أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/uploads/authors/1235.jpg&w=220&q=100&f=webp

علي محمد الحازمي

الاقتصاد السياسي يطرق الباب من جديد!

عندما سقط جدار برلين، لم يسقط معه نظام سياسي فحسب، بل سقطت أيضاً فكرة كانت تحكم جزءاً كبيراً من القرن العشرين تتمثل في أن السياسة هي التي تحدد مصير الاقتصاد. خلال تلك الحقبة اتجه العالم نحو مرحلة جديدة تتراجع فيها الحدود، وتنتصر فيها الأسواق، وتصبح التجارة اللغة المشتركة بين الدول. الواقع قدّم لنا شواهد كثيرة عزّزت الاعتقاد بأن هذا المسار أصبح أمراً لا جدل فيه. انتقلت المصانع إلى حيث العمالة الأرخص، وتحركت الاستثمارات إلى حيث العوائد الأعلى، وامتدت سلاسل الإمداد عبر القارات وكأن العالم تحوّل إلى مصنع واحد ضخم. كان المنطق السائد بسيطاً دع الأسواق تعمل، وستتكفل بتحقيق أفضل النتائج للجميع، لكن التاريخ كان نادراً ما يسير في خط مستقيم.

في السنوات الأخيرة، بدأ العالم يكتشف أن الكفاءة ليست كل شيء. جاءت جائحة كورونا لتكشف للعالم هشاشة نظام اقتصادي بُني على افتراض أن السلع والمواد والمنتجات ستظل تتحرك دائماً بحرية. فجأة توقفت المصانع، وتعطلت الموانئ، واختفت بعض المنتجات الأساسية من الأسواق. ولم يكن السؤال آنذاك من ينتج بأقل تكلفة؟ بل من يستطيع أن يضمن استمرار الإمدادات؟

ثم جاءت الحرب الروسية الأوكرانية لتضيف درساً آخر أكثر قسوة. الدول التي بنت سياسات الطاقة على اعتبارات اقتصادية بحتة وجدت نفسها مضطرة لإعادة التفكير في أولوياتها. وأصبح أمن الطاقة قضية سياسية قبل أن يكون قضية اقتصادية. بعد ذلك، تصاعد التنافس بين الولايات المتحدة والصين، ليكشف أن أكثر القطاعات تقدّماً في العالم لم تعد تُدار فقط بمنطق السوق. الرقائق الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، والتقنيات المتقدّمة تحوّلت من منتجات تجارية إلى أدوات نفوذ إستراتيجي. ولم تعد الدول تتنافس على بيع المنتجات فقط، بل على السيطرة على التكنولوجيا التي تصنع تلك المنتجات. هنا بدأت ملامح مرحلة جديدة تتشكّل. مرحلة لم تعد فيها الحكومات تسأل ما الخيار الأقل تكلفة؟ إنما أصبحت تسأل: ما الخيار الأقل خطراً؟ قد يبدو الفرق بين السؤالين بسيطاً، لكنه في الحقيقة يعكس تحوّلاً عميقاً في طريقة إدارة الاقتصاد العالمي.

عندما تكون الأولوية للكفاءة، تبحث الشركات عن أرخص العمالة وأسرع طرق الشحن وأقل التكاليف. أما عندما تكون الأولوية للأمن، فإن الحسابات تتغيّر بالكامل. تصبح المرونة أهم من السرعة، والاعتمادية أهم من السعر، والقدرة على الصمود أهم من تعظيم الأرباح. لهذا السبب نشهد اليوم عودة الحديث عن الأمن الغذائي، وأمن الطاقة، والأمن التقني، وأمن سلاسل الإمداد. هذه المصطلحات تعكس أهمية متزايدة أن الاقتصاد لا يعيش في عالم منفصل عن السياسة والجغرافيا والتاريخ.

لعل المفارقة الكبرى أن العالم الذي اعتقد يوماً أن العولمة ستجعل السياسة أقل تأثيراً في الاقتصاد، يجد نفسه اليوم أمام واقع مغاير تماماً. العقوبات الاقتصادية أصبحت سلاحاً سياسياً، والتكنولوجيا أصبحت أداة نفوذ، والممرات التجارية أصبحت أوراق قوة، وحتى القرارات الاستثمارية الكبرى باتت تتأثر بالاعتبارات الجيوسياسية بقدر تأثرها بالمؤشرات المالية. لهذا لم يعد من الممكن فهم الاقتصاد العالمي من خلال الأرقام وحدها، لأن معدلات النمو، وأسعار الفائدة، وحركة التجارة لم تعد تروي القصة كاملة. المؤكد أن خلف هذه الأرقام تقف اعتبارات تتعلق بالقوة والنفوذ والتحالفات والمصالح الإستراتيجية.

