أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1775.jpg?v=1769684372&w=220&q=100&f=webp

عبداللطيف آل الشيخ

لا سايكس بيكو قبل.. ولا سايكس بيكو بعد..

حين يُستدعى اسم اتفاقية سايكس بيكو، يُستعاد معها مشهدٌ مكتمل الأركان: قوتان استعماريتان ترسمان خرائط منطقةٍ لم تكونا جزءاً من نسيجها، وحدودٌ تُخطّ على الورق قبل أن تُختبر على الأرض. لقد كانت تلك الاتفاقية لحظة مفصلية في تاريخ المشرق العربي، ليس لأنها قسّمت الجغرافيا فحسب، بل لأنها أعادت تعريف مفهوم الدولة في المنطقة؛ بوصفها كياناً يُنشأ من الخارج لا من الداخل.

غير أن هذا المسار لم يكن قدراً شاملاً. ففي الوقت الذي كانت فيه خرائط تُعاد صياغتها وفق توازنات القوى الأوروبية، كانت شبه الجزيرة العربية تشهد تجربة مغايرة تماماً، تجربة لا تُفهم إلا بوضعها خارج إطار «سايكس بيكو» نفسه.

السعودية، بوصفها دولة، لم تكن نتاج لحظة تقسيم، بل حصيلة مشروع توحيد طويل قاده الملك عبدالعزيز آل سعود، مشروع بدأ من الداخل، واستند إلى مزيج من القوة العسكرية والحنكة السياسية، وانتهى إلى بناء كيان سياسي متماسك فرض نفسه واقعاً قبل أن يُعترف به رسمياً، كما حدث في معاهدة جدة.

وهنا يكمن الفارق الجوهري، الذي غالباً ما يُختزل في السرديات التقليدية. فالدول التي نشأت في أعقاب «سايكس بيكو» وُلدت من خطوطٍ رُسمت مسبقاً، ثم بدأت لاحقاً في البحث عن مضمونها السياسي والاجتماعي. كانت الحدود تسبق الهوية، وكان الكيان القانوني يسبق الشعور الجمعي بالانتماء.

أما في الحالة السعودية، فقد حدث العكس. الهوية السياسية والاجتماعية تشكّلت أولاً، ثم جاءت الحدود لتُعبّر عنها. لم تكن الدولة تبحث عن تعريفٍ لنفسها، بل كانت تُرسّخ تعريفاً قائماً بالفعل. وهذا الفارق، على بساطته الظاهرية، يفسّر كثيراً من الفوارق العميقة في الاستقرار السياسي، وفي قدرة الدولة على التكيف مع التحولات.

الزاوية التي قلّما تُناقش في هذا السياق، أن «سايكس بيكو» لم تكن مجرد تقسيمٍ جغرافي، بل كانت أيضاً تأجيلاً لصراعاتٍ داخلية. لقد جمعت في إطار دولة واحدة مكونات اجتماعية وثقافية متباينة، دون أن تمنحها الوقت أو الآليات اللازمة لبناء عقدٍ سياسي جامع. ولذلك بقيت كثير من تلك الدول تعيش حالة من إعادة التعريف المستمر، كأنها لم تستقر بعد على صورتها النهائية.

في المقابل، واجهت الدولة السعودية تحدياتها التأسيسية في وقت مبكر. لم تُرحَّل التناقضات، بل جرى التعامل معها ضمن مشروع التوحيد نفسه. وهذا ما منح الكيان السياسي صلابةً بنيوية، جعلته أقل عرضة للاهتزاز أمام التحولات الإقليمية والدولية.

ومن زاوية أخرى، يمكن قراءة الفرق من خلال مفهوم الشرعية. فالدول التي نشأت بقرار خارجي، غالباً ما سعت لاحقاً إلى ترسيخ شرعيتها داخلياً، عبر بناء مؤسسات أو سرديات وطنية تعوّض نقص التأسيس. أما الدولة التي نشأت من الداخل، فقد انطلقت من شرعيةٍ متجذرة، ثم سعت إلى تثبيتها دولياً.

السعودية تمثل هذا النموذج الثاني بوضوح؛ فهي لم تنتظر الاعتراف الدولي لتكون دولة، بل فرضت وجودها أولاً، ثم جاء الاعتراف لاحقاً بوصفه نتيجة طبيعية لمسار التأسيس. وهذا ما يجعل سيادتها أقرب إلى كونها حالة متجذرة، لا مجرد موقف سياسي ظرفي.

الأهم من ذلك، أن هذا الاختلاف في التأسيس انعكس على سلوك الدولة في مراحل لاحقة. فالدول التي وُلدت ضمن خرائط مرسومة، غالباً ما تنشغل بحماية حدودها بوصفها أساس وجودها. أما الدولة التي نشأت من مشروع داخلي، فهي تنظر إلى السيادة بوصفها مفهوماً أوسع من الجغرافيا، يشمل القدرة على اتخاذ القرار، وإعادة توظيف الموارد، والتكيّف مع المتغيرات دون فقدان جوهرها.

ولهذا لم تكن السعودية أسيرة جغرافيتها، بل استطاعت أن تحوّل موقعها من هامشٍ جغرافي إلى مركزٍ في معادلات الطاقة والسياسة الإقليمية. هذا التحول لم يكن نتيجة ظرفٍ طارئ، بل امتداد طبيعي لطبيعة التأسيس.

قد يبدو الحديث عن «سايكس بيكو» اليوم أقرب إلى استدعاء تاريخٍ مضى، لكن أثر تلك اللحظة ما زال حاضراً في بنية كثير من الدول التي نشأت في ظلها. في المقابل، تقدّم التجربة السعودية نموذجاً مختلفاً، يؤكد أن الدولة التي تُبنى من الداخل، تكون أقل عرضة لإعادة التشكيل من الخارج.

من هنا يمكن قراءة العنوان بوصفه خلاصة لا مجرد توصيف: «لا سايكس بيكو قبل.. ولا سايكس بيكو بعد». قبل، لأن التأسيس لم يكن نتاج تقسيم. وبعد، لأن البنية التي قامت عليها الدولة تجعلها عصية على منطق التقسيم ذاته.

وفي عالمٍ ما زالت فيه بعض الخرائط قابلة للمراجعة، تبقى هناك دولٌ لم تُرسم أصلاً، بل تشكّلت عبر مسارٍ تاريخي خاص. وهذا، في جوهره، هو الفرق بين دولة تُولد من اتفاق، ودولة تُبنى كفكرة ثم تتحول إلى حقيقة.

00:00 | 26-04-2026

السعودية لا تتاجر بالاقتصاد العالمي

أتذكر جيداً ذلك النقاش الذي يتكرر كلما ارتفعت الأسعار، حيث يُقال: «ارفع الإنتاج أو خفّضه، المهم أن نكسب أكثر».

ويبدو هذا الطرح بديهياً للوهلة الأولى، إلا أنه في حقيقته يُعد اختزالاً مخلاً.

فالقضية لا تتعلق بكمية البيع بقدر ما تتعلق بكيفية الحفاظ على بقاء السوق واستقراره.

لا تتحرك السعودية بمنطق ملاحقة الفرص، بل تعمل وفق منهجية قائمة على ضبط الإيقاع، وهنا يكمن الفارق الذي لا يُشار إليه كثيراً.

ويمكن توضيح ذلك بمثال بسيط:

عندما ترتفع الأسعار، فإن بعض المنتجين يلجأون إلى زيادة الإنتاج إلى أقصى حد ممكن، وطرح كميات كبيرة في السوق بهدف تحقيق أكبر عائد في أقصر وقت، دون اعتبار لمستوى السعر أو استدامته، هذا السلوك يعكس عقلية تجارية بحتة.

غير أن ما يحدث لاحقاً يتمثل في تشبّع السوق، يتبعه ارتفاع حاد، ثم تراجع، ما يؤدي إلى حالة من عدم التوازن.

في المقابل، لا تتبنى السعودية هذا النهج، ليس لعجز، بل لرفض أن تكون جزءاً من حالة عدم الاستقرار. فهي لا تقتصر على بيع النفط، بل تدير سوقاً متكاملة.

ومن يستهلك كامل طاقته الإنتاجية في الحاضر، قد لا يجد طلباً كافياً في المستقبل.

وإذا تم النظر إلى المسألة من زاوية أوسع، يتضح أن ارتفاع الأسعار إلى مستويات مبالغ فيها، لا يؤثر على الاقتصادات القوية بالدرجة نفسها التي يؤثر بها على الاقتصادات الأضعف.

