أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1775.jpg?v=1767438639&w=220&q=100&f=webp

عبداللطيف آل الشيخ

الحياد في قضايا تمسّ أمن الوطن.. خيانة

في الحياة العامّة، ثمّة خلطٌ متعمَّد بين العقلانيّة والتخاذل..

بين الحكمة والهروب..

وبين الحياد بوصفه موقفاً فكرياً مشروعاً، والحياد كأداة تعطيل أخلاقي في لحظات لا تحتمل الرماديّة.

الحياد في القضايا اليوميّة قد يكون فضيلة..

اختلاف في الرأي، تباين في التقدير، نقاش حول أولويّات أو سياسات..

لكن حين يصل الأمر إلى أمن الوطن، تتبدّل القواعد، وتسقط كل الذرائع التي تحاول تقديم الصمت على أنّه «اتّزان»، أو التراجع على أنّه «تعقّل».

أمن الوطن ليس ملفاً قابلاً للتجريب..

ولا مساحة للمناورة الخطابيّة..

ولا ساحةً لتصفية الحسابات الشخصيّة أو تسجيل النقاط الأيديولوجيّة.

هو العقد الأوّل الذي تقوم عليه الدولة، والإطار الذي يحمي السياسة، والاقتصاد، والاختلاف ذاته.

وحين يُمسّ هذا الأمن، لا يعود السؤال: ماذا أرى؟

بل: أين أقف؟

الأوطان لا تُهزَم بضربة واحدة..

بل تُستنزف على مراحل.

يبدأ الأمر بتصغير الخطر، ثم التشكيك في النيّات، ثم تطبيع التهديد، إلى أن يصبح الدفاع «مبالغة»، والتحذير «تهويلاً»، والاستهداف «وجهة نظر».

في هذه المنطقة الرماديّة، يولد الحياد لا كقناعة، بل كملاذٍ نفسيّ مريح لمن لا يريد دفع ثمن الموقف.

وهنا بيت القصيد..

الحياد في لحظات التهديد لا يعني أنّك خارج المعركة، بل يعني أنّك تترك موقعك فارغاً، والفراغ في السياسة لا يبقى فراغاً طويلاً..

بل تملؤه المشاريع المعادية، والسرديّات المسمومة، والأصوات التي لا تملك شجاعة المواجهة، لكنّها تملك قدرة التشويش.

الدولة حين تواجه تحدّياً أمنياً، لا تبحث عن التصفيق الأعمى، ولا تطلب من مواطنيها إلغاء عقولهم..

لكنّها في المقابل لا ترضى القبول بصمتٍ بارد، أو حيادٍ متأنّق، بينما تُستباح حدودها، أو يُشوَّه موقفها، أو يُستهدف قرارها السيادي.

لأنّ هذا الصمت لا يُقرأ حياداً، بل يُقرأ ضعفاً في الجبهة الداخليّة، وثغرة معنويّة، ورسالة ملتبسة إلى الخصم قبل الصديق.

الحياد في قضايا السيادة ليس «رأياً آخر»..

هو مشاركة غير مباشرة في إرباك القرار، وكسر المعنويّات، وإطالة أمد التهديد.

ومن يظنّ أنّ الوقوف في المنتصف يمنحه حصانة أخلاقيّة، لا يدرك أنّ المنتصف وهم..

فالنار لا تعترف بالمسافات الرماديّة، والمشاريع المعادية لا تميّز بين من عارضها ومن صمت عنها.

والأخطر من الحياد الصريح، هو الحياد المتأنّق.. ذلك الحياد الذي يرتدي لغة ناعمة، ويختبئ خلف مفردات «العقلانيّة»، و«التوازن»، و«عدم الانجرار».

حيادٌ لا يملك شجاعة الرفض، ولا صدق المواجهة، فيختار أسهل الطرق: تعليق الضمير إلى إشعارٍ آخر.

التاريخ لا يحاسب الناس على نواياهم، بل على مواقعهم عند الاختبار، وفي لحظات الخطر، تُعاد صياغة الأسئلة الكبرى:

من وقف؟!

ومن تراجع؟!

ومن آثر السلامة الشخصيّة على السلامة الوطنيّة؟!

الانحياز للوطن في قضايا أمنه لا يعني العصمة، ولا إغلاق باب النقد..

لكنّه يعني ترتيب الأولويّات، وفهم اللحظة، وإدراك أنّ هناك خطوطاً إذا كُسرت، سقط بعدها كل نقاش نظري.

فالسيادة إذا تآكلت، لا يبقى للاختلاف معنى، ولا للحياد مكان.

لهذا.. حين يُمسّ أمن الوطن، يصبح الحياد خيانة..

خيانة مؤدّبة، بربطة عنق، ولغةٍ محسوبة، وضميرٍ مؤجَّل.

والوطن، في لحظات الاختبار، لا يحتاج أصواتاً مرتفعة بقدر ما يحتاج مواقف واضحة، تعرف أين تقف، ولماذا تقف هناك.

منذ يومين

حين تقول السعودية كلمتها

ليست كل كلمة تُقال موقفاً، وليست كل مواقف الدول تُقاس بارتفاع الصوت أو كثافة البيانات. هناك دول تتحدث كثيراً لأن موقعها هش، وهناك دول تصمت طويلاً لأن موقعها محسوم. وحين تقول السعودية كلمتها، فهي لا تدخل سباق العناوين، بل تُنهيه.

السعودية لا تتعامل مع الأحداث بوصفها مفاجآت، بل بوصفها امتدادات لمسارات تعرفها جيداً. لهذا لا تنجرّ إلى الانفعال، ولا تُساق إلى ردود أفعال، ولا تُستدرج إلى مربعات ضيقة صُممت أصلاً لاختبار أعصاب الكبار. الكلمة السعودية لا تُولد تحت ضغط، ولا تُكتب في ساعة ذروة، بل تخرج بعد أن يكون القرار قد استقر، والاتجاه قد حُسم، والرسالة قد اكتملت عناصرها.

في لحظات الارتباك الإقليمي، تكثر الأصوات، وتختلط الادعاءات، ويظن البعض أن كثرة الكلام تعني قوة الموقف. لكن التجربة أثبتت أن الدول التي تتكلم بلا حساب، غالباً ما تدفع ثمن ذلك لاحقاً، إما بتراجع محرج، أو بتناقض يفضح ارتباكها. أما السعودية، فقد بنت سياستها على مبدأ بسيط وعميق: القرار قبل الإعلان، والفعل قبل التبرير.

حين تقول السعودية كلمتها، فهي لا تخاطب جمهوراً داخلياً فقط، ولا تبحث عن تصفيق عابر، بل توجه خطابها إلى معادلة أوسع: أمنها الوطني، استقرار الإقليم، وتوازن المصالح الدولية. لهذا تبدو كلماتها أحياناً مقتضبة، وأحياناً صارمة، وفي أحيان كثيرة صامتة. لكن هذا الصمت ذاته جزء من الخطاب، وليس فراغاً فيه.

السعودية تدرك أن بعض الأزمات تُدار بالبيانات، وبعضها يُدار بالوقت، وبعضها لا يُدار أصلاً بل يُترك ليستنزف من صنعه. وهنا يظهر الفارق بين دولة تعرف وزنها، وأطراف تحاول تعويض نقص الوزن بالصوت العالي. الكلمة السعودية لا تُستدرج إلى سجال، لأنها تعرف أن السجال غالباً ما يكون هدفه خلط الأوراق، لا توضيحها.

