أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1775.jpg?v=1769684372&w=220&q=100&f=webp

عبداللطيف آل الشيخ

«الرصيف يعتلي المنبر»

في زمن ليس ببعيد، كانت الفكرة تحتاج إلى «تأشيرة دخول»، تمرّ على رئيس تحرير، وتعبر أبواب مؤسسة، وتنتظر من يمنحها مساحة أمام الناس، كان المنبر عالياً، والسلّم إليه طويلاً، وكانت لهذه المسافة وظيفتان، تنتقي ما يستحق الظهور، وتمنح القائمين عليها سلطة تحديد ما يستحقه، وبين الانتقاء والاستبعاد، كانت أفكار تجد طريقها، وأخرى تنتظر خارج الباب.

ثم جاء الجوال، واختصر السلّم، صار في الجيب منبر، وأصبح بوسع جملة تُكتب خارج القاعة أن تشغل الجالسين في صدرها جلسة كاملة، اتسعت فرصة الكلام، وظهرت أسماء لم تمرّ من الأبواب المعتادة، واكتشف صاحب المقعد القديم أن مكانه يمنحه فرصة الحديث، لكنه لم يعد يضمن له أن يختار وحده موضوعه، فقد صار للرصيف اقتراح آخر.

من هذه المساحة، بدأ الشارع الرقمي ينافس النخب على النفوذ، يستدعي صوت الناس في مواجهة دوائر اعتادت توجيه النقاش، ويقدم قربه من تجاربهم سبباً لاستحقاق الإصغاء، فيما تستند النخب إلى خبرتها المتراكمة وحضورها المؤسسي وقدرتها على متابعة القضايا، لكل طرف مصدر يستمد منه قوته، ولكل مصدر حدوده، فلا التأييد الواسع تفويض بلا نهاية، ولا المكانة القديمة عقد دائم مع الجمهور.

لصوت الرصيف قدرة على إزعاج الاطمئنان داخل الدوائر المغلقة، يرفع قضية جرى تأجيلها، ويحوّل شكوى فردية إلى سؤال يصعب تجاوزه، ويطالب أصحاب الحضور بتفسير اختياراتهم، وقد تكون حدّته هي ما يعيد الانتباه إلى تجربة اعتاد الآخرون المرور عليها، حين يحدث ذلك، تصبح منافسته للنخب ضغطاً مفيداً، يفتح باباً أغلقته العادة، ويُدخل إلى النقاش أشخاصاً لم يكن غيابهم دليلاً على غياب ما يستحق أن يقولوه.

وللنخب قدرة على إبقاء القضية حاضرة بعد انحسار الاهتمام بها، تجمع أطرافها، وتصل بين مطالب متعارضة، وتتابع ما يحتاج إلى وقت أطول من عمر الوسم، وتستطيع أن تمنح الاعتراض طريقاً ينتقل به من إعلان المشكلة إلى مساءلة الحل، وهنا لا تحتاج الخبرة إلى لقب يحرسها، فما تنجزه يكفي لتجديد الثقة بها.

غير أن النخبة تستطيع أيضاً أن تستخدم مكانتها لإغلاق الباب الذي يفترض أن تحرس جودة العبور منه، تتكرر الأسماء، وتضيق دوائر الاختيار، ويُعامل الاعتراض باعتباره نقصاً في الفهم، وتتحول الدعوة إلى التروي إلى تأجيل لا ينتهي، عندها يصبح من المشروع أن يسألها الناس عمّا تحميه بهذا الانتظار، فقد يكون التعقيد حقيقياً، وقد يُستعمل ستاراً يحجب تقصيراً، ومسؤوليتها أن تشرح الفرق.

ويستطيع صوت الرصيف، أن يستخدم جمهوره بالطريقة نفسها، يبدأ بالمطالبة بسماع الناس، ثم يتحدث كما لو أنه وحده يملك أصواتهم، ينتقل من «هذا رأيي» إلى «هذه إرادتهم»، ويجعل مخالفة موقفه خصومة معهم، عندها تبدأ الشعبوية، وتصبح الشعبية وسيلة لمنع السؤال، ويضيق المنبر الجديد بمن لا يردد عبارته، ومسؤوليته أن يفسر كيف انتقل من التعبير عن مؤيديه إلى ادعاء تمثيل الجميع.

يتشابه الخلل حين يجعل أي طرف مصدر قوته إعفاءً من المساءلة، صاحب المكانة يقول ضمناً إن تاريخه يكفي، وصاحب الجمهور يقول إن عدد المؤيدين يحسم، بينما يبقى السؤال الذي يحتاج إلى جواب معلقاً بينهما، ويفيدنا هنا ما نقله الغزالي في «المنقذ من الضلال» عن علي رضي الله عنه: «اعرف الحق تعرف أهله»، فالمعيار الذي نطبقه على الاسم الكبير، ينبغي أن يبقى حاضراً أمام الصوت واسع الانتشار.

والمفارقة أن الحدود بين الطرفين ليست ثابتة، فالشعبوية هنا ادعاء لاحتكار صوت الناس، لا عنوان إقامة، قد يستعير صاحب اللقب أدوات الحشد ليحمي موقعه، وقد يبني القادم باسم الجمهور دائرة مغلقة من المقربين، يستنكر الأول الضجيج ثم يصنعه عندما يخدمه، ويعترض الثاني على احتكار المنبر ثم يضيق بمن يزاحمه، في الحالتين، يتحول موضوع المنافسة من خدمة القضية إلى حماية الموقع، وتصبح المراجعة مكلفة لأنها تهدد صورة صاحبها أمام أنصاره، وفي مثل هذه الحالات، تبدو المنافسة على أسماء الجالسين، أكثر منها على طريقة الجلوس.

لنتصور في فضائنا السعودي وسماً يبدأ بمواطن تأخر إنجاز معاملته، ثم يجد آخرين يروون التجربة نفسها، من حق هذا الصوت أن يضغط طلباً للإجابة، ومن حق من يعرف تفاصيل الإجراء أن يشرحها، ومسؤولية الاثنين أن يبقيا المشكلة في مركز الحديث، فإذا اكتفى صاحب المكانة بتوبيخ المشتكين على نبرتهم، فقد أهمل سؤالهم، وإذا اتهم صاحب الوسم كل من يشرح الإجراء بالدفاع عن التقصير، فقد أغلق طريق الفهم، والمواطن ما زال ينتظر إنجاز معاملته.

في هذا المشهد يتضح ما ينبغي أن تكسبه المنافسة، شكوى تصل، وجواب يمكن فحصه، وخلل يجد طريقه إلى المعالجة، أما توزيع شهادات الانتماء بين المتخاصمين فلا ينجز معاملة، ولا يجعل موقفاً أصدق من غيره، فمصلحة الوطن تتسع لصوت ينبه، وصوت يفسر، وصوت يصحح كليهما، دون أن يحتكر أحد تعريف الحرص عليه.

لذلك يحتاج صاحب المنبر إلى أن يصغي قبل أن يحكم على لغة القادمين، ويحتاج صاحب الجمهور إلى أن يسمع ما قد لا يرضي مؤيديه، ويزداد استحقاق كليهما للتأثير حين يطبق على نفسه المعيار الذي يطالب به خصمه.

لقد صعد الرصيف إلى المنبر، واتسعت المنافسة على من يختار السؤال ومن يجيب عنه، ويستطيع القارئ أن يحتفظ بمقعده خارج معسكرات التصفيق، ينصف النخبة حين تضيف، وينصف صوت الرصيف حين يكشف ما أُهمل، ويسائل كليهما حين تصبح القضية وسيلة لاستبقاء النفوذ، فالمقعد القديم لا يعفي صاحبه من إثبات الجدارة، والصعود الجديد لا يعفي صاحبه من تبعات ما يقول.

نقطة آخر السطر:

«على من اعتلى المنبر أن يتذكر أن الناس ما زالوا على الرصيف».

منذ يومين

«الحُرمة لا تتجزّأ»

لا يصبح الدم أقلّ حرمةً لأنّ سافكه يتذرّع بقضية عادلة، ولا يصير العدوان على المقدسات أهون جرماً لأنّ فاعله يستعير لغة الدفاع عنها، فالحُرمة التي تتبدّل بتبدّل المعتدي تصبح رهينةً للهوى، ومن ينتظر معرفة شعار القاتل قبل أن ينظر في دم القتيل يجعل انحيازه حاكماً على مبدئه، فلا يستقيم أن نعظّم حياة الإنسان في عقيدتنا، ثم نساوم على حرمتها في مواقفنا.


من هنا تأتي أهمية بيان الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء بشأن جرائم مليشيا الحوثي، فقد جمع وجوه العدوان في ميزان واحد: انتهاك حرمة الأنفس المعصومة، ثم الأموال، ثم الأمن والاستقرار، ثم محاولة انتهاك مقدسات المسلمين التي عظّمها الله وأمر بتعظيمها، فأعاد النظر إلى حقيقة الأفعال، بعيداً عمّا يرفع مرتكبوها من شعارات.


