراراً.

وأحياناً يكون تغييراً في معادلة كاملة، لا تعرف أن الدولة ردّت إلا حين يكتشف الطرف الآخر أن الأشياء لم تعد كما كانت.

فالسيادة ليست عرضاً يومياً على المنصات، وليس كل ما لم نسمعه لم يحدث.

نقطة آخر السطر:

الدول التي تعرف قدرها لا تُهدر هيبتها في شرح ما ستفعل، تقول حين يكون القول فعلاً، وتصمت حين يكون الصمت فعلاً، فإذا جاء الرد، كان الجواب ما تراه، لا ما تسمعه.

00:00 | 27-09-2026

الطابور الخامس.. حين انتقل إلى جوالك

كان «الطابور الخامس» في صورته القديمة، يحتاج إلى رجالٍ يعملون في الظل، ورسائل سرية، واتصالات خفية، وشبكة تتحرك داخل المجتمع لخدمة هدف يأتيه من الخارج.

أما اليوم، فقد تغيّرت الأدوات.. ولم يعد ضرورياً أن يحمل أحدهم جهاز اتصالٍ سرياً، يكفي جوال، وحساب، ومساحة صوتية، وخبرٌ بلا مصدر، ومقطعٌ مبتور، وبضعة آلاف من المتابعين، ثم خوارزمية لا تسأل عن الحقيقة بقدر ما تكافئ التفاعل.

هكذا انتقلت إحدى أخطر جبهات الصراع من الخريطة إلى الشاشة، لكن يجب أن نضع فاصلاً مهماً منذ البداية، لأن الكلمات الكبيرة تفقد قيمتها حين تُستخدم بلا دقة، ليس كل ناقدٍ طابوراً خامساً، وليس كل مختلفٍ خائناً، وليست كل معلومة خاطئة مؤامرة، فالخطأ موجود، والجهل موجود، والاستعجال موجود، والبحث عن الشهرة موجود.

الحديث هنا عن الوظيفة قبل الأشخاص، عن سلوكٍ إعلامي تكون نتيجته العملية إضعاف الثقة، وتضخيم رواية الخصم، وإرباك الداخل، سواء كان فاعله مدركاً لما يفعل، أم مجرد حلقةٍ في سلسلة لا يعرف بدايتها.

وهنا تكمن خطورة النسخة الرقمية من الطابور الخامس..

فهي لا تحتاج دائماً إلى إقناع المواطن بأن خصمه على حق، يكفي أن تقنعه بأن دولته دائماً على خطأ، ولا تحتاج إلى إسقاط الحقيقة، يكفي أن تضع بجوارها عشر أكاذيب حتى يصبح الوصول إليها مرهقاً، ولا تحتاج إلى صناعة رواية متماسكة، يكفي أن تصنع ضجيجاً يجعل كل رواية موضع شك.

هذه هي «حرب الإدراك»، وأخطر أسلحتها ليس الكذب الصريح دائماً، بل نصف الحقيقة..

صورة صحيحة بتاريخٍ كاذب، ومقطع حقيقي منزوع من سياقه، وتصريح اجتزئت منه جملة، وسؤالٌ خبيث يبدأ بـ«هل صحيح؟»، وخبر مجهول يسبقه «عاجل»، ثم تأتي المرحلة الأخطر، حين ينتقل المحتوى من الحساب الذي صنعه إلى حسابات حقيقية يثق بها الناس.

عندها يكون التضليل قد حقق أعظم انتصاراته، وجد من يحمله مجاناً..

وفي أوقات الأزمات تصبح المسألة أكثر حساسية، لأن سرعة الحدث تتجاوز أحياناً سرعة التحقق، والإنسان بطبيعته يبحث عن المعلومة التي تفسر له ما يحدث، وهنا يدخل من يريد التأثير على الوعي من المسافة القصيرة بين السؤال والجواب.

لهذا لم يعد الأمن الوطني في العصر الرقمي متعلقاً فقط بحماية الحدود المادية، فهناك حدود أخرى لا تظهر على أي خريطة، حدود الثقة، والوعي، والإدراك العام.

والمملكة لم تنتظر حتى يتحول التضليل إلى أزمة كي تتحرك، ففي «مبادئ الذكاء الاصطناعي في الإعلام» التي أطلقتها وزارة الإعلام بالشراكة مع «سدايا»، حضرت المصداقية، وسلامة المعلومات، ومكافحة المحتوى المضلل، والمسؤولية البشرية، وما كان يحتاج إلى متخصصٍ لتزوير صورةٍ مقنعة أصبح اليوم متاحاً للجميع خلال دقائق، صورة، وصوتاً، وفيديو، حتى لم تعد العين وحدها كافية للحكم على الحقيقة.

وهنا يصبح السؤال، من يحرس الجبهة التي لا تظهر على الخريطة؟

الدولة تحمي مجالها الجوي، وقواتها المسلحة تحمي حدودها، وأجهزتها الأمنية تقوم بواجبها، لكن المجال المعلوماتي مختلف، لأن جزءاً من بواباته موجود في يد كل واحدٍ منا..

زر «إعادة النشر» بوابة، و«الإعجاب» بوابة، وتضخيم رواية مجهولة بوابة، والنشر لمجرد الموافقة بوابة.

ليس المطلوب من المواطن أن يتحول إلى رقيب، ولا أن يصمت، ولا أن يتخلى عن حقه في السؤال والنقد، فالمجتمع الواثق لا يخاف من السؤال، لكن هناك فرقاً هائلاً بين السؤال والتسويق، وبين النقد والتضليل، وبين الاختلاف مع رأيٍ داخل الوطن، ومنح رواية خصمٍ خارجي منصةً داخل الوطن.

وهنا يقع الخط الفاصل الذي يجب ألّا نخطئ قراءته..

الطابور الخامس الحديث قد لا يقول لك «صدّق عدوك»، سيقول شيئاً أكثر ذكاءً «لا تصدق أحداً»، وقد لا يطلب منك مهاجمة وطنك، يكفيه أن يجعلك تشك في كل مؤسسة، وتسخر من كل مصدر رسمي، وتبحث عن تفسير الأحداث لدى حساب مجهول، ثم تمنح المجهول صدقيةً لأنه قال لك ما تريد سماعه.

وعندما يصبح «المجهول» أكثر إقناعاً من المعلومة القابلة للتحقق، تكون الجبهة قد اختُرقت من دون طلقة واحدة.

لهذا فإن الوعي الوطني ليس شعاراً، ولا صورة علم، ولا هاشتاقاً يرتفع ساعة الأزمة ثم يختفي..

الوعي الوطني ممارسة، وله في ديننا أصلٌ سبق مصطلحات الحرب الحديثة بقرون، «التبيّن»:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾،

فالأمة التي جعلت للخبر إسناداً، وللرواة نقداً، وللنقل مراتب، عرفت مبكراً أن وصول المعلومة لا يعني صحتها.

والمفارقة أن في قلب ما نسميه اليوم «مكافحة التضليل» قاعدةً سبقت المصطلح بقرون، لا تصدّق لمجرد وصول النبأ، ولا تنشر لمجرد موافقته لهواك..

أن تسأل قبل أن تنشر، وأن تتحقق قبل أن تتهم، وأن تفرّق بين الخبر والرأي.