في كل مرة حاولت أطراف إقليمية أو جماعات عابرة للحدود جرّ السعودية إلى مواقف متسرعة، كان الرد واحداً: ثبات هادئ، وقراءة بعيدة، وقرار لا يتغير بتغير العناوين. هذا الثبات ليس عناداً، بل قناعة بأن الدول العظمى لا تغيّر بوصلتها عند أول عاصفة، بل تمضي لأنها تعرف أين تريد أن تصل.

وحين تأتي لحظة الكلام، تأتي الكلمة السعودية واضحة، غير قابلة للتأويل، وغير محتاجة لشروح إضافية. كلمة تُغلق باب التكهنات، وتُنهي موجة التحريض، وتضع الجميع أمام حقيقة الموقف. لا تهديد فيها، ولا تراجع عنها. هي ببساطة إعلان عن موقع، وتثبيت لحدود، ورسم لخط لا يُراد لأحد تجاوزه.

من يراقب السياسة السعودية خلال السنوات الأخيرة، يدرك أن المملكة انتقلت من مرحلة رد الفعل إلى مرحلة صناعة الإطار. لم تعد تنتظر أن تُفرض عليها الأسئلة، بل تفرض هي سياق الإجابة. وفي عالم مضطرب، حيث تتغير التحالفات وتتبدل المصالح بسرعة، يصبح وضوح الموقف قيمة نادرة، وعامل استقرار حقيقي.

لهذا، حين تقول السعودية كلمتها، فإنها لا تُنهي نقاشاً فحسب، بل تُعيد ترتيب المشهد. تُذكّر بأن هناك دولة تعرف حجمها، وتدرك مسؤوليتها، ولا تفرّط في أمنها، ولا تُقايض ثوابتها، ولا تسمح بأن يكون مستقبل المنطقة رهينة لأوهام عابرة أو مشاريع مشبوهة.

الكلمة السعودية ليست لحظة إعلامية، بل خلاصة مسار. ومن يفهم هذا، يفهم لماذا تنتظر العواصم هذه الكلمة، ولماذا يُبنى عليها الكثير، ولماذا، بعد أن تُقال، يختلف كل شيء.

00:01 | 4-01-2026

الأمير محمد بن سلمان والارتباك الإيجابي

لم يكن صعود الأمير محمد بن سلمان إلى واجهة القرار العالمي حدثاً عادياً في سياق تداول السلطة، ولا محطة بروتوكولية ضمن تعاقب الأسماء والمناصب، بل كان تحوّلاً نوعياً في فلسفة القيادة ذاتها.

فقد انتقل المشهد، منذ لحظة بروزه، من منطق الانتظار والتكيّف، إلى منطق المبادرة وصناعة الوقائع، وهنا تحديداً بدأ ما يمكن توصيفه بـ«الارتباك الإيجابي» لدى عواصم القرار في العالم.

هذا الارتباك لم ينشأ من صخب الخطاب، ولا من حدّة المواقف، بل من وضوح غير مسبوق، فالعالم اعتاد، طويلاً، على منطقة تُدار بالأزمات، وتُقرأ عبر وسطاء، وتُختزل في ملفات أمنية أو صراعات مزمنة، غير أن القيادة السعودية الجديدة، بقيادة الأمير محمد بن سلمان أعادت تعريف المعادلة: دولة تمتلك رؤية، وتعلنها، وتحوّلها إلى برامج، ثم إلى أرقام، ثم إلى واقع ملموس.

لقد أربك هذا التحوّل كثيراً من القادة؛ لأنهم وجدوا أنفسهم أمام شريك لا يطلب الاعتراف.. بل يفرضه بالفعل، شريك لا يتوسّل الزمن.. بل يستثمره، شريك لا يختبئ خلف التاريخ.. بل يعيد قراءته ليصنع به مستقبلاً مختلفاً.

ومن هنا، لم يعد السؤال المطروح في العواصم الكبرى: «ماذا تريد السعودية؟» بل «كيف استطاعت أن تغيّر قواعد اللعبة بهذه السرعة؟».

الارتباك الإيجابي الذي أحدثه الأمير محمد بن سلمان كان ارتباكاً في السلوك السياسي العالمي، فحين تتقدّم دولة برؤية شاملة تربط الاقتصاد بالتنمية، والتنمية بالاستقرار، والاستقرار بالسيادة، فإنها تُجبر الآخرين على إعادة ترتيب أوراقهم.

لم تعد اللغة القديمة كافية، ولم يعد خطاب الوصاية مقبولاً، ولم يعد التعامل مع المنطقة بعقلية الملفات المجزأة صالحاً لفهم واقع جديد يتشكّل بثقة وهدوء.

اللافت أن هذا الارتباك لم يكن صدامياً ولا استفزازياً.. ولم يكن تحدّياً مباشراً بقدر ما كان كشفاً لهشاشة القوالب القديمة، فحين يرى القادة مشاريع تُبنى، وإصلاحات تُنفّذ، ومجتمعاً يُعاد تمكينه، واقتصاداً يُعاد تنويعه، فإنهم يجدون أنفسهم مضطرين لمراجعة تصوراتهم، لا عن السعودية وحدها، بل عن مفاهيم القيادة والتنمية في عالم سريع التحوّل.

لقد غيّر الأمير محمد بن سلمان صورة القيادة القادمة من الشرق الأوسط، لم تعد القيادة مرتبطة بإدارة الأزمات فقط.. بل بصناعة الفرص، ولم تعد الشرعية تُستمد من الشعارات أو الخطابات العاطفية.. بل من الإنجاز، والمساءلة، والقدرة على تحويل الرؤية إلى واقع.

هذا التحوّل تحديداً هو ما أربك كثيراً من القادة الذين اعتادوا أن يقيسوا الدول بمدى حاجتها، لا بمدى قدرتها.

ومن مظاهر هذا الارتباك الإيجابي، أن لغة العالم تغيّرت، بدأ الحديث عن الاستثمار بعد أن كان الحديث محصوراً في المساعدات، بدأ التركيز على الشراكات بعد عقود من التعامل الفوقي، وبدأ الاعتراف بأن الاستقرار الحقيقي لا يُفرض من الخارج، بل يُبنى من الداخل، عبر قيادة تعرف ما تريد، وتملك الشجاعة لتنفيذه.

الأمير محمد بن سلمان لم يسعَ إلى إرباك العالم، لكنه فرض عليه أن يفكّر بطريقة مختلفة.. فرض عليه أن يتعامل مع السعودية بصفتها دولةً تعرف موقعها وتفهم وزنها، وتدير مصالحها بوعي سيادي كامل.

ولهذا، لم تعد السعودية ملفاً في أدراج السياسة الدولية، بل الرقم الأصعب المؤثر في معادلاتها الكبرى، من الاقتصاد إلى الطاقة، ومن الأمن إلى الجغرافيا السياسية.

إن هذا الارتباك الإيجابي هو في جوهره علامة صحّة، فهو ارتباك ناتج عن الانتقال من المألوف إلى غير المسبوق، ومن التوقّع إلى المفاجأة المدروسة، ومن إدارة الواقع إلى صناعته.

وحين تُربك العالم بهذا الشكل، فإنك لا تزعزع استقراره، بل تدفعه إلى إعادة التوازن على أسس أكثر واقعية وعدلاً.