منذ يوم

عندما يكون الصمت قراراً اقتصادياً!

«إذا كنت لا تعرف، فالتزم الصمت! وكما قلت سابقاً، فإن الصمت شكل من أشكال الحديث». بهذه العبارة اختصر الأمير عبدالعزيز بن سلمان وزير الطاقة فلسفة عميقة في إدارة الأزمات خلال منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي 2026 تحت شعار «حوار براجماتي: طريق نحو مستقبل مستقر». قد تبدو للوهلة الأولى هذه العبارة مرتبطة بأسواق الطاقة، لكنها في الحقيقة تمتد إلى جوهر العمل الاقتصادي وصناعة القرار في عالم يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم. اللافت في حديث الأمير أنه جاء في زمن أصبحت فيه الثقة الزائدة سلعة رائجة، بينما أصبح التواضع المعرفي نادراً وخاصة في عصر يتّسم بكثرة المجهولات وسرعة التحوّلات. مرات كثيرة تكون الحكمة الحقيقية ليست في امتلاك كل الإجابات، بل في معرفة متى يجب التوقف عن الادعاء بامتلاكها.

اعتادت الأسواق وعامة الناس أن ينظروا إلى الاقتصاديين وصنّاع القرار على أنهم قادرون على تقديم الإجابات والتوقعات لكل ما سيحدث في المستقبل، لكن الواقع مختلف تماماً. فكلما ازدادت الأزمات وتشابكت الأسواق وتداخلت السياسة مع الاقتصاد، أصبحت القدرة على التنبؤ أقل، وأصبح الاعتراف بحدود المعرفة أكثر أهمية من ادعاء امتلاكها.

في الظروف الطبيعية تستطيع الحكومات والشركات بناء توقعاتها اعتماداً على البيانات والاتجاهات التاريخية والنماذج الاقتصادية، لكن في لحظات التحوّل الكبرى، كالحروب والأزمات الجيوسياسية والكوارث الطبيعية والاضطرابات المالية، تتغيّر المعطيات بسرعة تجعل كثيراً من التوقعات عديمة القيمة خلال أيام أو حتى ساعات. وهنا تظهر إحدى أهم الحقائق الاقتصادية التي كثيراً ما يتم تجاهلها وهي أن ليست كل المخاطر قابلة للقياس. فهناك فرق جوهري بين «المخاطر» و«عدم اليقين». المخاطر يمكن تقدير احتمالاتها، أما عدم اليقين فهو ذلك المجال الذي لا نعرف فيه ما الذي سيحدث، ولا نملك حتى القدرة على تقدير احتمالات حدوثه بدقة.

عندما يقول الأمير عبدالعزيز بن سلمان إنه لا يعلم ما الذي سيحدث بعد نصف ساعة، فهو لا يعبّر عن نقص في المعلومات، بل عن فهم عميق لطبيعة المرحلة. العالم يعيش اليوم حالة من التحوّلات المتسارعة تجعل أكثر الخبراء والمؤسسات حذراً في إطلاق التوقعات القاطعة.

وهنا يمكن فهم الصمت بوصفه أداة من أدوات الإدارة الاقتصادية. ففي أوقات الأزمات لا تؤثر الوقائع وحدها على الأسواق، بل تؤثر أيضاً الكلمات والتصريحات والتوقعات. تصريح واحد غير محسوب قد يرفع أسعار النفط أو يربك المستثمرين أو يخلق حالة من الهلع في الأسواق. ولهذا فإن الامتناع عن الحديث في ظل نقص المعلومات ليس ضعفاً، بل قد يكون ممارسة مسؤولة تهدف إلى حماية الاستقرار ومنع تضليل الأسواق.

