أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/1775.jpg?v=1769684372&w=220&q=100&f=webp

عبداللطيف آل الشيخ

من النقيض إلى النقيض: سيكولوجية الانقلابات الفكرية في عصر الهويات الرقمية

شهدت الساحة الفكرية والرقمية في منطقة الخليج العربي على مدار العقدين الماضيين بروز نمط من الشخصيات الإشكالية التي تخوض رحلة انتقال راديكالية من أقصى التديّن المتشدد إلى أقصى الخطاب التنويري أو العِلماني الحاد، متخذة من منصات التواصل الاجتماعي ساحة لمعركتها الوجودية و الفكرية.

إن الفهم العميق لهذه التحولات يتطلب تفكيكاً يتجاوز السطح السياسي، لينفذ إلى البنية السيكولوجية والاجتماعية التي تصنع هذا «الانقلاب الفكري».

أولاً: وهم الانتقال .. تغير المضمون وثبات البنية العقلية:

عند تحليل هذا الانقلاب، يبرز خطأ شائع يتجلى في استخدام الثنائية السياسية الغربية «يمين / يسار». في الواقع المحلي، لا يحدث التحول بين قطبين سياسيين، بل هو تحول في «طبيعة التديّن» و«المرجعية الأخلاقية». الانتقال الحقيقي هو من «اليقين المطلق الديني» إلى «اليقين المطلق اللا ديني».

من الناحية السيكولوجية، ينتمي الموقفان إلى عقلية واحدة هي عقلية امتلاك الحقيقة المطلقة. فالشخص هنا لا يغير طريقة تفكيره، بل ينقل تطرفه وحدته من وعاء إلى آخر. فيظل الخطاب التنويري الجديد محكوماً بالآليات الإقصائية نفسها التي كان يمارسها في ماضيه المتشدد، حيث أضحى هدم «الكتب الصفراء» بديلاً عن تكفير المخالفين، مع الإبقاء على الحدة المعرفية ذاتها.

إن ما يتغير في كثير من الأحيان هو المحتوى، أما البنية العقلية فتبقى على حالها، ولهذا يبدو الانتقال أحياناً أقرب إلى إعادة تموضع نفسي منه إلى مراجعة فكرية حقيقية.

ثانياً: صدمة الواقع والهروب من أزمة المعنى:

لا يعود هذا الارتداد المفاجئ إلى مراجعات معرفية هادئة، بل هو نتاج «صدمة واقعية» تخلخل المسلمات. فعندما تصطدم الأيديولوجيا المشحونة بالعواطف ببشاعة الأحداث الكبرى والمآسي الإنسانية، مثل الحروب والصراعات، يعجز الفكر التقليدي عن تفسير حجم العنف أو استيعاب التناقضات التي يراها الفرد أمامه.

هنا لا تتولد أزمة معرفة فحسب، بل تتشكل أزمة معنى وفراغ وجودي. يفقد الفرد ثقته في قدرة فكره القديم على منح الحياة معنى متماسكاً، فيصبح الانقلاب الحاد بمثابة آلية دفاع نفسية، ومحاولة يائسة لاستعادة الشعور بالقدرة على الفهم والتفسير عبر التماهي الكامل مع الخطاب النقيض.

ولأن الإنسان بطبيعته لا يحتمل الفراغ طويلاً، فإنه يسارع إلى استبدال يقين بيقين آخر، حتى لو لم يمنح نفسه الوقت الكافي لاختبار الأسئلة التي دفعته إلى هذا التحول أصلاً.

ثالثاً: خوارزمية «X» كمختبر لصناعة الهوية المتطرفة:

إن منصات التواصل الاجتماعي، وتحديداً منصة «X»، لا تمثل مجرد ناقل للأفكار، بل هي مُعيد تشكيل لبنية الوعي نفسها. فالخوارزمية الرقمية بطبيعتها تكافئ القطعية، والإيجاز الصادم، والبلاغة الخطابية الحادة، بينما تعاقب التوازن، والمراجعة الذاتية، والشك المنهجي الهادئ.

هذا المناخ يحول «المثقف الرقمي» إلى أسير لخوارزمية تطلب منه ضخ المزيد من التطرف لضمان البقاء والانتشار. وبالتالي يصبح مسار النقد المتوازن شبه مستحيل داخل هذه الفضاءات التي تعيش على الاستقطاب.

ومع مرور الوقت، لا يعود الفرد يعبر عن قناعاته فقط، بل يبدأ تدريجياً في إعادة تشكيل قناعاته بما يتناسب مع ما تكافئه المنصة. وهنا تتحول الخوارزمية من أداة تقنية إلى فاعل خفي يشارك في صناعة الهوية وتشكيل الاتجاهات الفكرية.

رابعاً: الهجرة الاجتماعية والبحث عن «قبيلة بديلة»:

يمتد هذا التحول إلى بعد سوسيولوجي عميق. فالشخص الذي يمر بهذا الانقلاب الحاد يخسر بالضرورة «قبيلته» الفكرية والاجتماعية الأولى، التي كانت تمنحه الدعم والاعتراف والشعور بالانتماء.

لذلك لا يعود خطاب الهجوم الشرس على الماضي محاولة لإقناع الطرف الآخر، بل يصبح «طقس مرور» وعرض هوية يقدمه لنظرائه الجدد.

إن المبالغة في مهاجمة الفكر التقليدي تمثل في كثير من الأحيان صك الولاء الذي يقدمه الفرد ليتم قبوله داخل «القبيلة البديلة».

ولهذا يفسر غياب الرغبة في الحوار الحقيقي، مقابل الحضور الطاغي للرغبة في الاستعراض الهوياتي وتأكيد الانتماء الجديد.

فالمعركة هنا لا تكون دائماً مع الأفكار القديمة، بقدر ما تكون مع الحاجة النفسية إلى إثبات المكان داخل الجماعة الجديدة.

خامساً: مأزق التنوير الانتقائي وغياب النموذج العملي:

تتجلى الهشاشة المعرفية لهذا الخطاب في تبنيه للتنوير والعلمانية كشعارات هوياتية مستوردة، بدلاً من كونهما ممارسة عملية معقدة ومليئة بالتسويات والتحديات.

يقع هذا الخطاب في فخ «التطرف المضاد» عندما يرفض التراث ككتلة واحدة مصمتة دون تفكيك سياقي، أو عندما يتعامل مع الموروث باعتباره مشكلة واحدة ذات حل واحد.

والمكمن الحقيقي لفشل هذا التنوير الانتقائي هو العجز عن تقديم البديل العملي القابل للعيش.

كيف سيبني هذا الخطاب مجتمعاً متماسكاً؟

ما مصدر القيم والأخلاق العامة في منظومته؟

كيف يواجه أسئلة الإنسان الأزلية حول الموت والمعنى والغاية؟

إن غياب الأجوبة العملية يحوّل التنوير المدّعى من مشروع نهوض معرفي إلى مجرد أداة لتصفية الحسابات النفسية مع الماضي، دون القدرة على بناء مستقبل فكري أو اجتماعي متماسك.

خلاصة التشريح: الارتداد الفكري كإنذار مبكر:

إن ظواهر الانقلاب الحاد من النقيض إلى النقيض، دون المرور بالمساحة الرمادية من الشك المتواضع والتردد المعرفي، تمثل إنذاراً مبكراً يكشف فشل كثير من المؤسسات الوسيطة، كالتعليم والأسرة والإعلام الجاد، في إنتاج أفراد قادرين على إدارة التعقيد والتعايش مع الأسئلة المفتوحة.

فالحل طويل المدى لا يكمن في مجابهة هؤلاء الأفراد داخل فضاء رقمي يقوم على الاستقطاب والإثارة، بل في إرساء نظم تربوية ومعرفية تنتج إنساناً متصالحاً مع فكرة ألا يكون متأكداً تماماً.

إن الهشاشة الفكرية ليست دائماً علامة ضعف، كما أن الشك ليس دائماً علامة ضياع. ففي كثير من الأحيان يكون الشك بداية الحكمة، وتكون القدرة على مراجعة الذات أكثر قيمة من القدرة على الانتصار في الجدل.

ولعل النضج الحقيقي لا يكمن في امتلاك الإجابات النهائية، بل في القدرة على إدارة التساؤلات الكبرى دون الهروب منها، وفي إدراك أن الحقيقة أوسع من أن يحتكرها فرد، وأعقد من أن تختزلها أيديولوجيا، وأعمق من أن تحتويها منصة رقمية واحدة.