وأن تعرف أن كثرة إعادة التغريد لا تحول الكذبة إلى حقيقة، وأن ارتفاع الصوت لا يصنع مصدراً، وأن من يقول «وصلني من مصدر خاص» لم يقدم لك دليلاً، بل طلب منك أن تعيره ثقتك.

وربما تكون المفارقة الكبرى أن الطابور الخامس في الماضي كان يخشى أن يُكتشف، أما نسخته الرقمية فقد تبحث عن أكبر عددٍ من المشاهدات.

كان يعمل في السر، وأصبحت بعض وظائفه تؤدى أمام الجميع، وكان يحتاج إلى تجنيد الأشخاص، وأصبحت الخوارزمية قادرةً على حمل الرواية إلى آلاف الناس في دقائق.

هنا تصبح المسألة أخطر من كذبة، إنها معركة على طريقة تكوين الحقيقة في أذهان الناس، على كيف نعرف، وممن نأخذ، ولماذا نصدق، ومن المستفيد حين نعيد النشر.

لذلك، في الجبهة التي لا تظهر على الخريطة، قد لا يُطلب منك أن تحمل سلاحاً للدفاع عن وطنك، أحياناً يكفي ألّا تحمل سلاح خصمك من حيث لا تدري.

نقطة آخر السطر:

الطابور الخامس القديم كان يبحث عن ثغرةٍ في حدود الوطن، أما نسخته الرقمية الجديدة فتبحث عن ثغرةٍ في وعي المواطن، فلا تكن أنت الثغرة.

00:00 | 20-09-2026

لن تختاروا لنا لحظة القرار

من أسوأ الأخطاء في السياسة، أن تقرأ هدوء دولة واثقة باعتباره تردداً، والأسوأ أن تبني على هذا الخطأ قراراً، فالدول لا تُقاس بحجم الضجيج الذي تصنعه عند كل استفزاز، ولا بعدد المرات التي تلوّح فيها بقوتها، بل بقدرتها على أن تعرف متى تتجاهل، ومتى تتحرك، ومتى تجعل الطرف الآخر يكتشف ـ متأخراً ـ أنه أخطأ في حساب المسافة بين الحلم والقرار.

وهذه تحديداً إحدى أكثر الزوايا التي يُساء من خلالها فهم السعودية، هناك من يعتقد أن ضبط النفس ضعف، وأن منح السياسة فرصتها تردد، وأن تأجيل المواجهة عجز عن خوضها، وهي قراءة قد تصلح لدول تعيش على ردود الأفعال، لكنها لا تصلح لدولة تعرف ماذا تريد، وتملك من عناصر القوة ما يجعلها غير مضطرة إلى إثبات قوتها كل صباح.

«السعودية لا تتأخر في الرد.. السعودية ترفض أن يحدد خصمها موعد ردها».

والفارق بين العبارتين هو الفارق بين دولة تدير قرارها، وطرف يحاول جرّها إلى قراره، فالسيادة ليست مجرد امتلاك القدرة، بل امتلاك الإرادة التي تقرر متى تستخدم هذه القدرة، ولعل العربية نفسها تمنحنا معنى أعمق، فـ«السيادة» تتصل بـ«السؤدد»، والسيد في الموروث العربي لم يكن صاحب البأس وحده، بل صاحب الحلم أيضاً، القادر على الغضب ثم القادر على تأجيل غضبه، لأن القوة التي لا تستطيع التحكم بنفسها تتحول، مهما عظمت، إلى رد فعل.

وفي منطقة تتكاثر فيها الأزمات، وتتقاطع فوق خرائطها المصالح، وتتسابق أطراف كثيرة على إشعال الحريق ثم اختيار مكانه وتوقيته، تصبح القدرة على عدم الانجرار نوعاً متقدماً من القوة، لأن الاستفزاز، في كثير من الأحيان، ليس هو الهدف، بل رد الفعل عليه.

قد يريد خصمك منك أن تغضب الآن، وأن تتحرك الآن، وأن تختار الساحة التي أعدّها لك، وأن تدفع الكلفة التي حسبها مسبقاً، فإذا فعلت ذلك فقد تكون امتلكت القوة، لكنه امتلك توقيتها، والدول ذات الهيبة لا تمنح خصومها هذا الامتياز، فالهيبة سكون يُهاب، لا ضجيج يُسمع، وحضور لا يحتاج إلى أن يعيد إثبات نفسه عند كل استفزاز.

السعودية اليوم لا تحمي حدوداً جغرافية فقط، خلف هذه الحدود مشروع وطني ضخم، واقتصاد يتوسع، ومجتمع يتحول، واستثمارات تمتد لعقود، ومدن تُبنى، وأجيال تعيد تعريف علاقتها بالمستقبل، ولهذا تغيّر معنى الأمن نفسه، فلم يعد مجرد منع خطر من عبور الحدود، بل أصبح حماية للمستقبل من أن تختطفه أزمات الماضي.

وهنا تظهر طبقات السيادة بوضوح، سيادة على الأرض تحفظ الوجود، وسيادة على القرار تحفظ الإرادة، وسيادة على اللحظة تحفظ حرية استخدام القرار، والأخيرة هي التي تمنع الخصم من أن يحوّل قوتك إلى أداة تعمل وفق توقيته.

ومن هنا يمكن فهم كثير من السياسة السعودية، ليست المسألة بحثاً عن الهدوء بأي ثمن، وليست رغبة في المواجهة بأي ثمن، إنما هي إبقاء القرار السعودي داخل الرياض، لا في عاصمة أخرى، ولا في غرفة عمليات خصم، ولا تحت ضغط عنوان عاجل، ولا رهينة لاستفزاز عابر.

أن تملك سلاحك يعني أن لديك القدرة، وأن تملك قرار استخدامه يعني أن لديك الإرادة، أما السيادة الكاملة فهي أن تملك اللحظة أيضاً، فلا يحدد لك خصم متى تغضب، ولا متى تهدأ، ولا متى تتحرك، لأن الدولة التي تسمح لخصمها بتحديد توقيت قرارها تكون قد منحته جزءاً من القرار نفسه.

ولهذا، فإن العبث بأمن السعودية لا يمكن قراءته باعتباره شأناً محلياً محدوداً، فالمملكة ليست رقماً يمكن عزله عن معادلات المنطقة، أمنها يتقاطع مع أمن الطاقة، وحركة التجارة، والبحر الأحمر، والممرات البحرية، وشبكة واسعة من المصالح الاقتصادية، وكلما كبر وزن الدولة اتسعت الدائرة التي تتأثر باستقرارها، وأصبحت مسؤوليتها في إدارة القوة أكبر من رغبتها في استعراضها.

ربما لهذا تبدو السعودية، في بعض اللحظات، أكثر هدوءاً مما يتوقعه المتحمسون، وأكثر حلماً مما يتمناه المستفزون، فهي لا تدير لحظة غضب، بل تدير دولة، ولا تحمي يوماً واحداً، بل مشروع عقود قادمة.

وهنا يقع الخطأ الذي تكرر كثيراً في قراءة المملكة، الخلط بين الحلم والعجز، فالحلم قرار يصدر عن قدرة، أما العجز فلا يحتاج إلى حلم، لأن صاحبه لا يملك خياراً آخر.