ولعل الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من حديث الأمير هو أن النجاح الاقتصادي لا يقوم على القدرة على معرفة المستقبل، بل على القدرة على الاستعداد لمستقبل مجهول، فالاقتصادات الناجحة ليست تلك التي تتنبأ بكل أزمة قبل وقوعها، وإنما تلك التي تبني من المرونة ما يمكنها من التكيّف مع الأزمات مهما كان شكلها. وهذا ما يفسر كثيراً الاستثمارات التي شهدتها المملكة خلال السنوات الماضية في البنية التحتية والطاقة والخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد. فالفكرة لم تكن قائمة على توقع أزمة بعينها، وإنما على بناء اقتصاد أكثر قدرة على التعامل مع مختلف السيناريوهات. عندما جاءت الأزمات المتلاحقة، من الجائحة إلى اضطرابات التجارة العالمية والتوترات الجيوسياسية، أثبتت هذه الاستثمارات قيمتها الحقيقية.

00:00 | 11-06-2026

الاقتصاد الذي بنته الموانئ!

عندما أُطلقت رؤية المملكة 2030، أشار ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى حقيقة اقتصادية مهمة مفادها أن المملكة لم تستفد بالشكل الأمثل من موقعها الجغرافي الاستثنائي، رغم أنها تقع في قلب ثلاث قارات وتطل على البحر الأحمر الذي يمر عبره جزء كبير من التجارة العالمية. كانت تلك الملاحظة بمثابة تشخيص اقتصادي دقيق؛ فالموقع الجغرافي يحتاج إلى رؤية واستثمارات وبنية تحتية تحوّل الجغرافيا إلى قيمة اقتصادية.

اليوم، وبعد أقل من عقد على إطلاق الرؤية، تبدو الأرقام وكأنها تروي قصة هذا التحوّل، وذلك من خلال ارتفاع قيمة إعادة التصدير من 35.4 مليار ريال في عام 2020 إلى أكثر من 149 مليار ريال في عام 2025، في قفزة تعكس نجاح المملكة في تحويل موقعها الاستراتيجي من ميزة كامنة إلى ميزة تنافسية حقيقية. ونستنتج من ذلك، أن المملكة أصبحت مركزاً لوجستياً متنامياً تتقاطع فيه سلاسل الإمداد بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، متجاوزاً فكرة كونه مجرد نقطة عبور على خريطة التجارة الدولية.

هذه الأرقام تؤكد أن الاستثمارات التي ضُخت في الموانئ والمناطق اللوجستية وشبكات النقل والإجراءات الجمركية بدأت تترجم إلى نتائج اقتصادية ملموسة. والأهم من ذلك أنها أيضاً تخبرنا أن الرهان على الخدمات اللوجستية كان استشرافاً مبكراً للتحوّلات التي ستشهدها التجارة العالمية خلال السنوات اللاحقة. ربما يكون أهم ما تكشفه هذه الأرقام أن الاستثمار في المستقبل يبدأ دائماً برؤية واضحة، لكن نتائجه تظهر عندما تتغير قواعد اللعبة العالمية ويكون هناك من استعد لها مسبقاً.

الاقتصادات الحديثة تجاوزت فكرة المنافسة على إنتاج السلع وحدها لتراهن على موقعها داخل سلاسل الإمداد العالمية؛ لأن حركة التجارة العالمية تجذب معها الاستثمارات، والخدمات، والوظائف، والمعرفة. ومن انعكاسات تلك الفكرة، استثمرت دول عديدة مليارات الدولارات لتصبح مراكز لوجستية عالمية؛ لأن القيمة الاقتصادية تجاوزت مفهوم تصنيع المنتج لتشمل أيضاً نقله وتخزينه وتوزيعه وتمويله وتأمينه. أدركت المملكة مبكراً هذه الحقيقة ففي الوقت الذي كانت فيه التجارة العالمية تتوسع بوتيرة متسارعة، عملت المملكة على تطوير موانئها، وتحديث أنظمتها الجمركية، وإنشاء المناطق اللوجستية الخاصة، وربط الموانئ بشبكات النقل الحديثة. ربما لم تكن نتائج هذه الجهود ظاهرة للعيان في بدايتها، لكن الأحداث العالمية الأخيرة كشفت أهميتها.