منذ 9 ساعات

الطابور الخامس لم يعد يحتاج إلى عملاء

لسنوات طويلة ارتبط مفهوم الطابور الخامس بصورة العميل السري الذي يعمل لصالح خصم خارجي، وينقل المعلومات، ويبحث عن الثغرات، ويتحرك في الظل بعيداً عن الأنظار. كانت الصورة واضحة، وكان العدو معروفاً، وكانت المهمة الأساسية لذلك العميل هي الوصول إلى ما لا يجب أن يصل إليه. لكن هذه الصورة تنتمي إلى زمن مختلف. فالتحدي الأخطر الذي تواجهه المجتمعات اليوم لا يأتي دائماً من شخص جُنّد للعمل ضدها، بل قد يأتي من مواطن طبيعي يعتقد أنه يمارس حقه في التعبير، أو يؤدي واجباً وطنياً، أو يكشف حقيقة غائبة، بينما يساهم في الوقت نفسه، دون أن يشعر، في نشر الرسالة ذاتها التي كان الطابور الخامس التقليدي يحتاج سنوات طويلة لإيصالها.

لقد تغيرت طبيعة الصراع، في القرن الماضي كانت المعركة تدور حول المعلومة، أما اليوم فهي تدور حول تفسير المعلومة.

لم تعد القيمة الحقيقية في امتلاك الخبر، بل في القدرة على توجيه فهمه، وصياغة الرواية التي تحيط به، وتحديد الزاوية التي ينظر منها الناس إليه.

ولهذا انتقلت كثير من معارك التأثير من غرف العمليات المغلقة إلى المنصات الرقمية المفتوحة، حيث تُصنع الانطباعات اليومية، وتتشكل القناعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وتتكون الصور الذهنية عن الدول والمجتمعات والمؤسسات.

في هذا العالم الجديد، لم يعد الطابور الخامس بحاجة إلى اختراق أنظمة الدولة بقدر حاجته إلى اختراق طريقة تفكير المجتمع.

ولعل أخطر ما في هذا التحول أنه لا يعتمد غالباً على الكذب الصريح.. فالكذب يمكن اكتشافه ومواجهته، أما إعادة ترتيب الحقائق فهي أكثر تعقيداً، يمكن للخبر أن يكون صحيحاً، ويمكن للرقم أن يكون دقيقاً، ويمكن للواقعة أن تكون حقيقية، لكن المشكلة تكمن في كيفية تقديمها، وفي حجم التركيز عليها، وفي السياق الذي توضع فيه.

فقد يتحول إنجاز كبير إلى خبر عابر، بينما تتصدر ملاحظة هامشية واجهة النقاش لأيام، وقد يُختزل مشروع ضخم في خطأ محدود، أو يُقاس نجاح مسار كامل باستثناء فردي لا يمثل القاعدة. هنا لا يجري تزوير الواقع، بل إعادة هندسته ذهنياً حتى يرى الناس الجزء ويغيب عنهم الكل.

ولهذا لم يعد السؤال الأهم: هل المعلومة صحيحة أم خاطئة؟

السؤال الأكثر أهمية أصبح: لماذا تُعرض هذه المعلومة بهذه الطريقة تحديداً؟

هذه هي المنطقة التي تعمل فيها أدوات التأثير الحديثة، ومن يتابع المشهد الرقمي يلاحظ أن كثيراً من الرسائل المؤثرة لا تنتشر بسبب قوتها الفكرية، بل بسبب قدرتها على إثارة المشاعر. فالخوارزميات لا تكافئ بالضرورة المحتوى الأكثر دقة، بل المحتوى الأكثر تفاعلاً. والغضب يتفاعل أكثر من الهدوء، والخوف ينتشر أسرع من الطمأنينة، والصدمة تحصد اهتماماً أكبر من التحليل المتزن.

ومن هنا نشأت ظاهرة يمكن تسميتها «اقتصاد التشاؤم».

ففي البيئة الرقمية الحالية أصبح التشاؤم مادة جاذبة، وأصبح الإحباط منتجاً قابلاً للتداول، وأصبحت المبالغة في تصوير الأزمات أكثر قدرة على الانتشار من القراءة المتوازنة للواقع.. وكلما ارتفع مستوى القلق، ارتفع معه مستوى التفاعل، وكلما ارتفع التفاعل، زادت فرص ظهور المحتوى وانتشاره.

وهنا تبدأ المفارقة.. فكثير من الأشخاص الذين يساهمون في نشر هذه الرسائل لا يعملون لحساب جهة ما، ولا ينتمون إلى مشروع منظم، بل قد يكونون مقتنعين تماماً أنهم يؤدون دوراً إيجابياً. لكن النتيجة النهائية لا تُقاس بالنوايا، بل بالأثر.

ولهذا فإن الطابور الخامس الحديث لا يحتاج دائماً إلى تجنيد أفراد كما كان يحدث في الماضي. يكفي أحياناً أن تُصنع رواية جذابة، ثم يتولى آلاف الأشخاص إعادة نشرها، والدفاع عنها، وتوسيع انتشارها، حتى تتحول إلى حقيقة متداولة بصرف النظر عن دقتها أو اكتمالها.

وتزداد هذه الظاهرة وضوحاً في المنصات الصوتية، حيث تمنح نبرة المتحدث إحساساً فورياً بالمصداقية. فالصوت قادر على خلق علاقة عاطفية سريعة بين المتحدث والمستمع، وقد ينجح في تجاوز أسئلة عقلية كثيرة كان القارئ سيتوقف عندها لو قرأ الفكرة مكتوبة.

كما ساهمت هذه البيئة في بروز ما يمكن تسميته «خبير المقهى الرقمي»؛ وهو الشخص الذي يتحدث بثقة مطلقة في أعقد الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية، دون أن يقدم مصدراً موثوقاً أو بيانات قابلة للتحقق. والخطورة هنا لا تكمن في وجود الرأي، فالرأي حق مشروع، بل في تحويل الانطباعات الشخصية إلى حقائق عامة، وتحويل الثقة بالنفس إلى بديل عن المعرفة.

ومع ذلك فإن الخلط بين التخريب والاختلاف يبقى خطأً كبيراً. فالمجتمعات الواثقة لا تخاف من النقد، والدول القوية لا تبني استقرارها على الصمت. الاختلاف جزء من الحيوية الطبيعية لأي مجتمع، والنقد الموضوعي ضرورة للتصحيح والتطوير.

لكن الفارق يظهر عندما يتحول النقد إلى مشروع دائم لإنتاج الإحباط، وعندما يصبح التشكيك غاية مستقلة لا وسيلة للوصول إلى الحقيقة، وعندما يُختزل الواقع كله في سلبياته فقط، وكأن النجاح استثناء نادر والفشل هو القاعدة الثابتة.

إن أخطر ما يمكن أن تخسره المجتمعات ليس معلومة، بل الثقة. فالثقة هي الرصيد الذي يسمح للمجتمعات بالاستمرار، ويسمح للمؤسسات بالعمل، ويسمح للناس بالنظر إلى المستقبل بوصفه فرصة لا تهديداً دائماً.

ولهذا فإن مواجهة الطابور الخامس الرقمي لا تكون بالصراخ المضاد، ولا بتحويل المنصات إلى ساحات تخوين، ولا بإطلاق الأحكام على كل رأي مختلف. المواجهة الحقيقية تبدأ ببناء وعي نقدي قادر على التمييز بين الخبر وتفسيره، وبين الحقيقة والانطباع عنها، وبين النقد الذي يسعى إلى البناء والنقد الذي لا يعيش إلا على هدم الثقة.

لقد تغيّر الطابور الخامس كثيراً منذ ظهوره قبل نحو قرن. لم يعد يختبئ خلف الأبواب المغلقة، ولم يعد يحتاج بالضرورة إلى عميل سري أو شبكة تجسس تقليدية.

في كثير من الأحيان يكفي أن ينجح في إقناع الناس بأن لا شيء يستحق الثقة، وأن كل نجاح وهم، وأن كل مؤسسة موضع شبهة، وأن المستقبل مجرد نسخة أكبر من المخاوف الحالية.