السعودية تعرف حجمها، وتعرف مصالحها، وتعرف أن القوة التي تحتاج في كل مرة إلى الصراخ كي يصدقها الآخرون لم تبلغ تمام هيبتها بعد، لذلك لا تحتاج المملكة إلى أن تدخل كل معركة يعرضها عليها الآخرون، ولا أن تجيب عن كل استفزاز بالطريقة التي يتمناها صاحبه، ولا أن تضبط ساعة قرارها على توقيت خصومها.

فالسيادة، في معناها الأعمق، إنما هي أن يبقى القرار لك، وتوقيته لك، وحساب المصلحة لك، وأن يفهم الآخر أن حلمك لا يمنحه حق اختيار اللحظة التي ينتهي فيها.

ولعل أخطر خطأ يمكن أن يرتكبه خصم السعودية، أن يظن أن طول المسافة بين الحلم والقرار يعني أن القرار لن يأتي.

نقطة آخر السطر:

«السعودية لا تنتظر اللحظة المناسبة لخصومها.. السعودية هي من تقرر متى تصبح اللحظة مناسبة».

00:00 | 13-09-2026

قُل لي أين تقف.. أَقُل لك أين السعودية

لو جمعت ما يُقال عن المملكة العربية السعودية في عواصم العالم، ثم نزعت أسماء أصحاب الكلام، فقد يخطر لك أنهم يتحدثون عن أكثر من دولة.

عند طرف، السعودية حليف إستراتيجي لا يمكن تجاوز ثقله، وعند آخر، شريك اقتصادي ينبغي توسيع العلاقة معه، وعند ثالث، قوة إقليمية تملك من التأثير ما يجعل حضورها ضرورياً في معادلات المنطقة، وعند طرف رابع، دولة «صعبة» لا يمكن التكهن بموقفها لمجرد معرفة موقف حلفائها.

والغريب أن هؤلاء يتحدثون عن السعودية نفسها.

فأين السعودية بالضبط؟

الجواب يبدأ بسؤال آخر:

أين يقف من يتحدث عنها؟

في العلاقات الدولية، لا توجد نافذة واحدة تطل منها الدول على بعضها، فالجغرافيا تصنع زاوية، والاقتصاد يصنع أخرى، والأمن، والطاقة، والتجارة، والتحالفات، والتاريخ، والمصالح كلها تعيد ترتيب المشهد بحسب موقع الناظر إليه، والسياسة الدولية ليست مجلساً لاختيار «أطيب الدول»، بل شبكة هائلة من المصالح والحسابات المتقاطعة.

ولذلك قد تكون الدولة نفسها حليفاً في ملف، ومنافساً في آخر، وشريكاً في ثالث، ومختلفاً معها في رابع، من دون أن يكون في ذلك تناقض، فالعالم لم يعد بسيطاً إلى الحد الذي يسمح بتقسيمه إلى معسكرين، ثم سؤال كل دولة: مع من أنتم؟

وهنا تحديداً تبدو التجربة السعودية لافتة..

للمملكة علاقة إستراتيجية راسخة مع الولايات المتحدة، وعلاقات اقتصادية وتجارية واسعة مع الصين، وتعمل مع روسيا ودول أخرى ضمن «أوبك+» في توازنات سوق الطاقة، وتبني شراكات واسعة مع أوروبا، وتوسع علاقاتها مع الهند والاقتصادات الآسيوية، وتتحرك في الوقت نفسه من عمقها العربي والإسلامي، وتنفتح على دوائر جديدة في أفريقيا وأمريكا اللاتينية. واقتصادها تجاوز ١٫٢٧ تريليون دولار خلال ٢٠٢٥، فيما تمثل الأنشطة غير النفطية أكثر من نصف الناتج، وهذا اتساع في المصالح نفسها، لا في العلاقات وحدها.

وأمام شبكة بهذا الاتساع، قد يبدو السؤال التقليدي «مع من أنتم؟» منطقياً، لكنه في الحقيقة سؤال ينتمي إلى زمن أبسط من زمننا.

فالجواب السعودي ليس اختيار عاصمة ضد أخرى، بل اختيار السعودية.

وأن تختار الدولة نفسها لا يعني أن تنعزل عن العالم، بل أن تدخل إليه من أبوابه كلها، وتوسع صداقاتها، وتنوّع شراكاتها، وتستقطب الاستثمار والمعرفة والتقنية، وتتعاون في الأمن والاستقرار والتنمية، من دون أن تمنح أي علاقة حق احتكار قرارها.

هناك فارق كبير بين «الحليف» و«التابع»، وبين «الشريك» و«الملحق»، فالحليف الحقيقي لا يشترط التطابق في كل موقف، والشراكة الحقيقية لا تنهار عند أول اختلاف.

ولهذا تستطيع الرياض أن تتفق مع واشنطن في ملفات، وتختلف معها في أخرى، وأن توسع علاقاتها الاقتصادية مع بكين من دون أن يعني ذلك خصومة مع الغرب، وأن تنسق مع موسكو وغيرها في أسواق الطاقة من دون أن يعني ذلك تبني سياساتها، وأن تبني علاقات متوازنة مع قوى قد تتنافس هي نفسها في ما بينها.

ولعل «حلف مكة» بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان يقدم مثالاً حديثاً على ذلك، فالدول الثلاث لا تقف في الموقع الدولي نفسه، ولا تتطابق شبكات علاقاتها وتحالفاتها، لكنها التقت عند مصالح أمنية ودفاعية مشتركة، من دون أن يلغي ذلك علاقات أي منها مع الآخرين.

وهنا تظهر إحدى حقائق السياسة الحديثة: ليس ضرورياً أن تقف الدول في المكان نفسه.. حتى تستطيع أن تقف معاً.

فالاتفاق لا يحتاج إلى التطابق، كما أن الاختلاف لا يستوجب الخصومة. وربما تكون هذه إحدى علامات نضج العلاقات بين الدول: أن تعرف أين تلتقي، من دون أن تشترط على الآخر أن ينتقل بكامله إلى موقعك.

هذه ليست سياسة الوقوف في المنتصف، إنها سياسة الوقوف في المكان السعودي.

وهذه العبارة تختصر جانباً مهماً من السياسة الخارجية للمملكة، فالموقع السعودي لا يُفهم فقط من هوية الحليف، بل من تعريف المملكة لمصالحها، وقدرتها على بناء علاقات متعددة حول تلك المصالح، من دون أن يتحول أي طرف إلى مرجع يحدد لها أين ينبغي أن تقف.

ومن هنا يمكن أيضاً فهم اختلاف الروايات عن السعودية.

فالطرف الذي تتقاطع مصالحه معها في قضية يراها من تلك الزاوية، والطرف الذي تختلف حساباته معها في قضية أخرى يراها من زاوية مختلفة، ومن اعتاد قراءة المنطقة بخرائط سياسية قديمة يحتاج إلى استيعاب حقيقة أهم: أن الخريطة لم تتغير وحدها، بل تغيرت الأوزان التي فوقها.

المشكلة إذاً ليست دائماً في السعودية التي ينظرون إليها، بل أحياناً في المكان الذي ينظرون منه إليها.

والسعودية اليوم ليست مجرد مورد رئيسي للطاقة، بل عضو في مجموعة العشرين، وصاحبة أكبر اقتصاد عربي، ودولة تبني ضمن رؤية السعودية ٢٠٣٠ اقتصاداً أكثر تنوعاً، وتستثمر موقعها الجغرافي والسياسي، وتعزز مكانتها في قلب العالمين العربي والإسلامي.

