أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/uploads/authors/1624.jpg&w=220&q=100&f=webp

محمد شايع الشايع

إنجازٌ فطري سعودي يعبر القارات.. «الريادة المتميزة» تتوّج لاستدامة الطيور المهاجرة

في لحظة تاريخية تعكس التحول النوعي والعميق في مسار العمل البيئي الوطني، سجلت المملكة العربية السعودية إنجازاً دولياً جديداً بحصولها على شهادة «الريادة المتميزة» (Migratory Species Champion Plus) من معاهدة الحفاظ على الأنواع المهاجرة (CMS)، لتؤكد حضورها السيادي والمتقدم في مشهد حماية التنوع الأحيائي عالمياً، ودورها المتنامي في صون مسارات الكائنات المهاجرة العابرة للقارات. إن هذا التتويج يأتي عربونَ اعترافٍ بتراكم عملٍ مؤسسي واستراتيجي رصين في إدارة البيئة، انتقلت فيه المملكة من نطاق المبادرات المتفرقة، إلى بناء منظومة مستدامة وشاملة قائمة على التخطيط العلمي، والتشريع الصارم، والتقنية المتقدمة، بما ينسجم تماماً مع مستهدفات التحول الوطني ضمن إطار رؤية السعودية 2030، الذي يتوشح بدعم ولي العهد الدائم في كل فصول مسيرته وإنجازاته.


وتتجلّى القيمة الحقيقية لهذا الإنجاز في كونه نتاجاً لمنظومة متكاملة يقودها المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية، وبقيادةٍ خبيرة من رئيسه التنفيذي الدكتور محمد علي قربان وفريق عمله، الذين عملوا على تطوير مفهوم حديث، وعالمي لحماية الحياة الفطرية، يرتكز على الربط الوثيق بين حماية الموائل الطبيعية، واستدامتها، والتحول من مفهوم الاكتفاء بمنع التدهور البيئي إلى مرحلة الإثراء الأحيائي. وقد شهدت المملكة في هذا الصدد طفرة في وضع الأنظمة والتشريعات المنظمة للحماية، وإدارة تطبيقها بمهنية عالية، مدعومةً بقرار التوسع التاريخي في إنشاء المحميات، لا سيما المحميات الملكية، التي باتت تُمثّل اليوم شبكة بيئية مترابطة وممرات آمنة توفر نقاط توقف حيوية للأنواع المهاجرة خلال رحلاتها الملحمية الطويلة بين أطراف المعمورة.


وخلال مسيرة العمل المؤسسية برزت مبادرات الاستعادة البيئية الكبرى، وعلى رأسها «مبادرة السعودية الخضراء»، كقوة دافعة لإعادة تأهيل مساحات شاسعة من النظم البيئية المتدهورة، حيث ساهمت استعادة الغطاء النباتي، وتعزيز التنوع الحيوي في دعم استقرار المسارات البيئية (البرية والجوية)، وإعادة التوازن الفطري إلى بيئات كانت ترزح تحت ضغوط بشرية ومناخية متزايدة عبر العقود الماضية.


وعلى الصعيد الميداني، برز الدور الفاعل لـ «القوات الخاصة للأمن البيئي» باعتبارها ذراعاً تنفيذياً متخصصاً في حماية الفطرة وإنفاذ الأنظمة؛ حيث أسهمت بشكل ملموس في الحد من التعديات البيئية، وعلى رأسها الصيد الجائر والتخريب البيئي، عبر منظومة رقابية رقمية صارمة مدعومة بإطار تشريعي وحوكمة ممنهجة. وتعمل هذه المنظومة على الحماية وتهذيب السلوك وزيادة الوعي، من خلال آليات ضبط متميزة تستند إلى قوة الأنظمة والتشريعات البيئية لردع المخالفين وتعزيز الامتثال الوطني. ولم يغفل هذا المسار التنموي توظيف التقنيات الحديثة، إذ أصبح استخدام أنظمة التتبع عبر الأقمار الصناعية، وتحليل البيانات الضخمة، وتقنيات الذكاء الاصطناعي جزءاً لا يتجزأ من أدوات الإدارة البيئية الحديثة في المملكة. وقد مكّن ذلك المركز الوطني من بناء قدرات استباقية لرصد حركة الكائنات المهاجرة، وتحديد المخاطر المحتملة في مساراتها، مما رفع من فعالية الاستجابة النوعية لحماية الأنواع المهددة بالانقراض.


أما على المستوى «الجيوــ بيئي»، فيكتسب هذا الإنجاز بعداً استراتيجياً فائق الأهمية، نظراً لموقع المملكة الحيوي ضمن مسارات الهجرة الأفرو-أوراسية (Afro-Eurasian Flyways)، حيث تمر عبر أراضينا وسواحلنا أعداد هائلة من الطيور، والكائنات المهاجرة سنوياً. هذا التموضع يجعل من المملكة نقطة ارتكاز لا غنى عنها في منظومة الحماية البيئية العالمية، ويضع على عاتقنا مسؤولية مضاعفة في ضمان استدامة هذه المسارات الحيوية.


إن حصول المملكة على هذه الشهادة الدولية يعكس تحولاً نوعياً في مفهوم «السيادة البيئية»، من مجرد إدارة للموارد المحلية إلى دور قيادي في حماية النظام الحيوي (الإيكولوجي) العالمي. كما يؤكد أن التنمية الاقتصادية المتسارعة في المملكة لم تعد مساراً منفصلاً عن الاستدامة، بل أصبحت جزءاً عضوياً من رؤية شاملة تُوازن بين النمو وحماية الطبيعة. وفي المحصلة، يرسّخ هذا الإنجاز مكانة المملكة لاعباً رئيسياً في صياغة مستقبل الاستدامة الكوكبية، ويؤكد أن الاستثمار في البيئة هو الركيزة الأساسية لبناء مستقبل أكثر توازناً واستقراراً للأجيال القادمة.

00:15 | 20-04-2026

كيف يُعيد «المركز الوطني» صياغة علاقتنا بالحياة الفطرية؟..

حين تُستعاد العلاقة بين الإنسان والكائنات الفطرية من فوضى العشوائية إلى انتظام المنهج، لا يكون الأمر مجرد تصحيح وضعٍ إداري عابر، بل هو إعادة صياغة وتأسيس لنظام توعوي مجتمعي كامل تجاه مكنونات الحياة. وهنا يتجلى الدور المحوري للمركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية، الذي نقل هذا المجال بمبادراته النوعية من الهامش غير المنظم إلى فضاء مؤسسي تحكمه الحوكمة، وتدعمه المعرفة العلمية، وتضبطه الأنظمة والتشريعات وفق امتثال دقيق للمنهجية العملية. ففي المشهد السابق لعملية التنظيم، كان اقتناء الكائنات الفطرية يفتقر إلى الضبط، مما فتح الباب لممارسات غير مقننة انعكست سلبًا على التوازن البيئي وعلى صحة الكائن ذاته، أما اليوم، ومع منح الملاك ملكية موثقة، فإن العلاقة لم تعد قائمة على الحيازة المجردة، بل استُبدلت بالمسؤولية القانونية والعلمية، حيث أصبح كل كائن مسجلاً، معروف الأصل، محدد السلالة، وتحت رقابة نظامية واضحة تضمن حقوق الكائن وهيبة النظام.