00:02 | 7-06-2026

منكرو السنّة.. حين يلتقي التفكيك الديني مع الأجندة السياسية

من الخطأ اختزال ظاهرة إنكار السنّة النبوية في كونها مجرد خلاف فقهي أو نقاش أكاديمي حول مصادر التشريع، فالقضية في جوهرها أكبر من ذلك بكثير، لأنها تمس البنية التي حفظت الإسلام عبر القرون، وتفتح الباب أمام إعادة تعريف الدين وفق أهواء الأفراد ومتطلبات اللحظة السياسية.

منكر السنّة لا يهاجم القرآن، بل يبدأ من نقطة أكثر حساسية، يتحدث عن الاكتفاء بالقرآن، ثم ينتهي عملياً إلى إسقاط المصدر الذي يشرح القرآن ويبيّن أحكامه ويحول نصوصه إلى واقع معاش، وبهذا يصبح الدين قابلاً لإعادة الصياغة وفق قراءات شخصية لا ضابط لها ولا مرجعية تحكمها.

ولهذا لم يكن مستغرباً أن تجد هذه الفكرة قبولاً لدى بعض المشاريع الفكرية والسياسية المعادية للعالم الإسلامي، فحين تُنزع السنّة من مكانتها، يُصبح من السهل تفكيك المنظومة التشريعية والأخلاقية والحضارية التي تشكّلت عبر أربعة عشر قرناً، وعندما يفقد المجتمع مرجعيته الجامعة، يتحوّل إلى جماعات متفرقة، لكل منها تفسيرها الخاص للدين وقراءتها الخاصة للنصوص.

إن أخطر ما في الفكرة ليس ما تقوله، بل ما تؤدي إليه، فهي لا تكتفي بإسقاط كتب الحديث، بل تسقط معها تراكمات علمية هائلة، وجهود آلاف العلماء، ومنظومة معرفية كاملة قامت على التمحيص والنقد والتدقيق، وهي بذلك تنقل المسلم من مرجعية الأمة إلى مرجعية الفرد، ومن العلم المتراكم إلى الرأي الشخصي.

وإذا كان التاريخ يعلمنا شيئاً، فهو أن استهداف الأمم يبدأ غالباً باستهداف مراجعها الكبرى، وليس من قبيل المصادفة أن تكون السنّة النبوية هدفاً دائماً للتيارات التي تسعى إلى إعادة تشكيل الوعي الإسلامي، لأن إسقاط السنة لا يعني إسقاط مصدر تشريعي فحسب، بل يعني إضعاف الرابط الذي وحّد فهم المسلمين لدينهم عبر العصور.

ولعل المفارقة الأبرز أن كثيراً من منكري السنّة يعتقدون أنهم يحررون الإسلام من التراث، بينما النتيجة العملية التي يصلون إليها هي تحرير كل إنسان من أي مرجعية سوى نفسه، وعندما تصبح الذات هي المرجع الأعلى، لا يبقى دين واحد، بل أديان بعدد القراءات والأهواء.

وهنا تتجاوز المسألة حدود الجدل الديني إلى أبعاد سياسية وحضارية أوسع، فالمجتمعات التي تفقد مراجعها المشتركة تصبح أكثر قابلية للاختراق الفكري والاستقطاب والتفكك، ولهذا تجد بعض المنهجيات المعادية للإسلام وللعالم الإسلامي مصلحة مباشرة في انتشار هذه الأطروحات، لأنها تساهم في إضعاف البنية الفكرية التي شكّلت هوية المسلمين وحافظت على تماسكهم عبر القرون.

لهذا فإن قضية السنّة ليست قضية تاريخية، وليست سجالاً بين المحدثين وخصومهم، بل قضية تتعلق بمستقبل الفهم الإسلامي نفسه، فالأمم لا تُهزم فقط بالجيوش والاقتصاد، بل قد تُهزم أيضاً عندما تُفكك مراجعها الفكرية من الداخل، ويُزرع الشك في المصادر التي حفظت هويتها ووحدتها واستقرارها المعرفي عبر الأجيال.

ومن هنا تبدو خطورة إنكار السنّة مضاعفة، فهو من جهة يطعن في أحد أهم مصادر التشريع الإسلامي، ومن جهة أخرى يقدم خدمة مجانية لكل مشروع سياسي أو فكري يسعى إلى إضعاف المرجعيات الجامعة، وتفكيك البنية الثقافية والحضارية للأمة الإسلامية، تحت شعارات تبدو براقة في ظاهرها، لكنها في نتائجها تقود إلى فراغ فكري لا يخدم إلا خصوم هذه الأمة ومشاريعها الكبرى.

00:17 | 31-05-2026

موسم الحج والأسطوانة المشروخة

في كل عام، وقبل أن يكتمل مشهد الحج العظيم، تبدأ الأسطوانة ذاتها بالدوران: مقاطع مجتزأة، روايات مرتبكة، حسابات مجهولة أو مؤدلجة، ومحاولات متكررة لصناعة انطباع سلبي حول موسم يعرف العالم كله حجم تعقيده وضخامة مسؤولياته، وكأن بعض الأصوات لا تنتظر من الحج أن ينجح أو يفشل، بل تنتظر فقط فرصةً صغيرةً كي تعيد إنتاج الهجوم نفسه، باللغة نفسها، والنتيجة نفسها: ضجيج عابر، ثم نجاح كبير للموسم بإذن الله.

المسألة لم تعد مفاجئة، وربما لهذا أصبحت أقل إثارةً وأكثر مللاً، فحين يتكرر النمط كل عام، يفقد قدرته على الإقناع، الهجوم الذي كان يُراد له أن يبدو كشفاً أو اعتراضاً أو نصحاً، صار مكشوفاً إلى حد أنه يفضح أصحابه قبل أن يمس الجهة المستهدفة، المشكلة ليست في وجود نقد؛ فالنقد المسؤول مطلوب في أي عمل بهذا الحجم، المشكلة في حملات تُعرف بدايتها قبل أن تبدأ، وتُعرف خاتمتها قبل أن تنتهي، لأنها لا تبحث عن الحقيقة بل عن التشويش.

الحج ليس فعاليةً عاديةً يمكن الحكم عليها من مقطع قصير أو تعليق غاضب أو حساب يتخفّى خلف اسم مستعار، الحج أكبر تجمع بشري سنوي منظم في بقعة محدودة، وفي زمن محدد، وضمن شعائر دقيقة، وبلغات وثقافات وأعمار وظروف صحية مختلفة، ومن لا يدرك حجم هذا التعقيد لا يحق له أن يختزل المشهد في لقطة عابرة، إدارة الحج ليست عملاً دعائياً، بل هندسة دولة: أمن، وصحة، ونقل، وتفويج، وإسكان، وتقنية، وخدمات، وخطط طوارئ، وتنسيق بين عشرات الجهات.

لهذا تحديداً، تبدو الحملات الموسمية ضد الحج ضعيفة منطقياً قبل أن تكون مرفوضة سياسياً، فهي تطلب من المتلقي أن ينسى ملايين الحجاج الذين يؤدون مناسكهم بأمن وطمأنينة، وأن يركز على مقطع مبتور أو حادث فردي أو ادعاء بلا سياق، وهذا منطق لا يبحث عن الصورة الكاملة، بل يفتش عن زاوية ضيقة كي يجعلها بديلاً عن الحقيقة، وحين تتحول اللقطة إلى حكم، ويصبح الاستثناء قاعدة، فنحن لا نتحدث عن نقد بل عن تضليل.

الزاوية الأهم هنا أن السعودية لا تدير الحج بوصفه مناسبةً إعلاميةً، بل بوصفه أمانةً دينيةً ومسؤوليةً سياديةً، وهذا الفارق جوهري، فالدولة التي تخدم الحرمين الشريفين لا تحتاج إلى شهادة حسابات موسمية كي تثبت دورها، ولا إلى الدخول في سجال مع أصوات اعتادت الظهور في التوقيت نفسه كل عام، الرد الحقيقي ليس في مطاردة كل كذبة، بل في استمرار العمل، وانسيابية التنظيم، وسلامة الحجاج، واكتمال الموسم على خير.