منذ جائحة كورونا وما تبعها من اختناقات في سلاسل الإمداد، مروراً بالتوترات الجيوسياسية والصراعات الإقليمية، وصولاً إلى التحديات التي واجهت بعض الممرات البحرية الدولية، أصبح العالم يبحث عن مراكز أكثر كفاءة واستقراراً وموثوقية. وهنا ظهرت قيمة الاستثمار طويل الأجل، إذ لا يمكن بناء مراكز لوجستية عالمية أثناء الأزمات، بل يجب أن تكون جاهزاً قبل وقوعها.

وما يستحق التوقف عنده أن كثيراً من الأزمات التي هدّدت حركة التجارة العالمية تحوّلت بالنسبة للمملكة إلى فرصة لإثبات جاهزية بنيتها التحتية وقدرتها على استيعاب المزيد من التدفقات التجارية. فالأزمات غالباً ما تعيد رسم خرائط التجارة، لكنها في الوقت ذاته تكشف أي الدول كانت تستعد للمستقبل وأيها كانت تكتفي بمراقبة التحوّلات.

تؤمن المملكة أن الصورة الأكبر تكمن في بناء منظومة اقتصادية متكاملة حول هذه الحركة التجارية، فكل سفينة ترسو في ميناء سعودي، وكل حاوية تمر عبر الأراضي السعودية، تمثل فرصة لخلق نشاط اقتصادي إضافي في النقل والتخزين والخدمات المالية والتأمين والتقنيات اللوجستية والصناعات المرتبطة بسلاسل الإمداد. فالهدف ليس فقط أن تمر البضائع عبر المملكة، بل أن يُصنع جزء منها فيها، وأن تُدار من خلالها مراكز التوزيع الإقليمية، وأن تستقطب الشركات العالمية استثماراتها وخبراتها إلى السوق السعودية.

00:00 | 4-06-2026

فرص اقتصادية مؤجلة داخل المدن

في صباح صيفي حار، وقبل أن تبدأ الحركة التجارية المعتادة في أحد المراكز التجارية، يتشكّل مشهد مختلف تمامًا. أبواب المول تُفتح، لا للمتسوقين، بل لأشخاص جاءوا فقط للمشي. كبار سن يبحثون عن مساحة مكيّفة، موظفون يستثمرون ساعة قبل العمل، وعائلات تحاول الهروب من حرارة الصيف الملتهبة. للوهلة الأولى يبدو المشهد اعتياديًا، لكنه في الحقيقة يعكس فكرة اقتصادية أعمق بكثير تتمحور حول كيف يمكن للأصول القائمة أن تنتج قيمة جديدة دون استثمارات رأسمالية إضافية.

المدن الأكثر كفاءة اقتصاديًا خرجت من مفهوم الكم في عدد المشاريع التي تبنيها، إلى الكيفية في استخراج القيمة من الأصول المتاحة. وهنا يُطل علينا سؤال حاد كرأس السهم؛ لماذا تبقى آلاف المرافق والمساحات العامة شبه معطلة خلال العطل الأسبوعية وإجازات الصيف، رغم أنها قادرة على صناعة أثر اقتصادي، واجتماعي، وصحي، واسع؟

هذا ما أدركته مبكرًا مدن عديدة حول العالم عندما تبنّت مفهوم «المشي داخل المراكز التجارية»، حيث إن الفكرة لم تكن مبادرة اجتماعية بقدر ما كانت إعادة تعريف لوظيفة الأصل التجاري نفسه. المساحات التي كانت خاملة في ساعات الصباح تحوّلت إلى حركة بشرية، والحركة البشرية هي الشرارة الأولى لأي نشاط اقتصادي. علاوة على ذلك، كل شخص يدخل المكان يرفع احتمالات الاستهلاك، حتى وإن لم يكن هدفه الشراء في البداية. فالمشي يقود إلى القهوة، والقهوة تقود إلى الجلوس، والجلوس يقود إلى الاستهلاك. من هنا تبدأ القصة الحقيقية حيث إن المشكلة ليست دائمًا في نقص المرافق، بل في ضعف كفاءة استخدام ما نملكه أصلًا.