فالدول ذات الإمكانات المحدودة، والأفراد محدودو الدخل، هم الأكثر تضرراً.

تظهر الآثار في ارتفاع تكاليف النقل، وزيادة أسعار الغذاء، وتعطل الأنشطة الإنتاجية الصغيرة، وهذه ليست تفاصيل هامشية، بل تمثل جوهر التأثير الحقيقي للأسعار.

وتدرك السعودية أن تحقيق أرباح إضافية على حساب هذه الفئات لا يُعد مكسباً صافياً، بل يؤدي إلى تبعات سلبية مؤجلة قد تنعكس على استقرار الأسواق العالمية.

لذلك، لا يتم التعامل مع السعر كغاية، بل كوسيلة ضمن إطار أوسع.

وتبرز هنا زاوية أخرى ذات أهمية خاصة، وهي مسألة الثقة، فالثقة في أسواق الطاقة تُعد عاملاً غير مكتوب، لكنها ذات تأثير حاسم. فعندما يدرك السوق أن المنتِج لا يستغل فترات الضعف، فإن العلاقة تستمر، وعندما يُنظر إليه كعنصر استقرار، تتعزز مكانته.

ومن هذا المنطلق، لا تقتصر السعودية على بيع النفط، بل تسعى إلى ترسيخ موقعها كمرجعية موثوقة.

وقد يبدو هذا التوجه مثالياً للبعض، إلا أن القراءة الواقعية تفرض توضيح أن السعودية ليست جهة خيرية، بل دولة ذات مصالح واضحة.

غير أن ما يميز هذه المصالح هو امتدادها الزمني، وارتباطها باستقرار السوق، لا بتقلباته، فالمكاسب المرتبطة بالأزمات تكون مؤقتة، بينما تلك المبنية على الاستقرار تكون أكثر استدامة.

وهنا تبرز زاوية يغفلها كثيرون، يُقال إن ارتفاع الأسعار قد يدفع العالم إلى البحث عن بدائل للطاقة، وهذا صحيح جزئياً.

غير أن هذه البدائل لا تزال تواجه تحديات تتعلق بالجاهزية، والتكلفة، والكفاءة.

ومع ذلك، لا تقوم السعودية على الخشية من هذه البدائل، بل تعمل على الاستعداد لها ضمن إطار زمني واقعي.

فالمشكلة لا تكمن في احتمال تراجع الاعتماد على النفط، بل في فقدان الثقة في السوق.

إذ إن غياب الاستقرار يدفع الدول إلى اتخاذ قرارات متسرعة، مثل توقيع عقود طويلة الأجل بشروط غير متوازنة، أو التوسع في التخزين، أو الاستثمار في بدائل غير ناضجة، وتؤدي هذه السلوكيات إلى تشوهات في السوق، وهدر في الموارد.

من هنا، تسعى السعودية إلى تحقيق انتقال منظم في قطاع الطاقة، بدلاً من حدوث تحول مفاجئ وغير متوازن.

ولهذا السبب، لا يتم دفع الأسعار إلى مستويات مفرطة، ليس بدافع الخوف من البدائل، بل حفاظاً على استقرار السوق خلال مرحلة التحول.

وفي المحصلة، لا يتعلق الأمر بعدم القدرة على رفع الأسعار، بل بالقدرة على إدارة تأثيرها.

فالسؤال الحقيقي لا يكمن في سبب عدم رفع السعر إلى أقصى حد، بل في كيفية الحفاظ على سوق قابلة للاستمرار.

والجواب يتمثل في أن من يدير السوق، لا يسعى إلى كسرها.

00:04 | 19-04-2026

المسميات الملغومة.. من «حزب الله» إلى «الفرقة الناجية»

ليست المشكلة في السلوك وحده، بل في اللغة التي تسبقه. في السياسة كما في الفضاء الرقمي، لا تبدأ السيطرة بالفعل، بل بالاسم الذي يسبقه. التسمية ليست توصيفاً محايداً، بل إطار إدراكي يسبق الحكم، ويعيد تشكيله، ويوجّه المتلقي قبل أن تتكوّن لديه فرصة التفكير. الاسم هنا لا يصف الواقع، بل يعيد صياغته.

حين يُحسن الفاعل اختيار الاسم، فإنه لا يقدّم نفسه فقط، بل يحدّد مسبقاً كيف يجب أن يُفهم، وكيف يجب أن يُعارض، بل وكيف يجب أن يُصنّف من يخالفه. هنا لا تعود اللغة وسيلة نقل، بل تتحول إلى أداة سلطة ناعمة تعمل بهدوء، لكنها تُعيد تشكيل الوعي بعمق.

لفهم هذه الفكرة، يكفي تأمل نماذج معاصرة بُنيت على «تسمية مغلقة دلالياً». في بعض الحالات، لا يكون الاسم مجرد تعريف، بل حاجزاً نفسياً أمام النقد. حين يُختار اسم مثل حزب الله، فإن المعارض لا يواجه تنظيماً سياسياً فقط، بل يُدفع ضمنياً إلى موقع يبدو وكأنه اعتراض على معنى ديني أعلى. هنا تتعقد المعادلة: كيف تفصل بين الاسم ومحموله؟ وكيف تعارض دون أن تُعاد صياغتك أخلاقياً قبل أن تُسمع حجتك؟

هذه ليست مصادفة، بل هندسة واعية. اختيار الاسم في هذه الحالة لا يُبنى على الدقة، بل على الأثر. ليس الهدف أن يصف، بل إن يحصّن، وأن يعيد تشكيل ساحة النقاش قبل أن تبدأ. الاسم يصبح إطاراً مغلقاً، وكل من يدخل فيه يخضع لقواعده، وكل من يخرج عنه يُعاد تعريفه من خلاله.

هذا النموذج لا يقتصر على التنظيمات المؤدلجة، بل يمتد بصيغٍ مختلفة إلى الفضاء الرقمي. ما يحدث على منصة «إكس» يعكس نسخة مصغّرة من هذه الآلية، لكن بانتشار أوسع وتأثير أسرع. بعض المجتمعات الرقمية هناك لا تتشكل حول فكرة قابلة للنقاش، بل حول مسميات عالية الشحنة، تُستخدم بوصفها أدوات فرز أكثر من كونها أدوات تعريف.

مسميات مثل «الصحبة الصالحة» و«الفرقة الناجية» لا تعمل بوصفها توصيفاً محايداً، بل بوصفها أطر تحصين. الاسم هنا لا يكتفي بتحديد هوية المجموعة، بل يمنحها موقعاً أخلاقياً مسبقاً، ويجعل أي نقد لها يبدو بشكل ضمني وكأنه اعتراض على الصلاح أو النجاة.

وهنا تحديداً تتكشف آلية الاستغلال بشكل أوضح. مصطلح «الفرقة الناجية» الوارد في الحديث الشريف، وهو مفهوم ديني واسع لا يُختزل في جماعة بعينها، تم انتزاعه من سياقه الأصلي، وإعادة توظيفه داخل الفضاء الرقمي. لم يعد مفهوماً مفتوحاً، بل تحوّل إلى اسم مُحتكر.

بعض الأفراد على منصة «إكس» لم يكتفوا باستخدام المصطلح، بل بنوا حوله مجتمعاً رقمياً، يقدّم نفسه بوصفه «الفرقة الناجية» ذاتها. ليس على سبيل الوصف، بل على سبيل الادعاء الضمني. وبهذه الخطوة، يتم نقل المصطلح من دائرة الاعتقاد الديني العام إلى دائرة الهوية المغلقة.

وبهذا التحوير، لا يعود الاسم مجرد مرجعية دينية، بل يصبح أداة تصنيف:

من داخل هذا المجتمع يُفهم أنه ضمن «النجاة»، ومن خارجه يُوضع تلقائياً في موقع مقابل، حتى لو لم يُصرّح بذلك. وهنا تكمن الخطورة؛ لأن المعنى لم يعد يُناقش، بل يُفترض مسبقاً.

وبهذا، يتم نقل النقاش من ساحة الفكرة إلى ساحة القيمة، ومن مجال الحجة إلى مجال التصنيف. في هذه البيئة، لا يُسأل ماذا تقول، بل يُسأل من أنت. هل تنتمي داخل هذا الإطار أم خارجه؟ وبمجرد الإجابة، يُحسم الموقف قبل أن يبدأ النقاش. هذه هي النقطة المفصلية: حين تتحول التسمية إلى مرشح إدراكي يسبق الفهم.