ويُعد العمل القائم خلال الفترة التصحيحية تحوّلاً جوهرياً لا يقف عند حدود التنظيم الإداري فحسب، بل يمتد إلى عمق «النمذجة» في الإدارة الحيوية، حيث يتيح النظام الجديد الذي أرسى قواعده المركز بناء قواعد بيانات دقيقة تُصنف الكائنات وفق خصائصها الوراثية والصحية، مما يُمكّن المركز بوصفه جهة تشريعية وتنظيمية من تتبع السلالات، ورصد أي انحرافات قد تهدّد نقاءها الفطري. وهنا تبرز أهمية ضمان «صفاء السلالة» بوصفه حجر الأساس في استدامة التنوع الحيوي، إذ يتم الحد من التلقيح والتزاوج الخلطي غير المنضبط الذي قد يُفقد الكائن خصائصه الأصيلة ويشوّه هويته البيئية. ويدعم هذا العمل التقليل والتخلص من الكثير من الأمراض المعدية والسيطرة عليها، ليحمل العمل بعدًا أكثر دقة وفاعلية، فالتوثيق لم يعد مجرد إثبات للملكية، بل أصبح سجلاً صحياً متكاملاً يتيح التدخل المبكر ويمنع انتشار الأمراض العابرة بين الأنواع، لتتحول الإدارة بفضل منهجية المركز من مجرد رد فعل إلى نظام استباقي قائم على التحليل والتنبؤ، والبيانات التراكمية.

ومن خلال الإعلان المركز فإن البهجة عالية للمتخصصين بأن العمل يدار بمنهجية بحثية رصينة ليكون مساراً تنموياً يعيد تعريف مفهوم «الاقتناء» ذاته، فلم يعد مجرد ترف أو هواية منفصلة عن السياق البيئي الوطني، بل تحوّل إلى شراكة حقيقية لحماية الحياة الفطرية، حيث أصبح المالك شريكاً في الحفظ، يدرك بعمق معنى «إدارة القطيع» ليلتزم بالضوابط ويساهم في حماية الأنواع من الاندثار. ومن زاوية أوسع، فإن هذا التنظيم يعزّز البعد الحضاري للمجتمع السعودي، ويعكس وعيًا متقدّماً بقيمة الكائنات الفطرية كعنصر حيوي في استقرار الأنظمة البيئية، بما يفتح آفاقاً جديدة أمام الدراسات العلمية الرصينة المبنية على الأدلة والبيانات الموثقة. إن شعار «بحياتها نحيا» الذي أطلقه المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية لم يعد مجرد عبارة إنشائية، بل هو توصيف دقيق لحقيقة علمية تؤكد أن الحياة في توازنها الدقيق تعتمد على تكامل عناصرها، ومن هنا، فإن تنظيم الحيازة وضبط تداول الكائنات ليس إجراءً تنظيمياً فحسب، بل هو استثمار طويل الأمد في استدامة الحياة.

إننا نقف في نهاية المطاف أمام تجربة تتجاوز الإجراء إلى الفلسفة، فلسفة ترى في النظام حماية، وفي المعرفة قوة، وفي المسؤولية المشتركة طريقاً نحو بيئة أكثر اتزاناً. فبين النصوص النظامية وروحها، تتشكّل معادلة الوطن الجديدة: إن حفظ الكائنات الفطرية ليس خياراً، بل ضرورة حتمية... لأن بحياتها نحيا، وعليه فإن هذا البرنامج ليس عملاً مؤسسياً محصوراً في المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية فحسب، بل هو جهد مؤسسي تشاركي يتكامل وفق الاختصاص، فتقع مسؤولية التوعية على عاتق المتخصصين في مجال الإعلام البيئي، وتتجلى مسؤولية الملاك في التعاون والإفصاح والتسجيل، بينما تكتمل الدائرة بدور الأفراد في الإبلاغ عن المخالفات ورفض استغلال الأنظمة في غير محلها، لنصنع معاً مستقبلاً بيئياً آمناً ومستداماً، وصدى صوت عالمي مسموع داخل أروقة المنظمات الدولية البيئية.

00:08 | 3-04-2026

فلسفة «الحقيل» في أنسنة المدن وتشكيل المستقبل

تُعد الخضرة واحدةً من الركائز الأساسية التي تنهض عليها إستراتيجيات المدن العالمية، فمن خلال الحدائق وتشجير الطرقات يُعاد صياغة المشهد الحضري، إلا أن الدور الحيوي للسكان وملّاك المنازل يظل هو الحلقة الأهم، عبر مبادرات نوعية، محوكمة، وذات تنظيم عالٍ.

فلم يعد مفهوم تطوير المدن في المملكة العربية السعودية اليوم مرهوناً باتساع الشوارع، وحداثة الواجهات الخرسانية فحسب، بل بات يُقاس بمدى قدرة هذه المدن على أن تكون بيئات «آدمية» صالحة للعيش، تحتضن الإنسان وتستجيب لاحتياجاته الصحية والنفسية والبيئية في تناغم تام.

ومن هذا المنطلق، تبرز مبادرة «شجرة لكل منزل» التي تسبقها الأماني بتبني وزارة البلديات والإسكان، وبمباركة ودعم من وزيرها ماجد بن عبدالله الحقيل، كخطوة إستراتيجية في مسار «أنسنة المدن». الميزة الفائقة في هذه المبادرة لا تكمن في فعل التشجير المجرد، بل في الانحياز الواعي لـ«أشجارنا الصحراوية» كنقطة انطلاق، فهذه الأشجار ليست مجرد كائنات حية تقاوم الجفاف، بل هي جزء أصيل من الهوية الوطنية، وهي الأكثر كفاءة في ترشيد المياه والأقدر على التكيّف مع المناخ القاسي، مما يجسّد فهماً عميقاً لمعادلة الاستدامة، والتي توازن بين تجميل المشهد الحضري، والمحافظة على الموارد الطبيعية.

وحين تُغرس هذه الشجرة أمام عتبة المنزل، فإنها تؤدي أدواراً تتجاوز حدود الظل والجمال، فهي رئة طبيعية ترفع مستويات الأكسجين، وتخفض درجات الحرارة، وتكبح جماح التلوث، فضلاً عن أثرها العميق في تعزيز الراحة النفسية للسكان. وبذلك، تتحوّل الشجرة من عنصر تجميلي إلى أداة تنموية مباشرة لرفع جودة الحياة، وهو أحد المستهدفات الجوهرية لرؤية السعودية 2030.