الأثر لا يتوقف عند الصحة فقط. زيادة الحركة داخل المدن تعني زيادة الطلب على الخدمات المحيطة كالمقاهي، ومتاجر الرياضة، والتطبيقات الصحية، والأنشطة المجتمعية. وهذا ما نسميه اقتصاديًا «الأثر المضاعف»، حيث يقود تدخل بسيط منخفض التكلفة إلى دورة أوسع من النشاط الاقتصادي غير المباشر. ومن هذا المنطلق، تؤكد لنا التجارب العالمية أن التحدي الحقيقي يكمن في تصميم بيئة تجعل استخدامها جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية. الناس لا يغيّرون سلوكهم بسهولة، ولهذا يصبح دور السياسات الحضرية مهمًا في جعل الخيار الصحي هو الخيار الأسهل والأقرب والأقل تكلفة.

في كثير من المدن، توجد أصول ضخمة ممولة حكوميًا أو تجاريًا، لكنها تعمل بجزء محدود من طاقتها الزمنية. جامعات تمتلك ملاعب ومسارات ومرافق رياضية متطورة تُغلق بمجرد انتهاء اليوم الدراسي، مدارس تبقى ساحاتها فارغة طوال عطلات نهاية الأسبوع والإجازات الصيفية. أي أن مرافق عامة لا تتحوّل إلى قيمة اقتصادية أو اجتماعية إلا لساعات محدودة من اليوم، رغم أن تكلفتها الرأسمالية دُفعت بالكامل منذ سنوات. اقتصاديًا، هذه ليست مجرد مرافق مغلقة، وإنما «أصول خاملة» وهذا يعني رأسمال لا يحقّق عائدًا كافيًا على الاستثمار.

التحوّل الحقيقي لا يكمن في بناء المزيد، بل في إعادة تشغيل الموجود بطريقة أكثر كفاءة. ففي مدينة مثل كوبنهاجن، يكمن التحوّل الحقيقي في تصميم حضري جعل الحركة جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية بعيداً عن التوسع المستمر في الإنفاق الرأسمالي على مزيد من المشاريع. المشي وركوب الدراجة أصبحا جزءًا من التنقل والعمل والتسوق. النتيجة الحتمية لتلك الممارسات انخفاض في التكاليف الصحية ورفع إنتاجية المجتمع.

اليوم تبدو الفرصة أكبر بكثير لدينا مما نتصور. المناخ يفرض تحديات واضحة على النشاط الخارجي، خصوصًا خلال الصيف، لكن في المقابل تمتلك المدن السعودية بنية تحتية حديثة ومساحات داخلية واسعة ومكيّفة، إضافة إلى جامعات ومدارس ومرافق عامة موزعة داخل الأحياء، وهذا يعني أن جزءًا كبيرًا من الحل موجود بالفعل، لكنه لم يدخل بعد ضمن التفكير الاقتصادي الحضري.

تخيّل لو أن الجامعات فتحت مرافقها الرياضية للعامة خلال عطلات نهاية الأسبوع والصيف. تخيّل لو أن المدارس تحوّلت بعد ساعات الدوام إلى مساحات نشاط مجتمعي للأحياء المحيطة. تخيّل لو أن المراكز التجارية أصبحت جزءًا من منظومة جودة الحياة، لا مجرد وجهات استهلاكية. نحن هنا نتحدث عن تعظيم العائد على الأصول، وخلق حركة اقتصادية جديدة من بنية تحتية قائمة في الأصل.

00:05 | 21-05-2026

السعودية.. من إدارة الدّيْن إلى صناعة السوق

تُعد أسواق الدّيْن في اقتصادات الدول معيارًا مهمًا لعمق السوق المالية، ومؤشرًا على جاذبية الاقتصاد وقدرته على استقطاب رؤوس الأموال العالمية. ومن هذا المنطلق، نستطيع قراءة إعلان وزارة المالية السعودية والمركز الوطني لإدارة الدّيْن عن تعيين «إتش إس بي سي» لينضم إلى المؤسسات المالية الدولية الست التي سبق انضمامها إلى برنامج المتعاملين الأوليين في أدوات الدّيْن الحكومية المحلية كخطوة تتجاوز إطارها الإجرائي إلى دلالة أوسع تتعلق بتطور السوق المالية في المملكة.

ما يجري اليوم يعكس انتقالًا تدريجيًا في طبيعة سوق الدّيْن. في السابق، كان التركيز منصبًا على إصدار أدوات الدّيْن وتغطية الاحتياجات التمويلية، مع حضور محدود لدور التداول والسيولة. أما الآن، فالمشهد يتغيّر باتجاه بناء سوق نشطة، حيث تصبح السيولة، وكفاءة التسعير، وتنوع المستثمرين عناصر أساسية في معادلة التطوير.