ولهذا الجمع بين حرمة الإنسان وحرمة المكان أصلٌ بيّن في خطبة النبيّ ﷺ يوم النحر في حجّة الوداع: «فإنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا»، فجعل حرمة البلد الحرام مقياساً تُعرف به حرمة الإنسان، فلا ينفصل تعظيم المقدسات عن صيانة الدماء، ولا يستقيم أن يرفع أحدٌ صوته بمحبّة الحرمات، ثم يمدّ يده إلى انتهاكها.


غير أنّ الشعارات، حين يغيب هذا الميزان، تنقل اهتمامنا من حقّ الضحية إلى رواية المعتدي، فننشغل بما يقوله عن نواياه، ونغفل عمّا فعلته يداه، والقضايا العادلة لا تمنح أحداً رخصةً في دماء الناس، فمن يزعم نصرة المظلوم لا يحقّ له أن يصنع مظلومين جدداً، ومن يستند إلى مظلومية شعب لا يستطيع أن يجعلها مبرّراً لترويع شعب آخر.


وقد بدأ البيان باستهداف المدنيين والمنشآت المدنية في اليمن الشقيق، ليبقى اليمنيون حاضرين بوصفهم ضحايا لهذا العدوان، فالمليشيا لا تختصر اليمن، ولا تمثّل جرائمها أهله، والخلط بين الشعب ومن تسلّط عليه يطمس معاناة الضحايا، ويمنح الجاني فرصة التحدّث باسم من يقهرهم، لذلك فإنّ وضوح موقفنا من جرائم الحوثي يقتضي وضوحاً مماثلاً في الوقوف مع اليمنيين، وحقّهم في الحياة الآمنة.


وحين يتناول البيان محاولة استهداف مكة المكرمة والمدينة المنورة، فإنّه يضع المسلمين أمام مسؤولية تتّصل بأقدس ما يجمعهم، وقد قال الله تعالى في المسجد الحرام: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾، فالمقيم والقادم يشتركان في حقّ قصده، وجاء الوعيد في الآية نفسها: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُّذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]، فإذا كان الوعيد قد تناول إرادة الإلحاد في الحرم بظلم، فكيف بمن تجاوزها إلى إعداد السلاح ومحاولة الاعتداء؟ إنّ ذلك يكشف جسامة العدوان على المكان وقاصديه.


وقد أكّد البيان أنّ الله ردّ كيدهم في نحورهم، ومنّ بيقظة الدفاع الجوي السعودي وكفاءة قواتنا المسلحة، غير أنّ إحباط المحاولة يحول دون وقوع ضررها المقصود، ولا يمحو مسؤولية مرتكبيها، فنجاة المستهدف لا تمنح المعتدي براءة.


للأمن معنى يعرفه الناس في تفاصيل يومهم، أن يخرج الأب إلى عمله مطمئناً على أسرته، وأن ينام الطفل دون أن يتحوّل الليل إلى انتظار للخطر، وأن يطوف الحاجّ والمعتمر وقلبه مشغول بعبادته، وأن يقصد المسلم مسجد رسول الله ﷺ آمناً، هذه الحياة الطبيعية يحرسها رجال يتحمّلون مسؤوليتهم كي تبقى الطمأنينة مألوفةً في حياة الآخرين.


وهنا يظهر الفرق بين منطق الدولة ومنطق المليشيا، فمسؤولية الدولة أن تحمل السلاح لصيانة الحرمات، بينما تستخدمه مليشيا الحوثي في انتهاكها، وقرار الدفاع عن الوطن وإدارة عملياته مسؤولية الدولة ومؤسساتها تحت قيادتها، أمّا مسؤوليتنا فهي مساندتها بالوعي والثبات، وبتحرّي الخبر، ورفض الشائعة، والحفاظ على وحدة الموقف، وترك السجالات التي تصرف الأنظار عن المعتدي.


ودعوة الهيئة المسلمين إلى إنكار هذه الجرائم، والوقوف صفّاً واحداً في وجه من يعتدي على مقدساتهم، تنقل التضامن إلى امتحانه العملي، فقد تختلف القراءات السياسية، لكنّ الاختلاف لا يغيّر حرمة نفس معصومة، ولا يمنح العدوان وجهاً مقبولاً، وإعلان تعظيم الحرمات يسهل في أوقات السكينة، أمّا صدقه فيظهر حين يُعتدى عليها، ويصبح للموقف ثمن.


كلمة آخر السطر:


من يسأل عن شعار القاتل قبل أن يسأل عن دم القتيل، فقد منح الشعار حرمةً سلبها من الإنسان، ومن صدق تعظيم المقدسات ألّا يُترك حارسها وحده.

00:36 | 25-10-2026

«وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ»

للصاروخ لحظةٌ يراه فيها الجميع، ورحلةٌ لا تظهر في الصورة، قبل أن يبلغ سماء الآمنين، مرّ بقرارٍ وتمويلٍ ومعرفةٍ وإمداد، وانتظر في مخزنٍ قبل أن يستقرّ على منصة، ثم اختُصرت الحكاية في اسم مَن أطلقه، وحين جاء الردّ، أراد بعضهم أن تبدأ الحكاية من هناك، من النار التي أصابت مصادر العدوان، لا من النار التي أُرسلت إلى الناس، كأن للمعتدي حقّ حذف الصفحات الأولى، ثم مطالبة العالم بالحكم على الصفحة الأخيرة.

وفي الصفحات الأولى اعتداءات الحوثي على مطار الملك خالد الدولي في الرياض، ضمن تصعيدٍ شمل تهديد منشآت الطاقة في المملكة، وجاءت ضربات التحالف على مصادر المجهود الحربي للجماعة رداً على الاعتداءات وسعياً لمنع تجدّدها، فالأمن الذي استُهدف ليس كلمةً في بيان، إنه مسافرٌ يحمل حياةً صغيرةً في حقيبة، موعداً ينتظره، ووجهاً يشتاق إليه، وهديةً يعرف أين سيضعها حين يصل، وعاملٌ يخرج إلى منشأةٍ ترتبط بعملها مصالح الملايين، مطمئناً إلى أنه سيعود.

حين تُستهدف هذه التفاصيل، لا يكفي ترميم المكان، فالجدار يُصلح، لكن البيت الذي فقد أحد أهله لن يستعيد أيامه كما كانت، وإنصاف الضحايا يقتضي ألّا يبقى سواهم تحت الاحتمال نفسه، وفي قوله تعالى «وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ»، تتقدّم الحياة غايةً يصونها العدل، وبهذا يصير للردع وجهٌ نعرفه، الطفل الذي لن يتعلّم انتظار الغائب، والمسافر الذي سيبقى اسمه على التذكرة، دون أن ينتقل إلى قائمة الضحايا، فالانتصار للأبرياء يمتدّ من حفظ حقّ مَن رحل إلى حماية مَن بقي.

وفوق منصة الإطلاق يبقى سؤالٌ بعد كل اعتراضٍ ناجح، ماذا عن المقذوف التالي، يستطيع الدفاع أن يُسقط صاروخاً، لكن المعتدي الذي يطمئن إلى مخزونه يعدّ إخفاقه موعداً مؤجلاً، ويراهن على إنهاك الآخرين بالمحاولة بعد المحاولة، لذلك تتصل حماية السماء بما يجري على الأرض، حيث أعلنت قيادة التحالف استهداف مواقع تُستخدم لتغذية المجهود الحربي الحوثي، من مرافق الوقود والتخزين والنقل، إنها الحلقات التي تمنح قرار الاعتداء وسيلة تنفيذه، وتعطيلها يضع أمام صاحبه كلفةً كان يريد إلقاءها كاملةً على الآخرين، مع بقاء حماية المدنيين وموارد معيشتهم في صميم الغاية، أن تضيق قدرة الحرب، وتتسع قدرة الناس على الحياة.

غير أن المخزن ليس أول الرحلة، خلفه طريقٌ ينتظر أن يُفتح، وشحنةٌ يُراهن على وصولها، وهنا تكتسب المشاهد التي نشرها المتحدث باسم التحالف عن استهداف وسائل تهريب الأسلحة معناها، وسائط بحرية وعربات نقل وأسلحة مهرّبة، وإشاراتٌ إلى دور «جماعات الجريمة المنظمة» في الإمداد، وتضييق هذه الحلقات يصيب الوعد الخفي الذي يلي كل خسارة، الوعد بأن البديل سيصل، وأن المخزن سيمتلئ مجدداً، وأن استمرار القتال مسألة انتظار، وحين يصبح وصول الشحنة موضع شك، يدخل الشك في الحساب الذي بُني عليها، ويتحوّل الطريق الذي منح المعتدي طمأنينته إلى عبءٍ على مَن يرسل، ومَن ينقل، ومَن ينتظر.

ووراء الطريق سؤالٌ عن المعرفة التي تُنقل، والمصلحة التي تُخدم، هنا تحضر الإشارة إلى مساعدة «أطراف إقليمية» في امتلاك تقنيات متقدمة، كما وردت في ملخّص مؤتمر المتحدث باسم التحالف، بعض المسافات تُخفي العلاقة أكثر مما تقطعها، وبعض المصالح تلتقي دون أن تتشابه شعاراتها، وفي شبكات الإمداد تتوزّع الأدوار، جهةٌ تستفيد، ووسيطٌ ينقل، وجماعةٌ تطلق، وشعبٌ يدفع، حتى يبدو كل طرفٍ بعيداً عن النتيجة التي أسهم في صنعها، لكن المسافة بين اليد والأثر لا تُلغي الصلة، ولا تختصر الحكايةَ اليدُ الأخيرة التي ضغطت الزرّ، ويبقى السؤال عمّن يخسر إذا عاد اليمن إلى دولته، واستعادت المنطقة طمأنينتها.