ويتجلى البعد الإستراتيجي لهذه المبادرة في تضامنها مع المشروع الوطني الأضخم الذي أطلقه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، لزراعة 10 مليارات شجرة ضمن «مبادرة السعودية الخضراء»، حيث يتحوّل التشجير هنا من مشروع مركزي للدولة إلى ممارسة مجتمعية واعية تبدأ من فناء المنزل لتصب في مصلحة الوطن الكبرى.

إن هذا التحوّل الجذري يجسّد الدور المحوري لماجد الحقيل في إعادة تعريف القطاع العقاري، من منظومة خرسانية تقليدية إلى منظومة اقتصادية وبيئية متطورة ترتكز على الابتكار و«أنسنة الفراغات». فالدولة تضع الإطار وتوفر الممكنات، والمجتمع يشارك بالفعل ويضمن الاستدامة، لتتشكّل علاقة جديدة بين الإنسان وبيئته قائمة على المسؤولية والوعي.

وفي الختام، فإن أنسنة المدن لا تتحقّق بقرارات إدارية فحسب، بل بسلوكيات يومية تراكمية تصنع الفرق، فشجرة تُزرع أمام منزل قد تبدو فعلاً بسيطاً، لكنها في جوهرها لبنة أساسية في مشروع وطني عظيم يهدف إلى خلق مدن أكثر خضرة وحياة أكثر جودة. وتبقى الرسالة الأسمى هي تعزيز وعي المجتمع بأن «بيئتنا مسؤوليتنا»، فهل يحظى هذا المقترح بتبني الوزير الراقي ليكون منهجاً راسخاً في مدننا؟

00:14 | 24-03-2026

إستراتيجية الامتنان المنتج: من الهدر الهامشي إلى قيمة الاستدامة والأجر

تتجذر العادات والتقاليد في أصول المجتمعات بوصفها الموجه الهيكلي للقيم الجمعية حيث ظل «الامتنان» عبر التاريخ يمثل تجلياً سامياً للتقدير المعنوي والتكريم الإنساني، بيد أن التمحيص في المشهد الاجتماعي المعاصر يكشف عن تطرف حاد في أنماط التعبير عن هذا التقدير، إذ استُلبِت الغايات الجوهرية للاحتفاء لصالح نزعات استهلاكية مفرطة، وتكاليف مادية عالية أفضت إلى سيادة ما يمكن تسميته بـ«الهدية الساكنة». وهي تلك الأوعية المادية (دروع تذكارية، ومقتنيات ظرفية، ورود، وغيرها من المستهلكات، والمستخدمات) والتي تفتقر إلى القيمة النفعية الحيوية، لينتهي بها المطاف أعباءً لوجستية في حيز التخزين، مشكَلة خللاً داخل المنازل، والمكاتب، ونفاياتٍ مادية تفتقر للأثر، مما يمثل تقويضاً لجوهر فلسفة التكريم، وإهداراً للموارد الاقتصادية، التي كان من شأنها تعزيز الرفاه الاجتماعي المستدام. ومن رحم هذه الإشكالية يبزغ مفهوم «الامتنان المنتج» بوصفه نموذجاً فكرياً إصلاحياً يسعى لإعادة تشكيل الوعي الجمعي، عبر الانتقال من الرمزية الجامدة إلى الأصل النامي، كأسهم وقفية، أو أموال سائلة، أو على الأقل كأدوات استهلاكية نافعة. إن هذا المفهوم لا يقف عند حدود التعديل الشكلي لنمط المهاداة، بل يتجاوزه إلى هندسة بدائل تنموية، تحول ميزانيات الاحتفاء، إلى أصولٍ ذات قيمة تراكمية، كالمحافظ الاستثمارية، والصناديق الوقفية، وكفالة الأيتام، وكذلك دعم ريادة الأعمال الناشئة، وبذلك تتحول المناسبة من واقعة زمنية منقضية، إلى نقطة ارتكاز لقيمة مطّردة النمو، ووقف دائم يجعل من التكريم استثماراً في رأس المال البشري الذي يمثل مجموع المهارات، والقدرات الكامنة في الفرد، وتأسيساً لاستدامة وقفية تتخطى النطاق الفردي إلى الآفاق التنموية الشاملة.


إن نمذجة هذا التحول الإستراتيجي تستوجب تدخلاً تنظيمياً تقوده وزارة الموارد البشرية، والتنمية الاجتماعية، من خلال التأصيل المنهجي لثقافة العطاء التنموي، وحوكمة أنظمة التكريم، في كافة القطاعات بحيث تُدرج هذه الممارسات ضمن اللوائح التنظيمية كخيار مؤسسي، يتيح تحويل الاعتمادات المالية المخصصة للهدايا العينية إلى «أصول نفعية» وقنوات ادخارية للموظفين مما يعزز من كفاءة الإنفاق الاجتماعي ويحقق أماناً مادياً مستداماً للفرد تماشياً مع مستهدفات برنامج التحول الوطني، الذي يهدف إلى تحسين فاعلية العمل الاجتماعي. ويترافق هذا المسار التنظيمي مع حراك توعوي تقوده وزارة الإعلام، لإعادة صياغة الهوية الاجتماعية للتكريم، من خلال تفكيك الصورة النمطية المرتبطة بالبذخ الاستهلاكي وإحلال «هدية الأثر» كمعيار للرقي الحضاري والحذاقة الاجتماعية. إن هذا المسار الإعلامي يهدف إلى ربط الوجدان الجمعي بقيم الاستثمار الأخلاقي، والذي يعمل على توظيف مالي يراعي الأبعاد الاجتماعية والقيمية، محولاً الامتنان من فعل بروتوكولي عابر إلى وعي إستراتيجي يسهم في رفع نسبة المدخرات وتعظيم الأثر الاجتماعي للقطاع غير الربحي مما يخلق توازناً مترابطاً بين الجدوى الاقتصادية والسمو الروحي والأجر والثواب


ويتسق هذا التوجه، في بعده الفلسفي، مع مقاصد الاستخلاف، والتوريث الخيري والصدقة الجارية، وتنمية المال، ولضمان تلبية الاحتياجات النفسية للمُكرّم، تبرز ضرورة ابتكار تجارب احتفائيه، كنمطية تكريمية تعوض الترف البصري الزائل، بتوثيقٍ رقمي، وحوكمة شفافة لمسارات نمو الأثر، مما يعمق وشائج الانتماء والشعور بالتقدير الفعلي المستدام.


وفي الختام، يبرز النظام المالي المحوكم كضمانة حتمية لاستدامة هذا النموذج وتجذيره مجتمعياً، من خلال ربط مبادرات الامتنان بالمنصات الوطنية الموثقة لضمان الشفافية كمنصة إحسان وغيرها ذات الإجازة من الأنظمة والموثوقية. إن الامتنان المنتج يمثل إعادة توجيه إستراتيجي لـ«طاقة الفرح» نحو صناعة القيمة محولاً إياها من انفعال لحظي إلى قوة تنموية فاعلة، يصاغ عبرها مستقبلاً يتجاوز حدود اللحظة الضيقة إلى رحابة الأثر المستدام، والأجر والمثوبة من الله.