والدولة التي تتسع مصالحها، تتسع بالضرورة دوائر علاقاتها، وكلما تعددت تلك الدوائر أصبح عليها أن تتقن معادلة أصعب: أن تقترب من الجميع بالقدر الذي يخدم مصالحها، من دون أن تصبح المسافة بينها وبين أي طرف أقصر من المسافة بينها وبين قرارها.

وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وبقيادة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، أصبح هذا المعنى أكثر وضوحاً: علاقات واسعة، وشراكات متعددة، وانفتاح على الشرق والغرب، لكن البوصلة في النهاية سعودية.

ولهذا، عندما يخبرك أحدهم أين يرى السعودية، لا تتعجل في مناقشته، اسأله أولاً: أين تقف أنت؟

فقد تعرف من إجابته الكثير عن السعودية، وقد تعرف أكثر عن صاحب الإجابة نفسه.

نقطة آخر السطر:

قل لي أين تقف.. أقل لك كيف ترى السعودية.

أما أين تقف السعودية؟

فهذا قرار لا تملكه إلا السعودية.

00:00 | 6-09-2026

الدولة التي لم تترك فراغاً للأيديولوجيا

كل أيديولوجيا مغلقة تحمل في داخلها سؤالاً لا تعلنه منذ البداية: أين مركز القرار الذي يمكن أن أستولي عليه؟ فهي قد تبدأ فكرةً تطلب حقها في النقاش، ثم لا تلبث أن تطلب احتكار تعريف الدين و الوطن و المصلحة العامة، و لا تكتفي بأن تؤثر في الدولة، بل تريد أن تصبح مرجعاً فوقها، و من هنا لا يكون السؤال السعودي: هل وصلت إلينا الأيديولوجيات؟ فقد وصلت بالفعل.. بل لماذا عجزت، مهما اتسع حضورها، عن أن تجعل العرش جائزةً لمشروعها؟

لقد عبرت المملكة، مثل غيرها، تيارات قومية ويسارية وحركية دينية، وترك بعضها أثراً امتد إلى الخطاب الاجتماعي والتعليم والمجال العام، ولا تخدم الحقيقة الوطنية محاولة إنكار ذلك، لكن وصول الفكرة شيء، وقدرتها على التحول إلى سيادةٍ فوق الدولة شيء آخر، فقد استطاعت بعض التيارات أن تكسب أتباعاً، وأن تؤثر في مرحلة، وأن تزاحم أحياناً على تفسير الدين أو المجتمع، لكنها لم تستطع أن تحوّل حضورها الجزئي إلى شرعيةٍ بديلة تبتلع الدولة.

ولذلك، فالمعيار الصحيح ليس جغرافيا الفكرة، بل وظيفتها، فقد تأتي فكرةٌ من الخارج فتضيف إلى المعرفة والتنمية، وقد ينشأ في الداخل مشروعٌ أشد انغلاقاً وخطراً، الفكرة تبقى اجتهاداً ما دامت تقبل أن تعيش مع غيرها تحت سقف النظام، أما حين تطلب ولاءً يعلو على الوطن، أو تدّعي تمثيل الدين والمجتمع تمثيلاً حصرياً، أو تجعل الوصول إلى القرار شرطاً لاكتمال وجودها، فإنها تنتقل من رأيٍ قابل للنقاش إلى مشروع احتكار.

وليست مناعة المملكة ناتجةً من شكل الحكم وحده، فقد عرف التاريخ عروشاً لم تكن مطروحةً للمنافسة، ثم سقطت حين فرغت الدولة من داخلها، أما الحالة السعودية فتقوم على شرعيةٍ مركبة: مرجعيةٌ في كتاب الله وسنة رسوله، ونظام حكمٍ ملكي تنعقد له البيعة، وتاريخ تأسيسٍ وتوحيد، وحكم يقوم على العدل والشورى والمساواة، ومؤسسات تحفظ انتظام الدولة، ووحدة وطنية ترى في المملكة بيتاً مشتركاً، ثم يأتي الأمن والإصلاح والإنجاز ليجدد الثقة ويضيف إلى الشرعية التاريخية شرعية الأثر.

هذه البنية لا تعني أن المجتمع بلا مطالب، أو أن الدولة فوق النقد، بل تعني أن الإصلاح لا يحتاج إلى هدم البيت كي يغيّر ما فيه، فالمطلب الوطني يسعى إلى دولةٍ أفضل، أما المشروع الأيديولوجي فيحتاج إلى تصوير الدولة خصماً دائماً حتى يبرر الحلول محلها، الأول يرى الخلل سبباً للإصلاح، والثاني يراه فرصةً للاستيلاء، والأول يريد أن تعمل المؤسسة بكفاءة، أما الثاني فلا يطمئن حتى تصبح المؤسسة أداةً في يده.

ولهذا، لا تكون المناعة بإغلاق باب السؤال أو تضييق مساحة الاختلاف، فذلك قد يمنح الأيديولوجيا المظلمة التي تبحث عنها، بل بتحويل الملاحظات إلى إصلاح، والاحتياجات إلى سياسات، والنقد المسؤول إلى معرفةٍ تساعد الدولة على تصحيح مسارها، فالدولة الراسخة لا تخشى من يريد تحسينها، والإصغاء للمواطن ليس تنازلاً عن السيادة، بل تعبيرٌ عن الثقة، وإغلاقٌ للطريق أمام جماعةٍ تريد احتكار شكواه ثم التحدث باسمه.

وهنا يظهر الفارق بين الدولة والتنظيم الأيديولوجي، فالأيديولوجيا المغلقة تمتحن ضمير الإنسان السياسي، وتطلب منه تطابقاً فكرياً كاملاً، ثم تمنح القبول لمن يقترب منها، وتسحبه ممن يخالفها، أما الدولة فتجمع المواطنين في رابطة الحقوق والواجبات، وتحاسبهم على أفعالهم وفق النظام، لا على مقدار انتمائهم إلى نظريةٍ سياسية واحدة، وكلما اتسعت الدولة للاختلاف المسؤول، ضاقت المساحة التي تستطيع الجماعة المغلقة أن تحوّلها إلى معسكرٍ للطاعة.

و لم ينتهِ عصر الأيديولوجيا كما يُقال، فقد تجدّد حضورها في العالم بصورٍ قومية متطرفة، وشعبوية، وهوياتٍ مغلقة، لكنها لم تعد قادرةً على إعفاء نفسها من اختبار النتائج، فالمواطن المعاصر لا يسأل فقط عن نقاء الشعار، بل عن الأمن و العمل والتعليم والصحة وكفاءة الإدارة، وهنا تتقدم الدولة التي تحوّل الرؤية إلى حياة، لأن الإنجاز لا يلغي الشرعية ولا يستبدلها، بل يمنحها لغةً يومية يلمسها المواطن في واقعه.

غير أن عدم قدرة الأيديولوجيا على امتلاك الحكم لا يعني انتهاء خطرها، فقد تعجز عن الوصول إلى القرار، ثم تحاول الاستيلاء على الوعي، فتجعل كل اختلافٍ امتحان ولاء، وكل حق بوابة لمشروع، و كل هويةٍ متراساً، و كل نقدٍ دليلاً على الخيانة، ولهذا لا تكفي صلابة مؤسسات الدولة وحدها، بل تحتاج إلى وعيٍ وطني يميّز بين الفكرة التي تثري المجال العام، والأيديولوجيا التي تستخدمه طريقاً إلى احتكاره.