هكذا يمكن فهم ظاهرة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في السياق الدولي، قائد لم يغيّر موقع بلاده فحسب.. بل ساهم في تغيير طريقة تفكير العالم تجاه المنطقة، وتجاه مفهوم القيادة الحديثة نفسه وذلك في جوهره، وهذا أعظم أشكال التأثير.

00:00 | 28-12-2025

من يقود الآخر.. الإنسان أم الذكاء الاصطناعي؟!

يمثّل الذكاء الاصطناعي اليوم أحد أكثر التحولات الفكرية والتقنية تأثيراً في تاريخ الإنسان الحديث. لم يعد السؤال مقتصراً على حدود قدرته أو مجالات استخدامه، بل تجاوز ذلك إلى سؤال وجودي أعمق: هل يصنع الفرد قيمة حقيقية عندما يستخدم الذكاء الاصطناعي، أم أن القيمة تُسجّل للتقنية ذاتها؟

هذا السؤال لم يعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة لفهم شكل الإنسان في عصر الأدوات الذكية، ومستقبل دوره في العالم.

من الناحية المبدئية، يصعب القول إن أي أداة مهما بلغت من التطور تستطيع أن تنتج قيمة مستقلة عن الإنسان. فالآلة لا تعمل من ذاتها، ولا تبتدع هدفاً، ولا تتحرك دون دوافع بشرية. غير أن طبيعة الذكاء الاصطناعي -بقدرته على إنتاج نصوص وصور وأفكار واستدلالات- جعلت البعض يظنون أنه قادر على الحلول محل الإنسان في إنتاج القيمة، وليس مجرد خدمته في تحقيقها. وهنا تكمن الإشكالية التي تحتاج إلى تفكيك هادئ.

أولاً: القيمة تبدأ من الإنسان ولا تنتهي عنده:

القيمة المعرفية أو الإبداعية لا تُقاس بكمّ المعلومات المنتجة، بل بمرجعيتها الإنسانية: بمقاصدها، ووعي صاحبها، وقدرته على تحويل الفكرة إلى معنى. الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يولد نصاً بديعاً أو حلاً رقمياً متقدماً، لكنه لا يمتلك «القصدية»؛ وهي السمة التي تميّز العقل البشري وتمنحه صفة الإبداع.

فالأداة -مهما بلغت- تعمل داخل حدود ما يُملى عليها، بينما الإنسان وحده يمتلك القدرة على تجاوز المعطيات لإنتاج شيء لم يكن ممكناً من قبل.

لذلك فإن استخدام الذكاء الاصطناعي لا يصنع قيمة بذاته، بل يضاعف القيمة الموجودة في عقلٍ يوجّهه. الكاتب الذي يرى بعيداً، والمحلل الذي يمتلك رؤية، والمفكر الذي يملك قدرة على ربط الأحداث، يزداد عمقاً حين يستخدم الذكاء الاصطناعي؛ لأن الأداة تمنحه سرعةً وكثافةً وقوةً في الإنجاز، وليس لأنها تحل محله في التفكير.

ثانياً: متى تتسرب القيمة إلى التقنية؟:

القيمة لا تتسرب إلى الذكاء الاصطناعي إلا حين يتحول الإنسان من «موجِّه» إلى «مُسلّم».. أي حين يتوقف عن إنتاج الفكرة، وينشغل فقط بنقل ما تقدمه له التقنية.

في هذه اللحظة، يصبح الإنسان مجرد قناة تمر عبرها مخرجات جاهزة، ولا مبدعاً يضيف، ولا ناقداً يصقل، ولا عالماً يبتكر.

وهذا ما يجعل بعض المخرجات الحديثة التي تعتمد كلياً على الذكاء الاصطناعي تبدو بلا روح: لأنها خالية مما يجعل العمل الإنساني عملاً ذا هوية.

إن القيمة التي يصنعها الإنسان لا تضيع باستخدامه للأداة، ولكنها تُفرغ من معناها عندما يتخلى عن دوره في التحكم بالمخرجات أو في صياغة غاياتها.

ثالثاً: الذكاء الاصطناعي يعمّق الفجوة بين المبدعين والعابرين:

في مراحل كثيرة من التاريخ، كانت الأدوات الجديدة تعطي الجميع فرصة متساوية في الظهور، لكن الذكاء الاصطناعي يقوم بعكس ذلك: فهو يعمّق الفجوة بين من يملك رؤية، ومن يعتمد على القوالب الجاهزة.

المستخدم المبدع يخرج من التجربة أقوى:

- لأن التقنية ترفع جودة إنتاجه.

- ولأنها تختصر له الوقت في التفاصيل.

- ولأنها تحرره من ثقل المهام المتكررة، ليبقى ذهنه متقداً في ساحات الابتكار.

أما المستخدم الذي يكتفي بالنقل، فيجد نفسه مع مرور الوقت أقل حضوراً، لأن الأداة قادرة على تقديم ما يقدمه وأكثر، دون هوية ودون بصمة. وهنا يتأكد أن القيمة ليست في استخدام الذكاء الاصطناعي من عدمه، بل في كيفية استخدامه.

رابعاً: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يملك قيمة مستقلة؟:

حتى اللحظة، الجواب العلمي والعملي هو: لا.

فالقيمة تحتاج إلى وعي، وإلى قدرة على اختيار الغايات، وإلى إحساس بالنتائج وآثارها. أما الذكاء الاصطناعي فهو منظومة حسابية، تستجيب لما يُطلب منها ضمن حدود البيانات والمعادلات.

مهما بلغت هذه الأنظمة من تطور، فهي لا تمتلك معنى ذاتياً، ولا أهدافاً مستقلة، ولا تصوراً أخلاقياً عن قيمة ما تنتجه.

وبذلك، فإن القيمة -كما يفهمها الإنسان- تبقى حكراً على الإنسان.

خامساً: معادلة العصر الجديد:

العصر الذي نعيشه لا يلغِي الإنسان، ولكنه يختبر قدرته على التميّز.

فالذكاء الاصطناعي ليس بديلاً، بل مكبّراً:

- يكبّر وضوح الرؤية عند صاحب الرؤية.

- ويكبّر الفراغ عند من لا يمتلك رؤية.

وهكذا، تصبح قيمة الإنسان اليوم مرهونة بقدرته على قيادة الأداة، وليس الخضوع لها.

القيمة في النهاية لا يصنعها الذكاء الاصطناعي، بل يصنعها الإنسان الذي يعرف ماذا يريد، ولماذا يريد، وكيف يوجّه التقنية لخدمته.

أما التقنية فلا تملك سوى أن تسرّع الطريق، وتوسّع حدود القدرة.

ويبقى السؤال الحقيقي الذي يجب أن يطرحه كل فرد على نفسه:

هل أستخدم الذكاء الاصطناعي لزيادة أفق وعيي وقدرتي؟ أم أتركه يصنع اسمي بدلاً من أن أصنعه أنا؟

بهذا نعرف أن القيمة تبدأ من الإنسان، وتعود إليه، وتُقاس بقدرته على أن يبقى هو «العقل»، بينما تبقى التقنية مجرد «أداة».