00:16 | 16-03-2026

السيادة الجينية وإحياء النظم البيئية..

تمثل استعادة التنوع الأحيائي حجر الزاوية في مواجهة التحديات البيئية المعاصرة، وعلى رأسها التصحر وفقدان الموائل، وفي خطوة مفصلية تعكس التزام المملكة العربية السعودية بحماية إرثها الطبيعي، أعلن المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية عن تجاوز حصيلة الكائنات الفطرية المطلقة ضمن برامجه لإعادة التوطين حاجز العشرة آلاف كائن، شملت أكثر من ثمانين نوعاً من الأنواع ذات الأولوية الوطنية. ولا يعد هذا الرقم مجرد إحصائية جافة، بل هو مؤشر على تحول إستراتيجي في إدارة النظم البيئية واستدامتها، وفق رؤية 2030، فخلف كل كائن فطري يعود إلى أحضان الطبيعة مسيرة طويلة من العمل المخبري الدقيق والبحث العلمي الرصين، إذ إن هذا الإنجاز ليس مجرد نجاح في الإكثار، بل هو تتويج لمنظومة بحثية متكاملة تضمن «الأصالة الجينية» والسلامة الصحية للأنواع، بما يكفل استدامتها في موائلها المتنوعة من جبال وسهول وسواحل.

وفي هذا السياق، يعمل الفريق المختص على توظيف التأصيل الجيني لصون السلالات المحلية، حيث يشكّل الحفاظ على السلالات الأصلية التحدي الأكبر للباحثين، فلكل منطقة جغرافية في المملكة سلالات تكيفت جينياً مع خصائص بيئتها، سواء كانت جبلية وعرة أو سهولاً مفتوحة. لذا، تعكف المراكز البحثية في مركزي الملك خالد بالثمامة والأمير سعود الفيصل بالطائف على تأصيل البصمة الوراثية، والفرز الوراثي كرافد أساسي للنجاح، حيث يجري الباحثون تحليلات دقيقة للحمض النووي لكل كائن قبل دخوله برامج الإكثار، بهدف استبعاد أي خلط وراثي قد يكون حدث في الأسر، والتأكد من انتماء الكائن جينياً للسلالة المحلية الصافية المرتبطة بموقع الإطلاق، كما تعمل الفرق المختبرية على إدارة التنوع الجيني لتفادي التزاوج الداخلي الذي قد يضعف السلالة، مما يعزز قدرة الأجيال القادمة على التكيّف مع التغيرات البيئية الصعبة.

ولا تتوقف الجهود عند الدراسات الجينية فحسب، ففي ظل التغيرات المناخية وتحديات الإكثار تحت الأسر، برز التحصين البيولوجي كدرع واقٍ، وتعد المختبرات البيطرية التابعة للمركز خط الدفاع الأول، حيث يخضع كل كائن لبروتوكول صارم من اللقاحات المصممة خصيصاً لأنواع مثل المها، والظباء، والوعول، لحمايتها من الأمراض الوافدة أو المتوطنة التي قد تنتقل إليها من الماشية، ويقود هذه الجهود كفاءات سعودية مدربة تتواصل بفعالية مع الجامعات، والمراكز البحثية العالمية. وتنفذ الفرق تجارب مخبرية وتحاليل دورية للدم، والأنسجة لمراقبة الحالة الصحية، وضمان خلو الكائنات من الطفيليات والأمراض الوبائية قبل نقلها، حمايةً للنظام البيئي من أي تلوث بيولوجي، ليمتد العمل البحثي بعد ذلك إلى المواءمة البيئية التي تربط بين المنتج الفطري وطبيعة المنطقة الجغرافية المناسبة لكل نوع.

هذا الربط المنهجي يركز في المناطق الجبلية على الوعول وظباء الإدمي لما تمتلكه من خصائص فسيولوجية تمكّنها من التعامل مع المرتفعات، بينما تبرز في السهول المها الوضيحي وظباء الريم لقدرتها العالية على تحمل الجفاف وقطع مسافات طويلة، وقبل الإطلاق النهائي، تشرف الفرق على فترات تأقلم في مسيجات كبيرة بمواقع الإطلاق، لمراقبة سلوكيات الكائنات بناءً على التوصيات العلمية المستخلصة من التجارب السابقة. ولا تنتهي المهمة عند فتح بوابات الإطلاق، بل تبدأ مرحلة متقدمة من «الرقابة الفنية» عبر توظيف أحدث تقنيات التتبع الفضائي؛ حيث تُزود الكائنات بأطواق ذكية تعمل عبر الأقمار الصناعية لنظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، مدعومة بمستشعرات دقيقة ترصد الأنماط السلوكية، ومعدلات النشاط، ومدى التكيف مع الموائل الجديدة، مما يتيح للباحثين الحصول على تدفق مستمر من البيانات الضخمة حول المسارات الميدانية ونطاق الانتشار الجغرافي، وهو ما يمثل الركيزة الأساسية لاتخاذ قرارات إدارية مبنية على حقائق علمية صلبة.

وبدعم القيادة الرشيدة ومتابعة معالي وزير البيئة والمياه والزراعة، وإدارة الرئيس التنفيذي للمركز، يتم اليوم بناء مركز إكثار ودراسات متطور بالقرب من محافظة ثادق، ليكون إضافة بحثية وعلمية تدعم التكاثر المنضبط وفق الأسس العلمية الرصينة، ليس في المملكة فحسب بل على مستوى الشرق الأوسط. ويدعم العمل توظيف منصات متطورة لتحليل البيانات الضخمة الناتجة عن الرصد الميداني، والتحليلات المخبرية، حيث يسمح هذا التكامل بين العمل الميداني والبحث التطبيقي بتطوير أساليب حماية مبتكرة، تجعل من التجربة السعودية نموذجاً عالمياً في استعادة التنوع الأحيائي. ويدعم نجاح هذا العمل المضني ريادة وكفاءة وطنية بقيادة وإشراف سعادة الرئيس التنفيذي الدكتور محمد قربان ونائبه، وبجهود فرق العمل في المركزين بقيادة الدكتور عبدالله السالم، والدكتور عبدالمانع القحطاني، والطبيب المتخصص نايف حنوش، إلى جانب نخبة من الكفاءات الوطنية المتخصصة التي تمثل الجسر الرابط بين العلم والتطبيق، لضمان عودة الكائنات الفطرية إلى طبيعتها كسلالات أصيلة وقوية، قادرة على قيادة التحول البيئي المنشود نحو حياة مستدامة، تماشياً مع «مبادرة السعودية الخضراء» بقيادة سمو ولي العهد، ورجل البيئة الأول في الوطن.