قوة المملكة إذاً ليست في أن الأيديولوجيات لم تصل إليها، ولا في أن العرش لم يكن شاغراً فحسب، بل في أن الدولة نفسها لم تكن فارغة: لها مرجعيتها، و بيعتها، ومؤسساتها، وذاكرتها، ومشروعها الوطني، وقدرتها على الإصلاح والإنجاز، لذلك عجزت الجماعات عن التحول إلى دولةٍ فوق الدولة، وبقي التحدي الأهم ألّا تنجح في تحويل وعي المجتمع إلى عرشٍ بديل.

نقطة آخر السطر:

حين لا يكون الحكم جائزةً للأيديولوجيا..

يجب ألّا يكون وعي المجتمع جائزتها البديلة.

00:10 | 30-08-2026

من أعطاكم حق إعادة تعريف المجتمع السعودي؟

بين أن تناقش مجتمعاً، وأن تعيد تعريفه، مسافة كبيرة، فالأولى حق مشروع، أما الثانية فتبدأ حين يقرر أحدهم أن يضع للمجتمع قاموساً جديداً، ثم يطالبه بأن يرى نفسه من خلاله.

وهذا تحديداً ما تفعله بعض الأيديولوجيات، فهي لا تدخل مجتمعاً معلنة أنها تريد تغيير هويته، بل تبدأ من مكان أكثر ذكاءً، تعيد تسمية الأشياء، ثم تعيد تفسيرها، ثم تقدم تفسيرها باعتباره الحقيقة الوحيدة الممكنة.

فجأة تصبح العلاقة بين الرجل والمرأة «صراعاً»، والأسرة «منظومة سلطة»، والاختلاف الاجتماعي «اضطهاداً»، والتدين «تطرفاً» عند فريق، أو ملكية خاصة للحقيقة عند فريق آخر، والدفاع عن المواطن عند بعض الشعبويين مبرراً لتحويل كل قضية إلى مواجهة بين المواطن ودولته.

وهنا يصبح السؤال مشروعاً، بل ضرورياً:

من أعطاكم حق إعادة تعريف المجتمع السعودي؟

من قال، إن المرأة السعودية تحتاج إلى أيديولوجيا كي تعرف حقوقها؟

ومن قال، إن الرجل السعودي يجب أن يوضع في قفص الاتهام كي تنتصر المرأة؟

ومن قال، إن الدين يحتاج إلى متطرف يحتكر الدفاع عنه؟

ومن قال، إن المواطن يحتاج إلى شعبوي يزايد باسمه؟

والسؤال الأهم، من قال، إن المجتمع السعودي يحتاج إلى أحد كي يشرح له من يكون؟

المشكلة ليست في الأفكار، فالمجتمع الذي يخاف الفكرة مجتمع ضعيف، والسعودية ليست كذلك، المشكلة تبدأ عندما تتحول الفكرة إلى أيديولوجيا مغلقة، لا تكتفي بمناقشة المجتمع، بل تعيد تصنيفه وفق ثنائياتها الجاهزة، «ضحية وجلاد»، «تقدمي ورجعي»، «مؤمن ومنحرف»، «مواطن وسلطة»، «رجل وامرأة».

هذه ليست قراءة للمجتمع، بل محاولة لامتلاك تفسيره.

والأخطر، أن كثيراً من هذه القوالب لم يولد من تجربتنا السعودية أصلاً، بل جاء محملاً بتاريخ مجتمعات أخرى، وصراعاتها مع الدين، والأسرة، والسلطة، والرجل، والمرأة، ثم جرى استيراد الأسئلة والإجابات معاً، وكأن على السعودي أن يخوض حروباً لم تبدأ على أرضه، لكي يثبت أنه يعيش في العصر الحديث.

هنا تظهر «معركة المصطلح»، وهي أخطر مما تبدو عليه.

من ينجح في تسمية الأشياء، يقطع نصف الطريق إلى التحكم في تفسيرها، لأنك حين تقبل المصطلح، قد تكون قبلت جزءاً كبيراً من الفكرة التي يحملها قبل أن يبدأ النقاش.

حين تقبل أن كل اختلاف بين الرجل والمرأة «صراع»، فقد دخلت القاموس النسوي المتطرف، وحين تقبل أن كل اختلاف مع متدين «عداء للدين»، فقد دخلت قاموس التطرف، وحين تقبل أن كل نقد «خيانة»، أو أن كل غضب «وطنية»، فقد سلمت عقلك للشعبوية.

السعودية، في المقابل، لم تنتظر أياً من هذه الأيديولوجيات لكي تتغير.

الدولة قادت خلال السنوات الماضية تحولاً اجتماعياً وتشريعياً واقتصادياً هائلاً، توسعت حقوق المرأة ومشاركتها، وتغيرت بيئة العمل، وتطورت التشريعات، واتسعت خيارات الفرد، وأعيد تنظيم مساحات واسعة من الحياة العامة، وحدث ذلك داخل مشروع وطني سعودي، تقوده الدولة، ويتطور من داخل المجتمع، لا بإملاء جماعة أيديولوجية عليه.

وهنا تكمن مشكلة بعض الخطابات، فنجاح الإصلاح من داخل الدولة يسحب من الأيديولوجي أخطر ادعاءاته، أنه الطريق الوحيد إلى التغيير.

لذلك لا تنتهي بعض المعارك عندما يتحقق المطلب، بل يتغير اسم المعركة، لأن الأيديولوجيا التي بنت وجودها على الصراع، لا يناسبها دائماً مجتمع يحل مشكلاته من دونها.

والمسألة هنا أكبر من النسوية، وأكبر من التطرف، وأكبر من الشعبوية، إنها تتعلق بمفهوم «السيادة على تعريف الذات».

فكما لا سيادة لدولة لا تملك قرارها، لا تكتمل سيادة مجتمع يسمح للآخرين باحتكار تعريفه.

نحن لا نحتاج مجتمعاً مغلقاً يحظر الأفكار، ولا مجتمعاً ساذجاً يستقبل كل فكرة قادمة باعتبارها تقدماً، بل مجتمعاً واثقاً يعرف نفسه، يأخذ من العالم ما يفيده، ويرفض ما لا يناسبه، ويصلح أخطاءه، ويطور تشريعاته، ويحمي حقوق أفراده، من دون أن يسلم مفتاح تعريف ذاته لأي أيديولوجيا، مهما كان الشعار الذي تتدثر به.

نقطة آخر السطر:

السيادة ليست حدوداً نحميها فقط، السيادة أيضاً أن نملك تعريفاتنا، ومفاهيمنا، والطريقة التي نرى بها أنفسنا.

السعودية غيّرت نفسها بإرادتها، وستواصل تغيير نفسها بإرادتها، أما تعريف المجتمع السعودي فليس فراغاً أيديولوجياً ينتظر أحداً ليملأه.

نحن نعرّف أنفسنا.

00:00 | 23-08-2026

من قال إن حقوق المرأة ابنة النسوية

هناك فرق جوهري بين أن تطالب بحق، وأن تدّعي ملكية الفكرة التي أنتجت هذا الحق، وبين الأمرين تقع مساحة واسعة يختلط فيها الدفاع المشروع عن الإنسان بمحاولة منح هذا الدفاع نسباً أيديولوجياً، وهنا تحديداً تبدأ مشكلتي مع ربط حقوق المرأة في السعودية بـ«النسوية»، ليس لأنني أعترض على حقوق المرأة، بل لأنني أعترض على أن يصبح قبول الحق مشروطاً بقبول التفسير الفكري الذي يقدمه طرف بعينه لهذا الحق.