بهذه الآلية، لا يحتاج الخطاب إلى قوة برهان؛ لأنه سبق أن أعاد تعريف ساحة النقاش. أي اختلاف يتحول إلى إدانة، وأي خروج عن الإطار يُقرأ كخروج عن القيمة نفسها. وهنا، لا يعود الهدف إقناع الآخر، بل تصنيفه.

ومع تكرار هذا النمط، تتشكل بنية كاملة من الإقصاء غير المعلن. لا توجد جهة تعلن المنع، ولا قواعد مكتوبة تُفرض، لكن السلوك يتجه في مسار واحد: من لا ينتمي يُدفع خارج الدائرة، ومن لا يكرر اللغة يُحاصر ضمنياً. التفاعل لا يكون عفوياً، بل يُعاد إنتاجه عبر أنماط لغوية متشابهة وعبارات مكررة واستجابات متزامنة، تعطي الانطباع بوجود رأي عام، بينما هو في الحقيقة بنية مُدارة.

وهنا تتحول اللغة إلى أداة ضبط جماعي. ليست مجرد وسيلة تعبير، بل آلية توجيه تُعيد تشكيل الانطباع وتحدد ما يُقبل وما يُرفض دون إعلان.

المفارقة أن هذه الأدوات تبدو أخلاقية في ظاهرها، لكنها في جوهرها نقيض الأخلاق. لأنها لا تفتح باب الاختلاف، بل تغلقه، ولا توسّع المفاهيم، بل تختزلها في إطار ضيق. مفاهيم كبرى مثل الصلاح والحق والنجاة تُفرّغ من عمقها، وتُعاد صياغتها كوسيلة اصطفاف داخل مجتمع رقمي مغلق.

في السياق الوطني، تصبح هذه الظاهرة أكثر حساسية. حين تُستخدم هذه المسميات لمهاجمة المغرد الوطني، فإننا لا نكون أمام اختلاف في الرأي، بل أمام محاولة لإعادة تعريف معيار القبول ذاته. يتم وضع الفرد داخل قالب أخلاقي مُسبق، ثم يُحاكم من خلاله لا من خلال ما يطرحه من أفكار.

المغرد الوطني الحر بطبيعته يكسر هذا الإطار. لا ينتمي إلى مجتمع مغلق، ولا يتحرك وفق نمط مكرر، ولا يعيد إنتاج اللغة نفسها. ولهذا يُنظر إليه كعنصر خارج السيطرة، لا لأنه يطرح فكرة مختلفة، بل لأنه يرفض الدخول في قالب جاهز. وهنا، لا تتم مواجهته بالحجة، بل بإدخاله قسراً في إطار أخلاقي منخفض، ثم مهاجمته من داخله.

هذه الآلية، التي يمكن وصفها بالرجم الأخلاقي الرقمي، لا تقوم على تقديم حجة، بل على صناعة انطباع. يتم فيها تكرار الوصم وتضخيمه ودفعه عبر التفاعل الجماعي حتى يتحول إلى صورة ذهنية يصعب فصلها عن صاحبها. ومع الوقت، لا يعود السؤال هل هذا صحيح، بل لماذا يتكرر هذا الوصف.

لكن ما تغيّر اليوم داخل «إكس» هو المتلقي نفسه. الوعي الرقمي لم يعد سطحياً ولا سريع الانقياد. المستخدم بات قادراً على رصد الأنماط وقراءة التكرار واكتشاف الخطاب حين يُدار خلف واجهة أخلاقية. لم تعد كثافة التفاعل دليلاً على الصحة، ولم تعد النبرة الوعظية تمنح مصداقية تلقائية.

كلما تكررت الأدوات، انكشف أنها ليست قناعات بل أدوار. وكلما تشابهت اللغة، ظهر أنها ليست تعبيراً فردياً، بل خطاب يُعاد إنتاجه.

الخلاصة أن المعركة لم تعد على من يقول الحقيقة، بل على من يملك تعريفها. ومن يملك الاسم، يملك جزءاً كبيراً من المعنى، ومن يملك المعنى يملك القدرة على التأثير. وحين تتحول الأسماء إلى أدوات تحصين، فإن أخطر ما نخسره ليس النقاش، بل القدرة على فهمه.

00:01 | 12-04-2026

مقهى السياسة..!

دخلتُ المقهى متأخراً قليلاً..

وكنت أبحث عن طاولة قريبة من النافذة، ليس لأن المنظر مهم، بل لأنني أحب أن أرى الناس وهم يمرّون دون أن يروني.

جلست.. طلبت قهوتي.. وفتحت «إكس».

كالعادة.. نفس المعركة.

نفس الكلمات.. ونفس الغضب.. ونفس اليقين المطلق عند الجميع.

تغريدة لفتتني: «أنا لست مع إسرائيل.. ولكني مع أمريكا». رفعت حاجبي.. ليس لأن الفكرة جديدة، بل لأن الجرأة في قولها نادرة.

دخلت على الردود.. فوجدت معركة صغيرة بحجم المنطقة.

أحدهم كتب: «كيف تكون ضد إسرائيل وأنت تميل لأمريكا؟» آخر رد عليه بعقل بارد: «لأن السياسة ليست حباً وكرهاً.. بل مصلحة». أغلقت الهاتف للحظة..

ثم ضحكت.

رفعت رأسي.. وإذا بالمفارقة التي لا تتكرر كثيراً: صاحب التغريدة.. وصاحب الرد.. يجلسان أمامي.

لم أعرف كيف.. لكنني عرفت.

ربما لأن نفس النبرة التي تُكتب.. تُرى.

كان الأول يتحدث بعصبية واضحة..

والثاني يتكلم وكأنه يشرح معادلة لا تحتمل الانفعال.

لاحظت شيئاً صغيراً..

الأول يضغط على فنجانه بقوة حتى اهتزت القهوة وانسكب منها خط خفيف على الطاولة.. لم ينتبه.

والثاني.. كان يرتب كيس السكر أمامه بدقة مبالغ فيها.. كأن الاستقرار يبدأ من حافة الطاولة.

سمعت الأول يقول: «خلّك واضح.. أمريكا قبل ربع قرن أسقطت العراق، وفككت طالبان، وفتحت الطريق لإيران.

النتيجة؟ أربع عواصم عربية راحت.

واليوم تجي تقول لي أمريكا توازن؟» لم يكن يسأل.. كان يهاجم.

الثاني لم يرفع صوته.. فقط قال: «صحيح.. أمريكا أخطأت.

لكن هل الخطأ يعني نسلّم المشهد لإيران؟» سكت الأول لحظة.. ثم قال: «هي أصلاً سلّمته!» ابتسم الثاني ابتسامة خفيفة.. من النوع الذي لا يستفز، لكنه لا يوافق: «إيران ما كبرت لأنها قوية فقط..

كبرت لأن الفراغ كان أكبر». هنا.. وضعت القهوة جانباً.

لأن الجملة لم تكن موجهة له وحده.

الأول مال للأمام وقال: «يعني نرجع لنفس الطرف اللي صنع المشكلة؟» رد الثاني: «ما نرجع.. نقرأ اللحظة.

السؤال مو: من أخطأ قبل عشرين سنة؟ السؤال: من تترك له المشهد اليوم؟» توقفت الملاعق..

وتوقفت معها الطاولة المجاورة أيضاً.

الأول قالها هذه المرة بحدة أقل.. لكن أعمق: «واضح أنك تبرر». الثاني قال: «لا.. أنا أفكك.

في فرق». ثم أضاف.. وهنا تغيّر الجو قليلاً: «الغضب من أمريكا مفهوم..

لكن تحويل إيران إلى بديل.. كارثة». سكت الأول..

ليس اقتناعاً.. بل لأنه بدأ يغوص.

ثم قال بصوت أخفض.. لكنه أثقل: «تحرير القدس؟ أنا لم أعد أسمع هذه الكلمات إلا في الخطب.

اللي شفته بعيني.. أن من رفع الراية قصف دولتي ودول الخليج بالصواريخ والمسيرات..

ومن ادعى المقاومة سرق حلمي.

وأنت تبيني أختار بين نارين؟». هنا.. لم يعد النقاش سياسياً فقط.

كان جرحاً يتكلم.

الثاني لم يقاطعه..