00:25 | 27-02-2026

«هندسة التوازن المستدام»: «محمية الشمال».. من حماية الموارد إلى صناعة الاقتصاد

تشهد المملكة العربية السعودية تحوّلاً جذرياً في مفهوم حماية الطبيعة، خلال السنوات الأخيرة، حيث انتقلت من مجرد حماية فوقية إلى مفهوم الإدارة التنموية الشاملة، يجسّد ذلك مشروع محمية الشمال للصيد المستدام، التابعة لمحمية الإمام تركي بن عبدالله الملكية، هذا التحوّل بشكل عملي، إذ يجمع بين التقاليد الموروثة لهواية الصيد، ومتطلبات الحفاظ على التنوع البيولوجي، وحسن إدارة للرعي، وتطوير المشاركة والشراكة المجتمعية بشكل فاعل.

يأتي هذا التوجه الإستراتيجي ترجمة لرؤية مجلس إدارة المحمية بقيادة صاحب السمو الملكي الأمير تركي بن محمد بن فهد بن عبدالعزيز، وزير الدولة عضو مجلس الوزراء رئيس مجلس إدارة الهيئة، الذي طالما أكّد أن المحميات الملكية ليست مجرد نطاقات جغرافية معزولة، بل هي خزانات وطنية يجب حمايتها وتنميتها لخدمة الإنسان والمكان معاً. وترتكز توجيهات سموه على خلق توازن دقيق يضمن استدامة الموارد البيئية للأجيال القادمة، مع تعظيم الأثر الاجتماعي والاقتصادي للمجتمعات المحلية، وهو ما جعل من المحمية محركاً حيوياً ينظّم نشاط الصيد، ويحوّل ما كان عشوائياً ويهدّد البيئة إلى أداة لتعزيز التوازن البيئي وخلق دورة اقتصادية متكاملة.

وعلى الصعيد التنفيذي، تعتمد المحمية نهجاً علمياً دقيقاً لإدارة الموارد الطبيعية، وهو ما يوضحه الدور المحوري للرئيس التنفيذي للهيئة المهندس محمد الشعلان وفريق عمله، الذي يقود إستراتيجية تحويل الرؤية إلى واقع ملموس. حيث يشرف الشعلان وفريقه على تطبيق معايير عالمية في «الصيد المستدام»، لا يُنظر فيه للصيد كهدف للقتل، بل كوسيلة لضبط أعداد الطرائد بما يتوافق مع القدرة الاستيعابية للبيئة. ومن خلال هذه الإدارة التنفيذية، يلتزم الصيادون بمعايير واضحة تشمل أنواع الطرائد والأعداد المسموح بها وطرق الصيد، ما يحوّل الصياد التقليدي إلى شريك حقيقي في حماية البيئة. كما توجّه عوائد رسوم الصيد لدعم برامج الإكثار وإعادة التوطين، في عملية تربط النشاط الاقتصادي الفردي برفاهية النظام البيئي، يضاف لذلك تمتع عمليات الإكثار والحماية بأمان أكثر نتيجة شراكة المجتمع المحلي في الحماية ومفهوم الإدارة.

ويمتد دور المحمية ليشمل المجتمع المحلي، خصوصاً في مناطق لينة وتربة التي تعتمد بشكل كبير على تربية الماشية، وقد اعتمدت الهيئة إستراتيجية الإدارة التشاركية للمراعي، من خلال تنظيم الرعي وفق دورات موسمية تسمح للغطاء النباتي بالتجدّد، ما يقلل من التصحر ويحقّق أمناً غذائياً مستداماً لمربي الماشية. كما نجحت الإدارة في تحويل موسم الصيد إلى حدث اقتصادي واجتماعي متكامل، فموسم الشتاء أصبح مناسبة لإقامة مهرجانات ثقافية وتسويقية، مثل مهرجان شتاء درب زبيدة في لينة، حيث جذب مئات الصيادين والزوّار من مختلف مناطق المملكة والخليج، وخلق فرصاً تسويقية للأسر المنتجة في مجال الأطعمة الشعبية، الحِرف اليدوية، مستلزمات التخييم، والملابس الشتوية، مما حول هذه الأسر من فئات مستهلكة إلى فئات منتجة وفاعلة اقتصادياً.

ولم يقتصر الأثر على المستويات الجزئية، بل امتد ليشمل المراكز الحضرية المجاورة، حيث شهد مركزا لينة وتربة تحوّلاً ملموساً في العمران والخدمات. فقد ازدهرت سوق الإيواء والضيافة مع الطلب الكبير على الاستراحات والمخيمات والشقق المفروشة، ما دفع السكان والمستثمرين المحليين لتطوير عقاراتهم ورفع قيمة أصولهم وزيادة الدخل الشهري للأهالي. وتطورت الخدمات التجارية لتلبية احتياجات الزوار، من محلات تجهيز السيارات ومراكز بيع أدوات الرحلات إلى المطاعم والمقاهي الحديثة، ما رفع جودة الحياة للسكان المحليين بشكل واضح.

على مستوى الاقتصاد الكلي، تشكل المحمية نموذجاً لدورة اقتصادية متكاملة تبدأ برسوم الصيد التي يُعاد استثمارها في حماية البيئة، مروراً بتأجير السكن وشراء المنتجات المحلية واستخدام الخدمات اللوجستية والمرافق التجارية، ما يوضح أن حماية البيئة لا تعيق التنمية الاقتصادية، بل تُعززها بطريقة مستدامة.

لقد أثبتت تجربة محمية الشمال أن البيئة والاقتصاد يمكن أن يسيرا جنباً إلى جنب، بفضل التناغم بين التوجيهات الإستراتيجية لمجلس الإدارة، والكفاءة التشغيلية للإدارة التنفيذية. حيث تحوّل الصيد من عشوائي مخالف أدّى إلى خلل في التوازن البيئي وانقراض في الحياة الفطرية التي كانت قائمة، إلى نشاط مقنن بمنهجية علمية بيئية تحفظ للحياة الفطرية حقوقها، مع تحقيق تنمية اقتصادية ملموسة في المناطق المجاورة، والزائر للمنطقة يشهد بالنقلة النوعية لهذا الحراك. إن هذا النموذج الإداري، الذي يدمج التعليم البيئي مع التمكين الاقتصادي للمجتمع المحلي، يمثل دراسة حالة وطنية ملهمة تؤكد أن ازدهار الإنسان وسلامة المكان وجهان لعملة واحدة في مسيرة التنمية المستدامة للمملكة العربية السعودية، وفق رؤية 2030. وقريباً سنبارك ونحتفل بتسجيل المحمية في القوائم الدولية والعالمية كشهادة لحسن الإدارة التنموية وتطوير منظومة الاقتصاد المحلي وتنميته.

00:02 | 11-02-2026

حين تتكئ بيئة حائل على كتف أميرها..