ويأتي إعلان التحالف عن اعتراض صاروخٍ مجنّح بمنطقة المدينة المنورة، بما لها من حرمةٍ ومكانةٍ في وجدان المسلمين، ضمن إعلانات التصدي لاعتداءاتٍ بالصواريخ والمسيّرات استمرّت بعد ضرب مصادر المجهود الحربي الحوثي، فالمحاولة التي أُحبطت تظلّ قراراً بالاعتداء، والنجاة التي تحققت تظلّ ثمرةً لجهدٍ يحمي الناس، والقوة تُقرأ بما تصونه من حياة، وبما تُخرجه من حسابات الابتزاز، فلا يبقى يوم الناس العادي معلّقاً برغبة جماعةٍ في التصعيد، أو بمصلحة جهةٍ في إطالة التوتر.

هنا يلتقي أمن السعودي بحقّ اليمني في استعادة بلاده، فالجماعة التي تهدّد جيران اليمن تصادر مستقبله أيضاً، وتُبقي أهله أسرى لفاتورةٍ لا يملكون قرار إصدارها، والأفق الذي يستحق الرجاء أكبر من مشهد ضربة، دولةٌ يعود قرارها إلى أهلها، ومؤسساتٌ تخدم أصحابها، وموانئ تستقبل أسباب الرزق، وبيوتٌ تستعيد قدرتها على انتظار الغد بطمأنينة، يومها تكون فرحتنا بهزيمة مشروع العدوان فرحةً بما يستردّه الناس من أعمارهم وأمانهم، وبيمنٍ يتّسع لأحلام أهله، بعد أن ضاقت حياتهم بحسابات غيرهم.

نقطة آخر السطر:

أراد المعتدي أن يحذف الصفحات الأولى ويكتب الأخيرة، غير أن الأولى محفوظةٌ في ذاكرة الضحايا، والأخيرة حقٌّ لأهل اليمن، يكتبونها بأيديهم.

00:01 | 18-10-2026

حُرّة.. حتى تختلف

يبدأ الامتحان الحقيقي لتمكين المرأة عند أول قرار تتخذه ولا يعجب المدافعين عن تمكينها، عند تلك اللحظة تحديداً، يتبيّن إن كنا نؤمن بأهليتها للاختيار، أم نحتفي فقط بحسن اختيارها لنا، فالمرأة التي توافقنا لا تكلّف قناعاتنا شيئاً، وإنما تُختبر هذه القناعات حين تقول امرأة مكتملة الوعي: فهمت ما تريدونه، وأريد شيئاً آخر.

لنتخيّل امرأة في مساحة صوتية على وسائل التواصل الاجتماعي، تطالب بفرصة عادلة في التعليم والعمل، وترفض أن يقرر أحد مستقبلها نيابة عنها، فيُحتفى بوعيها، وتُقدَّم مثالاً للمرأة التي عرفت صوتها، ثم تضيف، في المداخلة نفسها، أنها تعتز بدينها، وترى في أسرتها سنداً، ولا تجد في انتمائها الوطني عقبة أمام طموحها، هنا يتغيّر استقبال الكلام، ويبدأ البحث عن تفسير لوعيها «الناقص»، كأنها فقدت صوتها لحظة استعملته في ما لم يكن منتظراً.

ما الذي حدث بين الجملتين؟ لم تتراجع عن مطلب، ولم تمنح أحداً حق إكراهها، كل ما فعلته أنها رفضت أن تدفع من هويتها ثمن الاعتراف بأهليتها، فالذين صدّقوها حين اعترضت على غيرهم، ارتابوا في عقلها حين اعترضت عليهم، قُبل اعتراضها أولاً دليلاً على استقلالها، ثم صار الاعتراض نفسه دليلاً على أنها لم تستقل بعد.

هذه هي «لا» الثانية، تقولها المرأة لمن يريد أن يختار لها شكل تحررها، بعد أن قالت «لا» الأولى لمن ضيّق عليها فرص الحياة، والفارق بين الكلمتين يفضح ما تخفيه الخطب الطويلة، فمن السهل أن تشجّع إنساناً على رفض سلطة سواك، أما أن تقبل حقه في رفض سلطتك، فهناك يبدأ صدقك في الدفاع عنه.

وفي ميراثنا شاهد يضيء هذا الفرق، ففي صحيح البخاري، أن النبي ﷺ قال لبريرة في شأن زوجها مغيث: «لو راجعته»، قالت: «يا رسول الله، تأمرني؟»، قال: «إنما أنا أشفع»، قالت: «لا حاجة لي فيه»، سألت عن صفة الكلام قبل أن تجيب، فلما عرفت أنه شفاعة لا أمراً، اختارت عدم الرجوع، فبقيت الشفاعة شفاعة، وبقي القرار قرارها.

أما الاختطاف فيبدأ حين ينصرف السؤال عن الفرص المتاحة للمرأة، إلى مقدار شبهها بصورة معدّة سلفاً: كيف تبدو، وماذا تلبس، وممّن تقترب، وممّا ينبغي أن تتبرأ، ثم تتحوّل هذه التفاصيل إلى اختبار عبور، تنجح فيه من تطابق الصورة، وتُعاد تربية من تخالفها، تحت لافتة مساعدتها على اكتشاف ذاتها.

وأخطر ما في هذا الاختبار أنه مغلق على نتيجته، إن وافقت قيل إنها واعية، وإن رفضت قيل إن المجتمع يتكلم بلسانها، وإن شرحت أسبابها عُدّ شرحها دليلاً على عمق التأثير فيها، هكذا يصير اتهامها بنقص الوعي حكماً لا يُستأنف، وتصبح الدعوة إلى إسماع صوتها إذناً بالكلام، مشروطاً بألّا يربك الرواية.

نعم، قد تنشأ بعض الاختيارات تحت ضغط الخوف أو الحاجة أو التربية، ومن حق أي نقاش جاد أن يفحص ذلك، لكن هذا الاحتمال لا يمنح طرفاً حق إبطال إرادة كل امرأة تخالفه، فالتأثر بالبيئة لا يخص المحافظات وحدهن، والرغبة في القبول والخوف من السخرية يعملان في الاتجاه الآخر أيضاً، والمعيار العادل يفحص شروط القرار لدى الجميع، ولا يجعل النتيجة التي يحبها شهادة مسبقة على الحرية، فنقد قرار المرأة شيء، وإسقاط أهليتها لاتخاذه شيء آخر.

لهذا يُقاس التمكين بما صار في مقدور المرأة أن تفعله، وبما زال من العوائق أمامها: هل تستطيع أن تتعلم وتعمل، وأن تصل إلى حقها، وأن تحتمي من الإكراه، وأن تراجع قراراً لم يعد يناسبها؟ وهذا المعيار نفسه يمنع العودة إلى القيد القديم، فاحترام اختيارها لا يبرر حرمانها من البدائل، ولا يجمّل قراراً انتُزع بالتهديد، من تختار الأسرة لا تُهان، ومن تختار المهنة لا تُتّهم، ومن تجمع بينهما لا تُكلَّف ببطولة يومية، المطلوب أن تكون الخيارات ممكنة فعلاً، لا أن نختار النتيجة ثم نستخرج لها شهادة رضا.

وفي التجربة السعودية شاهد عملي على معنى توسيع الخيارات، ففي عام 2018 بدأ تطبيق قرار السماح للمرأة بقيادة السيارة، أزالت الدولة مانعاً، وأبقت استعمال الحق لصاحبته، تستطيع أن تقود، وتستطيع أن تختار غير ذلك، وبهذا المعيار تُحمى بقية المكتسبات، فمن حق المرأة أن تطمح من داخل هويتها، وأن تناقش ما يحتاج إلى إصلاح دون اعتذار عن دينها أو وطنها، كما أن الاعتزاز بالخصوصية لا يعفي أي ممارسة من السؤال عن عدلها، فالهوية التي تمنح الإنسان جذوراً لا تصادر خطواته.

والميزان نفسه يصدق في اللباس، فللمرأة أن تختار ما ترتديه في حدود ما يقرّه النظام، وليس لأحد أن يفرض عليها ذوقه الشخصي، فيُلزمها بالنقاب أو يُلزمها بخلعه، فالوصاية لا تتغير حين يتغير اتجاهها.