ومن زاوية سيادية، لا يمكن فصل هذه الحملات عن محاولات أوسع لتسييس الشعائر أو تحويل الحج من عبادة جامعة إلى مادة للابتزاز الإعلامي والسياسي، وهنا يصبح الوعي ضرورياً، لأن الرد على كل صوت غبي أو مغرض قد يمنحه قيمةً لا يستحقها، أحياناً يكون التجاهل موقفاً، لا عجزاً، وأحياناً يكون عدم الالتفات أعلى درجات الثقة، لأن الدولة التي تعرف ماذا تفعل لا تضيع وقتها في شرح البديهيات لمن قرر مسبقاً ألا يرى.

لقد وصلنا فعلاً إلى مرحلة لا تستحق فيها هذه الأصوات أكثر من قراءة باردة: من يهاجم الحج كل عام بالطريقة نفسها، وفي التوقيت نفسه، وبالمواد نفسها تقريباً، لا يقدم قضيةً جديدةً بل يعيد تدوير فشل قديم، حتى الكذب يحتاج إلى خيال كي يبقى مؤثراً، أما حين يصبح الكذب مكرراً إلى هذا الحد، فإنه يتحول إلى مادة مضحكة لا مادة مقنعة.

نجاح الحج لا تصنعه العناوين، بل تصنعه التفاصيل التي لا يراها كثيرون: رجل أمن يرشد حاجاً تائهاً، مسعف يتدخل في لحظة حرجة، عامل ميداني يقف تحت الشمس، نظام تقني يختصر وقتاً، خطة تفويج تمنع ازدحاماً، وآلاف السعوديين والسعوديات يعملون بصمت كي يمر الموسم كما ينبغي، هذه هي الصورة التي لا تستطيع حملات التشويش هزيمتها، لأنها صورة واقع لا صورة دعاية.

في النهاية، ستستمر الأسطوانة المشروخة لأنها لا تملك غير التكرار، وسيستمر الحج في النجاح لأن خلفه دولةً لا تتعامل معه كموسم عابر، بل كمسؤولية تاريخية ودينية وإنسانية، وبين ضجيج موسمي ينتهي بانتهاء الحملة، وعمل مؤسسي يتراكم عاماً بعد عام، يعرف الناس أين تكون الحقيقة.

كالعادة، سنرى هجوماً، وسنرى مقاطع، وسنسمع أكاذيب، وكالعادة أيضاً، ستنتهي الضوضاء، ويبقى المشهد الأهم: حجاج يؤدون مناسكهم بأمن وطمأنينة، وموسم ينجح بإذن الله، ودولة ترد بالفعل لا بالانفعال.

00:00 | 24-05-2026

لا يصحّ إلا المملكة العربية السعودية..

ليس كلُّ حضورٍ حضوراً حقيقياً، وليس كلّ وزنٍ وزناً مؤثّراً. ففي زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات، وتتزاحم فيه الادّعاءات، وتُستبدل فيه الحقائق بالضجيج، تبقى الحقيقة الكبرى أكثر رسوخاً من كلّ محاولةٍ للتزييف: لا يصحّ إلا المملكة العربية السعودية. فالدولة ليست شعاراً يُرفع في المناسبات، ولا خطاباً يُستهلك عند الأزمات، بل هي منظومة قرار، وذاكرة تاريخ، ومسؤولية سيادية، وقدرة متواصلة على حماية الكيان وصناعة المستقبل.

الدول لا تُقاس بما تقوله عن نفسها، بل بما تثبته عند المنعطفات الصعبة. ولا تُختبر في القاعات المضيئة والمؤتمرات المزدحمة، بل في لحظات الضغط، وعند اشتداد الأزمات، وحين تتداخل الحسابات وتتكاثر المغامرات. وفي هذا الامتحان الطويل، أثبتت المملكة العربية السعودية أنّها مركز الاتّزان حين يختلّ الميزان، ومرجعية العقل حين يعلو الصخب، وصمّام الأمان حين تنجرف المنطقة نحو المجهول.

لم تكن المملكة يوماً دولةً تُقاد بردود الفعل، ولم تسمح لانفعالات اللحظة أن ترسم مسارها. لم تدخل معارك الشعارات، ولم تُستدرج إلى ساحات الاستعراض، بل اختارت طريق الدولة الراسخة: ترى أبعد، وتحسب أدقّ، وتتحرّك حين يكون التحرّك ضرورة، وتصبر حين يكون الصبر جزءاً من الحكمة. وهنا تكمن قوّتها الحقيقية؛ قوّة القرار الهادئ، وصلابة الموقف، ووضوح البوصلة.

ما يميّز المملكة ليس حضورها السياسي وحده، بل نضجها في فهم معنى الدولة. فهي تعرف أين تقف، ولماذا تقف، ومتى تتحرّك، وكيف تحافظ على مصالحها دون أن تفرّط في ثوابتها. لا تُدار بالارتجال، ولا تُبنى سياساتها على المزايدات، ولا تتنازل عن استقرارها في سبيل مكاسب مؤقتة. لذلك استطاعت أن تدير الملفات الكبرى، أمناً واقتصاداً وسياسةً خارجيةً، بثباتٍ لا تملكه إلا الدول التي تعرف قدرها ودورها.

في إقليمٍ مزدحمٍ بالتجارب المرتجلة، تبدو المملكة استثناءً ناضجاً. لا تُقامر بوحدة مجتمعها، ولا تساوم على أمنها، ولا تستثمر في الفوضى مهما بدا الربح قريباً أو مغرياً. فهي تدرك أنّ الخسارة الحقيقية ليست في تأجيل مكسبٍ سياسي، بل في المساس بجوهر الدولة وسلامة الكيان. ولهذا بقيت المملكة، في كلّ التحولات، دولة البناء لا الهدم، والاستقرار لا الفوضى، والرؤية لا الارتجال.

إنّ عناصر القوّة السعودية ليست طارئةً ولا مصطنعة. قوّتها في شرعيتها التاريخية، وفي عمقها العربي والإسلامي، وفي موقعها الجغرافي، وفي ثقلها الاقتصادي، وفي قدرتها على الجمع بين الأصالة والتحديث. قوّتها في قيادةٍ تعرف معنى التحوّل دون أن تفقد الجذور، وفي شعبٍ يثق بدولته، وفي مشروعٍ وطني لا يكتفي بإدارة الحاضر، بل يذهب بثقةٍ نحو المستقبل.

وحين تختلط الأوراق، وتتزاحم المشاريع المؤقتة، وتُرفع الشعارات فوق حقائق الأرض، يعود السؤال الجوهري: من يملك معنى الدولة؟ والجواب لا يحتاج إلى خطابةٍ طويلة؛ فالتاريخ، والجغرافيا، والوقائع اليومية تقول بوضوح: لا يصحّ إلا المملكة العربية السعودية. لأنها لم تُبنَ على نزوة، ولم تُدر بالمصادفة، ولم تتخلَّ يوماً عن مسؤوليتها تجاه نفسها، وشعبها، ومحيطها، ومكانتها.

قد تختلف القراءات، وتتعدّد الأهواء، وتتباين المواقف، لكن في لحظة الحقيقة تسقط الأقنعة، ويبقى الأصل. والأصل هنا دولة تعرف من تكون، وماذا تريد، وكيف تحمي حضورها دون صخب، وكيف تثبت قوّتها دون ادّعاء. إنها المملكة العربية السعودية؛ الدولة التي لا تحتاج إلى ضجيجٍ كي تُرى، ولا إلى مبالغةٍ كي تُحترم، لأن ثقلها يتحدث عنها، وتاريخها يشهد لها، وواقعها يؤكد مكانتها.

لهذا، وبمنطق الدولة الواثقة، وبوضوح الحقيقة التي لا تحتاج إلى تزيين: لا يصحّ إلا المملكة العربية السعودية.

00:00 | 17-05-2026

القارة السعودية في سياسة إدارة التوازنات لا إدارة الحدود

في السياسة، لا تُقاس الدول بحجم مساحتها بقدر ما تُقاس بحجم دورها، وفي منطقةٍ مضطربةٍ بطبيعتها يصبح هذا الفارق أكثر وضوحاً، فهناك دولٌ تتعامل مع محيطها باعتباره خارج حدودها، وهناك دولٌ تدرك أن محيطها هو امتدادها المباشر، وفي هذا السياق، تبدو السعودية أقرب إلى «قارة» في سلوكها السياسي، لا دولة تقف عند خطوط الخريطة.