في ظل النظرة الحديثة والرؤية الاقتصادية للوطن، وتنويع مصادر الدخل يشكل الاهتمام بتطوير البيئة الصحراوية كمحرك حديث للاقتصاد من خلال تنمية معزّزات الجذب السياحي، في ظل تنامي مفهوم السياحة البيئية، المستدامة عالميًا، ولم تعد الصحراء تُنظر إليها كمجرد مساحة قاحلة، بل كنظام حيوي (Ecosystem) فريد، ومستودع للتراث الثقافي، والطبيعي، وهذا يتطلب إدارة خاصة لاستغلاله سياحيًا، دون استنزاف. وبرزت في حائل نهضة كأنها تعيد تشكيل علاقتها مع الطبيعة من خلال إدارة رائدة للحاكم الإداري للمنطقة، نال على إثرها لقب وجه السعد من سكانها ومحبيها، لتصبح البيئة في صميم القرار التطويري للمنطقة، لتبدأ خيوطٌ جديدة تُنسج بين الإنسان والأرض، وبين الحاضر والمستقبل. لم يكن التغيير البيئي الذي طرأ على حائل نتيجة مبادرة عابرة، وحملة إعلامية موسمية، بل انعكاس لرؤية متأصلة، تؤكد أن البيئة ليست كيانًا جامدًا بل كائنٌ حي، له نبضٌ إذا صمتَ اختنقنا جميعًا، تحت مظلة هذه الفلسفة، تم توجيه البوصلة نحو بناء منظومة بيئية تتكئ على الاستدامة، وتحمل في جوهرها احترام الأرض، لا أنانية الفرد بالسيطرة عليها والانتفاع منها، ومع هذا التوجه، أصبحت المحافظة على الغطاء النباتي ضرورة لبقاء النسق المتوازن في حياة الناس، وليس ترفا.

السحاب في منطقة حائل لوحده لم يكن فقط القادر على حمل الندى، واخضرار الأرض، بل أصبح القرار السياسي الإداري أمرا مساندا قادرا على إسقاط غيثه في تربة مهملة، واحتطاب جائر، ورعي غير مقنن، وكسارات ونهل رمال تحتاج ضبطا، فاستدام أمر الندى، واخضر غصن الشجر، وزاد غراسها لتكتب الاستمرار والاستدامة. ولعل ما يُحسب لسمو الأمير، أنه لم يكتفِ بسنّ القرارات، بل آمن بقيمة «القدوة». كانت البيئة في خطابه حاضرة، وفي حركته مقروءة، وفي مشاريع المنطقة مرئية. فأصبح المواطن يرى في استصلاح الأرض مشروع كرامة، لا مجرد جهد عابر. وأصبحت إدارة الملف البيئي تحدياً إستراتيجياً يلامس أبعاداً اقتصادية واجتماعية ومناخية. وفي منطقة حائل، اتخذ هذا التحدي مساراً تنفيذياً متفرداً، بفضل الرؤية الحكيمة والقيادة المُتبصرة لصاحب السمو الملكي أميرها من خلال تفعيل المؤسسات ذات العلاقة لتكون صياغة عميقة لإستراتيجية إيكولوجية محلية، تهدف إلى ترسيخ مفهوم «الاقتصاد الإيكولوجي» الذي يضمن التنمية دون المساس بالرأسمال الطبيعي.

جوهر الإدارة الناجحة يكمن في إنشاء آليات حوكمة فعّالة، وهذا ما تجسّد في إطلاق جائزة الأمير عبد العزيز بن سعد للتميّز البيئي، هذه الجائزة تتجاوز مفهوم التشجيع البسيط لتصبح هيكلاً تنظيمياً محفزاً على مستوى علماء البيئة وأصحاب الفكر الإبداعي في مجال إدارة البيئة وتتكئ فلسفة الجائزة على المسؤولية الإيكولوجية الشاملة فهي تُخاطب الأفراد والمؤسسات الحكومية والخاصة والقطاع غير الربحي، مما يضمن دمج الاعتبارات البيئية في كافة مسارات العمل التنموي، وتُركز معايير التقييم على الأثر المستدام والقابل للقياس، من خلال درجة مساهمة بيئية ذات طبيعة طويلة الأمد وتتصدى بفعالية للتحديات الرئيسية للبيئة، هذه الآلية لم تساهم فقط في رفع الوعي، بل أدت إلى توليد حلول ابتكارية محلية، حيث تحول المجتمع من مُستهلِك للبيئة إلى شريك فاعل في صيانتها وإثرائها، لتتحول الجائزة لدعم برامج البيئة وتحسين جودة الحياة من خلال الحد من مصادر التلوث البيئي، مما يرفع من مستوى الصحة العامة وجودة الهواء في المنطقة.

يتبقى هاجس بيئي ومطلب ملح من خلال تفعيل دور المؤسسات الوطنية ذات العلاقة بالمجتمعات المحلية، لتدعم دور المشاركة الاجتماعية وتصنع شراكات للقطاع المحلي من خلال مبادرات زراعة الأشجار حول مصانع الأسمنت والكسارات وتفعيل دور شباب وفتيات ومؤسسات وروابط الوطن الخضراء لتساهم المنطقة بفاعلية في رؤية الوطن البيئة والسعودية الخضراء.

00:11 | 5-12-2025

مجلس الوزراء والاهتمام البيئي

شكل قرار مجلس الوزراء الموقر بالموافقة على إنشاء محميتي «الثقوب الزرقاء، ورأس حاطبة» البحريتين (بمستهدف 30×30)، علامة فارقة ورؤية فنية من القيادة، ووضوح مسار استراتيجية البيئة السعودية، وتثميناً عالياً من المقام السامي للجهود المبذولة من قبل المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية. وتأكيد لما يمثله عمل المركز في مسلك علمي ممنهج واستراتيجي، يعكس القرار نقل المملكة من مفاهيم الحماية التقليدية، إلى نهج علمي مرتبط بتنمية النظم الإيكولوجية، واستعادة التوازن البيئي، في بيئات فريدة وتنوع بيولوجي نادر يمثل نموذجاً للبيئة البحرية الجيولوجية الفريدة، حيث تحتوي على أكثر من 20 جزيرة غنية بالشعاب المرجانية، والإسفنج والأسماك، والدلافين والسلاحف البحرية، وموائل بحرية غنية وأشجار مانجروف وحشائش بحرية، تمثل ملاذاً أمناً للسلاحف البحرية والدلافين والمفترسات البحرية.