00:01 | 14-12-2025

إسرائيل تتخيل الفوضى.. والسعودية تحرق الخيال

تشهد المنطقة، في السنوات الأخيرة، تحولاً واضحاً في طبيعة الصراعات، حيث أخذت القوى الإقليمية والدولية تتجه نحو أساليب غير تقليدية لا تعتمد على الحروب المباشرة، بل على صناعة الفوضى المنظمة التي تستهدف الوعي العام وقدرة الدول على الحفاظ على استقرارها الداخلي. وفي هذا السياق، برزت محاولات بعض الأجهزة الأمنية الإسرائيلية الدفع باتجاه تشكيل موجة من الاضطرابات «المهندسة» داخل السعودية، عبر استثمار شبكات وظيفية ومجموعات تعمل بالوكالة؛ بهدف إعادة صياغة المشهد الإقليمي بما يتوافق مع الرهانات التي نشأت في ظل اتفاقيات إبراهيم وما تفرع عنها من مشاريع وتصورات سياسية وأمنية.

هذه التحركات ليست نتاج فراغ، بل تأتي ضمن تصور يرى أن التأثير على الدول القوية لا يتحقق عن طريق المواجهة، بل عبر استهداف الثقة الداخلية، وخلق طبقات من الشك، وتضخيم الخلافات الطبيعية، وتحويلها إلى صور أكبر من حجمها. ومع ذلك، فإنّ هذه الجهود تصطدم بواقع لا يمكن تجاوزه، يتمثّل في قدرة السعودية المؤسسية على قراءة التهديدات في مراحلها المبكرة، وتحليل الخطاب الموجَّه، وفهم طبيعة الأدوات التي تحاول الجهات الخارجية استخدامها، وإدراك العلاقة بين الفاعلين المحليين والإقليميين الذين يشكلون خطوط هذا المشروع.

تعتمد فكرة «الفوضى المستوردة» على بناء شبكات تعمل في مستويات متعددة، أفقية ورأسية، تتكون من حسابات رقمية وشخصيات ظاهرها الاستقلال وباطنها الارتباط بخطاب موحد. وتعتمد هذه الشبكات على محتوى إعلامي مُهندس، وتمويل موجه، وقنوات تأثير تعمل على تضخيم التناقضات، وتحويلها إلى جدليات، ثم إعادة تدويرها حتى تبدو كأنها تمثل رأياً عاماً، رغم أنها في حقيقتها صناعة مخبرية لا أكثر.

وتستند هذه المقاربة إلى ثلاث ركائز رئيسية:

الأولى: الهجمات السردية التي تبني قصصاً وروايات تزعم وجود أزمات داخلية غير موجودة، وتُسقط تصورات مختلقة على واقع لا يدعمها.

الثانية: الهجمات النفسية التي تستهدف العلاقة بين المواطن ومؤسساته، عبر الإيحاء بوجود ضعف أو ارتباك أو انقسام، دون تقديم حقائق أو شواهد موضوعية.

الثالثة: الهجمات الوكيلة التي تُدار من خلال دول وجهات وظيفية لا تعمل بدافع مصالحها الذاتية، بل وفق أجندات خارجية تتكفل بتزويدها بالرسائل والأدوات والتمويل.

غير أنّ السعودية، بطبيعتها المؤسسية وبحجم خبرتها في إدارة التحديات، تمتلك القدرة على رصد هذه التحركات قبل أن تكتمل، وعلى قراءة العلاقة بين الخطاب الظاهر وما يدور خلفه، وعلى كشف الترابط بين الخلايا الرقمية والجهات التي تقف وراءها. وتعتمد المملكة في تعاملها مع هذا النمط من التهديدات على منهجية استباقية، لا تنتظر تطور الخطر، بل تفككه عند لحظة تشكّله الأولى، من خلال تحليل الرسائل، ورصد التمويل، وفهم زوايا الخطاب، وتتبع المسارات التي يستخدمها أصحاب المشروع.

ولا تنظر السعودية إلى هذه التحركات باعتبارها أحداثاً منفصلة، بل كجزء من منظومة تهدف إلى خلق بيئة مشوشة. ولهذا تعتمد الدولة على استراتيجية تقوم على قراءة ما بين السطور، وتحليل التناقضات داخل الخطاب الواحد، ودراسة السياق الذي تظهر فيه الحملات، وتقييم الأهداف القصيرة وطويلة المدى، قبل الانتقال إلى مرحلة مواجهة السرديات وتعطيل قدرتها على الانتشار.

وتُظهر التجارب الماضية أن كل محاولات تصدير الفوضى إلى الداخل السعودي عبر وكلاء إقليميين انتهت دون أثر حقيقي. فالبيئة السعودية اليوم أكثر تماسكاً، والمجتمع أكثر وعياً، والعلاقة بين المواطن والدولة أقوى من أن تُخترق بخطاب مُعاد تدويره. وقد أصبح من الواضح أن الشخصيات التي تحاول تقليد اللهجة السعودية، أو استخدام الرموز المحلية، أو تمثيل رأي عام مُفتعل، تفقد تأثيرها بسرعة؛ لأن المجتمع بات قادراً على فرز الصوت الوطني من الصوت المصنوع.

وعلى الرغم من ذلك، فإن السعودية لا تكتفي بإفشال هذه المحاولات، بل تتجه نحو التعامل مع جذورها. فهي تكشف شبكات التمويل، وتفضح الجهات المنفذة، وتُحمّل الدول الوظيفية تكلفة أدوارها، وتمنع تحولها إلى منصات تخدم مشاريع خارجية. وهذا يجعل استمرار هذا النمط من الاستهداف مسألة مكلفة وغير فعّالة.

الخلاصة أن المشروع الذي تحاول إسرائيل بناءه عبر وكلائها وأدواتها الرقمية والسياسية لا يملك مقومات النجاح داخل السعودية. فهو يتجاهل طبيعة الدولة، وحجم وعي المجتمع، وقوة المؤسسات، وصلابة البنية الاستراتيجية التي تقرأ التهديدات وتحاصرها قبل أن تظهر. ولذلك، فإنّ كل ما يُبنى على هذا المشروع ينتهي إلى رماد، بينما تبقى السعودية ثابتة، قادرة على حماية أمنها، وعلى إسقاط أي محاولة لتصدير الفوضى إلى داخلها، مهما تبدلت أدوات الخصوم أو تغيرت أساليبهم.

00:04 | 7-12-2025

حين تتحوّل «الورقة الأمنية» إلى قيدٍ على صانع القرار الإسرائيلي

إنّ «تجريم منظمة ما» ليس خطوة شكلية.. بل التزام سيادي كامل يُلزم الدولة بتشريعات قانونيّة صارمة.. وبسياسات ماليّة وعسكريّة ودبلوماسيّة ثابتة لا يمكن التراجع عنها بسهولة.. فمجرّد إدراج كيانٍ ما في قوائم الإرهاب يعني الدخول في منظومة من الإجراءات التي تُقيد حركة الدولة وتُثبّت موقفها تجاه هذا الكيان بشكل نهائي وغير قابل للمناورة.

من هنا يتّضح سبب امتناع الكيان الصهيوني عن إدراج جماعات مثل «الإخوان المسلمين» و«الحوثي» و«الحرس الثوري» ضمن قائمته الرسميّة.. فالتصنيف بالنسبة له ليس إعلان موقف.. بل خطوة تُكبّله وتمنعه من استخدام هذه التنظيمات كورقة متحرّكة في مسرح السياسة والأمن، إنّ «التهديد القابل للاستخدام» أهم عنده من «التهديد المصنّف».. لأن المصنّف ثابت والمُستخدم مرن.. والمرونة هي جوهر اللعبة الاستخبارية التي يقوم عليها هذا الكيان.