ما يحدث في سوق الدّيْن السعودية يعكس تحوّلًا في طريقة النظر إلى الدّيْن العام، كونه أصبح مكوّنًا رئيسيًا في بنية السوق المالية، وأداة لربط الاقتصاد المحلي بالأسواق العالمية. هذا التحوّل يشير إلى مرحلة جديدة، حيث تتحوّل السوق من منصة إصدار إلى بيئة تداول متكاملة، قادرة على جذب الاستثمارات وتحقيق كفاءة أعلى في تسعير المخاطر.

يمثل المتعاملون الأوليون حلقة الوصل بين الجهة المصدرة والمستثمرين، ويساهمون في دعم السوق الثانوية من خلال توفير أسعار بيع وشراء مستمرة، ما يعزز ثقة المستثمرين ويقلل من تقلبات التسعير. من انعكاسات هذه الفكرة، ارتفاع جودة وتنوع المؤسسات، وتتحسّن كفاءة السوق بشكل عام، ويتراجع مستوى المخاطر المرتبطة بها، وهو ما ينعكس تدريجيًا على تكلفة الاقتراض.

انضمام مؤسسة بحجم «إتش إس بي سي» يضيف بعدًا مهمًا لهذا التوجه، كونها لاعبًا دوليًا بخبرات واسعة في أسواق الدّيْن. هذا بدوره يعزز قدرة السوق السعودية على الوصول إلى شريحة أوسع من المستثمرين العالميين، كما يدعم بناء جسور أكثر كفاءة بين السوق المحلية وتدفقات رأس المال الدولية. هذا التطور يؤكد توجهًا واضحًا نحو تقليل الاعتماد على القنوات التقليدية، والتوسع في بناء شبكة مالية أكثر تنوعًا وانفتاحًا.

توقيت هذه الخطوة ليس عشوائيًا. الأسواق العالمية تمر بمرحلة تتّسم بارتفاع أسعار الفائدة وتشدّد السيولة، ما يجعل المنافسة على رؤوس الأموال أكثر حدة. في مثل هذا الوضع، تصبح القدرة على توفير سوق عميقة ومرنة عاملًا مهمًا في جذب المستثمرين. فالمستثمر لا يبحث فقط عن العائد، بل عن سوق تمكّنه الدخول إليها والخروج منها بسهولة وشفافية.

كما أن هذه الخطوة تتكامل مع إدراج أدوات الدّيْن السعودية في مؤشرات عالمية مثل «جي بي مورجان وبلومبيرغ»، وهي مؤشرات تعتمد عليها صناديق استثمارية ضخمة في توجيه استثماراتها. الاستفادة من هذا الإدراج تتطلب سوقًا قادرة على استيعاب هذه التدفقات، وتوفير سيولة كافية لضمان استقرار التداول.

تتجه الجهود الآن نحو تعميق السوق الثانوية وتعزيز نشاطها، إلى جانب توسيع وتنويع قاعدة المستثمرين، خاصة عبر تنمية دور المستثمر المؤسسي المحلي. كما يُعد تطوير الأدوات المالية من حيث الآجال والهياكل خطوة مهمة لدعم استدامة الطلب وتوفير خيارات استثمارية أوسع، بما يعزز كفاءة السوق ويواكب تطلعاتها للنمو.

00:00 | 14-05-2026

الحرب تغيّر قواعد الاقتصاد!

لم يدخل الاقتصاد العالمي عام 2026 وهو مهيأ لأزمة كبرى. على العكس، كانت التوقّعات تميل إلى التفاؤل الحذر؛ نمو مستقر نسبيًا، تعافٍ تدريجي من اضطرابات سابقة، ومرونة واضحة في أداء القطاع الخاص، لكن هذا المسار لم يدم طويلًا. فجأة، أعادت الحرب تشكيل المشهد بالكامل كنقطة تحوّل كشفت هشاشة افتراضات استقرت لعقود.