والإنصاف يقتضي، قبل أي نقاش، الاعتراف بأن كثيراً ممن يتبنون «النسوية» لا يقصدون بها حرباً على الرجل، ولا تفكيك الأسرة، ولا الانقلاب على المجتمع، بل يفهمونها ببساطة باعتبارها دفاعاً عن المرأة، ورفضاً لظلمها، ومطالبة بإنصافها، وهذا موقف من حق صاحبه أن يتبناه ويدافع عنه، كما أن من حقنا في المقابل أن نسأل: هل صدق المطلب يمنح المصطلح ملكية المطلب؟ وهل يصبح كل من يؤمن بحقوق المرأة «نسوياً» بالضرورة، حتى لو كان ينطلق من مرجعية مختلفة تماماً؟ هنا يجب أن نفصل بين شيئين يختلطان كثيراً، «الحق» و«تفسير الحق»، فالحق يمكن أن تتفق عليه مرجعيات مختلفة لأسباب مختلفة، قد يطالب أحدهم بحق المرأة انطلاقاً من النسوية، ويطالب به آخر انطلاقاً من العدالة، وثالث من مقتضيات المواطنة، ورابع من المصلحة الاجتماعية والاقتصادية، واتفاق هؤلاء على النتيجة لا يعني أنهم أصبحوا جميعاً أبناء المرجعية الفكرية نفسها، تماماً كما أن اتفاق شخصين على علاج مرض لا يعني اتفاقهما على تفسير أسبابه.

وفي السعودية، يصبح هذا الفصل أكثر أهمية، لأن السؤال ليس فقط: ما الحقوق التي ينبغي أن تحصل عليها المرأة؟ بل أيضاً: من يملك تحديد هذه الحقوق وتنظيمها وتحويلها من مطالب إلى قواعد ملزمة؟ والإجابة هنا ليست أيديولوجية، بل نظامية، فلا حركة فكرية، ولا جماعة ضغط، ولا تيار اجتماعي، وافداً كان أو محلياً، يملك سلطة منح المواطن السعودي حقوقه أو تحديد واجباته، بل تفعل ذلك الدولة عبر مرجعيتها وأنظمتها، وفي مقدمتها «النظام الأساسي للحكم»، ثم ما يصدر في إطاره من أنظمة وتشريعات.

ولذلك، حين تتعلم المرأة السعودية، وتعمل، وتتملك، وتستثمر، وتدير أموالها، وتتولى المسؤولية، وتقود سيارتها، وتسافر، وتشارك في التنمية وصناعة القرار، فهي لا تمارس «حقوقاً نسوية»، بل حقوقاً تقررت لها بوصفها مواطنة، والفرق هنا ليس لغوياً، لأن الدولة لا تسألها قبل أن تكفل حقها: إلى أي مدرسة فكرية تنتمين؟ كما لا تسأل الرجل ذلك، فالمواطنة لا تحتاج إلى بطاقة عضوية في أيديولوجيا حتى تنتج حقاً، ولا تحتاج إلى خصومة مع أيديولوجيا حتى تحميه.

والواقع السعودي نفسه يقدم دليلاً أوضح من الجدل النظري، فقد ارتفعت مشاركة المرأة السعودية في سوق العمل خلال سنوات قليلة ارتفاعاً كبيراً، وتجاوزت المستهدف الذي وضعته «رؤية السعودية 2030» قبل موعده بسنوات، ولم يحدث ذلك لأن شعاراً فكرياً انتصر على شعار آخر، بل لأن الدولة اتخذت قرارات، وعدلت أنظمة، وفتحت مجالات، وأزالت عوائق، وحولت رؤيتها إلى سياسات قابلة للقياس، وهنا تكمن النقطة الفارقة: المطالبة بالحق شيء، وامتلاك السلطة النظامية التي تحوله إلى واقع شيء آخر.

ولهذا، فإن الحديث الذي صدر عن سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان حول حقوق المرأة، وما تحقق فيها، واستمرار العمل والتطوير في هذا الملف، لا يمكن اختزاله في أنه إقرار بـ«المشروع النسوي»، فوجود المزيد مما يمكن تطويره لا يعني أن مرجعية التطوير قد تغيرت، والدولة تستطيع أن تمنح المرأة مساحة أوسع لأنها ترى ذلك عدلاً، ومصلحة، وضرورة تنموية، واستثماراً في مواطنيها، كما تستطيع أن تعدل تشريعاً لأن المجتمع تغير، أو لأن الحاجة إليه تغيرت، أو لأن تنظيماً أفضل أصبح ممكناً، من دون أن يعني ذلك تبني تفسير نسوي للمرأة أو الرجل أو الأسرة أو المجتمع.

وهنا تظهر المشكلة الحقيقية في احتكار المصطلح، فإذا قيل إن كل تقدم تحققه المرأة هو «انتصار للنسوية»، أصبح قبول الحق اعترافاً ضمنياً بالأيديولوجيا، وأصبح رفض الأيديولوجيا دليلاً على رفض الحق، وهكذا نبني معادلة مغلقة تكسب فيها الفكرة في الحالتين، فإن قلت إنك مع حقوق المرأة قيل لك: إذن أنت مع النسوية، وإن قلت إنك ضد النسوية قيل لك: إذن أنت ضد حقوق المرأة، وهذه ليست مناقشة، بل مصادرة على حق الإنسان في الاتفاق على النتيجة والاختلاف على مرجعيتها.

ويزيد الأمر تعقيداً أن «النسوية» ليست تعريفاً واحداً مستقراً، بل مظلة واسعة جداً، فإذا نوقشت بعض أطروحاتها الأكثر أيديولوجية قيل إن النسوية ليست سوى «المطالبة بحقوق المرأة»، وإذا وافقت على هذا التعريف البسيط، عاد المصطلح ليتسع في نقاشات أخرى، فيحمل تصورات عن الرجل و الأسرة والأدوار الاجتماعية وعلاقات القوة وبنية المجتمع، وهنا يصبح من المشروع أن نسأل: هل نحن أمام تعريف ثابت ندخل معه في حوار، أم أمام مصطلح يضيق عند النقد ويتسع عند القبول؟ وهنا أيضاً تكمن خطورة تحويل الحق إلى جسر، فقد تبدأ المسألة بحق واضح لا يختلف عليه العقلاء، ثم يلحق بالحق تفسير للمرأة، ثم للرجل، ثم للأسرة، ثم للعلاقة بين الجنسين، فإذا اعترض أحد على التفسير أعيد إلى أول الجسر وسئل: «هل أنت ضد حقوق المرأة؟»، والجواب الذي ينبغي ألا نتردد فيه هو: لا، أنا مع الحق، لكن موافقتي على الحق لا تمنح أحداً حق تهريب أيديولوجيته داخله.

وفي المقابل، ينبغي ألا نقع في الخطأ نفسه من الجهة الأخرى، فرفض احتكار النسوية لحقوق المرأة لا يعني أن تصبح حقوق المرأة ملكية فكرية لخصوم النسوية، فالحق حين يُختطف من جهة لا يُستعاد باختطافه من الجهة المقابلة، والمرأة لا ينبغي أن تصبح ساحة تتنازع عليها الأيديولوجيات، واحدة تقول «أنا التي حررتها»، وأخرى تقول «أنا التي أحميها منك»، بينما صاحبة الحق نفسها مواطنة لا تحتاج إلى أي من الطرفين كي تكتسب صفتها القانونية والإنسانية.