حين تصنّف دولةٌ ما جماعةً كمنظمة إرهابيّة فإنّها تُجرّد نفسها من خيار التلاعب بها سياسيّاً، إذ يصبح التعامل معها مُلزماً ومباشراً وخاضعاً للقانون، بينما يحتاج الكيان الصهيوني إلى «عدوّ قابل للرفع والخفض».. عدوّ يمكن تضخيمه إلى مستوى «الخطر الوجودي» حين يريد دعماً دولياً.. ويمكن تصغيره إلى مستوى «الخلاف السياسي» حين يرغب بفتح قناة خلفيّة أو تمرير رسالة عبر وسيط.

التنظيم غير المصنّف يصبح أداة مفتوحة، أمّا التنظيم المصنّف فيتحوّل إلى ملف مُغلق، وهذا الإغلاق يُفقد الكيان القدرة على استخدامه كفزّاعة أو كجسر للرسائل، فالتصنيف الرسمي يقتل المرونة، والمرونة هي السلاح الأخطر في يد أجهزة مخابرات «إسرائيل».

الكيان لا يتعامل مع هذه الجماعات بوصفها «أعداء» حقيقيين.. بل بوصفها «أدوات توازن» يستفيد منها عند الحاجة، أحياناً يرفع الإخوان أو الحوثي أو الحرس الثوري إلى مستوى «تهديد إقليمي» ليوحي للعالم بأنّه محاصر من كل الجهات، وأحياناً يهبط بهم إلى مستوى «اختلاف سياسي» حين يحتاج إلى تهدئة المشهد أو تمرير اتفاق.

ولو قام بتصنيفهم رسميّاً لالتزم تلقائياً بردود عسكريّة وماليّة وقانونيّة لا يرغب فيها، ولخرجت هذه الأوراق من يده، وأصبح عاجزاً عن تدويرها حسب اللحظة السياسيّة.

يعتمد الكيان الصهيوني في دعمه الدولي على سرديّة جاهزة يريد تثبيتها في ذهن العالم.. سرديّة تقول: «نحن الدولة الصغيرة المحاصرة.. ونحن محاطون بالأعداء من كل اتجاه».

لكن هذه السرديّة لا يمكن الحفاظ عليها إن خضعت لقوانين التصنيف الرسمي، لأن التصنيف يجبر الكيان على معاملة هؤلاء باعتبارهم أعداءً ثابتين، بينما هو يريد أعداءً «مرنين» يمكن أن يتغيّر توصيفهم في أي لحظة.

فحين تُترك هذه التنظيمات خارج التصنيف يمكن للكيان أن يُعيد كتابة المشهد كما يشاء، فيصفهم في أسبوع: «أخطر تهديد»، وفي الأسبوع الذي يليه «خصومة ثانوية»، وفي مناسبة أخرى «شماعة يعلّق عليها فشله»، وكل ذلك من دون أن يلتزم بأي تبعات قانونيّة أو عسكريّة.

إنّها لعبة مكشوفة يعرفها كل من قرأ تاريخ أجهزة الاستخبارات لدى «إسرائيل»، لعبة تقوم على تدوير العدو وإعادة تشكيله والتحكم في مستوى تهديده بما يخدم اللحظة السياسيّة.

الكيان يريد أن يبقى قادراً على الضغط على زرّ الإنذار في أي وقت، فإن احتاج إلى دعم دولي ضخم رفع منسوب خطر هذه المنظمات، وإن احتاج إلى التفاوض أو التهدئة خفضها إلى مستوى الخلاف السياسي، وإن احتاج إلى فزّاعة للرأي العام الداخلي أعاد تسويقها كعدو وجودي.

لكن لو صُنّفوا رسمياً لانتهت اللعبة.. ولكان مُلزماً بالتحرك عسكرياً أو فرض حصار أو اتخاذ إجراءات لا يريدها ولا يتحمّل كلفتها.

لذلك يصرّ الكيان على إبقاء هذه الجماعات في المنطقة الرماديّة، لا هم أعداء دائمون.. ولا هم خارج اللعبة، بل أدوات تشغيل في غرفة الاستخبارات، وأدوات يتم تحريكها متى شاء.. ويتم تجميدها متى شاء.

ما يتجنبُه الكيان ليس «التصنيف» بحد ذاته.. بل «التبعات المُلزمة للتصنيف»، فالتصنيف يُفقده المرونة.. والمرونة هي المجال الذي يبرع فيه.. وهي الساحة التي تدير فيها أجهزته أخطر ألعابها.

لذلك يبقى الإخوان والحوثي والحرس الثوري خارج القائمة، ليس لأنهم ليسوا تهديداً.. بل لأن بقاءهم خارج القائمة يجعلهم «أداة» لا «عدواً».. وورقة يمكن استعمالها أو إخفاؤها وفق ما تتطلبه اللحظة السياسيّة.

هذه هي الحقيقة المكشوفة التي لا تريدها أجهزة «إسرائيل» أن تتحوّل إلى وعي شعبي، لأن كشفها يعني إسقاط إحدى أهم أدواتها في تشكيل المشهد الأمني والإعلامي.

00:08 | 30-11-2025

زيارةٌ تُعيد رسمَ حدودِ النفوذِ.. وتُعلنُ عودةَ واشنطن إلى الرياضِ لا العكس

لم تكن زيارةُ وليِّ العهدِ رئيسِ مجلسِ الوزراءِ الأميرِ محمدٍ بنِ سلمانَ بنِ عبدِ العزيز إلى الولاياتِ المتّحدةِ الأميركيةِ حدثاً دبلوماسياً عابراً، ولا مجرّد محطةٍ ضمن جدولٍ سياسيٍّ مزدحمٍ؛ بل كانت لحظةً فارقةً في تاريخِ العلاقةِ بين الرياضِ وواشنطن، ومنعطفاً يعيدُ تشكيلَ ميزانِ القوى في المنطقةِ، ويضعُ المملكةَ في قلبِ المعادلةِ الدوليةِ بوزنٍ غير مسبوقٍ.

منذ لحظةِ وصولِ ولي العهد، والاستقبالُ المهيبُ الذي نظّمته الإدارةُ الأميركيةُ -استقبالاً أقربَ إلى استقبالِ رؤساءِ الدولِ العظمى- كان المؤشرُ الأولُ على أنّ الولاياتِ المتّحدةَ تدركُ أنّ ضيفَها ليس زعيماً عادياً، وأنّ السعوديةَ لم تعد دولةً تنتظرُ إشعاراتِ الدعمِ أو رضا الحلفاءِ، بل دولةٌ تأتي وهي تحملُ مشروعاً واضحاً، ورؤيةً اقتصاديةً وسياسيةً تجعلُ الآخرينَ يعيدون حساباتِهم.