فقط قال بهدوء: «أنا ما أطلب منك تختار نار..

أنا أقول لك لا تسلّم نفسك لحريق أكبر». ثم أضاف: «المعادلة اليوم مو مثالية.. هي بين مشروع يُبنى.. وفراغ يتمدّد». سكت الأول.

هذه المرة.. سكت فعلاً.

ثم سأل: «طيب وإسرائيل؟» الثاني قال: «موقفي ثابت.. الحقوق الفلسطينية ليست محل مساومة.

لكن اختطاف القضية.. هو المشكلة». اقترب قليلاً وقال: «تحرير القدس ما يمر عبر تدمير العواصم العربية. ولا عبر مشاريع ترفع الشعار.. وتبني مليشيا». في هذه اللحظة.. لم يعد النقاش بين شخصين.

كان بين زمنين.

تذكّرت فجأة..

والدي رحمه الله..

كان يجلس في مكتبته.. بين كتبه.. يناقش نفس الأسئلة مع صديقه.. بنفس الحدة.. لكن بأسماء مختلفة.

الوسيط تغيّر..

والسؤال بقي.

نظرت إليهما..

وكنت على وشك أن أقول: ونحن؟ نحن الذين لا نمثل أمريكا.. ولا إيران؟ نحن الذين نسمع هذا كله..

فهل يمكن..

أن ما لم يُحسم الآن..

لن يُحسم إلا حين يقول الزمن كلمته؟ لكنني سكت.

لأن هذا السؤال تحديداً..

هو أكثر سؤال غير مرحب به في هذا النقاش.

الأول نظر في فنجانه طويلاً..

والثاني أعاد ترتيب كيس السكر مرة أخرى.

وأنا.. نظرت إلى ساعتي.

كانت أجنبية الصنع.

دفعت الحساب.

خرجت من المقهى..

في «إكس»..

لا تُخاض الحروب..

ونحن..

لا نُهزم..

لأننا لم نكن طرفاً في المعركة أصلاً.

نبقى على المدرج..

ونتفرّج..

ونحمد الله..

على نعمة المملكة العربية السعودية.

00:00 | 5-04-2026

العودة إلى الأصل لا إلى الصفر

بين حين وآخر، تطل علينا أبواق تقتات على «نوستالجيا» بائسة، تردد أسطوانة مشروخة مفادها أن الحروب أو الأزمات الكبرى ستعيد الإنسان السعودي إلى «الإبل والتمر».

هذا الطرح، في ظاهره وعيد، وفي باطنه جهل مركب ببنية المجتمع السعودي واقتصاده. هم يظنون أن «الخيمة» كانت هروباً من واقع، بينما هي في وجداننا «خيار» وقيمة، ويرون في «الإبل» وسيلة نقل بائدة، ونحن نراها رمزاً للصلابة والارتباط بالأرض.

إن الفارق الجوهري بيننا وبينهم يكمن في مفهوم «العودة»؛ فالعالم حين ينهار يعود إلى «العدم»، أما نحن فحين تشتد الأزمات، نرتكز على «الأصل».

أولاً: مغالطة «الصفر» التاريخي:

يروّج العقل الغربي، وبعض من سار في ركابه، لفكرة أن الرفاه السعودي هو حالة طارئة قابلة للزوال، ويغيب عن هؤلاء أن الإنسان في هذه الأرض لم يبدأ من «الصفر» مع تدفق النفط، بل بدأ من «القيم».

القوة التي مكّنت الأجداد من تطويع الصحراء القاسية هي ذاتها التي تدير اليوم أعقد المنظومات التقنية والصناعية، وإن «الإبل والتمر» بالنسبة للسعودي ليست حالة فقر انتهت، بل هي «الجينوم الثقافي» الذي لم يغادر المائدة ولا المجلس ولا الوجدان.

نحن لا نعود إليها «اضطراراً» لأننا لم نتركها أصلاً، بل جعلناها جزءاً من سيادتنا، فالسعودية اليوم هي من تقود العالم في أبحاث الإبل وتطوير صناعات التمور كأمن غذائي عالمي.

ثانياً: تحت الأقدام..

فوق التوقعات:

عندما نتحدث عن الاقتصاد، يغرق «الحاقد» في لغة الأرقام الجافة، بينما نتحدث نحن عن لغة «السيطرة»، فنحن لا نملك النفط كسلعة للبيع فقط، بل نملك «مفاتيح الطاقة» التي تحرك المصانع في الشرق والغرب، وعندما تهتز سلاسل الإمداد العالمية، يكتشف العالم أن «المخصبات» والأسمدة السعودية هي التي تنقذ مزارع أوروبا وأمريكا من البوار.

إننا نتحكم بـ20% من ثروات العالم، لا لنكدسها، بل لنرسم بها خارطة التوازن الدولي. فمن يهددنا بالعودة إلى الماضي، ينسى أن مستقبله هو مرتبط بمدى استقرار حاضرنا.

ثالثاً: «السيادة الروحية»

والمكانية:

هناك مفهوم لا يفهمه إلا السعودي، وهو علاقة «الأرض بالذات». في الأزمات، يبحث المواطن في الدول الأخرى عن ملجأ أو مهرب، بينما يزداد السعودي «التصاقاً» برماله. هذه الروح القتالية والانتماء للأرض ليست شعارات، بل هي واقع يترجم في الدفاع عن المكتسبات. نحن شعب يمتلك «مرونة حضارية»؛ نستطيع إدارة أضخم الصناديق السيادية ببدلاتنا الرسمية، وفي المساء ننصب خيامنا في قلب «الدهناء» لنمارس طقوسنا العربية الأصيلة بكل فخر. هذا التناغم بين «الحداثة الفائقة» و«الأصالة المتجذرة» هو الذي يحمينا من الانهيار النفسي الذي يصيب المجتمعات المادية عند أول اهتزاز.

رابعاً: تحويل التهديد

إلى فرصة استراتيجية:

إن العالم الذي يهددنا بالانهيار هو عالم يعيش على «الاستهلاك»، بينما نعيش نحن على «الإنتاج» والتحكم. نحن نصدّر المقويات الحيوية التي تضمن استمرار الحياة الحيوانية والزراعية في دول تعتمد اقتصاداتها بالكامل على ما نقدمه لها. إذاً، المعادلة مقلوبة؛ فالمحتاج هو من يقف خارج حدودنا، وليس من يسكن داخلها. السعودية اليوم ليست مجرد رقم في منظومة، بل هي «المنظومة» ذاتها في كثير من القطاعات الحيوية.

نقطة آخر السطر:

إلى كل من يراهن على سقوطنا أو عودتنا لمربعات قديمة: إننا لا نخشى العودة للبدايات، لأن بداياتنا كانت شريفة، صلبة، ومستمدة من عقيدة وأرض لا تخون صاحبها. لكننا في الوقت نفسه، نبني للمستقبل بأدوات لا يملكها غيرنا. نحن «أسياد الصحراء» و«قادة التكنولوجيا»، ومن يظن أن الإبل والتمر هي نقطة ضعفنا، فقد أخطأ العنوان.. هي قوتنا الناعمة، وما تحت أقدامنا هو قوتنا الخشنة، وبين هذا وذاك يقف شعب لا يعرف المستحيل.

00:16 | 29-03-2026

طيبة السعودية.. من حدود الأرض إلى فضاء الفكر

في القواميس السياسية الكلاسيكية، تُعرف الدولة بأنها «أرض، وشعب، وسلطة». لكن في عام 2026، ومع تسارع الأحداث وتداخل الصراعات الإقليمية، لم تعد هذه الثلاثية كافية لضمان البقاء. لقد انتقل مفهوم «الهيبة» من مجرد تأمين الحدود الترابية والسيطرة على المعابر، إلى معركة أكثر تعقيداً وشراسة، هي معركة السيادة على «فضاء الفكر» وصناعة الوعي الوطني.

لم يعد التهديد يُقاس فقط بما يعبر الحدود، بل بما يعبر العقول. ولم تعد السيادة تُختبر عند خطوط التماس الجغرافية فحسب، بل عند نقاط التماس الفكرية التي تتشكّل فيها القناعات، وتُعاد صياغة الانتماءات، ويُعاد تعريف معنى الدولة في وجدان مواطنيها. هنا تحديداً، تبدأ معركة لا تُرى، لكنها الأخطر.