وهنا أصل إلى ما أراه جوهر القضية كلها، «المواطنة»، فالمواطنة في الدولة الحديثة لا تسأل الإنسان عن مدرسته الفكرية قبل أن تمنحه حقاً أو تحمّله واجباً، ولا تجعل حقوق المرأة مكافأة على انتمائها الفكري، كما لا تجعل حقوق الرجل مكافأة على موقفه الأيديولوجي، ومن هنا تصبح المرأة السعودية مواطنة أولاً، لها حقوق تقررها الأنظمة، وعليها واجبات تقررها الأنظمة، وتتطور تلك الحقوق والواجبات كلما اقتضت العدالة والمصلحة وتحولات المجتمع ذلك.

فالعدالة ليست اختراعاً نسوياً، والكرامة ليست شعاراً نسوياً، وحماية المرأة من الظلم ليست براءة اختراع مسجلة باسم مدرسة فكرية، كما أن النسوية ليست مطالبة بأن تعتذر عن كل من أساء استخدام اسمها، وخصومها ليسوا مخولين بحرمانها من أي فكرة عادلة لمجرد أنها قالت بها، المطلوب فقط أن نعيد الأشياء إلى أحجامها الطبيعية، نتفق مع الحق حين يكون حقاً، ونناقش الفكرة حين تكون فكرة، من دون أن نجعل أحدهما حصاناً للآخر.

ومن هنا يصبح السؤال أوسع من النسوية نفسها: من يملك حق تفسير الإصلاح السعودي؟ حين تطور السعودية نظاماً لمصلحة المرأة، لماذا ينبغي أن نفتش عن أيديولوجيا نمنحها فضل القرار؟ ولماذا لا يكون الإصلاح سعودياً في مرجعيته، سعودياً في ضرورته، سعودياً في أدواته، وسعودياً في غايته؟ فليس كل تشابه بين إصلاح ومطلب فكري دليلاً على أن الإصلاح ابن لذلك المطلب، وإلا أصبحت الدول مجرد منفذين لأفكار الآخرين، لا أصحاب قرار ورؤية ومصلحة.

يمكن للمرأة السعودية أن تتقدم كثيراً في حقوقها ومشاركتها ومكانتها، ويمكن للدولة أن تراجع المزيد من الأنظمة وتطورها، ويمكننا أن نؤيد كل خطوة نراها عادلة ونافعة، من دون أن تتحرك السعودية سنتيمتراً واحداً باتجاه النسوية بوصفها أيديولوجيا، لأن التقدم في الحقوق ليس رحلة إجبارية نحو مدرسة فكرية بعينها، ولأن الطريق إلى العدالة أوسع من أن يحتكره مصطلح.

ولذلك، حين يصر البعض على تسجيل كل متر تتقدم فيه المرأة السعودية في عداد «النسوية»، فمن حقنا أن نعيد السؤال إلى أصله: هل المقصود الدفاع عن حق المرأة، أم إثبات أن كل حق للمرأة لا بد أن يحمل توقيعاً أيديولوجياً محدداً؟ فإذا كان المقصود هو الأول، فنحن متفقون على مساحة واسعة، أما إذا كان المقصود هو الثاني، فهنا تحديداً يقع خلافنا.

نقطة آخر السطر:

حقوق المرأة السعودية ليست ابنة النسوية، وليست غنيمة لخصوم النسوية، هي ابنة المواطنة، والإصلاح السعودي لا يحتاج إلى شهادة منشأ أيديولوجية كي يكون إصلاحاً.

00:08 | 16-08-2026

الأيديولوجيات ضد الدولة

هناك سؤالٌ واحد، إذا عرفت إجابته، استطعت أن تفهم كل أيديولوجيا عرفها الإنسان.

ليس السؤال: بماذا تؤمن؟

ولا: إلى أي تيارٍ تنتمي؟

ولا: ما موقفك من هذه القضية أو تلك؟

السؤال الحقيقي هو:

من يملك الكلمة الأخيرة؟

قد يبدو سؤالاً بسيطاً، لكنه السؤال الذي بنت عليه الأمم دولها، أو هدمت به دولها، فمنذ أن عرف الإنسان التنظيم السياسي، لم تكن المعارك الكبرى تدور حول الأفكار وحدها، بل حول المرجعية التي تمتلك حق الفصل عندما تتعارض الأفكار، وتتزاحم الولاءات.

ولهذا، فإن جميع الأيديولوجيات، مهما اختلفت أسماؤها، تشترك في خاصيةٍ واحدة، فهي لا تبحث أولاً عن السلطة، بل تبحث عن المرجعية؛ لأنها تدرك أن من امتلك المرجعية، امتلك الاتجاه الذي ستسير إليه السلطة لاحقاً.

بعضها يجعل المرجعية للفرد، وبعضها للطبقة، وبعضها للقومية، وبعضها للحزب، وبعضها للجماعة، وبعضها للثورة، وبعضها للفكرة المجردة، لكنها جميعاً تبدأ من السؤال نفسه: من الذي تُطاع كلمته حين يقع الاختلاف؟

وهنا تبدأ قصة الدولة.

فالدولة ليست مجرد أرض، ولا مؤسسات، ولا حدوداً، ولا أجهزةً إدارية، بل هي المرجعية الجامعة التي تمنع المجتمع من أن يتحول إلى مرجعياتٍ متنافسة، لكل واحدةٍ منها مشروعها، وقرارها، وسلطتها المعنوية.

ولهذا، فإن الدول لا تنهار دائماً عندما تضعف جيوشها، أو تتراجع اقتصاداتها، أو تقل مواردها، بل قد تنهار، وهي تملك كل ذلك، إذا فقدت وحدتها المرجعية، إذ تبدأ لحظة التراجع حين يصبح لكل جماعةٍ مرجعها، ولكل تيارٍ سلطته المعنوية، ولكل تنظيمٍ مرجعية تنازع المرجعية الجامعة.

تبدأ الدولة بالتراجع، قبل أن تتراجع حدودها.

وهنا تتجلى خصوصية الدولة السعودية، فلم تقم على أيديولوجيا الصراع، ولا على الثورة الدائمة، ولا على إنتاج العدو الداخلي، بل قامت على البيعة الشرعية، والسمع والطاعة لولي الأمر في المعروف، باعتبارها الإطار الذي يحسم المرجعية، ويحفظ وحدة الدولة، ويمنع انتقال المجتمع إلى مراكز قرارٍ متنافسة.

وليس معنى ذلك إلغاء الاجتهاد، أو مصادرة النصيحة، أو إغلاق باب المراجعة، فالفرق كبير بين رأيٍ يعمل داخل مرجعية الدولة، ورأيٍ يعمل على إنشاء مرجعيةٍ موازية لها، الأول يمارس الإصلاح داخل الدولة، أما الثاني فيبدأ بفكرة، ثم ينتهي بمرجعيةٍ تنازع مرجعية الدولة.