وجاء القرار نموذجاً جديداً للحوكمة البيئية في خضم التحولات البيئية الكبرى التي يشهدها العالم، فلم تعد حماية النظم البيئية خياراً، بل أصبحت ضرورة استراتيجية ترتبط ارتباطاً مباشراً بمفاهيم الأمن الغذائي، والتنوع الحيوي، والاستدامة البيئية، التي فتحت المجال للمهتمين والمتخصصين لمشاهدة القرار من منظور وزاوية لتأسيس خطة بيئية فارقة تُظهر مدى نضج النموذج السعودي في إدارة التنوع الإحيائي، وذلك من خلال إشراك فاعل للمجتمعات المحليّة، لتُسهم في تحقيق الأثر البيئي الإيجابي، من خلال الاقتصاد الأخضر والفرص المستقبلية. وربط المحميتين رأس حاطبة والثقوب الزرقاء بمفهوم الاقتصاد الأخضر، والسياحة البيئية، والبحث العلمي، والاستكشاف البحري، ويُنتظر بأن تنشط حول هاتين المحميتين كل هذه المجالات، مما يفتح فرصاً تنموية للمنطقة، وينقلها من «حِفظٍ وحماية» إلى «تنمية مستدامة». وما يميز هذا الإعلان ليس فقط المساحة أو الموقع الجغرافي أو تنوّع الكائنات، بل ما يحمله من دلالات سياسية وعلمية ومجتمعية تُشير إلى ثقة القيادة في المؤسسة البيئية الوطنية، ودورها المتنامي كذراع حيوي في تنفيذ التحولات البيئية المتوافقة مع «رؤية المملكة السعودية 2030»، وأهمية المجتمعات المحلية في دعم هذا التوجه، ليعكس مفهوماً حضارياً في الحماية، من «سياج وحفظ» إلى نظامٍ هندسي بيئي وإيكولوجي متكامل.


ومن المأمول أن تفتح هذه المحميات أبواب البحث العلمي، وبرامج التعليم البيئي، والسياحة المستدامة، وأن تتحول من «أماكن مغلقة عن الزوار» إلى «مساحات تعليمية واقتصادية حية»، لتصبح البيئة أداة لنهضة تُعبّر عن احترام وتقدير لدور البيئة في دعم مسيرة جودة الحياة. وحين تُعلن السعودية عن محميتين جديدتين بهذا المستوى، فالأمر أبعد من مجرد حدث عابر، بل هو سياسة، وهوية وطنية جديدة تتشكل، لتضع البيئة في قلب التنمية، لا على هامشها.


وجاء القرار مثمناً للمهنية العالية التي تتسم بها دراسات وبحوث المركز الوطني بهدف إشراك المجتمعات المحلية، وقاطني المناطق الساحلية والبرّية، في المسوحات، وفي مراقبة الأنشطة، وفي إدارة المحميّات مما يُعدّ تطوراً ملحوظاً في منهج الحفاظ على البيئة، وشهادة من المنظمات الدولية وتثميناً لجهود الحماية. لتنقل الشراكة من «التنفيذ» فقط، إلى خلق «ثقافة حماية» ترتبط بالهوية والموروث، مما يجعل حماية بيئة أمراً مستداماً، لا مشروعاً مرتبطاً بمشروع معين في فترة زمنية محددة. وبهذا يصبح الحفاظ على البيئة منصّة وطنية، لا مبادرة عرضية. بل أصبح عملاً ممنهجاً، يعتمد على تطوير خطط الأمن الحيوي، ورصد وتقييم دوري، وعمل مؤسسي مستدام.


وفي الختام نبارك للقيادة ولهيئة الخبراء، والمجلس الاقتصادي، ولوزير البيئة والمياه والزراعة، ورئيس المركز الوطني وفريق عمله، وكل من شارك ليجعل مواردنا وموروثنا البيئي تتحول من موارد مستنزفة، إلى نظام بيئي يُدار بحكمة.

00:04 | 20-11-2025

الغذاء والدواء.. وعي يحمي المجتمع

عملت رؤية الوطن وسمو ولي العهد 2030 على الاهتمام بتحسين صحة الإنسان ضمن رؤيته الشاملة لجودة الحياة، والصحة العامة، كمحركات أساسية في مسار التنمية. ينطلق هذا التوجه من إيمان سموه بأن الإنسان هو المحور الأول للتنمية، وأن بناء مجتمع صحي قادر على الإنتاج والابتكار يتطلب بيئة معززة للصحة في كل تفاصيلها. تجلّت الرؤية في إطلاق الاستراتيجية الوطنية للصحة العامة، ومبادرات عدة كالسعودية الخضراء التي تسعى لتحسين جودة الهواء وتقليل التلوث، ومشاريع رياضية، وصحية مجتمعية تهدف إلى تعزيز النشاط البدني، والوقاية من الأمراض المزمنة. كما أن التحوّل الرقمي في القطاع الصحي يسهّل وصول المواطن إلى خدمات صحية متميّزة. وتجلت نظرة سموه على مرتكزات تحقيق مجتمع حيوي، يتمتع فيه الإنسان بصحة شاملة جسدياً وذهنياً، ليكون شريكاً فاعلاً في تنمية وطنه.

وتُعد الهيئة العامة للغذاء والدواء إحدى أبرز الركائز التنظيمية التي لا تقتصر مهامها على الرقابة والتفتيش فقط، بل تمتد بشكل فعّال إلى الاهتمام بسلامة الغذاء والدواء، وكذلك رفع المستوى المعرفي من خلال نشر الوعي، والتثقيف الصحي والغذائي والدوائي، بين أفراد المجتمع. ويأتي هذا التوجه واحداً من أدوات الرؤية التي تتسق وتنسجم مع متطلبات التنمية، التي تضع صحة الإنسان وجودة الحياة في مقدمة أولوياتها. من خلال سلسلة من المبادرات، أثبتت الهيئة أن التوعية ليست خياراً بل ضرورة، خاصة في ظل التحديات المتزايدة مثل الاستخدام المفرط للمضادات الحيوية، وانتشار الشائعات حول الأغذية والمكملات، والاعتماد الخاطئ على الأعشاب أو المنتجات غير المصرح بها في ظل سرعة النشر عبر وسائل التواصل.

ولا يقتصر دور الهيئة على التوعية بالمنتجات الغذائية والدوائية فحسب، بل شمل أيضاً المنتجات التجميلية، والأجهزة الطبية، والتغذية الصحية، وقراءة البطاقة الغذائية، والتعامل مع الأدوية بطريقة آمنة. كما طوّرت منصات تفاعلية منها «طمني» و«بادر»، لتمكين المستفيد من الوصول إلى معلومات دقيقة وسريعة حول المنتجات. وإدراكاً لأهمية الشفافية، تنشر الهيئة بشكل دوري بيانات، وتحذيرات وإيضاحات بشأن المنتجات المخالفة، التي تسبب ضرراً صحيّاً، مما يعكس التزامها بحماية المستهلك من الأخطار.