السيادة.. من التضاريس إلى الوعي:

لطالما كانت هيبة الدولة تُقاس بقدرتها على حماية تخومها الجغرافية. واليوم، نرى المملكة العربية السعودية تقدّم نموذجاً فريداً في هذا السياق.. فهي لا تكتفي بتأمين حدودها المترامية بأحدث المنظومات الدفاعية، بل تفرض هيبتها من خلال «الحزم الإستراتيجي» الذي يرفض أن تكون أراضي الجوار ساحات خلفية لتصفية الحسابات أو منطلقات لتهديد الأمن القومي.

وفي هذا التحوّل، لم تعد القوة مجرد رد فعل، بل أصبحت «منهج إدارة». إدارة للمخاطر قبل وقوعها، وضبط لإيقاع الإقليم لا الانجرار خلف فوضاه. وهذه هي النقطة التي تفصل بين دولة تحمي نفسها، ودولة تفرض شكل التوازن من حولها.

لكن الأرض، برغم قدسيتها، ليست سوى البداية. الهيبة الحقيقية تبدأ حين يقتنع المواطن بأن دولته هي مرجعه الوحيد في زمن «الارتهان» لولاءات عابرة للحدود. إن ما نشهده اليوم في المنطقة من انهيارات لكيانات كانت تظن أنها محصّنة، يثبت أن الحدود التي لا يحميها «فكر وطني صلب» هي حدود وهمية، مهما بلغ طول جدرانها أو قوة عتادها.

فضاء الفكر: الجبهة التي لا تنام:

إن الانتقال إلى «فضاء الفكر» يعني أن الدولة يجب أن تملك روايتها الخاصة، لا أن تكون صدى لروايات الآخرين. فالرواية ليست ترفاً، بل أداة سيادة. من يملك الرواية، يملك تفسير الواقع، ومن يفسر الواقع، يملك توجيه المستقبل.

في زمن «الانزياح» القيمي، تصبح هيبة الدولة هي القدرة على تحصين العقل الجمعي ضد الاختراقات الأيديولوجية التي تسعى لزعزعة الثقة بالمؤسسات الوطنية. وهنا، لا يكون التهديد صريحاً دائماً، بل يأتي في صورة شعارات براقة، أو سرديات مشوهة، أو حملات منظمة تعيد تشكيل الوعي تدريجياً.

والسيادة الفكرية تعني ألا يُترك الشاب نهباً لشعارات زائفة تدار من خلف الشاشات في عواصم بعيدة. وتعني أيضاً أن تتحوّل التنمية إلى قصة تُروى، وإلى تجربة تُعاش، وإلى قناعة راسخة لا تهتز. هنا، تبرز أهمية «القوة الناعمة» التي تُحوّل المكتسبات التنموية إلى فخر وطني، وتصهر التنوع الثقافي في بوتقة الهوية الواحدة.

وعندما يرى المواطن أن دولته تبني المستقبل بثقةٍ متراكمة وإنجازٍ متصاعد، بينما يهدم الآخرون حاضرهم، فإن «الهيبة» هنا تتحوّل من رهبة القانون إلى إيمان بالمسار. وهذا التحوّل هو أخطر أشكال القوة، لأنه لا يُفرض، بل يُبنى.

هيبة الدولة.. بين الواقع والافتراض:

نحن نعيش عصر «السيادة الرقمية». فضاء الفكر اليوم يمر عبر الألياف الضوئية ومنصات التواصل، حيث لا حدود واضحة، ولا سيطرة تقليدية، ولا زمن كافٍ للتصحيح بعد الخطأ. في هذا الفضاء، يمكن لشائعة أن تُربك، ولرواية أن تُشوّه، ولصورة أن تُعيد تشكيل الانطباع العام في لحظات.

الدولة الهائبة هي التي تستطيع حماية حقيقتها من التزييف، وتواجه حملات التضليل بصدقية الإنجاز لا بردود الفعل الانفعالية، وهي التي تدرك أن المعركة لم تعد على «ما يحدث»، بل على «كيف يُفهم ما يحدث».

إن محاولات النيل من استقرار المنطقة، كما نتابع في تحركات بعض الفصائل والوكلاء، لا تستهدف الأرض فقط، بل تستهدف «الروح المعنوية» للشعوب. وهذه هي أخطر الجبهات، لأنها إذا سقطت، سقط كل شيء بعدها دون إطلاق رصاصة واحدة.

وعندما تضع الدولة «نقطة آخر السطر» لكل محاولات العبث بأمنها، فهي لا تمارس حقاً سيادياً قانونياً فحسب، بل تمارس «هيبة فكرية» تعيد تعريف القوة في القرن الحادي والعشرين. القوة ليست في القدرة على التدمير، بل في القدرة على الحفاظ على «نمط الحياة» والنمو وسط الركام، والاستمرار حين يتوقف الآخرون.

الهيبة استحقاق لا ادعاء:

إن هيبة الدولة في المحصلة هي انعكاس لتماسك الجبهة الداخلية وفهمها العميق لمعنى «السيادة»، هي ليست شعاراً يُرفع، بل نتيجة تُبنى، وليست خطاباً يُقال، بل واقعاً يُعاش.

هي تلك المسافة الواثقة بين «الحدود» التي يقف عليها الجندي البطل، وبين «الفكر» الذي يحمله الكاتب، والمثقف، والطالب، وهي ذلك التوازن الدقيق بين الأمن والوعي، بين القوة والإدراك، بين القرار والقناعة.

في 2026، وبينما تعيد الأحداث رسم خرائط النفوذ في العراق وسوريا ولبنان، تظل المملكة العربية السعودية نموذجاً للدولة التي عرفت كيف تنقل هيبتها من حماية «حدود الأرض» إلى تسيّد «فضاء الفكر».. إنها الهيبة التي تولد من رحم الاستقرار، وتتغذى على طموح الرؤية، وتُتوج بيقين أن الدولة الوطنية هي الحصن الأول، والأخير، والوحيد.

00:06 | 22-03-2026

السعودية.. وأنثروبولوجيا الذكاء الاصطناعي

ليست كل القرارات السيادية التي تصدر عن الدول القائدة قابلة للفهم السطحي داخل حدود الخبر العاجل أو الأطر الإجرائية الضيقة؛ فالدول التي تفكر إستراتيجياً لا تتحرك بقرارات معزولة، بل بمنظومات فكرية متكاملة تتوزع على ملفات متنوعة، لكنها تشكّل في جوهرها أجزاءً متصلة من رؤية بنيوية واحدة. ولهذا، فإن بعض القرارات الإستراتيجية لا تُقرأ في يوم صدورها كحدث إجرائي عابر، بل تُفهم حين يُعاد وضع كل قرار في سياقه الأكبر داخل ما يمكن تسميته «هندسة الدولة للمستقبل».

ومن هذا المنظور الاستشرافي تحديداً، يمكن قراءة القرارين اللذين صدرا عن مجلس الوزراء السعودي الأسبوع الماضي: إعلان عام 2026 عاماً للذكاء الاصطناعي، والموافقة على تأسيس المعهد الملكي للأنثروبولوجيا والدراسات الثقافية. فمن يقرأ الخبرين بوصفهما ملفين منفصلين، سيظن أن الأول قرار تقني محض يتعلق بالاقتصاد الرقمي وتدفق البيانات، بينما الثاني قرار أكاديمي ترفي يرتبط بالبحث الثقافي المحض. غير أن القراءة الأعمق والمتروية تكشف أن ما حدث في الواقع هو صياغة «معادلة معرفية سيادية» متكاملة تقوم على ركنين متلازمين لا ينفصلان: فهم الإنسان.. وصناعة عقل الآلة.

فالذكاء الاصطناعي، رغم هيمنة صورته التقنية الشائعة في الأذهان، ليس مجرد خوارزميات صامتة أو معالجات إلكترونية تعالج البيانات بسرعة غير مسبوقة؛ إن هذا الحقل العلمي في جوهره هو محاولة كبرى لمحاكاة وفهم الطريقة التي يعمل بها العقل البشري نفسه: كيف تتشكّل اللغة، وكيف تتولد القرارات، وكيف تتحرك أنماط السلوك داخل المجتمعات، وكيف تتحوّل المعرفة التراكمية إلى فعل مادي. بمعنى آخر، فإن الذكاء الاصطناعي لا يحاول فقط أن يجعل الآلة تفكر وتتخذ القرار، بل يحاول أن يفك شفرة «كيف يفكر الإنسان أصلاً» ليعيد إنتاجها في سياق رقمي.