وللمؤسسات هنا وظيفة أدق من صناعة صورة نموذجية للمرأة: عدالة الفرصة، ووضوح الإجراء، والحماية من التمييز والإكراه، أما أن يتحول التمكين إلى مشروع لتوحيد سِيَر النساء، فذلك يفرغ الفرص من معناها، نحن نوسّع التعليم لأن العقول مختلفة، ونفتح المجالات لأن الطموحات متعددة، فما قيمة هذا الاتساع كله إذا انتهى إلى امرأة واحدة، تتكرر بأسماء كثيرة؟

ولنعد إلى المرأة في تلك المساحة، فهي لا تحتاج محاضرة أخرى عن الشجاعة، بل تحتاج أن يحتمل محاوروها شجاعتها حين لا تخدم توقعاتهم، وأن يسمعوا «لا» الثانية بالاحترام الذي استقبلوا به الأولى، فالحق الذي يتوقف عند حدود الجماعة يصير مكافأة عضوية، والكرامة التي تُسحب عند الاختلاف لم تكن مضمونة أصلاً.

قد تُسلب المرأة قرارها بعبارة «نحن أدرى بمصلحتك»، وقد يُسلب بعبارة أكثر أناقة: «نحن أدرى بحريتك»، تتغير اللغة، ويبقى موضعها واحداً: موضوعاً يتصرف فيه الآخرون، لذلك لا يكتمل التمكين إلا حين يصبح بوسعها أن ترفض الوصاية، بما فيها الوصاية التي تطلب منها التصفيق لأنها جاءت لإنقاذها.

نقطة آخر السطر:

إذا انتهت حريتها حين تختلف معك.. فأنت تطلب طاعتها باسم الحرية. وتمكينٌ لا يحتمل «لا» الثانية، ليس سوى قرارك بصوتها.

00:01 | 11-10-2026

مَن فوّضك؟

أسهل طريقة لتمرير رأي ضعيف، أن تجعله يرتدي اسم مشروع كبير، تقول ما تريد، ثم تترك للاسم مهمة إسكات المعترضين، فإذا سُئلت عن حجتك، أجبت عن إخلاصك للمشروع، وإذا نوقشت في استنتاجك، نقلت النقاش إلى موقف الآخرين من المستقبل، هكذا يختفي صاحب الرأي خلف الرؤية، ويصبح مطلوباً من الناس أن يناقشوا قناعته الشخصية كما لو كانت قراراً وطنياً واجب التسليم.

هنا تحديداً يأتي السؤال: مَن فوّضك؟ بأي صفة تنتقل من تأييد رؤية السعودية إلى احتكار تفسيرها، ومن المشاركة في مشروعها إلى توزيع شهادات الانتماء إليه؟ فبين أن تقول «أرى»، وأن تقول «هذا ما تريده الدولة»، مسافة لا تعبرها كثرة الحماسة، ولا ارتفاع الصوت، ولا قدرتك على إحراج مَن يخالفك أمام جمهور لا يملك وقتاً لتفكيك هذا الخلط.

الرؤية لها أهداف معلنة يمكن الرجوع إليها، ومن بينها «تعزيز القيم الإسلامية والهوية الوطنية»، إلى جانب قيم الوسطية والتسامح، وهذا شاهد ينبغي أن يبقى على الطاولة كلما حاول أحد تصوير التنمية باعتبارها خصومة مع هوية المجتمع، فمَن ينسب إلى المشروع ما يناقض أحد أهدافه، عليه أن يفسّر التناقض قبل أن يطالب الناس بتصديق نسبته.

المشكلة تبدأ حين تصبح عبارة «مع الرؤية» مظلة يوضع تحتها كل شيء، رأي في الأسرة، وحكم على المجتمع، وموقف من التاريخ، وذائقة في الفنون، ثم تُقدَّم هذه الحزمة كاملة باعتبارها الطريق الوحيد إلى المستقبل، مع أن الانتقال من هدف تنموي إلى حكم ثقافي يحتاج حجة تخصّه، ولا يكفي أن تكون المقدمة وطنية حتى تصبح كل نتيجة تُعلَّق عليها صحيحة.

خذ مثالاً بسيطاً، إتاحة نشاط تعني أن باب المشاركة فيه أصبح مفتوحاً، لكنها لا تجعل المشاركة اختباراً لوعي المواطن، ولا تمنح أحداً حق السخرية ممن يختار غيره، فإذا تحولت الخيارات إلى امتحان اجتماعي، وصار الإنسان مطالباً بتغيير ذائقته ليثبت انفتاحه، فقد أُعيد بناء الوصاية داخل اللغة التي تزعم تحريره منها، وصارت الحرية اسماً جديداً للطاعة المطلوبة.

وفي هذه المسافة تتسلل الأيديولوجيا، حين يُستبدل السؤال عن منفعة الفكرة بالسؤال عن أهلية المعترض، وحين يُقسَّم الناس إلى فئة تفهم العصر وأخرى ينبغي تجاوزها، وحين يُعامل المجتمع بوصفه خطأ ينتظر التصحيح الشامل، هذه طريقة تفكير قديمة مهما استعارت من مفردات الحداثة، فمَن يحتكر الحقيقة اليوم لا يصبح أكثر انفتاحاً لأن قاموسه مختلف عن قاموس مَن احتكرها بالأمس.

لنعد إلى الشاهد، «تعزيز القيم الإسلامية والهوية الوطنية»، وجود هذا الهدف في صلب الرؤية يُسقط الحيلة التي تجعل الاعتزاز بالجذور قرينة على العجز عن مواكبة التحول، فكيف يصبح ما تريد الرؤية تعزيزه شيئاً ينبغي للمواطن أن يعتذر عنه؟ وكيف يحتكر تمثيل المستقبل مَن يضع الناس أمام خيار مصطنع بين النجاح في عصرهم والوفاء لانتمائهم؟

وهذا لا يمنح أي عادة حصانة من النقد، فالمجتمع الحي يراجع أخطاءه، ويصلح ممارساته، ويوسّع فرص أبنائه وبناته، لكن النقد الجاد يسمّي الخلل ويثبت ضرره ويقترح إصلاحه، أما إصدار حكم ازدراء على مجتمع كامل، ثم تقديم هذا الازدراء باعتباره وعياً متقدماً، فلا يضيف إلى التنمية معرفة، بقدر ما يضيف إلى العلاقة بين الناس خصومة مجانية.

كذلك، لا تُدان الفكرة لأنها جاءت من خارج حدودنا، فالمعرفة الإنسانية أوسع من الجغرافيا، والاستفادة منها دليل قدرة على التعلم، إنما تُسأل الفكرة عما تصلحه هنا، وعن الثمن الذي تطلبه، وعن صلاحية افتراضاتها لواقعنا، أما استيراد خصومات جاهزة، ثم البحث لها عن أطراف محلية، فهو إلزام للمجتمع بأن يعيش أزمة لم ينتجها، كي تجد الأيديولوجيا المستوردة عملاً تؤديه.

ونجاح مشروع وطني لا يثبت صحة كل أيديولوجيا يرفع أصحابها شعاره، فمَن يريد أن ينسب الإنجاز إلى أفكاره مطالب بإثبات إسهامها فيه، كما أن مَن يعرض علينا خصومة ثقافية بوصفها شرطاً للتنمية مطالب بإثبات هذه الضرورة، إذ لا يجوز أن يتحول جهد المؤسسات والمواطنين إلى رصيد مجاني يستخدمه فريق لمنح قناعاته حصانة لم تستحقها بالحجة.

وعلى مَن يربط أجندته بالرؤية، أن يجيب عن أسئلة محددة، أين النص الذي يسند هذه النسبة؟ وما الصلة المنطقية بين الهدف المعلن والنتيجة التي تفرضها؟ وبأي معيار سنعرف أن مقترحك خدم المواطن؟ هذه الأسئلة تعيد النقاش إلى موضعه الطبيعي، حيث يقدّم صاحب الفكرة دليله، ويتحمل مسؤولية قوله، ويقبل أن يكون اجتهاده قابلاً للخطأ والمراجعة.

أما الرد على الأسئلة باتهام السائل بأنه ضد التغيير، فهو تهرّب يكشف ضعف الحجة، لأن الرؤية لا تحتاج أن نجعل كل رأي يُلصق بها فوق النقاش، ولأن حماية مشروع وطني من التحريف تبدأ بإبقاء الفارق واضحاً بين أهدافه وتأويلات الناس له، وبين ما قررته مؤسساته وما يتمناه متحدث باسمه من تلقاء نفسه.

إن تحويل الاختلاف مع فرد إلى شبهة موقف من الدولة يحمّل الدولة تبعات أقوال لم تقلها، وينسب إليها خصومات لا يلزم أن تكون خصوماتها، ويجعل اسمها طرفاً في كل مشادة ثقافية، وتلك إساءة إلى المعنى السيادي للمشروع، فالمصلحة الوطنية أوسع من انتصار كاتب في جدال، وأكبر من حاجة تيار إلى إعلان غلبته على الآخرين.

مَن يثق بفكرته يستطيع أن يطرحها باسمه، ومَن يملك حجة يستطيع أن يعرضها دون استعارة هيبة أحد، لذلك يظل سؤال «مَن فوّضك؟» ضرورياً كلما جرى رفع رأي شخصي إلى مقام الإرادة الوطنية، إنه سؤال عن ادّعاء التمثيل، يطالب صاحب الكلام بأن يقف أمام الناس بحجته كاملة، وبمسؤوليته كاملة، دون أن يجعل الرؤية تتلقى عنه الاعتراض.