هذا التوصيف لا يُقصد تضخيماً لغوياً، بل محاولة لفهم وظيفة، فالمملكة، بحكم موقعها وتاريخها وثقلها الاقتصادي، تجاوزت موقع الطرف في المعادلة الإقليمية، لتصبح أحد المحددات التي تقوم عليها تلك المعادلة ذاتها، ولهذا، فإن فهم سياستها لا يكون عبر ردود أفعالها، بل عبر الدور الذي تؤديه.

وإذا كان لا بد من تسمية أدق، فإن السعودية لا تعمل كقوة مهيمنة، ولا تكتفي بدور الدولة المحورية، بل تمارس ما يمكن وصفه بـ«دولة التوازن المُنظِّم»؛ أي الدولة التي لا تبتلع محيطها، ولا تنسحب منه، بل تعيد ترتيب تفاعلاته بحيث لا ينفرد طرفٌ بكسر المعادلة.

هذا الدور لا يُدار بالشعارات، بل بحساباتٍ دقيقة، لأن الجوار، في الحالة السعودية، ليس ملفاً خارجياً، بل امتدادٌ مباشر للأمن الوطني. ولهذا، لا يُبنى القرار على لحظة الحدث، بل على ما سيترتب عليه، وهنا يتشكّل الفارق بين دولةٍ ترد، ودولةٍ تعيد تشكيل الرد نفسه.

في بيئاتٍ مستقرة، قد تبدو سرعة الرد فضيلة سياسية، وقد تُفسر على أنها حزم، ولكن في الشرق الأوسط، حيث تتقاطع المصالح وتتداخل الأزمات، فإن كل خطوةٍ غير محسوبة قد تفتح مسارات يصعب إغلاقها، ولهذا، لا يكون السؤال: كيف نرد؟ بل: ماذا سيحدث بعد الرد؟ وفي هذا التحول، تتضح فلسفة «القارة».

السعودية تدرك أن كثيراً من الأحداث الاستثنائية، خصوصاً تلك التي تُصاغ بطابعٍ استفزازي، ليست سوى محاولاتٍ لفرض إيقاعٍ سريعٍ على القرار، وهنا، يصبح الامتناع عن الانجرار قراراً بحد ذاته، لأن الاستجابة لكل استفزاز تعني تسليم زمام التوقيت للطرف الآخر، وهذا في ميزان الدول خسارة استراتيجية.

ولهذا، يُساء أحياناً فهم التريُّث السعودي، فيُفسر على أنه تردد، بينما هو في حقيقته شكل مختلف من الحزم، فالحزم لا يكون برفع الصوت، بل بالقدرة على التحكم بالإيقاع، والدولة التي تختار لحظة فعلها، وتحدد مساره، تكون أكثر قدرة على تحقيق أهدافها من دولةٍ تتحرك تحت ضغط اللحظة.

على مدى عقود، تشكّل ما يمكن تسميته «المظلة السعودية»، وهو توصيف لا يشير إلى هيمنة، بقدر ما يعكس دوراً تراكم عبر الزمن، اقتصادياً، تمثل المملكة ثقلاً مركزياً، وجيوسياسياً، تشكّل عقدة ربط للتوازنات، وتاريخياً، لعبت دوراً محورياً في نزع فتيل الأزمات وعدم السماح لها بالتمدّد، وهذا التراكم جعل منها نقطة توازن يُعاد إليها عند كل اهتزاز.

غير أن هذا الدور لا يأتي بلا تكلفة، فالدولة التي تختار أن تكون «قارة» في إدارة محيطها، تستهلك من رصيدها الاقتصادي والسياسي باستمرار، وتتحمل عبء التوقعات، وتبقى هدفاً دائماً للاستفزازات، ولكنها، في المقابل، تستثمر في سلعة نادرة في هذه المنطقة، اسمها «الاستقرار»، وهي سلعة، رغم كلفتها، أقل ثمناً من الفوضى، بل هي شرطٌ أساسي لنجاح تحولها الاقتصادي العالمي.

وهنا تبرز المعضلة الأكثر تعقيداً، فالسعودية اليوم لا تكتفي بدورها الإقليمي، بل تنقل مركز ثقلها نحو اقتصاد عالمي تنافسي، وهذا التحول يخلق صداماً بين منطقين؛ منطق «القارة» الذي يقوم على الصبر والتريث، ومنطق «الدولة العالمية» الذي يتطلب أحياناً سرعة الرد ووضوح الحسم لحماية سمعتها وجذب الاستثمارات.

المستثمر العالمي لا يقرأ الإقليم بعين السياسة، بل بعين المخاطر، ولهذا، فإن أي حدثٍ غير محسوب، إن لم يقترن بإشارة ردع واضحة يفهمها السوق، قد يُفسر على أنه بيئة غير مستقرة، وهنا يكمن التحدي الحقيقي: كيف تحافظ السعودية على دورها كقوة توازن إقليمي، وفي الوقت ذاته، تتصرف كدولة تنافس في سوق عالمي لا ينتظر.

في هذا السياق، لا يكون الرد السعودي، إن وقع، نهاية المسار، بل بدايته، إذ غالباً ما يتحول الفعل، بعد لحظته الأولى، إلى مسارٍ دبلوماسي واقتصادي يعيد ملء الفراغ، ويعيد ضبط التوازن، وهنا تحديداً، لا تُقاس القرارات بلحظتها، بل بما تتركه بعدها.

كان يمكن للسعودية أن تختار مساراً أكثر صخباً، أن تُصعّد إعلامياً، وأن ترد على كل حدثٍ بحدث، وأن تنخرط في استقطاباتٍ حادة، ولكن هذا المسار، رغم ما يقدمه من حضورٍ سريع، يفتح أبواب استنزافٍ طويل، ويُفقد الدولة قدرتها على التحكم بالمآلات، وهنا يظهر الفرق بين إدارة الأزمة والوقوع فيها.

لهذا، تبدو السعودية، في كثيرٍ من الأحيان، أقل صخباً، ولكنها أكثر تأثيراً، لأنها لا تتحرك وفق ما يُفرض عليها، بل وفق ما تراه مناسباً لمعادلتها، وفي زمنٍ تُستفز فيه الدول لتُخطئ، تختار هي أن تُدير.

في النهاية، ليست «القارة السعودية» توصيفاً لحجم، بل تعريف لوظيفة؛ وظيفة تقوم على إدارة التوازنات لا إدارة الحدود، وفي هذا الإيقاع الهادئ، حيث تتكلم السياسة عبر إدارة التوازنات، يصمت الضجيج ليعمل التوازن، ويتضح معنى أن تكون دولةً بحجم إقليمٍ كامل.

00:00 | 10-05-2026

هندسة اليقين: كيف تُحوِّل السعودية قلق السوق إلى معادلة مُدارة؟

في أسواق الطاقة، لا يُصنع الاستقرار من وفرة البراميل وحدها، بل من القدرة على تهذيب القلق الجماعي الذي يسبقها. فالسوق، قبل أن يستهلك النفط، يستهلك التوقعات. وحين تُتقن دولةٌ ما تحويل هذا القلق إلى مسارٍ محسوب، فإنها لا تدير السوق فقط، بل تبدأ أولى خطوات هندسة اليقين.

ما فعلته المملكة يتجاوز إدارة العرض والطلب إلى ما يمكن وصفه بـ«الهندسة العكسية لعدم اليقين»؛ تحويله من خطر مفتوح إلى نطاق مُدار، له حدود نفسية وإيقاع متوقع. هذه العملية لا تقوم على أداة واحدة، بل على منظومة تنفيذية دقيقة تتكامل فيها الإشارة مع القدرة، والقرار مع التوقيت.

الأداة الأولى: تحويل الغموض إلى حزم توقعات مُدارة:

السوق لا يخشى التذبذب بقدر ما يخشى الفراغ المعلوماتي. و هنا، لا تترك الرياض المساحة مفتوحة للتخمينات الحادة. عبر شبكة من الإشارات المنضبطة «تصريحات محسوبة، تمهيدات قبل الاجتماعات، قراءات متقاربة من منصات تحليلية»، يتم تقليص نطاق السيناريوهات المتطرفة. النتيجة ليست فرض سعر، بل رسم «ممر تفسيري» يتحرك داخله المتعاملون. المضارب لا يعود حراً في القفز بين أقصى الاحتمالات، بل يجد نفسه محكوماً بإطار ذهني يحد من اندفاعه. هذا ليس توجيهاً مباشراً، بل سياج نفسي يحفظ السوق داخل حدود العقلانية.