وهنا تحديداً يبرز العمق الوجودي للقرار الثاني المتعلق بالأنثروبولوجيا. فهذا العلم ليس تخصصاً هامشياً يقتات على مخلفات الماضي في أطراف الجامعات، بل هو «العلم القاعدي» الذي بنت عليه الدول الكبرى قدرتها على فهم تحوّلات المجتمعات وإدارة تنوعها وتوجيه بوصلتها. إن الأنثروبولوجيا هي العلم الذي يدرس الإنسان في سياق رموزه وثوابته، وقيمه الأصيلة، ونظامه الاجتماعي، وذاكرته التاريخية الحية. والاستثمار في هذا المجال اليوم ليس ترفاً فكرياً، بل هو ضرورة حتمية لحماية «السيادة المعرفية»؛ لضمان أن تكون التقنيات القادمة نابعة من فهمنا لذواتنا وخصوصيتنا، لا مجرد استيراد لقوالب ثقافية معبأة في خوارزميات قد لا تفهم طبيعة تكويننا.

وعندما تجتمع الأنثروبولوجيا مع الذكاء الاصطناعي داخل سياق رؤية وطنية واحدة، نصل إلى ما يمكن تسميته بـ«الأنسنة الرقمية». فالدولة التي تطلق تقنيات الذكاء الاصطناعي وتطور أدواته دون استيعاب دقيق لـ«الخصوصية الأنثروبولوجية» لمجتمعها، قد تقع في فخ «الاغتراب التقني»، حيث تُنتج أدوات متقدّمة لكنها تبقى عاجزة عن التفاعل مع وجدان الناس أو حماية أخلاقيات بياناتهم من الانحيازات الثقافية التي تفرضها النماذج العالمية. وفي المقابل، فإن الدولة التي تدرس الإنسان وتاريخه دون أن تمتلك أدوات المستقبل التكنولوجية، قد تفهم مجتمعها جيداً لكنها تظل خارج حركة التاريخ الفاعلة. أما الدولة التي تجمع المسارين بوعي، فهي التي تستطيع أن تدير المستقبل بعقلين في وقت واحد: عقل التقنية المتسارع، وعقل المعرفة الإنسانية المتزن.

إن هذه الخطوات تكشف إدراكاً سعودياً عميقاً بأن «أخلاقيات البيانات» والعدالة الخوارزمية لا يمكن تحقيقها دون مرجع ثقافي صلب. فالآلة التي ستدير أجزاءً من حياتنا في عام 2026 وما بعده، يجب أن تُغذى ببيانات تفهم سياقنا المحلي، وتفهم معنى الأسرة، والقبيلة، والقيم، والروابط الاجتماعية التي تميّزنا. وبدون معهد ملكي للأنثروبولوجيا يمد هذه الآلة بالعمق المعرفي، ستظل التقنية «جسداً بلا روح»؛ لكن بدمجهما معاً، نحن نخلق ذكاءً اصطناعياً «يتحدث لغتنا الثقافية» قبل أن يتحدث لغتنا البرمجية.

ومن هنا يمكن فهم المعنى الإستراتيجي الأوسع لهذه القرارات؛ فالمملكة لا تنظر للذكاء الاصطناعي باعتباره مجرد قطاع اقتصادي جديد أو سباقاً تقنياً مع العالم، بل باعتباره أحد المفاتيح الكبرى لإعادة تشكيل المعرفة وصناعة القرار في العقود القادمة. وفي الوقت نفسه، فإن تأسيس كيان متخصص في دراسة الإنسان والثقافة يكشف عن تحوّل أعمق في فلسفة التنمية السعودية؛ فهي تنمية لا تبني الأبراج والمصانع فحسب، بل تعيد صياغة العلاقة بين المعرفة والهوية، بين التقنية والوجدان، بين المستقبل والذاكرة.

إن القيمة الحقيقية لهذه القرارات لا تكمن في المؤسسات التي أُعلنت، ولا في السنوات التي سُمّيت، بل في الفكرة السيادية التي تقف خلفها. فكرة تقول إن المستقبل لا تصنعه الآلات وحدها، ولا تحرسه الذاكرة وحدها، بل يصنعه الإنسان الذي يعرف كيف يوازن بين المعرفة والهوية، وبين سطوة التقنية وعمق المعنى. إنها محاولة لصياغة نموذج تنموي يفهم أن التقنية قوة هائلة، لكنها تحتاج دائماً إلى مجتمع واثق من جذوره ليوجهها نحو البناء لا نحو التيه.

ولهذا، يمكن اختصار المشهد كله في حقيقة سيادية واحدة:

الدول التي تطلق عقل الآلة دون أن تفهم الإنسان قد تصنع قوةً هائلة، لكنها تبقى قوة بلا بوصلة أخلاقية وبلا روح. أما الدولة التي تفهم الإنسان وتُطلق عقل الآلة معاً.. فهي الدولة التي لا تنتظر المستقبل ليأتي، بل هي من يضع قواعده ويصنعه بيديها.

00:06 | 15-03-2026

الكاهن الرقمي

في اللحظة التي تنطلق أول رصاصة في الحرب، وتنقطع خيوط اليقين المعتادة، يولد في الفضاء الرقمي نوع جديد من «المحاربين»، لا يحملون بنادق، ولا يرتدون بدلات عسكرية، بل يرتدون عباءة ميتافيزيقية، ويحملون سبحات رقمية، ويوزعون النبوءات كأنهم يقرأون من لوح محفوظ، يظنهم المتابع المذعور «دراويش» أو أصحاب حدس خارق، لكن في غرف التحليل الاستخباري يُعرف هؤلاء باسم آخر تماماً، إنهم قنوات «الحقن الإدراكي».

في علم العمليات النفسية، لا تُترك لحظة الفراغ النفسي في الأزمات بلا إدارة، فالإنسان حين تهتز الأرض تحت قدميه يبحث عن معنى يفسر الفوضى، وحين يعجز التحليل السياسي عن تقديم إجابة لسؤال: ماذا سيحدث غداً؟ ينفتح الباب أمام الميتافيزيقيا، وهنا يظهر «الكاهن الرقمي»، لا كظاهرة اجتماعية عفوية، بل كأداة دقيقة في هندسة الإدراك.

الكاهن الرقمي في هذا السياق ليس مجرد متكهن، بل «رادار جس نبض»، تستخدمه أجهزة الاستخبارات كبالون اختبار، يطلق نبوءة محددة، وتُراقب بعدها استجابة المجتمع، هل ينتشر الخوف؟ هل يتصاعد الأمل؟ هل يتولد شعور بالعجز؟ هذه التفاعلات ليست مجرد ضجيج رقمي، بل بيانات نفسية خام تُقرأ في غرف العمليات، وتُستخدم لتقدير المزاج العام، وأحياناً لتعديل الخطط الإعلامية والسياسية، إنه استطلاع رأي عام مغلف بالبخور والغموض.

وتعمل هذه الآلية عادة عبر تكتيكين متناقضين في الظاهر، ومتكاملين في الهدف، الأول هو «الأمل الزائف»، حين تكون الوقائع الميدانية معقدة أو ضاغطة، يظهر الكاهن ليبث بشائر غيبية عن نصر قريب، أو انهيار مفاجئ للعدو، أو تحول درامي سيقع في تاريخ محدد، هذا الخطاب لا يهدف إلى رفع المعنويات بقدر ما يهدف إلى تخدير الجبهة الداخلية، لأن المجتمع الذي ينتظر معجزة قريبة يتوقف غالباً عن التفكير الواقعي في المخاطر أو الاستعداد لها.

أما التكتيك الثاني فهو «اليقين بالهزيمة»، حيث يتحول الخطاب نفسه إلى أداة كسر معنوي، فيُقال إن هناك لعنة حلت، أو نحساً فلكياً يحيط بالمشهد، أو أن ميزان القوى حُسم نهائياً، هنا يتحول الغيب إلى سلاح نفسي، لأن الإنسان حين يقتنع أن النتيجة قدر محتوم، يفقد دافع المقاومة قبل أن تبدأ المعركة.

والأخطر في هذه الظاهرة هو ما يمكن تسميته «الانزياح الإدراكي»؛ أي نقل وعي الجمهور من الواقع إلى الأسطورة، بدلاً من متابعة الخرائط العسكرية، وقراءة موازين القوى، وفهم التحركات الدبلوماسية، يجد الناس أنفسهم غارقين في تحليل الأحلام، والتوقعات الفلكية، وإشارات الغيب، وهكذا يحدث التحول الأخطر في أي حرب؛ احتلال العقل قبل احتلال الأرض.