نقطة آخر السطر

الرؤية مشروع دولة، ومَن يجعل رأيه الشخصي أمراً باسمها، فليُبرز تفويضه قبل أن يطالب الناس بالامتثال.

00:02 | 4-10-2026

الجواب ما تراه.. لا ما تسمعه

نعيش زمناً صار فيه الصمت تهمة، والتأخر في الرد ضعفاً، والامتناع عن التعليق ارتباكاً، حتى بدا كأن الدول مطالبة بأن تفتح هاتفها كل صباح، لتثبت للجمهور أنها ما زالت تعرف ماذا تفعل.

خبرٌ ينتشر، فيُقال: لماذا لم ترد الدولة؟

إشاعةٌ تُطلق، فيُقال: أين البيان؟

خصمٌ يستفز، فيُقال: لماذا الصمت؟

ثم يقع حدثٌ أمني أو سياسي، فتسبق الأسئلة تفاصيله: ماذا ستفعل الدولة، ومتى، وأين، وكيف، وبأي حجم؟

كأن إدارة الدول مؤتمر صحفي مفتوح، وكأن السيادة مطالبة بأن تشرح خطتها قبل أن تنفذها.

السؤال ليس المشكلة، فمن حق المواطن أن يعرف ما يمس أمنه، ورزقه، ومستقبله، لكن الخلل يبدأ حين نخلط بين أمرين مختلفين تماماً: حق المواطن في أن يعرف ما وقع، ورغبة الجمهور في أن يعرف ما سيقع..

فالأول حق.. والثاني ليس حقاً لأحد.

والسبب بسيط، لكنه يضيع في ضجيج المنصات: البيان لا يُكتب لقارئ واحد.

الجملة التي تطمئن بها الدولة مواطنها، يقرؤها خصمها في اللحظة نفسها، ويبني عليها حساباته، فكل نيةٍ تُعلن تتحول إلى معلومةٍ مجانية، وكل ردٍ يُشرح قبل وقوعه ينتقل من دائرة المفاجأة إلى موعد يستطيع الخصم الاستعداد له.

لهذا، فالصمت السيادي ليس فراغاً في الموقف، بل قد يكون جزءاً منه، وفرقٌ كبير بين دولةٍ لا تعرف ماذا تقول، ودولةٍ تعرف تماماً لماذا لا تقول، الأولى مرتبكة، والثانية تدير كلماتها كما تدير أدوات قوتها.

ويُروى عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه: «الكلام في وثاقك ما لم تتكلم به، فإذا تكلمت به صرت في وثاقه»، وهي حكمة تصدق على الدول أضعاف ما تصدق على الأفراد، لأن الكلمة في السياسة ليست صوتاً يخرج ثم ينتهي، بل موقفٌ قد يضيّق مساحة الحركة، ويكشف بعض الخيارات، ويرسم للخصم خريطةً يتحرك عليها.

ولعل أكبر أوهام عصر المنصات وهم السرعة، إذ صرنا نقيس المؤسسات بالثواني، ونطالب السياسة بإيقاع «الترند»، ونريد من غرف القرار أن تتحرك بسرعة غرف الدردشة.

لكن الدول لا تُدار بهذه الطريقة..

ما يصل إلى المواطن خبر، وما يصل إلى الدولة ملف، وما نراه حادثةً منفردة قد تراه مؤسساتها حلقةً في سلسلة، وما يبدو لنا مستحقاً لردٍ فوري، قد تكون قيمته الحقيقية في اختيار اللحظة التي يصبح فيها الرد أبلغ أثراً، وأقل كلفة.

وهنا يظهر الفارق بين الانفعال والقرار، الانفعال يريد أن يُسمع صوته الآن، والقرار يريد أن تتحقق نتيجته، ولو تأخر صوته.

وفي التاريخ شاهدٌ اختصر هذه الفكرة قبل قرون، حين كتب نقفور، ملك الروم، إلى هارون الرشيد متحدياً، لم يدخل الرشيد معه في سجال طويل، بل كتب إليه: «والجواب ما تراه دون أن تسمعه»، ثم سار بجيشه.

عبارةٌ قصيرة بقيت في الذاكرة، لأن قيمتها لم تكن في بلاغتها وحدها، بل في أن الفعل جاء بعدها يحمل معناها.

ولهذا لا تُقاس هيبة الدول بارتفاع نبرة بياناتها، ولا بعدد السجالات التي تدخلها، فالهيبة أن يعرف الآخر حدودك قبل أن تشرحها له، وأن يقرأ ردك قبل أن تعلنه.

وفي التجربة السعودية، لا تحتاج الدولة في كل مرة إلى رفع صوتها كي يُسمع موقفها، فالسياسة السعودية بنت عبر تاريخها لغةً لا تفصل الكلمة عن حسابها، ولا تجعل الضجيج بديلاً عن الفعل، وحين تتطلب المصلحة الكلام تتكلم، وحين تتطلب المصلحة أن يبقى القرار في غرفته، لا تستدرجها ضوضاء الخارج إلى كشفه.

وليست هذه دعوةً إلى الصمت الدائم، فالصمت ليس فضيلةً في ذاته، كما أن الكلام ليس ضعفاً في ذاته.

الضابط أبسط من ذلك وأدق: ما يمس حياة الناس، وأمنهم، وأرزاقهم تُشرح وقائعه، وما يمس حسابات الخصم تُحفظ نواياه.

الدولة الرشيدة تكشف الوقائع، وتكتم النوايا،

بهذا المعنى لا يكون الصمت نقيضاً للشفافية، فالشفافية أن يرى المواطن ما يعنيه، لا أن يرى الخصم ما ينتظره.

والمؤسسات الواثقة لا تتكلم لأنها استُفزت، بل لأنها قررت أن الكلام في تلك اللحظة يخدم المصلحة.

والقاعدة ليست سياسيةً وحدها، ففي حياتنا الشخصية، أكثر الناس حاجةً إلى شرح أنفسهم هم الذين جعلوا رضا الآخرين ميزاناً لصواب مواقفهم، أما من يعرف نفسه فلا يحمل ملف دفاعه معه أينما ذهب.

فكيف بدولة؟

الدولة التي تعرف قوتها، ومصالحها، وخصومها، وحلفاءها ليست مضطرةً إلى تحويل غرفة عملياتها إلى غرفة زجاجية، ولا إلى كشف أوراقها لتطمئن جمهوراً استعجل النتيجة، أو خصماً يستدرجها إلى التوقيت الذي يناسبه.

أحياناً يكون الرد بياناً.

وأحياناً يكون قراراً.

وأحياناً يكون تغييراً في معادلة كاملة، لا تعرف أن الدولة ردّت إلا حين يكتشف الطرف الآخر أن الأشياء لم تعد كما كانت.

فالسيادة ليست عرضاً يومياً على المنصات، وليس كل ما لم نسمعه لم يحدث.

نقطة آخر السطر:

الدول التي تعرف قدرها لا تُهدر هيبتها في شرح ما ستفعل، تقول حين يكون القول فعلاً، وتصمت حين يكون الصمت فعلاً، فإذا جاء الرد، كان الجواب ما تراه، لا ما تسمعه.

00:00 | 27-09-2026

الطابور الخامس.. حين انتقل إلى جوالك

كان «الطابور الخامس» في صورته القديمة، يحتاج إلى رجالٍ يعملون في الظل، ورسائل سرية، واتصالات خفية، وشبكة تتحرك داخل المجتمع لخدمة هدف يأتيه من الخارج.

أما اليوم، فقد تغيّرت الأدوات.. ولم يعد ضرورياً أن يحمل أحدهم جهاز اتصالٍ سرياً، يكفي جوال، وحساب، ومساحة صوتية، وخبرٌ بلا مصدر، ومقطعٌ مبتور، وبضعة آلاف من المتابعين، ثم خوارزمية لا تسأل عن الحقيقة بقدر ما تكافئ التفاعل.

هكذا انتقلت إحدى أخطر جبهات الصراع من الخريطة إلى الشاشة، لكن يجب أن نضع فاصلاً مهماً منذ البداية، لأن الكلمات الكبيرة تفقد قيمتها حين تُستخدم بلا دقة، ليس كل ناقدٍ طابوراً خامساً، وليس كل مختلفٍ خائناً، وليست كل معلومة خاطئة مؤامرة، فالخطأ موجود، والجهل موجود، والاستعجال موجود، والبحث عن الشهرة موجود.

الحديث هنا عن الوظيفة قبل الأشخاص، عن سلوكٍ إعلامي تكون نتيجته العملية إضعاف الثقة، وتضخيم رواية الخصم، وإرباك الداخل، سواء كان فاعله مدركاً لما يفعل، أم مجرد حلقةٍ في سلسلة لا يعرف بدايتها.

وهنا تكمن خطورة النسخة الرقمية من الطابور الخامس..

فهي لا تحتاج دائماً إلى إقناع المواطن بأن خصمه على حق، يكفي أن تقنعه بأن دولته دائماً على خطأ، ولا تحتاج إلى إسقاط الحقيقة، يكفي أن تضع بجوارها عشر أكاذيب حتى يصبح الوصول إليها مرهقاً، ولا تحتاج إلى صناعة رواية متماسكة، يكفي أن تصنع ضجيجاً يجعل كل رواية موضع شك.