الأداة الثانية: ابتكار «النفط الاحتياطي المعنوي»:

في الاقتصاد التقليدي، يُقاس الاحتياطي بما يُخزن تحت الأرض. أما في الحالة السعودية، فهناك طبقة أخرى: احتياطي يُخزن في الوعي الجمعي للسوق. الإشارة المتكررة إلى وجود قدرة إنتاجية جاهزة خلال فترة زمنية قصيرة لا تُقرأ كبيان تقني فقط، بل كآلية ردع مزدوجة: تكبح أي اندفاع صعودي غير مبرر، وفي الوقت ذاته تُطمئن السوق عند الهبوط الحاد. المفارقة أن هذا الاحتياطي لا يحتاج أن يُستخدم كي يؤدي وظيفته. مجرد استحضاره في لحظة مناسبة كافٍ لإعادة ضبط السلوك. إنه رادع إدراكي؛ وجوده يمنع الحاجة إلى تفعيله.

الأداة الثالثة: اجتماعات «طمأنة الإغراق»:

في فترات فائض المعروض، لا يُواجه سلوك تعظيم المكاسب الفردية بالأرقام فقط، بل ببناء ضغط جماعي من نوع مختلف. آلية الاجتماعات الدورية داخل «أوبك+» لا تقتصر على مراجعة الالتزام، بل تُنتج بيئة نفسية تجعل الخروج عن الإجماع مكلفاً معنوياً قبل أن يكون اقتصادياً. حين تُقدم دولة مركزية على خفض طوعي إضافي، يتحول أي تجاوز من الآخرين إلى فعل ظاهر للجميع. هذه ليست رقابة تقليدية، بل انضباط اجتماعي مُدار؛ حيث يُصنع اليقين من خلال الإحراج الجماعي، لا فقط عبر القيود الرسمية.

الأداة الرابعة: صندوق الاستثمارات العامة كـ«مرآة عكسية للسوق»:

في قلب هذه المنظومة، يقف عنصر يُقرأ مالياً غالباً، لكن دوره أعمق. صندوق الاستثمارات العامة ليس مجرد أداة استثمار، بل آلية موازنة نفسية. عند انخفاض الأسعار، تتسارع استثماراته في الطاقة البديلة «إشارة ضمنية: الخيارات الاستراتيجية مفتوحة». وعند ارتفاع الأسعار، يتباطأ هذا الإيقاع «تعزيز للثقة في استمرارية النفط». هذا التناسق العكسي يخلق توقعاً دائماً بالتوازن؛ السوق، حتى في ذروة تقلبه، يشعر أن هناك «خطة موازية» تعمل في الخلفية. وهذه بحد ذاتها صيغة من ضمان الاستقرار الإدراكي.

عند جمع هذه الأدوات، يتضح أن ما تمارسه المملكة هو بناء منظومة تجعل الطاقة أداة ائتمانية قبل أن تكون سلعة مادية. قيمة النفط، في هذا الإطار، لا تُقاس فقط بقدرته الحرارية، بل بقدرته على تهدئة المخاوف، وكبح الطموحات المفرطة، وإعادة ضبط التوقعات. إنه يتحول من مورد يُستخرج إلى رسالة تُقرأ.

لهذا، حين يُطرح السؤال عن سر بقاء السعودية مركز الثقل، فإن الإجابة لا تكمن في حجم الإنتاج وحده، بل في القدرة على تحويل السوق إلى فضاء يمكن التنبؤ به. المملكة لم تكتفِ بإدارة التوازن، بل أعادت تعريفه. لم تلاحق القلق، بل أعادت صياغته. وفي هذا التحول، تنتقل الطاقة من معادلة العرض والطلب إلى معادلة أعمق: الثقة والإدراك.

وهنا يتجلى الفارق بين من يتحكم في التدفقات ومن يتحكم في توقعات التدفقات. الأولى قوة تشغيلية.. أما الثانية، فهي سيادة كاملة على منطق السوق نفسه.

00:41 | 3-05-2026

لا سايكس بيكو قبل.. ولا سايكس بيكو بعد..

حين يُستدعى اسم اتفاقية سايكس بيكو، يُستعاد معها مشهدٌ مكتمل الأركان: قوتان استعماريتان ترسمان خرائط منطقةٍ لم تكونا جزءاً من نسيجها، وحدودٌ تُخطّ على الورق قبل أن تُختبر على الأرض. لقد كانت تلك الاتفاقية لحظة مفصلية في تاريخ المشرق العربي، ليس لأنها قسّمت الجغرافيا فحسب، بل لأنها أعادت تعريف مفهوم الدولة في المنطقة؛ بوصفها كياناً يُنشأ من الخارج لا من الداخل.

غير أن هذا المسار لم يكن قدراً شاملاً. ففي الوقت الذي كانت فيه خرائط تُعاد صياغتها وفق توازنات القوى الأوروبية، كانت شبه الجزيرة العربية تشهد تجربة مغايرة تماماً، تجربة لا تُفهم إلا بوضعها خارج إطار «سايكس بيكو» نفسه.

السعودية، بوصفها دولة، لم تكن نتاج لحظة تقسيم، بل حصيلة مشروع توحيد طويل قاده الملك عبدالعزيز آل سعود، مشروع بدأ من الداخل، واستند إلى مزيج من القوة العسكرية والحنكة السياسية، وانتهى إلى بناء كيان سياسي متماسك فرض نفسه واقعاً قبل أن يُعترف به رسمياً، كما حدث في معاهدة جدة.

وهنا يكمن الفارق الجوهري، الذي غالباً ما يُختزل في السرديات التقليدية. فالدول التي نشأت في أعقاب «سايكس بيكو» وُلدت من خطوطٍ رُسمت مسبقاً، ثم بدأت لاحقاً في البحث عن مضمونها السياسي والاجتماعي. كانت الحدود تسبق الهوية، وكان الكيان القانوني يسبق الشعور الجمعي بالانتماء.

أما في الحالة السعودية، فقد حدث العكس. الهوية السياسية والاجتماعية تشكّلت أولاً، ثم جاءت الحدود لتُعبّر عنها. لم تكن الدولة تبحث عن تعريفٍ لنفسها، بل كانت تُرسّخ تعريفاً قائماً بالفعل. وهذا الفارق، على بساطته الظاهرية، يفسّر كثيراً من الفوارق العميقة في الاستقرار السياسي، وفي قدرة الدولة على التكيف مع التحولات.

الزاوية التي قلّما تُناقش في هذا السياق، أن «سايكس بيكو» لم تكن مجرد تقسيمٍ جغرافي، بل كانت أيضاً تأجيلاً لصراعاتٍ داخلية. لقد جمعت في إطار دولة واحدة مكونات اجتماعية وثقافية متباينة، دون أن تمنحها الوقت أو الآليات اللازمة لبناء عقدٍ سياسي جامع. ولذلك بقيت كثير من تلك الدول تعيش حالة من إعادة التعريف المستمر، كأنها لم تستقر بعد على صورتها النهائية.

في المقابل، واجهت الدولة السعودية تحدياتها التأسيسية في وقت مبكر. لم تُرحَّل التناقضات، بل جرى التعامل معها ضمن مشروع التوحيد نفسه. وهذا ما منح الكيان السياسي صلابةً بنيوية، جعلته أقل عرضة للاهتزاز أمام التحولات الإقليمية والدولية.

ومن زاوية أخرى، يمكن قراءة الفرق من خلال مفهوم الشرعية. فالدول التي نشأت بقرار خارجي، غالباً ما سعت لاحقاً إلى ترسيخ شرعيتها داخلياً، عبر بناء مؤسسات أو سرديات وطنية تعوّض نقص التأسيس. أما الدولة التي نشأت من الداخل، فقد انطلقت من شرعيةٍ متجذرة، ثم سعت إلى تثبيتها دولياً.

السعودية تمثل هذا النموذج الثاني بوضوح؛ فهي لم تنتظر الاعتراف الدولي لتكون دولة، بل فرضت وجودها أولاً، ثم جاء الاعتراف لاحقاً بوصفه نتيجة طبيعية لمسار التأسيس. وهذا ما يجعل سيادتها أقرب إلى كونها حالة متجذرة، لا مجرد موقف سياسي ظرفي.