هذا الإغراق بالغيبيات يخلق حالة من العجز الإدراكي، يصبح الفرد غير قادر على اتخاذ موقف عقلاني لأنه ينتظر إشارة من الكاهن، وفي علم الاستخبارات يُعد المواطن الذي ينتظر معجزة مواطناً خارج معادلة القوة، لأنه ببساطة علق قراره في فضاء الوهم.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه دائماً هو: كيف يكتسب الكاهن الرقمي مصداقيته؟ ولماذا تتحقق بعض توقعاته أحياناً؟ الجواب يكمن في ما يعرف بالتلقيم المعلوماتي، حيث يتم تسريب معلومات جزئية أو غير حاسمة عبر قنوات غير مباشرة، فيعيد الكاهن صياغتها كأنها نبوءة، وحين تتحقق تلك التفاصيل الصغيرة، تتشكل حوله هالة من الثقة العمياء، وعندها يتحول من مجرد شخصية مؤثرة إلى «أصل إدراكي» قادر على تمرير الرسائل الأكبر في اللحظة الحاسمة.

في النهاية، تبقى الحقيقة بسيطة وقاسية في آن واحد، معركة الوعي في زمن الحروب لا تقل خطورة عن المعركة في الميدان، والكاهن الرقمي ليس إلا ترساً صغيراً في ماكينة ضخمة لصناعة الإدراك، هو يبيعك الصدفة، بينما تُدار خلفه حسابات دقيقة.

الأزمات ليست لحظة انتظار النبوءات، بل لحظة اختبار الوعي، لأن من يقرأ لك الغيب في زمن الحرب قد لا يكون كاهناً، بل أداة في لعبة أكبر، لعبة تُشكَّل فيها العقول قبل أن تُشكَّل الجبهات.

00:26 | 8-03-2026

السودان.. الأرقام صرخات والمشهد الدولي صامت

«أكثر من 10 ملايين نازح داخلياً.. أكثر من مليونَي لاجئ عبر الحدود.. نصف السكان بحاجة لمساعدات إنسانية».

هذه ليست مجرد أرقام باردة على خريطة. إنها، وبكل بساطة، وصف دقيق لأكبر كارثةً إنسانيةً يجري التغاضي عنها في العالم اليوم. إنها صورة السودان في لحظته الأكثر ظلاماً، حيث الحرب لا تقتل فقط، بل تقتلع الإنسان من وطنه، وتشرد العائلات، وتمحو ملامح المستقبل. في زمنٍ تتسابق وسائل الإعلام لتغطية صراعات قد تكون أقل حجماً، تبقى الأزمة السودانية معلقةً على حافة النسيان الدولي، وكأن المعاناة هناك ليست مؤهلةً لأن تكون عنواناً للنشرات الرئيسية.

من الناحية المنطقية، تقف الأرقام عاجزةً أمام وصف الألم. عندما نتحدث عن عشرة ملايين نازح، فهذا يعني أن عدداً يساوي سكان دول بأكملها أصبحوا يعيشون في خيامٍ أو ملاجئ مؤقتةٍ، يقتاتون على الأمل ويبحثون عن ظلٍ آمنٍ. هؤلاء ليسوا مجرد إحصائيات، بل هم أطباء، ومهندسون، وطلاب، وأمهات كانوا بالأمس يخططون لمستقبلهم، واليوم أصبح همهم الوحيد هو لقمة العيش وقطرة الماء. وعندما نضيف مليوني لاجئ فرّوا إلى جاراتهم: مصر، وتشاد، وإثيوبيا، وجنوب السودان، وأفريقيا الوسطى، فإننا لا نتحدث عن أزمةٍ سودانيةٍ فحسب، بل عن زعزعةً لاستقرار منطقةً بكاملها. إنها معادلةٌ صفريةٌ: كلما طالت الحرب، اتسعت رقعة المعاناة، واقتربت الاضطرابات من حدود الجميع.

من الناحية القانونية والدولية، نحن أمام فشلٍ ذريعٍ للمجتمع الدولي. إن استمرار القتال وتجاهل النداءات الإنسانية لسد احتياجات نصف السكان يُعد انتهاكاً صارخاً للقانون الإنساني الدولي. اتفاقيات جنيف التي تحمي المدنيين في أوقات النزاعات تبدو وكأنها حبر على ورقٍ في السودان. إن صمت آلة صنع القرار الدولي عن هذه المأساة، وعدم تحركها لوقف نزيف الدم، يجعلها شريكاً أخلاقياً في كل وجبة جوعٍ يتضور فيها طفلٌ سوداني، وفي كل خطوةٍ يخطوها نازحٌ بلا مأوى. إن استمرار تدفق السلاح بدلاً من تدفق المساعدات هو جريمةً بحق الإنسانية. والأكثر إيلاماً هو أن النداءات الإنسانية التي تطلقها المنظمات الدولية تواجه بعجزٍ ماليٍ وسياسيٍ، وكأن حياة السودانيين أقل قيمةً من غيرهم.

وفي خضم هذا المشهد القاتم، حيث يتخلى الجميع عن مسؤولياتهم، يبرز موقف المملكة العربية السعودية ليكون نموذجاً يُحتذى به في العمل الإنساني والسياسي النزيه. فبينما تتغاضى أطراف إقليمية ودولية عن معاناة السودانيين، بل ويتهم بعضها بدعم أطراف النزاع وتأجيج الحرب، تثبت المملكة أن الأخوّة العربية ليست شعارات، بل أفعال وتضحيات.

منذ اللحظة الأولى للأزمة، تحركت السعودية بمسؤوليةٍ تاريخيةٍ، واضعةً نفسها في موقع الوسيط الأمين والداعم الصادق. استضافت المملكة مفاوضات جدة التي مثّلت المنبر الوحيد الجاد للتوصل إلى هدنٍ إنسانيةٍ وحلٍ سياسيٍ، بالتنسيق مع الشركاء الدوليين، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة الأمريكية. لم تكتفِ الرياض بإصدار البيانات، بل كانت صوت العقل في المحافل الدولية، حيث أدان مندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير الدكتور عبدالعزيز الواصل، وبكل وضوحٍ، الهجمات الإجرامية التي استهدفت المدنيين والمنشآت الإغاثية، مؤكداً أن استهداف العاملين في المجال الإنساني يمثل انتهاكاً للقانون الدولي ويقوض جهود الإغاثة.

أما على المستوى الإنساني، فتتحدث الأرقام بصوتٍ أعلى من أي ادعاءات. لقد تجاوز إجمالي المساعدات السعودية المقدمة للسودان 3.1 مليار دولارٍ أمريكيٍ، في تأكيدٍ واضحٍ على الالتزام الثابت بدعم الشعب السوداني الشقيق. ولم تكن هذه المساعدات مجرد أرقامٍ في حسابات البنوك، بل تحولت إلى مشاريعَ حيويةٍ تلمس حياة المواطنين على الأرض. فمن خلال ذراعها الإنسانية، مركز الملك سلمان للإغاثة، دشنت المملكة مؤخراً 9 مشاريعٍ كبرى في بورتسودان، شملت قطاعاتٍ حيويةٍ مثل الصحة والمياه والإصحاح البيئي والحماية. تضمنت هذه المشاريع تزويد مستشفياتٍ حكوميةٍ كبرى بأحدث الأجهزة الطبية، وإنشاء محطاتٍ لإنتاج الأكسجين، وتأمين مولداتٍ كهربائيةٍ عملاقة لمحطات تنقية المياه لتعود لإنتاج 140 ألف مترٍ مكعبٍ يومياً، فضلاً عن إنشاء العشرات من محطات السقيا الحديثة في المناطق الأكثر احتياجاً.

هذا هو الفارق الجوهري. فحين تنشغل بعض الأطراف الإقليمية باتهاماتٍ متبادلةٍ ودعم أطراف النزاع بالسلاح والمرتزقة، وهو ما رفضته المملكة صراحةً محذرةً من أن استمرار إدخال السلاح غير الشرعي والمقاتلين الأجانب هو عاملٌ رئيسيٌ في إطالة أمد الصراع، تنشغل السعودية بإنقاذ الأرواح. بينما يواجه البعض اتهاماتٍ دوليةً بالضلوع في إطالة أمد الحرب، تثبت الرياض أن موقفها نابعٌ من الأخوّة لا من الهيمنة، ومن الإيمان بأن استقرار السودان جزءٌ لا يتجزأ من استقرار المنطقة العربية.