التوصيف التقليدي لما حدث باعتباره «صدمة خارجية» لا يعكس عمق التغيير. حتى تحليلات صندوق النقد الدولي، رغم دقتها في توصيف الأثر، ما زالت تميل إلى التعامل مع الأزمة ضمن إطار اقتصادي مألوف، لكن الواقع يشير إلى تحوّل أعمق. الاقتصاد العالمي أصبح يتشكّل تحت ضغط الجغرافيا السياسية بعيداً عن الدورات الاقتصادية التقليدية.

خلال العقود الماضية، كان بالإمكان تفسير التقلبات الاقتصادية من خلال أدوات واضحة مثل الطلب، والعرض، والسياسة النقدية، والإنفاق الحكومي. اليوم، هذه الأدوات لم تعد كافية. على سبيل المثال أسعار الطاقة تجاوزت فكرة حجم الإنتاج أو الاستهلاك، لتصبح مرآة لمستوى المخاطر في الممرات الإستراتيجية، والتوترات الإقليمية، واحتمالات التعطّل. ومن هذا المنطلق، سلاسل الإمداد تجاوزت مسألة كفاءة تشغيلية، لتتشكل كعنصر في معادلة الأمن الوطني.

هنا تكمن المفارقة، السياسات الاقتصادية لم تتطوّر بالسرعة نفسها التي تغيّر بها الواقع. رفع أسعار الفائدة الأداة التقليدية المتعارف عليها لكبح التضخم تظل محدود التأثير عندما يكون التضخم مدفوعًا بعوامل جيوسياسية مثل اضطراب الإمدادات أو ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. في المقابل، التوسع في الإنفاق الحكومي لدعم النمو قد يؤدي إلى تغذية الضغوط التضخمية بدل تخفيفها. هذه المفارقة تضع صنّاع القرار أمام معادلة معقدة تتمثل في أدوات مألوفة في سياق لم تعد صالحة له بالكامل.

في هذا السياق، لا يمكن تجاهل أن الأزمات الكبرى تعيد دائمًا توزيع موازين القوة والحرب الحالية ليست استثناءً. الدول المصدّرة للطاقة تجد نفسها في موقع أقوى يتجاوز الجانب المالي، ليلامس الجانب الإستراتيجي أيضًا. في المقابل، تواجه الدول المستوردة ضغوطًا مركبة من حيث ارتفاع تكاليف الطاقة، وتآكل القوة الشرائية، وتحديات في ميزان المدفوعات. أما الأسواق الناشئة، فهي تقف في موقع أكثر هشاشة، حيث تتقاطع الضغوط الخارجية مع محدودية أدوات الاستجابة.

في ظل هذا الواقع، يصبح الاعتماد على «التوقعات» التقليدية أقل جدوى. العالم يتحرك نحو منطق السيناريوهات، حيث تُبنى السياسات والاستراتيجيات على احتمالات متعددة. هذا التحوّل يعكس إدراكًا متزايدًا بأن عدم اليقين تجذر كسمة دائمة في النظام الاقتصادي الجدي وهنا نحن أمام تحوّل في قواعد اللعبة كون الاقتصاد العالمي ينتقل من نموذج يقوم على الكفاءة والتكلفة إلى نموذج يضع المرونة والأمن في قلب أولوياته. العولمة نفسها لا تتراجع بقدر ما يعاد تشكيلها، لتصبح أكثر انتقائية، وأكثر ارتباطًا باعتبارات السيادة والاستقرار.

23:45 | 6-05-2026

ماذا فعلت رؤية 2030؟

خرج لنا التقرير السنوي لرؤية السعودية 2030 للعام 2025 كدليل على تحوّل اقتصادي مكتمل الملامح. فالتقرير يعكس انتقال الاقتصاد السعودي إلى مرحلة جديدة؛ مرحلة لم يعد فيها النمو مرتبطاً بعامل واحد، إنما نتاج منظومة اقتصادية أعيد تصميمها بالكامل. ولعل أبرز ما يلفت الانتباه أن الغالبية العظمى من مؤشرات الأداء حقّقت مستهدفاتها أو اقتربت منها، وأن معظم المبادرات تسير وفق المسار المخطط، وهو ما يعكس نضجاً مؤسسياً في إدارة التحوّل.