ومن هنا، فإن أخطر ما تفعله الأيديولوجيات، ليس أنها تختلف مع الدولة، فالاختلاف جزءٌ من طبيعة المجتمعات، وإنما أنها تنقل مركز المرجعية من الدولة إلى غيرها، فهي لا تطلب من الإنسان أن يغيّر رأيه فقط، بل أن يغيّر الجهة التي تمنحه شرعية الرأي.

وهذا هو الفارق بين الفكر والأيديولوجيا. الفكر يبحث عن الحقيقة، أما الأيديولوجيا فتبحث عن الأتباع.

الفكر يقبل أن يعيش داخل الدولة، أما الأيديولوجيا فلا تهدأ حتى تصبح هي الدولة، أو المرجعية التي تعلو عليها.

والأيديولوجيا تسأل الإنسان: مع من تقف؟

أما الدولة، فتسأله: تحت أي رايةٍ تقف؟

ولهذا، فإن أخطر الأيديولوجيات ليست تلك التي تعلن خصومتها مع الدولة منذ البداية، بل تلك التي تبدأ بإقناع الناس أن هناك مرجعيةً أعلى من المرجعية التي تحفظ وحدة المجتمع، فإذا استقر هذا التصور في العقول، لم تعد الأزمة أزمة أفكار، بل أصبحت أزمة سيادة.

إن قوة الدولة لا تقاس بعدد القوانين التي تصدرها، ولا بحجم مؤسساتها، بل بقدرتها على أن تبقى المرجعية العليا التي يلتقي عندها الجميع، مهما اختلفت آراؤهم، ومدارسهم، واجتهاداتهم، فاختلاف الأفكار لا يهدم الدول، أما اختلاف المرجعيات، فهو أول معاول الهدم.

المعيار:

ليست المشكلة أن يحمل الإنسان فكرة، بل أن تمنحه الفكرة مرجعيةً تنافس مرجعية الدولة، فهناك تبدأ الأيديولوجيا، وهناك يبدأ الانقسام.

كل الأيديولوجيات تبحث عن الكلمة الأخيرة، أما الدولة فلا تبحث إلا عن أن تبقى الكلمة الأخيرة للدولة.

نقطة آخر السطر:

حين تصبح الدولة مرجعاً للأيديولوجيات يستقر الوطن، أما حين تحاول الأيديولوجيات أن تصبح مرجعاً للدولة فلا يبقى الصراع بين الأفكار، بل يبدأ الصراع على الدولة نفسها.

00:00 | 9-08-2026

هل تُوزن الآراء بالحقيقة.. أم تُوزن الحقيقة بالآراء؟

الحقيقة لا تتغير لأنها أغضبتنا، ولا تصبح أقوى لأنها وافقتنا، ولا تضعف لأنها جاءت على لسان من نختلف معه، هذه بديهيات، لكنها لا تبقى بديهيةً دائماً.

ففي لحظةٍ ما، ومن حيث لا يشعر الإنسان، تنقلب العلاقة بين الحقيقة والرأي، فيصبح الرأي هو المعيار، وتصبح الحقيقة مطالبةً بأن تثبت توافقها معه، لا العكس، ومن هنا يبدأ واحدٌ من أخطر التحولات الفكرية.

الرأي، في طبيعته، اجتهاد، وقيمة الاجتهاد لا تأتي من صاحبه، بل من مقدار اقترابه من الحقيقة، ولهذا ظل الإنسان، عبر تاريخه، يغيّر آراءه كلما اتسعت معرفته؛ لأن الفكرة كانت وسيلة، لا غاية، ولأن الحقيقة كانت أكبر من أن يحتكرها رأي واحد.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتغير موقع الرأي، حين لا يعود وسيلةً إلى الحقيقة، بل يتحول إلى هوية، وعندها لا يعود نقد الرأي مراجعة لفكرة، بل يُستقبل كما لو كان حكماً على صاحبه، ولا يعود الاعتراف بالخطأ تصحيحاً للمعرفة، بل يُفهم على أنه تنازل عن المكانة، وشيئاً فشيئاً يفقد العقل حريته، لا لأنه توقف عن التفكير، بل لأن التفكير نفسه أصبح يعمل في اتجاه واحد، هو الدفاع عما استقر عليه، لا اختبار صحته.

لهذا لا تنتهي كثير من النقاشات، مهما كثرت فيها الأدلة، فالمشكلة ليست دائماً في نقص البرهان، بل في أن وظيفة البرهان تغيرت، فلم يعد يُستخدم لاكتشاف الحقيقة، بل لتأكيد القناعة السابقة، ولم يعد السؤال «أين الدليل؟»، بل أصبح السؤال «أين الدليل الذي يؤيدني؟».

وهنا يختل المعيار.. فبدلاً من أن تُوزن الآراء بالحقيقة، تُوزن الحقيقة بالآراء، وبدلاً من أن يمنح الدليل الرأي قيمته، يصبح الرأي هو الذي يمنح الدليل قيمته، فإذا وافقه قُبل، وإذا خالفه رُفض، قبل أن يُقرأ، وقبل أن يُناقش.

ولا يقف أثر هذا التحول عند حدود الأفراد، بل يمتد إلى المجتمع كله؛ لأن الحوار يفقد وظيفته، ويصبح الاصطفاف بديلاً عن التفكير، وتتحول المراجعة إلى ضعف، والنقد إلى خصومة، ويختلط احترام الإنسان بتحصين رأيه، حتى يغدو تغيير الموقف أصعب من اكتشاف الحقيقة نفسها، وعندها لا يخسر المختلفون وحدهم، بل يخسر المجتمع المعيار الذي يميز بين قوة الحجة، وقوة صاحبها.

ولا يبقى هذا التحول محصوراً في الأفراد والمجتمعات، بل يمتد إلى المؤسسات أيضاً؛ لأن المؤسسة التي لا تراجع أفكارها، لن تراجع قراراتها، والقرار الذي يستمر لأنه صدر، لا لأنه صواب، يتحول مع الزمن إلى عبء، مهما كانت النوايا حسنة، فالمؤسسات لا تكبر بعصمة قراراتها، بل بقدرتها على مراجعتها.

ولعل أكثر ما تحتاجه المجتمعات ليس مزيداً من المتحدثين، بل مزيداً من الذين يستطيعون، في اللحظة المناسبة، أن يقولوا لأنفسهم قبل أن يقولوها لغيرهم، «لقد كنت أرى الأمر على نحو مختلف، ثم غيّرت رأيي»، فهذه الجملة لا تُضعف العقل، بل تثبت أنه ما زال حياً.

فالإنسان لا يكبر لأنه لم يخطئ، ولا ينضج لأنه انتصر في كل جدال، ولا يقترب من الحقيقة؛ لأنه تمسك بكل آرائه، إنما يكبر حين يصبح احترامه للحقيقة أكبر من تعلقه برأيه، وينضج حين يدرك أن قيمة العقل لا تُقاس بعدد الأفكار التي دافع عنها، بل بعدد الأفكار التي امتلك شجاعة مراجعتها.

نقطة آخر السطر:

الحقيقة لا تخسر حين نراجع آراءنا، بل نحن الذين نخسرها حين نجعل آراءنا هي المعيار الذي تُقاس به الحقيقة.

فالسؤال الذي يستحق أن يبقى، ليس: «من صاحب الرأي الصحيح؟»، بل: «هل ما زلنا نزن آراءنا بالحقيقة، أم بدأنا نزن الحقيقة بآرائنا؟».

00:00 | 2-08-2026