هذه هي «حرب الإدراك»، وأخطر أسلحتها ليس الكذب الصريح دائماً، بل نصف الحقيقة..

صورة صحيحة بتاريخٍ كاذب، ومقطع حقيقي منزوع من سياقه، وتصريح اجتزئت منه جملة، وسؤالٌ خبيث يبدأ بـ«هل صحيح؟»، وخبر مجهول يسبقه «عاجل»، ثم تأتي المرحلة الأخطر، حين ينتقل المحتوى من الحساب الذي صنعه إلى حسابات حقيقية يثق بها الناس.

عندها يكون التضليل قد حقق أعظم انتصاراته، وجد من يحمله مجاناً..

وفي أوقات الأزمات تصبح المسألة أكثر حساسية، لأن سرعة الحدث تتجاوز أحياناً سرعة التحقق، والإنسان بطبيعته يبحث عن المعلومة التي تفسر له ما يحدث، وهنا يدخل من يريد التأثير على الوعي من المسافة القصيرة بين السؤال والجواب.

لهذا لم يعد الأمن الوطني في العصر الرقمي متعلقاً فقط بحماية الحدود المادية، فهناك حدود أخرى لا تظهر على أي خريطة، حدود الثقة، والوعي، والإدراك العام.

والمملكة لم تنتظر حتى يتحول التضليل إلى أزمة كي تتحرك، ففي «مبادئ الذكاء الاصطناعي في الإعلام» التي أطلقتها وزارة الإعلام بالشراكة مع «سدايا»، حضرت المصداقية، وسلامة المعلومات، ومكافحة المحتوى المضلل، والمسؤولية البشرية، وما كان يحتاج إلى متخصصٍ لتزوير صورةٍ مقنعة أصبح اليوم متاحاً للجميع خلال دقائق، صورة، وصوتاً، وفيديو، حتى لم تعد العين وحدها كافية للحكم على الحقيقة.

وهنا يصبح السؤال، من يحرس الجبهة التي لا تظهر على الخريطة؟

الدولة تحمي مجالها الجوي، وقواتها المسلحة تحمي حدودها، وأجهزتها الأمنية تقوم بواجبها، لكن المجال المعلوماتي مختلف، لأن جزءاً من بواباته موجود في يد كل واحدٍ منا..

زر «إعادة النشر» بوابة، و«الإعجاب» بوابة، وتضخيم رواية مجهولة بوابة، والنشر لمجرد الموافقة بوابة.

ليس المطلوب من المواطن أن يتحول إلى رقيب، ولا أن يصمت، ولا أن يتخلى عن حقه في السؤال والنقد، فالمجتمع الواثق لا يخاف من السؤال، لكن هناك فرقاً هائلاً بين السؤال والتسويق، وبين النقد والتضليل، وبين الاختلاف مع رأيٍ داخل الوطن، ومنح رواية خصمٍ خارجي منصةً داخل الوطن.

وهنا يقع الخط الفاصل الذي يجب ألّا نخطئ قراءته..

الطابور الخامس الحديث قد لا يقول لك «صدّق عدوك»، سيقول شيئاً أكثر ذكاءً «لا تصدق أحداً»، وقد لا يطلب منك مهاجمة وطنك، يكفيه أن يجعلك تشك في كل مؤسسة، وتسخر من كل مصدر رسمي، وتبحث عن تفسير الأحداث لدى حساب مجهول، ثم تمنح المجهول صدقيةً لأنه قال لك ما تريد سماعه.

وعندما يصبح «المجهول» أكثر إقناعاً من المعلومة القابلة للتحقق، تكون الجبهة قد اختُرقت من دون طلقة واحدة.

لهذا فإن الوعي الوطني ليس شعاراً، ولا صورة علم، ولا هاشتاقاً يرتفع ساعة الأزمة ثم يختفي..

الوعي الوطني ممارسة، وله في ديننا أصلٌ سبق مصطلحات الحرب الحديثة بقرون، «التبيّن»:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾،

فالأمة التي جعلت للخبر إسناداً، وللرواة نقداً، وللنقل مراتب، عرفت مبكراً أن وصول المعلومة لا يعني صحتها.

والمفارقة أن في قلب ما نسميه اليوم «مكافحة التضليل» قاعدةً سبقت المصطلح بقرون، لا تصدّق لمجرد وصول النبأ، ولا تنشر لمجرد موافقته لهواك..

أن تسأل قبل أن تنشر، وأن تتحقق قبل أن تتهم، وأن تفرّق بين الخبر والرأي.

وأن تعرف أن كثرة إعادة التغريد لا تحول الكذبة إلى حقيقة، وأن ارتفاع الصوت لا يصنع مصدراً، وأن من يقول «وصلني من مصدر خاص» لم يقدم لك دليلاً، بل طلب منك أن تعيره ثقتك.

وربما تكون المفارقة الكبرى أن الطابور الخامس في الماضي كان يخشى أن يُكتشف، أما نسخته الرقمية فقد تبحث عن أكبر عددٍ من المشاهدات.

كان يعمل في السر، وأصبحت بعض وظائفه تؤدى أمام الجميع، وكان يحتاج إلى تجنيد الأشخاص، وأصبحت الخوارزمية قادرةً على حمل الرواية إلى آلاف الناس في دقائق.

هنا تصبح المسألة أخطر من كذبة، إنها معركة على طريقة تكوين الحقيقة في أذهان الناس، على كيف نعرف، وممن نأخذ، ولماذا نصدق، ومن المستفيد حين نعيد النشر.

لذلك، في الجبهة التي لا تظهر على الخريطة، قد لا يُطلب منك أن تحمل سلاحاً للدفاع عن وطنك، أحياناً يكفي ألّا تحمل سلاح خصمك من حيث لا تدري.

نقطة آخر السطر:

الطابور الخامس القديم كان يبحث عن ثغرةٍ في حدود الوطن، أما نسخته الرقمية الجديدة فتبحث عن ثغرةٍ في وعي المواطن، فلا تكن أنت الثغرة.

00:00 | 20-09-2026

لن تختاروا لنا لحظة القرار

من أسوأ الأخطاء في السياسة، أن تقرأ هدوء دولة واثقة باعتباره تردداً، والأسوأ أن تبني على هذا الخطأ قراراً، فالدول لا تُقاس بحجم الضجيج الذي تصنعه عند كل استفزاز، ولا بعدد المرات التي تلوّح فيها بقوتها، بل بقدرتها على أن تعرف متى تتجاهل، ومتى تتحرك، ومتى تجعل الطرف الآخر يكتشف ـ متأخراً ـ أنه أخطأ في حساب المسافة بين الحلم والقرار.

وهذه تحديداً إحدى أكثر الزوايا التي يُساء من خلالها فهم السعودية، هناك من يعتقد أن ضبط النفس ضعف، وأن منح السياسة فرصتها تردد، وأن تأجيل المواجهة عجز عن خوضها، وهي قراءة قد تصلح لدول تعيش على ردود الأفعال، لكنها لا تصلح لدولة تعرف ماذا تريد، وتملك من عناصر القوة ما يجعلها غير مضطرة إلى إثبات قوتها كل صباح.

«السعودية لا تتأخر في الرد.. السعودية ترفض أن يحدد خصمها موعد ردها».

والفارق بين العبارتين هو الفارق بين دولة تدير قرارها، وطرف يحاول جرّها إلى قراره، فالسيادة ليست مجرد امتلاك القدرة، بل امتلاك الإرادة التي تقرر متى تستخدم هذه القدرة، ولعل العربية نفسها تمنحنا معنى أعمق، فـ«السيادة» تتصل بـ«السؤدد»، والسيد في الموروث العربي لم يكن صاحب البأس وحده، بل صاحب الحلم أيضاً، القادر على الغضب ثم القادر على تأجيل غضبه، لأن القوة التي لا تستطيع التحكم بنفسها تتحول، مهما عظمت، إلى رد فعل.

وفي منطقة تتكاثر فيها الأزمات، وتتقاطع فوق خرائطها المصالح، وتتسابق أطراف كثيرة على إشعال الحريق ثم اختيار مكانه وتوقيته، تصبح القدرة على عدم الانجرار نوعاً متقدماً من القوة، لأن الاستفزاز، في كثير من الأحيان، ليس هو الهدف، بل رد الفعل عليه.

قد يريد خصمك منك أن تغضب الآن، وأن تتحرك الآن، وأن تختار الساحة التي أعدّها لك، وأن تدفع الكلفة التي حسبها مسبقاً، فإذا فعلت ذلك فقد تكون امتلكت القوة، لكنه امتلك توقيتها، والدول ذات الهيبة لا تمنح خصومها هذا الامتياز، فالهيبة سكون يُهاب، لا ضجيج يُسمع، وحضور لا يحتاج إلى أن يعيد إثبات نفسه عند كل استفزاز.