الأهم من ذلك، أن هذا الاختلاف في التأسيس انعكس على سلوك الدولة في مراحل لاحقة. فالدول التي وُلدت ضمن خرائط مرسومة، غالباً ما تنشغل بحماية حدودها بوصفها أساس وجودها. أما الدولة التي نشأت من مشروع داخلي، فهي تنظر إلى السيادة بوصفها مفهوماً أوسع من الجغرافيا، يشمل القدرة على اتخاذ القرار، وإعادة توظيف الموارد، والتكيّف مع المتغيرات دون فقدان جوهرها.

ولهذا لم تكن السعودية أسيرة جغرافيتها، بل استطاعت أن تحوّل موقعها من هامشٍ جغرافي إلى مركزٍ في معادلات الطاقة والسياسة الإقليمية. هذا التحول لم يكن نتيجة ظرفٍ طارئ، بل امتداد طبيعي لطبيعة التأسيس.

قد يبدو الحديث عن «سايكس بيكو» اليوم أقرب إلى استدعاء تاريخٍ مضى، لكن أثر تلك اللحظة ما زال حاضراً في بنية كثير من الدول التي نشأت في ظلها. في المقابل، تقدّم التجربة السعودية نموذجاً مختلفاً، يؤكد أن الدولة التي تُبنى من الداخل، تكون أقل عرضة لإعادة التشكيل من الخارج.

من هنا يمكن قراءة العنوان بوصفه خلاصة لا مجرد توصيف: «لا سايكس بيكو قبل.. ولا سايكس بيكو بعد». قبل، لأن التأسيس لم يكن نتاج تقسيم. وبعد، لأن البنية التي قامت عليها الدولة تجعلها عصية على منطق التقسيم ذاته.

وفي عالمٍ ما زالت فيه بعض الخرائط قابلة للمراجعة، تبقى هناك دولٌ لم تُرسم أصلاً، بل تشكّلت عبر مسارٍ تاريخي خاص. وهذا، في جوهره، هو الفرق بين دولة تُولد من اتفاق، ودولة تُبنى كفكرة ثم تتحول إلى حقيقة.

00:00 | 26-04-2026

السعودية لا تتاجر بالاقتصاد العالمي

أتذكر جيداً ذلك النقاش الذي يتكرر كلما ارتفعت الأسعار، حيث يُقال: «ارفع الإنتاج أو خفّضه، المهم أن نكسب أكثر».

ويبدو هذا الطرح بديهياً للوهلة الأولى، إلا أنه في حقيقته يُعد اختزالاً مخلاً.

فالقضية لا تتعلق بكمية البيع بقدر ما تتعلق بكيفية الحفاظ على بقاء السوق واستقراره.

لا تتحرك السعودية بمنطق ملاحقة الفرص، بل تعمل وفق منهجية قائمة على ضبط الإيقاع، وهنا يكمن الفارق الذي لا يُشار إليه كثيراً.

ويمكن توضيح ذلك بمثال بسيط:

عندما ترتفع الأسعار، فإن بعض المنتجين يلجأون إلى زيادة الإنتاج إلى أقصى حد ممكن، وطرح كميات كبيرة في السوق بهدف تحقيق أكبر عائد في أقصر وقت، دون اعتبار لمستوى السعر أو استدامته، هذا السلوك يعكس عقلية تجارية بحتة.

غير أن ما يحدث لاحقاً يتمثل في تشبّع السوق، يتبعه ارتفاع حاد، ثم تراجع، ما يؤدي إلى حالة من عدم التوازن.

في المقابل، لا تتبنى السعودية هذا النهج، ليس لعجز، بل لرفض أن تكون جزءاً من حالة عدم الاستقرار. فهي لا تقتصر على بيع النفط، بل تدير سوقاً متكاملة.

ومن يستهلك كامل طاقته الإنتاجية في الحاضر، قد لا يجد طلباً كافياً في المستقبل.

وإذا تم النظر إلى المسألة من زاوية أوسع، يتضح أن ارتفاع الأسعار إلى مستويات مبالغ فيها، لا يؤثر على الاقتصادات القوية بالدرجة نفسها التي يؤثر بها على الاقتصادات الأضعف.

فالدول ذات الإمكانات المحدودة، والأفراد محدودو الدخل، هم الأكثر تضرراً.

تظهر الآثار في ارتفاع تكاليف النقل، وزيادة أسعار الغذاء، وتعطل الأنشطة الإنتاجية الصغيرة، وهذه ليست تفاصيل هامشية، بل تمثل جوهر التأثير الحقيقي للأسعار.

وتدرك السعودية أن تحقيق أرباح إضافية على حساب هذه الفئات لا يُعد مكسباً صافياً، بل يؤدي إلى تبعات سلبية مؤجلة قد تنعكس على استقرار الأسواق العالمية.

لذلك، لا يتم التعامل مع السعر كغاية، بل كوسيلة ضمن إطار أوسع.

وتبرز هنا زاوية أخرى ذات أهمية خاصة، وهي مسألة الثقة، فالثقة في أسواق الطاقة تُعد عاملاً غير مكتوب، لكنها ذات تأثير حاسم. فعندما يدرك السوق أن المنتِج لا يستغل فترات الضعف، فإن العلاقة تستمر، وعندما يُنظر إليه كعنصر استقرار، تتعزز مكانته.

ومن هذا المنطلق، لا تقتصر السعودية على بيع النفط، بل تسعى إلى ترسيخ موقعها كمرجعية موثوقة.

وقد يبدو هذا التوجه مثالياً للبعض، إلا أن القراءة الواقعية تفرض توضيح أن السعودية ليست جهة خيرية، بل دولة ذات مصالح واضحة.

غير أن ما يميز هذه المصالح هو امتدادها الزمني، وارتباطها باستقرار السوق، لا بتقلباته، فالمكاسب المرتبطة بالأزمات تكون مؤقتة، بينما تلك المبنية على الاستقرار تكون أكثر استدامة.

وهنا تبرز زاوية يغفلها كثيرون، يُقال إن ارتفاع الأسعار قد يدفع العالم إلى البحث عن بدائل للطاقة، وهذا صحيح جزئياً.

غير أن هذه البدائل لا تزال تواجه تحديات تتعلق بالجاهزية، والتكلفة، والكفاءة.

ومع ذلك، لا تقوم السعودية على الخشية من هذه البدائل، بل تعمل على الاستعداد لها ضمن إطار زمني واقعي.

فالمشكلة لا تكمن في احتمال تراجع الاعتماد على النفط، بل في فقدان الثقة في السوق.

إذ إن غياب الاستقرار يدفع الدول إلى اتخاذ قرارات متسرعة، مثل توقيع عقود طويلة الأجل بشروط غير متوازنة، أو التوسع في التخزين، أو الاستثمار في بدائل غير ناضجة، وتؤدي هذه السلوكيات إلى تشوهات في السوق، وهدر في الموارد.

من هنا، تسعى السعودية إلى تحقيق انتقال منظم في قطاع الطاقة، بدلاً من حدوث تحول مفاجئ وغير متوازن.

ولهذا السبب، لا يتم دفع الأسعار إلى مستويات مفرطة، ليس بدافع الخوف من البدائل، بل حفاظاً على استقرار السوق خلال مرحلة التحول.

وفي المحصلة، لا يتعلق الأمر بعدم القدرة على رفع الأسعار، بل بالقدرة على إدارة تأثيرها.

فالسؤال الحقيقي لا يكمن في سبب عدم رفع السعر إلى أقصى حد، بل في كيفية الحفاظ على سوق قابلة للاستمرار.

والجواب يتمثل في أن من يدير السوق، لا يسعى إلى كسرها.

00:04 | 19-04-2026

المسميات الملغومة.. من «حزب الله» إلى «الفرقة الناجية»

ليست المشكلة في السلوك وحده، بل في اللغة التي تسبقه. في السياسة كما في الفضاء الرقمي، لا تبدأ السيطرة بالفعل، بل بالاسم الذي يسبقه. التسمية ليست توصيفاً محايداً، بل إطار إدراكي يسبق الحكم، ويعيد تشكيله، ويوجّه المتلقي قبل أن تتكوّن لديه فرصة التفكير. الاسم هنا لا يصف الواقع، بل يعيد صياغته.