إن ما يحدث في السودان هو وصمةُ عارٍ على جبين الإنسانية إذا استمر الصمت. الصورة التي تراها هي مختصرٌ لمعاناة شعبٍ بأكمله يئن تحت وطأة حربٍ لا ذنب له فيها. وفي الوقت الذي نطالب العالم بالتحرك، نستذكر الموقف السعودي المشرف الذي يقول بصوتٍ عالٍ: الإنسانية أولاً. لقد أثبتت المملكة العربية السعودية، بقيادة خادم الحرمين الشريفين وولي عهده الأمين، أن العمل الإنساني الحقيقي لا يحتاج إلى ضوء الكاميرات، بل إلى ضميرٍ حيٍ وإرادةٍ صادقة. فهل يفيق الضمير الدولي قبل فوات الأوان، أم نظل نرسم خرائط للنزوح بدلاً من رسم خرائط للسلام؟ السودانيون لا يريدون شفقة، بل يريدون موقفاً يوقف نزيفهم، ويذكرهم بأن العالم لا يزال يحوي من يحمل همومهم، وفي مقدمتهم الأشقاء في المملكة العربية السعودية.

00:33 | 1-03-2026

«يوم التأسيس والعمق الاستراتيجي»

يوم التأسيس في التجربة السعودية ليس مناسبة رمزية تُستعاد فيها الذاكرة، بل لحظة يُعاد فيها فهم منطق الدولة ذاتها. فالدرعية عام 1727 لم تشهد ولادة سلطة محلية محدودة الأثر، بل شهدت قيام مركز سياسي قرر أن يكون فاعلاً في جغرافيته لا تابعاً لها. ومنذ تلك اللحظة، ارتبط مفهوم الدولة في الوعي السعودي بفكرة المجال الحيوي الآمن، لأن الكيان الذي ينشأ في بيئة تتنازعها الفراغات الأمنية لا يمكن أن يعيش إن اكتفى بإدارة حدوده الضيقة وترك محيطه مفتوحاً للتقلبات.

الدولة السعودية الأولى لم تُؤسَّس لتكون كياناً محاصَراً ينتظر اعتراف الخارج، بل نشأت من الداخل وبالداخل، وبنت شرعيتها من مجتمعها قبل أن تتعامل مع العالم. ولذلك كان تثبيت الأطراف جزءاً عضوياً من بناء المركز، لا حركة منفصلة عنه. لم يكن الأمر نزعة توسع، بل إدراك مبكر بأن الدولة إن لم تُحكم مجالها الحيوي ستظل عرضة للاختراق. تلك القراءة العميقة للجغرافيا هي ما منح التجربة السعودية تميّزها؛ فالمركز إن لم يُؤمَّن، يُستهدف، والفراغ إن تُرك يُملأ بقوة من خارجه.

حين أعادت الدولة السعودية الثانية ترميم المركز بعد مرحلة اضطراب، كانت تفعل ذلك بوصفه ضرورة بقاء، لا طموح نفوذ. ثم جاءت الدولة الثالثة على يد الملك عبدالعزيز، فحوّلت هذا الفهم إلى هندسة سياسية متكاملة أعادت توحيد الأرض وأغلقت مساحات الفوضى في الجزيرة العربية، وبنت معادلة أمنية ما زالت آثارها ممتدة حتى اليوم. لم يكن مشروع التوحيد مجرد تجميع جغرافي، بل تثبيت لمجال استراتيجي يمنع تشكل تهديدات معادية على الأطراف ويحول دون إدارة الداخل من خارج حدوده.

بهذا المعنى، يصبح يوم التأسيس إعلاناً عن عقيدة، لا ذكرى تاريخية. عقيدة مفادها أن الأمن ليس حالة طارئة تُعالج عند وقوعها، بل بنية تُصان باستمرار. ولذلك فإن العمق الاستراتيجي في الحالة السعودية ليس مفهوماً حديثاً وُلِد مع التحوّلات الإقليمية أو التوازنات الدولية، بل هو جزء من تعريف الدولة لنفسها. هو فهم سابق للحدود الحديثة، وسابق للمفاهيم الغربية للأمن القومي، ومتجذر في قراءة دقيقة لطبيعة الجغرافيا السياسية للجزيرة العربية.

اليوم، ومع تسارع التحوّلات في المنطقة، يميل بعض المراقبين إلى قراءة السياسة السعودية من زاوية الأحداث اليومية، فيختزلونها في ردود أفعال على أزمات متفرقة. غير أن هذا التبسيط يتجاهل أن إدارة الملفات في الجنوب أو الغرب أو في دوائر الإقليم الأوسع لا تُبنى على الانفعال، بل على قاعدة تاريخية تعتبر المجال المحيط امتداداً للأمن الداخلي. فالسعودية لا تتعامل مع جوارها بوصفه ساحات منفصلة، بل بوصفه مجالاً حيوياً متصلاً لا يقبل التفريط.

صحيح أن المنطقة تشهد اضطرابات في بعض الساحات المجاورة، وصحيح أن الممرات البحرية الحيوية تمر بفترات توتر، لكن التعاطي السعودي مع هذه الملفات لا يُقرأ من زاوية الأزمة الآنية، بل من زاوية حماية التوازن. اليمن، على سبيل المثال، ليس ملفاً حدودياً عابراً، بل جزء من عمق جنوبي مباشر تُدار قضاياه بعقل الدولة لا بعاطفة اللحظة. وكذلك ما يجري في بعض الساحات العربية الأخرى، يُنظر إليه من زاوية استقرار الإقليم ككل، لا من زاوية مكاسب مرحلية.

الخلط بين ضبط النفس السعودي والضعف قراءة غير دقيقة لطبيعة الدولة. فالمملكة خلال السنوات الماضية فضّلت إدارة التوازنات ببراغماتية هادئة حين يخدم ذلك الاستقرار، لكنها لم تتخلَّ يوماً عن معادلة حماية المجال الحيوي. رؤية 2030، على اتساعها الاقتصادي والتحوّلي، ليست مشروعاً منفصلاً عن الأمن، بل تستند إليه. فالتنمية تحتاج بيئة مستقرة، والاستقرار يحتاج عمقاً آمناً، والعمق الآمن لا يُترك للمصادفة ولا يُدار بردود فعل متأخرة.

يوم التأسيس يذكّرنا بأن الدولة السعودية لم تُبنَ على ردود الأفعال، بل على استباق المخاطر. لم تنتظر أن تتحول الأطراف إلى تهديد مباشر، بل تعاملت مع المجال المحيط باعتباره جزءاً من أمنها الداخلي. هذا الفهم هو ما يفسر ثبات الموقف السعودي في القضايا الكبرى، وحرصه على إدارة الملفات الإقليمية بعقل الدولة، لا بعاطفة اللحظة أو ضجيج الإعلام.

العمق الاستراتيجي، في هذا السياق، ليس نزعة نفوذ ولا رغبة في الهيمنة، بل مسؤولية دولة مركز في إقليم مضطرب. دولة تعرف أن استقرارها مرتبط باستقرار محيطها، وأن الفوضى إن تُركت تتمدد ستعود على الجميع. ومن يفهم يوم التأسيس بوصفه لحظة ولادة لعقيدة سيادية، يدرك أن حماية المجال الحيوي ليست خياراً ظرفياً، بل التزام بنيوي مستمر.

ولهذا فإن الدولة السعودية ليست نتاج قرار دولي عابر، ولا صناعة خرائط استعمارية، ولا كياناً رُسم على طاولة مفاوضات خارج حدوده. هي دولة نشأت من إرادة داخلية خالصة، وتكوّنت من عمقها قبل أن تتعامل مع العالم من موقع الندية. لم تطأها قدم مستعمر ليمنحها شرعية، ولم تُولد تحت انتداب ليحدد سقفها، بل قامت بذاتها، وحمت مجالها بذاتها، وصاغت سيادتها من داخل تاريخها. ومن يفهم هذه الحقيقة يدرك أن عمقها الاستراتيجي ليس امتداداً سياسياً طارئاً، بل قدر دولةٍ وُلدت لتكون مركزاً متبوعاً... لا تابعاً.

00:17 | 22-02-2026