السعودية اليوم لا تحمي حدوداً جغرافية فقط، خلف هذه الحدود مشروع وطني ضخم، واقتصاد يتوسع، ومجتمع يتحول، واستثمارات تمتد لعقود، ومدن تُبنى، وأجيال تعيد تعريف علاقتها بالمستقبل، ولهذا تغيّر معنى الأمن نفسه، فلم يعد مجرد منع خطر من عبور الحدود، بل أصبح حماية للمستقبل من أن تختطفه أزمات الماضي.

وهنا تظهر طبقات السيادة بوضوح، سيادة على الأرض تحفظ الوجود، وسيادة على القرار تحفظ الإرادة، وسيادة على اللحظة تحفظ حرية استخدام القرار، والأخيرة هي التي تمنع الخصم من أن يحوّل قوتك إلى أداة تعمل وفق توقيته.

ومن هنا يمكن فهم كثير من السياسة السعودية، ليست المسألة بحثاً عن الهدوء بأي ثمن، وليست رغبة في المواجهة بأي ثمن، إنما هي إبقاء القرار السعودي داخل الرياض، لا في عاصمة أخرى، ولا في غرفة عمليات خصم، ولا تحت ضغط عنوان عاجل، ولا رهينة لاستفزاز عابر.

أن تملك سلاحك يعني أن لديك القدرة، وأن تملك قرار استخدامه يعني أن لديك الإرادة، أما السيادة الكاملة فهي أن تملك اللحظة أيضاً، فلا يحدد لك خصم متى تغضب، ولا متى تهدأ، ولا متى تتحرك، لأن الدولة التي تسمح لخصمها بتحديد توقيت قرارها تكون قد منحته جزءاً من القرار نفسه.

ولهذا، فإن العبث بأمن السعودية لا يمكن قراءته باعتباره شأناً محلياً محدوداً، فالمملكة ليست رقماً يمكن عزله عن معادلات المنطقة، أمنها يتقاطع مع أمن الطاقة، وحركة التجارة، والبحر الأحمر، والممرات البحرية، وشبكة واسعة من المصالح الاقتصادية، وكلما كبر وزن الدولة اتسعت الدائرة التي تتأثر باستقرارها، وأصبحت مسؤوليتها في إدارة القوة أكبر من رغبتها في استعراضها.

ربما لهذا تبدو السعودية، في بعض اللحظات، أكثر هدوءاً مما يتوقعه المتحمسون، وأكثر حلماً مما يتمناه المستفزون، فهي لا تدير لحظة غضب، بل تدير دولة، ولا تحمي يوماً واحداً، بل مشروع عقود قادمة.

وهنا يقع الخطأ الذي تكرر كثيراً في قراءة المملكة، الخلط بين الحلم والعجز، فالحلم قرار يصدر عن قدرة، أما العجز فلا يحتاج إلى حلم، لأن صاحبه لا يملك خياراً آخر.

السعودية تعرف حجمها، وتعرف مصالحها، وتعرف أن القوة التي تحتاج في كل مرة إلى الصراخ كي يصدقها الآخرون لم تبلغ تمام هيبتها بعد، لذلك لا تحتاج المملكة إلى أن تدخل كل معركة يعرضها عليها الآخرون، ولا أن تجيب عن كل استفزاز بالطريقة التي يتمناها صاحبه، ولا أن تضبط ساعة قرارها على توقيت خصومها.

فالسيادة، في معناها الأعمق، إنما هي أن يبقى القرار لك، وتوقيته لك، وحساب المصلحة لك، وأن يفهم الآخر أن حلمك لا يمنحه حق اختيار اللحظة التي ينتهي فيها.

ولعل أخطر خطأ يمكن أن يرتكبه خصم السعودية، أن يظن أن طول المسافة بين الحلم والقرار يعني أن القرار لن يأتي.

نقطة آخر السطر:

«السعودية لا تنتظر اللحظة المناسبة لخصومها.. السعودية هي من تقرر متى تصبح اللحظة مناسبة».

00:00 | 13-09-2026

قُل لي أين تقف.. أَقُل لك أين السعودية

لو جمعت ما يُقال عن المملكة العربية السعودية في عواصم العالم، ثم نزعت أسماء أصحاب الكلام، فقد يخطر لك أنهم يتحدثون عن أكثر من دولة.

عند طرف، السعودية حليف إستراتيجي لا يمكن تجاوز ثقله، وعند آخر، شريك اقتصادي ينبغي توسيع العلاقة معه، وعند ثالث، قوة إقليمية تملك من التأثير ما يجعل حضورها ضرورياً في معادلات المنطقة، وعند طرف رابع، دولة «صعبة» لا يمكن التكهن بموقفها لمجرد معرفة موقف حلفائها.

والغريب أن هؤلاء يتحدثون عن السعودية نفسها.

فأين السعودية بالضبط؟

الجواب يبدأ بسؤال آخر:

أين يقف من يتحدث عنها؟

في العلاقات الدولية، لا توجد نافذة واحدة تطل منها الدول على بعضها، فالجغرافيا تصنع زاوية، والاقتصاد يصنع أخرى، والأمن، والطاقة، والتجارة، والتحالفات، والتاريخ، والمصالح كلها تعيد ترتيب المشهد بحسب موقع الناظر إليه، والسياسة الدولية ليست مجلساً لاختيار «أطيب الدول»، بل شبكة هائلة من المصالح والحسابات المتقاطعة.

ولذلك قد تكون الدولة نفسها حليفاً في ملف، ومنافساً في آخر، وشريكاً في ثالث، ومختلفاً معها في رابع، من دون أن يكون في ذلك تناقض، فالعالم لم يعد بسيطاً إلى الحد الذي يسمح بتقسيمه إلى معسكرين، ثم سؤال كل دولة: مع من أنتم؟

وهنا تحديداً تبدو التجربة السعودية لافتة..

للمملكة علاقة إستراتيجية راسخة مع الولايات المتحدة، وعلاقات اقتصادية وتجارية واسعة مع الصين، وتعمل مع روسيا ودول أخرى ضمن «أوبك+» في توازنات سوق الطاقة، وتبني شراكات واسعة مع أوروبا، وتوسع علاقاتها مع الهند والاقتصادات الآسيوية، وتتحرك في الوقت نفسه من عمقها العربي والإسلامي، وتنفتح على دوائر جديدة في أفريقيا وأمريكا اللاتينية. واقتصادها تجاوز ١٫٢٧ تريليون دولار خلال ٢٠٢٥، فيما تمثل الأنشطة غير النفطية أكثر من نصف الناتج، وهذا اتساع في المصالح نفسها، لا في العلاقات وحدها.

وأمام شبكة بهذا الاتساع، قد يبدو السؤال التقليدي «مع من أنتم؟» منطقياً، لكنه في الحقيقة سؤال ينتمي إلى زمن أبسط من زمننا.

فالجواب السعودي ليس اختيار عاصمة ضد أخرى، بل اختيار السعودية.

وأن تختار الدولة نفسها لا يعني أن تنعزل عن العالم، بل أن تدخل إليه من أبوابه كلها، وتوسع صداقاتها، وتنوّع شراكاتها، وتستقطب الاستثمار والمعرفة والتقنية، وتتعاون في الأمن والاستقرار والتنمية، من دون أن تمنح أي علاقة حق احتكار قرارها.

هناك فارق كبير بين «الحليف» و«التابع»، وبين «الشريك» و«الملحق»، فالحليف الحقيقي لا يشترط التطابق في كل موقف، والشراكة الحقيقية لا تنهار عند أول اختلاف.

ولهذا تستطيع الرياض أن تتفق مع واشنطن في ملفات، وتختلف معها في أخرى، وأن توسع علاقاتها الاقتصادية مع بكين من دون أن يعني ذلك خصومة مع الغرب، وأن تنسق مع موسكو وغيرها في أسواق الطاقة من دون أن يعني ذلك تبني سياساتها، وأن تبني علاقات متوازنة مع قوى قد تتنافس هي نفسها في ما بينها.

ولعل «حلف مكة» بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان يقدم مثالاً حديثاً على ذلك، فالدول الثلاث لا تقف في الموقع الدولي نفسه، ولا تتطابق شبكات علاقاتها وتحالفاتها، لكنها التقت عند مصالح أمنية ودفاعية مشتركة، من دون أن يلغي ذلك علاقات أي منها مع الآخرين.

وهنا تظهر إحدى حقائق السياسة الحديثة: ليس ضرورياً أن تقف الدول في المكان نفسه.. حتى تستطيع أن تقف معاً.

فالاتفاق لا يحتاج إلى التطابق، كما أن الاختلاف لا يستوجب الخصومة. وربما تكون هذه إحدى علامات نضج العلاقات بين الدول: أن تعرف أين تلتقي، من دون أن تشترط على الآخر أن ينتقل بكامله إلى موقعك.

هذه ليست سياسة الوقوف في المنتصف، إنها سياسة الوقوف في المكان السعودي.

وهذه العبارة تختصر جانباً مهماً من السياسة الخارجية للمملكة، فالموقع السعودي لا يُفهم فقط من هوية الحليف، بل من تعريف المملكة لمصالحها، وقدرتها على بناء علاقات متعددة حول تلك المصالح، من دون أن يتحول أي طرف إلى مرجع يحدد لها أين ينبغي أن تقف.

ومن هنا يمكن أيضاً فهم اختلاف الروايات عن السعودية.