تحالفٌ يعاد تشكيلُه:

في قلبِ الزيارةِ، وُقِّعت «الاتفاقيةُ الدفاعيةُ الاستراتيجيةُ»، وهي ليست تطويراً للعلاقةِ التاريخيةِ فحسب، بل إعادةُ صياغةٍ لتحالفٍ يريدُ الطرفانِ له أن يمتدَّ لعقودٍ طويلةٍ. تصنيفُ الولاياتِ المتّحدةِ للمملكةِ كـ«حليفٍ رئيسيٍّ من خارجِ الناتو» يؤكّد هذه الحقيقةَ، ويفتحُ البابَ أمام شراكاتٍ عسكريةٍ وصناعيةٍ وتقنيةٍ متقدمةٍ، ويرسّخُ قدرةَ المملكةِ على بناءِ قوةٍ رادعةٍ تحفظُ أمنَها وأمنَ المنطقةِ.

وفي هذا الإطارِ، لم يكن ملفُّ مقاتلاتِ F-35 إلا أحدَ المؤشراتِ على انتقالِ العلاقةِ من مستوى الشراكةِ التقليديةِ إلى مستوى التحالفِ ذي العمقِ العسكريِّ الحقيقيِّ.

اقتصادٌ يتوسّعُ خارجَ الحدودِ:

الملفُّ الاقتصاديُّ كان محوراً أساسياً، إذ أعلنت المملكةُ عن نيتها رفعَ حجمِ استثماراتِها في الولاياتِ المتّحدةِ ليصلَ إلى تريليونِ دولارٍ. هذا الرقمُ لا يعبّرُ فقط عن توسّعِ اقتصاديٍّ، بل عن ثقةٍ بقدرةِ الصناديقِ السعوديةِ على قيادةِ تحولاتٍ كبرى في الاقتصادِ العالميِّ، وعن إدراكٍ أميركيٍّ لأهميةِ أن يكونَ رأسُ المالِ السعوديُّ جزءاً من خارطةِ النموِّ الأميركيِّ في القطاعاتِ الحسّاسةِ.

وشملت النقاشاتُ ملفاتِ الذكاءِ الاصطناعيِّ، والمعادنِ الحرجةِ، والطاقةِ المتقدمةِ، والبنى التحتيةِ، ما يجعلُ الزيارةَ نقطةَ انطلاقٍ لفصلٍ جديدٍ من التداخلِ الاقتصاديِّ الذي يتجاوزُ أرقامَ التجارةِ ويصلُ إلى صناعةِ المستقبلِ.

الملفُّ النوويُّ.. مفاوضاتٌ تُبنى على قوة:

أما التعاونُ النوويُّ المدنيُّ، فكان حديثَ الأروقةِ الأميركيةِ، لأنّ الرياضَ تدخلُ هذا الملفَّ وهي تمسكُ بخيوطِ الطاقةِ العالميةِ، وتملكُ القدرةَ على اختيارِ شريكِها النوويِّ. ولذلك، جاءت تصريحاتُ المسؤولينَ الأميركيينَ واضحةً: لا اتفاقَ نهائياً بعد، لكن المسارَ مفتوحٌ وفق شروطٍ تحافظُ المملكةُ فيها على سيادتِها وخياراتِها.

الشرقُ الأوسطُ من منظورِ الرياضِ:

القضايا الإقليميةُ، من العلاقاتِ الخليجيةِ – الأميركيةِ، إلى التطوراتِ مع إيران، إلى مساراتِ الاستقرارِ في البحرِ الأحمرِ والسودانِ، كانت حاضرةً في الحوارِ، لكنّ الرياضَ لم تعد تطرحُ هذه الملفاتِ من منطلقِ ردِّ الفعلِ، بل من منطلقِ رؤيةِ 2030 التي تعتبرُ الاستقرارَ عنصراً استراتيجياً لازماً للنموِّ ولموقعِ المملكةِ الدوليِّ.

ومن أبرزِ النقاطِ أنّ المملكةَ شدّدت على أنّ العلاقاتِ مع واشنطن تقومُ على الاحترامِ المتبادلِ، وأنّ السعوديةَ ليست طرفاً يبحثُ عن حمايةٍ، بل شريكٌ يملكُ قرارهُ، ويعرفُ أين يضعُ مصالحَهُ، وكيف يصنعُ وزنهُ.

ما بعد الزيارةِ.. ما الذي تغيّر؟:

لقد خرجت الزيارةُ بنتائجَ تتجاوزُ الاتفاقياتِ المكتوبةِ؛ خرجت بتثبيتِ واقعٍ جديدٍ:

أنّ المملكةَ تقودُ الشرقَ الأوسطَ سياسياً واقتصادياً وأمنياً، وأنّ واشنطن -رغم كل التحولاتِ- لا تستطيعُ تجاهلَ مركزيةِ الرياضِ في صناعةِ الاستقرارِ العالميِّ.

والأهمُّ أنّ الاستقبالَ الأميركيَّ العلنيَّ، والحفاوةَ الاستثنائيةَ، واللغةَ التي استخدمها الرئيسُ الأميركيُّ، كلّها تعكسُ إدراكاً واضحاً بأنّ الأميرَ محمدَ بنَ سلمانَ ليس مجرد قائدٍ في لحظةٍ سياسيةٍ، بل رجلٌ يعيدُ تشكيلَ الجغرافيا والاقتصادِ والتحالفاتِ بطريقةٍ لم يشهدْها الإقليمُ منذ عقودٍ.

زيارةٌ كتبت فصلاً جديداً في علاقةٍ كبرى، وأعلنت أنّ الرياضَ اليومَ ليست تابعاً، ولا باحثاً عن دورٍ... بل صانعٌ للدورِ، وصعوبةٌ في المعادلةِ، ورقمٌ لا يمكنُ تجاوزه.

00:05 | 23-11-2025

الدولة التي كُلِّفَت بالعظمة

ليست كل الدول تتكوّن من جغرافيا، فبعضها يُصاغ من رسالة، وبعضها من اختبارٍ إلهي يضعها في مركز التاريخ لتكون شاهدةً على معنى الثبات وسط العواصف.

والمملكة العربية السعودية واحدة من تلك الكيانات النادرة التي لا يمكن تفسير وجودها بمعادلات السياسة وحدها؛ لأن نشأتها لم تكن فعلَ توسّعٍ ولا إرثاً استعمارياً، بل كانت حالة نهوضٍ من رحم الاضطراب إلى رحابة النظام، ومن رمالٍ ممزقة إلى كيانٍ يتكئ على عقيدةٍ واحدة ودستورٍ من السماء.

منذ أن أطلّ فجر التوحيد على يد المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - طيّب الله ثراه- والعالم يراقب تجربة مختلفة تماماً:

دولة قامت على الشرعية الدينية والسياسية معاً، فجمعت بين ما فرّقته الأمم، ونجحت في أن تجعل من العقيدة مشروع بناء، لا شعاراً يُرفع في المساجد فقط.

ولذلك لم يكن غريباً أن تتحوّل المملكة إلى محورٍ عالمي، يُقاس موقف كل دولةٍ من العالم العربي و الإسلامي بمدى قربها أو بعدها من الرياض.

لكن كل نهضةٍ عظيمة تُولد معها حاقدين بحجمها، فكما تُنبت الأرض الخصبة سنابلها، تُثير في الوقت ذاته غيرة الصخور العقيمة من حولها.

ولأن السعودية حملت شرف خدمة الحرمين الشريفين، كان من الطبيعي أن تتكاثر حولها أصوات الحقد والشك، تارةً باسم الدين، وتارةً باسم السياسة، وأحياناً باسم «حقوقٍ» يطالب بها من لا يحترم حقّ الله في الحقيقة.