وتعدى دور الهيئة التنظيمي والتوعوي والرقابي لتقدّم نموذجاً متكاملاً للتواصل مع المجتمع، يسهم بفعالية في بناء وعي غذائي وصحي يحصّن المواطنين ضد المخاطر، ويجعلهم شركاء في صناعة القرار وحماية الصحة العامة. ومع تطوّر التحديات، تزداد أهمية دور الهيئة في المنظومة الوقائية الوطنية، كمؤسسة حكومية تلبي متطلبات الرقابة والتعليم في آنٍ واحد. ويدعم نجاح وتفرد هذه المؤسسة الرائدة مجموعة مميزة من المتخصصين في المجالات الصحية والغذائية والرقابية والقانونية تحت إدارة فاعلة بقيادة رئيس تنفيذي بارع كقيادة وطنية لمنظومة، متكاملة تهدف إلى حماية صحة الإنسان وضمان جودة وسلامة ما يستهلكه من أغذية وأدوية وأجهزة طبية. ويعود ذلك لخلفية الدكتور هشام الجضعي الأكاديمية والمهنية المتميّزة في مجالات العلوم الصحية والإدارة، ويسهم ذلك في فاعلية تطوير استراتيجيات تنظيمية حديثة تواكب التطورات العالمية، وتعزز من كفاءة الرقابة والحوكمة للمستهلكات الدوائية والغذائية. وحرصه على تعزيز الشفافية والتواصل المباشر مع الجمهور ووسائل الإعلام، وتوفير منصات رقمية تسهّل الوصول للمعلومات بدقة وموثوقية، وسرعة في التصدي للشائعات الطبية والغذائية التي قد تضر بصحة المجتمع. بفضل هذه الجهود، أصبحت الهيئة واحدة من أبرز الجهات الموثوقة محلياً وإقليمياً وعالمياً، وأسهمت بشكل كبير في تحقيق أهداف رؤية المملكة 2030 في مجالات الصحة، وجودة الحياة، والرقابة الفعّالة.
01:19 | 17-09-2025

مؤتمرات الحياة الفطرية.. نقلة لسمعة عالمية

تعتبر المؤتمرات، من الوسائل الهامة، فرصة للقطاع الخاص، وشبه الحكومي، والمانحين، لدعم برامج ومشاريع إصلاح البيئة، وحمايتها والمحافظة عليها. ويشكل عقد المؤتمرات العالمية رسالة واضحة ومنصّة لعكس الجهود والأعمال الميدانية، حيث تحمل المؤتمرات أهمية عالمية ودولية، وأصبحت محركاً وداعماً وركيزة أساسية للبرامج والمشاريع. وتعرف المؤتمرات لدى الأمم المتحدة بما يسمى «صناعة الاجتماعات»، وهي عبارة عن نشاط متخصص يقدم خدمة داعمة للحكومات والشركات والمنظمات، وتظهر عوائد صناعة الاجتماعات الحالة والاهتمام حسب المفهوم الذي من أجله عقد المؤتمر في سعيه العلمي، والاقتصادي، والبيئي.

وللمؤتمرات والحشود الدولية أهمية خاصة على المدى البعيد في صناعة القرارات الدولية، وتتكبد الدول خسارة هائلة في حال إحجامها عن عقد مؤتمرات تلبي احتياجاتها العلمية والبيئية والاقتصادية، كمنصّة للمحترفين العاملين في القطاعات الحكومية، والخاصة، والمستثمرين والتجار، والجمعيات المهنية والعلمية والطبية، والمؤسسات الأكاديمية. وهناك ثمة ملاحظة بأن عدم إقامة مؤتمرات متخصصة يؤدي إلى سفر قلة من المحترفين العاملين في تلك القطاعات إلى دول أخرى لحضور المؤتمرات التي تمكنهم من الحصول على المعرفة الجديدة في مجال عملهم، وبالتالي تكون هنالك تكاليف على الاقتصاد الكلي جراء السفر إلى دول أخرى لحضور المؤتمرات، حيث يصرف هؤلاء المسافرون المليارات على الخدمات السياحية في الدول الأخرى لحضور تلك الفعاليات.

وتلعب المؤتمرات دوراً محورياً في جلب الخبراء، وتوطين المعرفة، وتزويد الكفاءات الوطنية بالعلوم والخبرات الجديدة والممارسات المهنية المطورة. فالمؤتمرات تعدّ وسيلة متميزة في تبادل المعلومات، وتطوير قدرات الأشخاص العاملين في جميع القطاعات الاقتصادية، وأيضاً وسيلة فعالة في تبادل الثقافات وإبراز الحضارات وإحياء التراث. وهناك بالتأكيد أثر ثقافي كبير للمؤتمرات على المدى البعيد. وتعد المؤتمرات بيئة خصبة لمساهمة المجتمع، من خلال عمل الشباب المتطوعين في تنظيم المؤتمرات، ومشاركة الأسر المنتجة في تقديم منتوجاتهم كهدايا للضيوف، وفرصة لتسويق سياحي ودخل إضافي للوطن. وكذلك يمكن للمؤتمرات أن تؤثر على سلوك المجتمع على المدى البعيد، وتعزيز الوعي في موضوعات متخصصة. وكذلك يمكن للمؤتمرات أن تساهم في تنمية رأس المال الاجتماعي وتماسك المجتمع من خلال عمليات التواصل التي تحدث في المؤتمرات، وجهود التدريب والمحاضرات وورش العمل وتبادل الخبرات وزيارات المحميات والمواقع الأثرية والتي تكشف استعداد المملكة لكافة سبل التنمية والمنافسة العالمية والدعم لكافة الجهود الدولية والإقليمية والعالمية.

وقد أحسن المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية، فخلال عام 2024 قدّم جهوداً كبيرة وأنشطة عديدة وحشوداً دولية شملت كافة المجالات وعلوم البيئة من جميع دول ومؤسسات العالم البيئية، وبحضور كثيف للمؤسسات والهيئات الدولية البيئية، والعلماء المتخصصين في كافة المجالات الفطرية من خلال منتدى المحميات الطبيعة «حمى»، و«المؤتمر الإقليمي للاتحاد الدولي لصون الطبيعة». وكانت هذه الأنشطة والجهود مثمرة في مضمونها، وسرّعت الكثير من الإجراءات كتسجيل المحميات في القوائم الخضراء، وفي منظمات اليونسكو التراثية العالمية، وهذا دليل على المفعول والأثر الكبير للمؤتمرات وتقدير العالم لها ولدورها في التعريف بنهضة المملكة العربية السعودية التنموية، ودعم القيادة لها. ويعود الفضل بعد الله، سبحانه وتعالى، لتوجيهات ودعم القيادة ممثلةً بالأب الروحي للبيئة السعودية ولي العهد سلّمه الله، ومتابعة معالي وزير البيئة والمياه والزراعة لتلك الحشود والتنظيمات، ومساندة مجلس إدارة المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية، والسعي والجهد الكبير للرئيس التنفيذي للمركز الدكتور محمد علي قربان وفريق عمله الذي حقق الكثير من المكتسبات للحياة الفطرية والبيئة وسمعة وطننا الغالي، ونتطلع لمؤتمر «حمى» الثاني بحلّته الجديدة لريادة عالمية مشرقة ودعم اقتصادي وبيئي وجلب لرفعة سمعة وطننا الغالي.
00:11 | 9-07-2025