فالطرف الذي تتقاطع مصالحه معها في قضية يراها من تلك الزاوية، والطرف الذي تختلف حساباته معها في قضية أخرى يراها من زاوية مختلفة، ومن اعتاد قراءة المنطقة بخرائط سياسية قديمة يحتاج إلى استيعاب حقيقة أهم: أن الخريطة لم تتغير وحدها، بل تغيرت الأوزان التي فوقها.

المشكلة إذاً ليست دائماً في السعودية التي ينظرون إليها، بل أحياناً في المكان الذي ينظرون منه إليها.

والسعودية اليوم ليست مجرد مورد رئيسي للطاقة، بل عضو في مجموعة العشرين، وصاحبة أكبر اقتصاد عربي، ودولة تبني ضمن رؤية السعودية ٢٠٣٠ اقتصاداً أكثر تنوعاً، وتستثمر موقعها الجغرافي والسياسي، وتعزز مكانتها في قلب العالمين العربي والإسلامي.

والدولة التي تتسع مصالحها، تتسع بالضرورة دوائر علاقاتها، وكلما تعددت تلك الدوائر أصبح عليها أن تتقن معادلة أصعب: أن تقترب من الجميع بالقدر الذي يخدم مصالحها، من دون أن تصبح المسافة بينها وبين أي طرف أقصر من المسافة بينها وبين قرارها.

وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وبقيادة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، أصبح هذا المعنى أكثر وضوحاً: علاقات واسعة، وشراكات متعددة، وانفتاح على الشرق والغرب، لكن البوصلة في النهاية سعودية.

ولهذا، عندما يخبرك أحدهم أين يرى السعودية، لا تتعجل في مناقشته، اسأله أولاً: أين تقف أنت؟

فقد تعرف من إجابته الكثير عن السعودية، وقد تعرف أكثر عن صاحب الإجابة نفسه.

نقطة آخر السطر:

قل لي أين تقف.. أقل لك كيف ترى السعودية.

أما أين تقف السعودية؟

فهذا قرار لا تملكه إلا السعودية.

00:00 | 6-09-2026

الدولة التي لم تترك فراغاً للأيديولوجيا

كل أيديولوجيا مغلقة تحمل في داخلها سؤالاً لا تعلنه منذ البداية: أين مركز القرار الذي يمكن أن أستولي عليه؟ فهي قد تبدأ فكرةً تطلب حقها في النقاش، ثم لا تلبث أن تطلب احتكار تعريف الدين و الوطن و المصلحة العامة، و لا تكتفي بأن تؤثر في الدولة، بل تريد أن تصبح مرجعاً فوقها، و من هنا لا يكون السؤال السعودي: هل وصلت إلينا الأيديولوجيات؟ فقد وصلت بالفعل.. بل لماذا عجزت، مهما اتسع حضورها، عن أن تجعل العرش جائزةً لمشروعها؟

لقد عبرت المملكة، مثل غيرها، تيارات قومية ويسارية وحركية دينية، وترك بعضها أثراً امتد إلى الخطاب الاجتماعي والتعليم والمجال العام، ولا تخدم الحقيقة الوطنية محاولة إنكار ذلك، لكن وصول الفكرة شيء، وقدرتها على التحول إلى سيادةٍ فوق الدولة شيء آخر، فقد استطاعت بعض التيارات أن تكسب أتباعاً، وأن تؤثر في مرحلة، وأن تزاحم أحياناً على تفسير الدين أو المجتمع، لكنها لم تستطع أن تحوّل حضورها الجزئي إلى شرعيةٍ بديلة تبتلع الدولة.

ولذلك، فالمعيار الصحيح ليس جغرافيا الفكرة، بل وظيفتها، فقد تأتي فكرةٌ من الخارج فتضيف إلى المعرفة والتنمية، وقد ينشأ في الداخل مشروعٌ أشد انغلاقاً وخطراً، الفكرة تبقى اجتهاداً ما دامت تقبل أن تعيش مع غيرها تحت سقف النظام، أما حين تطلب ولاءً يعلو على الوطن، أو تدّعي تمثيل الدين والمجتمع تمثيلاً حصرياً، أو تجعل الوصول إلى القرار شرطاً لاكتمال وجودها، فإنها تنتقل من رأيٍ قابل للنقاش إلى مشروع احتكار.

وليست مناعة المملكة ناتجةً من شكل الحكم وحده، فقد عرف التاريخ عروشاً لم تكن مطروحةً للمنافسة، ثم سقطت حين فرغت الدولة من داخلها، أما الحالة السعودية فتقوم على شرعيةٍ مركبة: مرجعيةٌ في كتاب الله وسنة رسوله، ونظام حكمٍ ملكي تنعقد له البيعة، وتاريخ تأسيسٍ وتوحيد، وحكم يقوم على العدل والشورى والمساواة، ومؤسسات تحفظ انتظام الدولة، ووحدة وطنية ترى في المملكة بيتاً مشتركاً، ثم يأتي الأمن والإصلاح والإنجاز ليجدد الثقة ويضيف إلى الشرعية التاريخية شرعية الأثر.

هذه البنية لا تعني أن المجتمع بلا مطالب، أو أن الدولة فوق النقد، بل تعني أن الإصلاح لا يحتاج إلى هدم البيت كي يغيّر ما فيه، فالمطلب الوطني يسعى إلى دولةٍ أفضل، أما المشروع الأيديولوجي فيحتاج إلى تصوير الدولة خصماً دائماً حتى يبرر الحلول محلها، الأول يرى الخلل سبباً للإصلاح، والثاني يراه فرصةً للاستيلاء، والأول يريد أن تعمل المؤسسة بكفاءة، أما الثاني فلا يطمئن حتى تصبح المؤسسة أداةً في يده.

ولهذا، لا تكون المناعة بإغلاق باب السؤال أو تضييق مساحة الاختلاف، فذلك قد يمنح الأيديولوجيا المظلمة التي تبحث عنها، بل بتحويل الملاحظات إلى إصلاح، والاحتياجات إلى سياسات، والنقد المسؤول إلى معرفةٍ تساعد الدولة على تصحيح مسارها، فالدولة الراسخة لا تخشى من يريد تحسينها، والإصغاء للمواطن ليس تنازلاً عن السيادة، بل تعبيرٌ عن الثقة، وإغلاقٌ للطريق أمام جماعةٍ تريد احتكار شكواه ثم التحدث باسمه.

وهنا يظهر الفارق بين الدولة والتنظيم الأيديولوجي، فالأيديولوجيا المغلقة تمتحن ضمير الإنسان السياسي، وتطلب منه تطابقاً فكرياً كاملاً، ثم تمنح القبول لمن يقترب منها، وتسحبه ممن يخالفها، أما الدولة فتجمع المواطنين في رابطة الحقوق والواجبات، وتحاسبهم على أفعالهم وفق النظام، لا على مقدار انتمائهم إلى نظريةٍ سياسية واحدة، وكلما اتسعت الدولة للاختلاف المسؤول، ضاقت المساحة التي تستطيع الجماعة المغلقة أن تحوّلها إلى معسكرٍ للطاعة.

و لم ينتهِ عصر الأيديولوجيا كما يُقال، فقد تجدّد حضورها في العالم بصورٍ قومية متطرفة، وشعبوية، وهوياتٍ مغلقة، لكنها لم تعد قادرةً على إعفاء نفسها من اختبار النتائج، فالمواطن المعاصر لا يسأل فقط عن نقاء الشعار، بل عن الأمن و العمل والتعليم والصحة وكفاءة الإدارة، وهنا تتقدم الدولة التي تحوّل الرؤية إلى حياة، لأن الإنجاز لا يلغي الشرعية ولا يستبدلها، بل يمنحها لغةً يومية يلمسها المواطن في واقعه.

غير أن عدم قدرة الأيديولوجيا على امتلاك الحكم لا يعني انتهاء خطرها، فقد تعجز عن الوصول إلى القرار، ثم تحاول الاستيلاء على الوعي، فتجعل كل اختلافٍ امتحان ولاء، وكل حق بوابة لمشروع، و كل هويةٍ متراساً، و كل نقدٍ دليلاً على الخيانة، ولهذا لا تكفي صلابة مؤسسات الدولة وحدها، بل تحتاج إلى وعيٍ وطني يميّز بين الفكرة التي تثري المجال العام، والأيديولوجيا التي تستخدمه طريقاً إلى احتكاره.

قوة المملكة إذاً ليست في أن الأيديولوجيات لم تصل إليها، ولا في أن العرش لم يكن شاغراً فحسب، بل في أن الدولة نفسها لم تكن فارغة: لها مرجعيتها، و بيعتها، ومؤسساتها، وذاكرتها، ومشروعها الوطني، وقدرتها على الإصلاح والإنجاز، لذلك عجزت الجماعات عن التحول إلى دولةٍ فوق الدولة، وبقي التحدي الأهم ألّا تنجح في تحويل وعي المجتمع إلى عرشٍ بديل.

نقطة آخر السطر:

حين لا يكون الحكم جائزةً للأيديولوجيا..

يجب ألّا يكون وعي المجتمع جائزتها البديلة.

00:10 | 30-08-2026