إن المملكة لم تدخل مرحلة البناء من فراغ، بل من تاريخٍ طويل من الاستهداف، ومن محاولاتٍ متكرّرة لزعزعة مكانتها الرمزية في العالم الإسلامي.

ومع ذلك، فإن ما يميّز هذه الدولة أنها لا ترد على أعدائها بالصوت، بل بالإنجازات.

تتقدّم خطوةً في الاقتصاد، وخطوتين في الثقافة، وثلاثاً في السياسة، حتى صار خصومها أسرى لردّات فعلٍ دائمة، لا يمتلكون فيها زمام المبادرة ولا حتّى القدرة على الفهم.

اليوم، في زمن الرؤية والطموح، تتجلّى الحقيقة بوضوحٍ أكبر:

السعودية لم تعد فقط مركز الإسلام، بل أصبحت مركز القرار العالمي الجديد.

هي الدولة التي تتحدث بثقةٍ في الملفات الكبرى: من الطاقة إلى السلام، من البيئة إلى الذكاء الاصطناعي، من مستقبل المدن إلى مستقبل الإنسان نفسه.

وما يثير دهشة العالم هو أن هذا الصعود المتسارع لم يفقدها جذورها، بل زادها التصاقاً بمرجعيتها الأولى: الكتاب و السنة.

فهي لا ترى في الحداثة تناقضاً مع الإيمان، بل استمراراً له في شكلٍ مدنيٍّ متقدّم.

ولعلّ سرّ هذه القوة يكمن في معادلة القدر والطموح، فهي تعرف أن الحسد قدرٌ لا يُلغى، وأن الهجوم ثمنٌ للريادة، لكنها في المقابل تعرف أن التاريخ لا يحفظ إلا من يعمل، وأن من خدم الحرمين الشريفين بحقّ، يخدم الإنسانية كلّها.

وهذا الوعي هو ما جعل المملكة لا تنشغل بالخصومات الصغيرة، بل تصنع حولها فضاءً من المبادرات الكبرى:

رؤية 2030، مبادرات الشرق الأوسط الأخضر، التحولات الثقافية والفنية، مشاريع النيوم والبحر الأحمر، وحتى الدور الإنساني الذي تمتدّ أذرعه لجميع الأمصار.

إن من أراد أن يفهم السعودية عليه أن يدرك أنها لا تسير على هوى اللحظة، بل على إيقاع الرسالة.

ومن أراد أن يفسّر عظمة موقعها الجغرافي فعليه أن يقرأ تاريخها السياسي، ومن أراد أن يهاجمها فليستعد ليصطدم بثباتٍ لا يلين.

فهي لا تُحارب لتُثبت وجودها، بل لتصون معناها، وهذا هو الفرق بين الدول العابرة، والدول التي تُخلّد.

قدَر السعودية أن تظلّ في الواجهة، وقدَر خصومها أن يظلّوا خلفها يفسّرون نجاحها بتآمرٍ لا وجود له إلا في عقولهم.

فالدولة التي جمعت بين الحرمين، والتوحيد، والرؤية، لا تخشى شيئاً؛ لأنها تعرف من أين جاءت وإلى أين تتجه.

هي تعرف أن الله إذا شَرَّفَ أرضاً بخدمته، ابتلاها بالعظمة، وأحاطها بالأضداد لتزداد ثباتاً.

تلك هي المملكة العربية السعودية:

ليست مجرد دولةٍ في التاريخ، بل قدرٌ يمشي فوق الأرض بثقةٍ من السماء.

00:09 | 16-11-2025

السعودية.. حين تحفظ روح الشرق من التبخر

لم يكن تصريح السعودية للرئيس الأمريكي مجرّد بيان سياسي، بل لحظة كونية نادرة: دولة تقول «لا» في زمنٍ تُباع فيه كل الـ«نَعَم».

فالموقف السعودي ليس رفضاً للتطبيع، بل رفض لتطبيع الاختلال. ليس تعنّتاً ضد إسرائيل، بل تمسّك بمعنى الوجود العربي قبل أن يتحوّل الشرق الأوسط إلى متحفٍ للذاكرة المفقودة.

في زمنٍ تذوب فيه الحدود بين الأخلاق والمصالح، جاءت السعودية لتضع حدّاً للسيولة الأخلاقية التي اجتاحت السياسة الدولية.

قالت للعالم —بلغة الصمت الهادئ— إننا لا نقيس الحاضر بميزان الصفقات، بل بميزان العدالة.

فـ«الدولة الفلسطينية» ليست ورقة تفاوض، بل شاهد عدلٍ على بقاء الضمير العربي حيّاً.

يخطئ من يظن أن الموقف السعودي انفعال عاطفي، أو تكرار لموقف تاريخي.

إنه قرار مبني على رشدٍ جديدٍ في الدبلوماسية السعودية؛ رشد يُدرك أن التطبيع بلا دولة فلسطينية يعني انتحار المعنى الذي قامت عليه المملكة منذ نشأتها: نصرة القضايا العادلة دون شعارات.

السعودية تعرف متى تُصافح، ومتى تُصعّد، ومتى تترك العالم يتساءل.

إنها تمارس فنّ الانتظار الاستراتيجي، حيث يُصبح الصمت أداة ضغط، والثبات تكتيكاً، والوضوح شكلاً من أشكال الهيمنة الأخلاقية.

لقد نقلت الصراع من جغرافيا السلاح إلى جغرافيا الشرعية: من يمتلك الحق هو من يملك المستقبل.

بينما تسعى القوى الكبرى إلى تحويل الشرق الأوسط إلى لوحة مقايضة: أمن مقابل تطبيع، ونفط مقابل اعتراف، خرجت السعودية لتقول إن هذه اللعبة لا تمرّ من بوابتها.

«لا علاقات بدون دولة فلسطينية» ليست شرطاً، بل حدٌّ أعلى للكرامة السياسية.

إنها ليست مفاوضة على جغرافيا، بل على حقّ الوجود الإنساني في العدالة.

ولأن الرياض تُدرك أن إسرائيل لا تفهم إلا لغة القوة، فقد قدّمت شكلًا آخر من القوة: قوة الموقف.

قوة الرفض التي لا تُرفع بالصوت بل بالثقة.

قوة الدولة التي لا تبحث عن موقعٍ في الصورة، بل تصنع المشهد ذاته.

حين أكدت السعودية هذا القرار أمام واشنطن، لم تكن فقط تُخاطب البيت الأبيض، بل تُعيد توزيع موازين المعنى في العالم العربي.

لقد سحبت البساط من تحت «الصفقات المؤقتة» وأعادت للموقف العربي صوته المفقود.

كأنها تقول: الشرق الأوسط لن يُعاد تشكيله في واشنطن أو تل أبيب، بل في الرياض.

فالذي يملك بوابة الحرمين يملك مفاتيح الوعي الجمعي للأمة، ومتى قال «لا» توقّف التاريخ لحظة ليفكّر.

قد يظنّ البعض أن هذا الموقف مجرّد سياسة خارجية، لكنه في حقيقته سياسة داخل الوجدان العربي.

إنه ترميمٌ للثقة في أن العالم ما زال فيه من يقول لا في وجه العبث، ومن يربط المستقبل بالحقّ لا بالمصالح.

فالسعودية اليوم لا تُفاوض على دولة فلسطين، بل تُفاوض على بقاء الفكرة التي تجعل الإنسان إنساناً.