حين يُحسن الفاعل اختيار الاسم، فإنه لا يقدّم نفسه فقط، بل يحدّد مسبقاً كيف يجب أن يُفهم، وكيف يجب أن يُعارض، بل وكيف يجب أن يُصنّف من يخالفه. هنا لا تعود اللغة وسيلة نقل، بل تتحول إلى أداة سلطة ناعمة تعمل بهدوء، لكنها تُعيد تشكيل الوعي بعمق.

لفهم هذه الفكرة، يكفي تأمل نماذج معاصرة بُنيت على «تسمية مغلقة دلالياً». في بعض الحالات، لا يكون الاسم مجرد تعريف، بل حاجزاً نفسياً أمام النقد. حين يُختار اسم مثل حزب الله، فإن المعارض لا يواجه تنظيماً سياسياً فقط، بل يُدفع ضمنياً إلى موقع يبدو وكأنه اعتراض على معنى ديني أعلى. هنا تتعقد المعادلة: كيف تفصل بين الاسم ومحموله؟ وكيف تعارض دون أن تُعاد صياغتك أخلاقياً قبل أن تُسمع حجتك؟

هذه ليست مصادفة، بل هندسة واعية. اختيار الاسم في هذه الحالة لا يُبنى على الدقة، بل على الأثر. ليس الهدف أن يصف، بل إن يحصّن، وأن يعيد تشكيل ساحة النقاش قبل أن تبدأ. الاسم يصبح إطاراً مغلقاً، وكل من يدخل فيه يخضع لقواعده، وكل من يخرج عنه يُعاد تعريفه من خلاله.

هذا النموذج لا يقتصر على التنظيمات المؤدلجة، بل يمتد بصيغٍ مختلفة إلى الفضاء الرقمي. ما يحدث على منصة «إكس» يعكس نسخة مصغّرة من هذه الآلية، لكن بانتشار أوسع وتأثير أسرع. بعض المجتمعات الرقمية هناك لا تتشكل حول فكرة قابلة للنقاش، بل حول مسميات عالية الشحنة، تُستخدم بوصفها أدوات فرز أكثر من كونها أدوات تعريف.

مسميات مثل «الصحبة الصالحة» و«الفرقة الناجية» لا تعمل بوصفها توصيفاً محايداً، بل بوصفها أطر تحصين. الاسم هنا لا يكتفي بتحديد هوية المجموعة، بل يمنحها موقعاً أخلاقياً مسبقاً، ويجعل أي نقد لها يبدو بشكل ضمني وكأنه اعتراض على الصلاح أو النجاة.

وهنا تحديداً تتكشف آلية الاستغلال بشكل أوضح. مصطلح «الفرقة الناجية» الوارد في الحديث الشريف، وهو مفهوم ديني واسع لا يُختزل في جماعة بعينها، تم انتزاعه من سياقه الأصلي، وإعادة توظيفه داخل الفضاء الرقمي. لم يعد مفهوماً مفتوحاً، بل تحوّل إلى اسم مُحتكر.

بعض الأفراد على منصة «إكس» لم يكتفوا باستخدام المصطلح، بل بنوا حوله مجتمعاً رقمياً، يقدّم نفسه بوصفه «الفرقة الناجية» ذاتها. ليس على سبيل الوصف، بل على سبيل الادعاء الضمني. وبهذه الخطوة، يتم نقل المصطلح من دائرة الاعتقاد الديني العام إلى دائرة الهوية المغلقة.

وبهذا التحوير، لا يعود الاسم مجرد مرجعية دينية، بل يصبح أداة تصنيف:

من داخل هذا المجتمع يُفهم أنه ضمن «النجاة»، ومن خارجه يُوضع تلقائياً في موقع مقابل، حتى لو لم يُصرّح بذلك. وهنا تكمن الخطورة؛ لأن المعنى لم يعد يُناقش، بل يُفترض مسبقاً.

وبهذا، يتم نقل النقاش من ساحة الفكرة إلى ساحة القيمة، ومن مجال الحجة إلى مجال التصنيف. في هذه البيئة، لا يُسأل ماذا تقول، بل يُسأل من أنت. هل تنتمي داخل هذا الإطار أم خارجه؟ وبمجرد الإجابة، يُحسم الموقف قبل أن يبدأ النقاش. هذه هي النقطة المفصلية: حين تتحول التسمية إلى مرشح إدراكي يسبق الفهم.

بهذه الآلية، لا يحتاج الخطاب إلى قوة برهان؛ لأنه سبق أن أعاد تعريف ساحة النقاش. أي اختلاف يتحول إلى إدانة، وأي خروج عن الإطار يُقرأ كخروج عن القيمة نفسها. وهنا، لا يعود الهدف إقناع الآخر، بل تصنيفه.

ومع تكرار هذا النمط، تتشكل بنية كاملة من الإقصاء غير المعلن. لا توجد جهة تعلن المنع، ولا قواعد مكتوبة تُفرض، لكن السلوك يتجه في مسار واحد: من لا ينتمي يُدفع خارج الدائرة، ومن لا يكرر اللغة يُحاصر ضمنياً. التفاعل لا يكون عفوياً، بل يُعاد إنتاجه عبر أنماط لغوية متشابهة وعبارات مكررة واستجابات متزامنة، تعطي الانطباع بوجود رأي عام، بينما هو في الحقيقة بنية مُدارة.

وهنا تتحول اللغة إلى أداة ضبط جماعي. ليست مجرد وسيلة تعبير، بل آلية توجيه تُعيد تشكيل الانطباع وتحدد ما يُقبل وما يُرفض دون إعلان.

المفارقة أن هذه الأدوات تبدو أخلاقية في ظاهرها، لكنها في جوهرها نقيض الأخلاق. لأنها لا تفتح باب الاختلاف، بل تغلقه، ولا توسّع المفاهيم، بل تختزلها في إطار ضيق. مفاهيم كبرى مثل الصلاح والحق والنجاة تُفرّغ من عمقها، وتُعاد صياغتها كوسيلة اصطفاف داخل مجتمع رقمي مغلق.

في السياق الوطني، تصبح هذه الظاهرة أكثر حساسية. حين تُستخدم هذه المسميات لمهاجمة المغرد الوطني، فإننا لا نكون أمام اختلاف في الرأي، بل أمام محاولة لإعادة تعريف معيار القبول ذاته. يتم وضع الفرد داخل قالب أخلاقي مُسبق، ثم يُحاكم من خلاله لا من خلال ما يطرحه من أفكار.

المغرد الوطني الحر بطبيعته يكسر هذا الإطار. لا ينتمي إلى مجتمع مغلق، ولا يتحرك وفق نمط مكرر، ولا يعيد إنتاج اللغة نفسها. ولهذا يُنظر إليه كعنصر خارج السيطرة، لا لأنه يطرح فكرة مختلفة، بل لأنه يرفض الدخول في قالب جاهز. وهنا، لا تتم مواجهته بالحجة، بل بإدخاله قسراً في إطار أخلاقي منخفض، ثم مهاجمته من داخله.

هذه الآلية، التي يمكن وصفها بالرجم الأخلاقي الرقمي، لا تقوم على تقديم حجة، بل على صناعة انطباع. يتم فيها تكرار الوصم وتضخيمه ودفعه عبر التفاعل الجماعي حتى يتحول إلى صورة ذهنية يصعب فصلها عن صاحبها. ومع الوقت، لا يعود السؤال هل هذا صحيح، بل لماذا يتكرر هذا الوصف.

لكن ما تغيّر اليوم داخل «إكس» هو المتلقي نفسه. الوعي الرقمي لم يعد سطحياً ولا سريع الانقياد. المستخدم بات قادراً على رصد الأنماط وقراءة التكرار واكتشاف الخطاب حين يُدار خلف واجهة أخلاقية. لم تعد كثافة التفاعل دليلاً على الصحة، ولم تعد النبرة الوعظية تمنح مصداقية تلقائية.

كلما تكررت الأدوات، انكشف أنها ليست قناعات بل أدوار. وكلما تشابهت اللغة، ظهر أنها ليست تعبيراً فردياً، بل خطاب يُعاد إنتاجه.

الخلاصة أن المعركة لم تعد على من يقول الحقيقة، بل على من يملك تعريفها. ومن يملك الاسم، يملك جزءاً كبيراً من المعنى، ومن يملك المعنى يملك القدرة على التأثير. وحين تتحول الأسماء إلى أدوات تحصين، فإن أخطر ما نخسره ليس النقاش، بل القدرة على فهمه.

00:01 | 12-04-2026