ولذلك، فإن عبارة «لا علاقات بدون دولة فلسطينية» ليست جملة دبلوماسية، بل وثيقة بقاءٍ للشرق.

وثيقة تقول للعالم: قد تتبدّل التحالفات، وقد تتغيّر الخرائط، لكنّ الضمير السعودي هو آخر ما يُباع.

00:08 | 11-11-2025

«الوطنجيّة».. كلمة الانكشاف الأخير..

حين تصل لغةُ الخطاب إلى درجةٍ يُستخدم فيها مصطلح «الوطنجيّة» كأداة إسقاط أو ازدراء ضد السعوديين، فاعلم أنك أمام نقطة النهاية في الحوار، والنقطة الفاصلة التي تكشف لك بوضوحٍ تامٍّ هوية المتحدث، وأصل أفكاره، ونوعية المبادئ التي يتغذّى منها.

فالكلمة في ظاهرها بسيطة، لكنها في حقيقتها علامةٌ استخبارية الدلالة على انتماء فكريٍّ مريبٍ، وعلى خللٍ في الولاء، وانحرافٍ في البوصلة الوطنية.

مصطلح «الوطنجي» لم يولد في فضاءٍ بريء، ولا خرج من رحم نقاشٍ فكريٍّ صادق، بل خرج من مختبرٍ أيديولوجي مظلم تملؤه النزعة العدائية ضد مفهوم الدولة الحديثة، وضد التحول الوطني الذي تقوده المملكة العربية السعودية منذ تأسيسها على يد الملك عبدالعزيز - رحمه الله - وحتى اليوم.

هذا المصطلح كان ولا يزال يُستخدم كـ«رصاصة لفظية»؛ لتشويه أي صوتٍ وطني، وللتقليل من شأن كل من يتبنّى خطاب الدفاع عن الوطن والقيادة.

الذين اخترعوا هذا المصطلح أرادوا أن يُفرغوا حب الوطن من معناه الشريف، وأن يجعلوا الولاء الوطني سُبّة، والانتماء فِعلاً مداناً، وكأن الدفاع عن وطنك تهمةٌ تستوجب الاعتذار.

أرادوا تحويل «الوطنية» من قيمةٍ سامية إلى شبهة، ومن شرفٍ إلى نقيصة، وهذا بذاته أخطر ما في الأمر؛ لأنه يُمثّل تحدياً صريحاً لهوية الدولة السعودية الحديثة، التي قامت على التوازن بين الانتماء الديني والولاء الوطني، في صيغةٍ متفردةٍ جعلت من السعودية نموذجاً عالمياً في الثبات والاستقرار.

من يعرف خلفية هذا المصطلح يدرك تماماً من أين أتى، ومن الذي أشعل فتيله، فقد خرج أولاً من دوائر ما بعد الصحوة، من تلك الجماعات التي انكشفت بعد عام 2017، حين بدأت الدولة السعودية الجديدة مشروعها الإصلاحي العميق بقيادة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، في رؤية 2030، تلك الجماعات بعد أن فقدت نفوذها الفكري والاجتماعي لم تجد سلاحاً سوى التشويه اللفظي لكل من يقف في صفّ الوطن، فصنعت قاموساً مريضاً مليئاً بالمصطلحات السامة مثل «الوطنجي»، و«الذباب»، و«المطبّل»، لتبرير فشلها في مقارعة الحجة بالحجة.

أما الذين روجوا لهذا المصطلح في الماضي، فهم خليطٌ من المتأثرين بالسرديات المعادية للمملكة، بين يساريٍّ خائبٍ يرى في الوطنية تهديداً لأحلامه العقيمة، وبين إخونجي مؤدلج يعتبر أن الولاء يجب أن يكون لجماعته لا لوطنه، وبين قومجيٍّ مغرورٍ ما زال يحنّ إلى شعارات القرن الماضي.

هؤلاء جميعاً اجتمعوا على عدوٍّ واحد: السعودي المخلص. ذلك المواطن الذي يحب قيادته، ويدافع عن بلده، ويرى في أمنه واستقراره أولويةً تفوق كل اعتبارات الجدل.

إن الذين يصفون السعوديين بالوطنجيّة لا يعارضون «تصرفاً» أو «سياسة»، بل يعارضون فكرة الوطن ذاتها، فهم لا يهاجمون الأشخاص، بل يهاجمون الهوية السعودية نفسها، يكرهون وضوحها، واعتزازها بذاتها، واستقلالها عن المشاريع العابرة للحدود. هم أبناء الخطاب الذي يريد سعودية بلا سعوديين، ودولة بلا روح، ومجتمعاً بلا ولاء ولا ذاكرة.

الحقيقة أن هذا المصطلح انقلب على أصحابه، فصار علامة عارٍ فكرية لا يستخدمها إلا من كُشف ستره، ولا يرددها إلا من سقطت عنه ورقة التوت. لأن كل من يهاجم الوطنية السعودية اليوم يضع نفسه تلقائياً في صفٍّ معادٍ، لا يحتاج إلى تحليل أو تأويل، إذ يكفي أن تسمعه ينطق بالكلمة حتى تعرف أنه يقف ضد المملكة، وإن حاول التجمّل بالعبارات المزخرفة.

الوطنية السعودية ليست شعاراً طارئاً، ولا موجة إعلامية كما يتوهمون، بل هي عقيدة تأسيس، وهي امتدادٌ طبيعيٌّ لروح الدولة منذ أن أعلن الملك المؤسس توحيد البلاد على أساس العدل والتوحيد والاستقرار.

هي التي حافظت على وحدة الأرض والإنسان، ورفعت السعودية إلى مصاف الدول الكبرى في محيطٍ يعجّ بالفوضى والانقسامات.

ومن هنا تأتي حساسية الدفاع عنها؛ لأنها ليست «رأياً سياسياً»، بل ولاء وجودي.

حين يهاجم أحدهم السعوديين ويصفهم بالـ«وطنجية»، فهو لا يدرك أنه يعترف ضمناً بأنه من خارج هذا الوجدان، وأنه لا ينتمي إلى السياق الذي يتحدث عنه، بل إنه يحاول أن يعاقب الآخرين على وطنيتهم؛ لأنه يفتقر إليها.

ولذلك.. فكل مرة يُستخدم فيها هذا المصطلح تُرفع الستارة عن وجهٍ حاقد، وتُسقط الأقنعة التي كانت تُخفي الانتماءات العابرة للوطن.

لقد أصبح هذا المصطلح بمثابة أداة قياسٍ دقيقة لمستوى الولاء والانتماء. من يستخدمه، يكشف نفسه من حيث لا يشعر، ومن يردده، يعلن - بلا تصريح رسمي - انفصاله عن وجدان المجتمع السعودي المتماسك حول قيادته.

إنها كلمة النهاية التي ما بعدها حوار؛ لأن من يزدري وطنه، لا يمكن أن يكون له في النقاش نصيب.

إن المملكة اليوم، وهي تسير بثقةٍ نحو المستقبل تحت قيادة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين، لا تعبأ بمثل هذه الأصوات الصغيرة، لكنها ترصدها لتعرف أين يقف خصومها.

أما المواطن السعودي الحق، فكلما سمع أحدهم يقول «وطنجي»، ابتسم بثقةٍ وقال: نعم.. أنا وطني، وهذه تهمتي التي أفخر بها.

00:30 | 2-11-2025