ما حدث خلال الأعوام الماضية هو انتقال تدريجي من اقتصاد تُحدد مساراته أسعار النفط، إلى اقتصاد تتوزع فيه مراكز القوة. هذه ليست عبارة إنشائية، ولكن يمكن رصدها بوضوح في بنية النمو نفسه. حين تصبح الأنشطة غير النفطية تمثل أكثر من نصف الاقتصاد، وحين يتراجع أثر الدورات النفطية على الاستقرار المالي والنقدي، فنحن أمام تحوّل في سلوك الاقتصاد، لا مجرد تحسّن في أدائه. القصة الحقيقية هي أن السعودية بدأت تعيد تعريف نموذجها الاقتصادي من خلال تحويل هذا النمو من نمو مدفوع بالتحوّل إلى نمو مدفوع بالإنتاجية.

من الخطأ تبسيط هذا التحوّل على أنه «انفصال عن النفط». السعودية لم تسعَ إلى ذلك أصلاً، بل إلى إدارة الاعتماد عليه بذكاء. الفارق دقيق لكنه جوهري. ما تغيّر هو أن النفط أصبح واحداً من مكوّنات المسارات الاقتصادية، هذه المقاربة هي التي سمحت بتحقيق التوازن بين الاستقرار المالي من جهة، وتسريع التنويع من جهة أخرى.

العامل الأكثر تأثيراً في هذا التحوّل هو بناء منظومة اقتصادية جديدة. الإصلاحات التنظيمية، الاستراتيجيات الوطنية، إعادة تعريف دور الدولة اقتصادياً، وتفعيل أدوات مثل صندوق الاستثمارات العامة. كلها تعتبر أجزاء من نموذج اقتصادي يعاد تصميمه، وهذا ما يفسر أن النتائج ظهرت في أكثر من مؤشر في وقت واحد متمثلة في نمو، وتوظيف، واستثمار، وتنافسية.

دور صندوق الاستثمارات العامة تحديداً يستحق قراءة مختلفة. الصندوق تحوّل من مستثمر ضخم إلى أداة لتشكيل الاقتصاد. في الاقتصادات الناشئة، لا تنتظر الدولة دائماً أن يقود القطاع الخاص التحوّل؛ بل تخلق البيئة أولاً، وتفتح القطاعات، وتتحمّل المخاطر الأولية. ما يميّز التجربة السعودية هو أن الصندوق تحرك كـ«مُمكّن للسوق».

أما المشاريع الكبرى، عندما تُقرأ من زاوية «سرعة التنفيذ» أو «حجم الإنفاق» فهذا يُفقدها معناها الاقتصادي. هذه المشاريع هي رهانات طويلة الأجل على إعادة تشكيل الطلب في الاقتصاد سياحياً، واستثمارياً، وحتى اجتماعياً. قيمتها الحقيقية لن تظهر في سنة أو سنتين، بل في قدرتها على خلق سلاسل قيمة جديدة، واستقطاب تدفقات مستمرة من رأس المال والإنفاق.

الاستثمار محلياً وأجنبياً كان ولا يزال حجر الأساس في هذه المعادلة. ارتفاع تدفقات الاستثمار الأجنبي يُعد إشارة إلى تغيّر نظرة المستثمرين للمملكة من سوق مرتبطة بالنفط، إلى اقتصاد يحمل فرصاً متعددة في الصناعة، والخدمات، والتقنية، والسياحة. هذه الثقة بُنيت بالتشريعات، واستقرار السياسات، ووضوح الاتجاه. الأثر الأكثر حساسية لأي تحوّل اقتصادي يظل سوق العمل. انخفاض البطالة وارتفاع مشاركة القطاع الخاص في التوظيف يعكسان أن النمو بدأ يترجم إلى فرص حقيقية.

إذا أردنا توصيف المرحلة القادمة بدقة، فهي تتجاوز كونها مرحلة جني ثمار أو مجرد استمرار في البناء، لتكون مرحلة ترسيخ وتعظيم الأثر. مرحلة فيها نضج للاقتصاد السعودي مع قدرة على الحفاظ على وتيرة النمو، مع دور متزايد للقطاع الخاص، وتعزيز اعتماد القطاعات الجديدة على مقوماتها الذاتية، إلى جانب مرونة السياسات الاقتصادية في التعامل مع المتغيّرات والتحديات العالمية.

00:06 | 30-04-2026

السياسة النقدية وحدها لا تروي القصة !

غالبًا ما تتجه الأنظار إلى البنوك المركزية في كل دورة تضخمية، فترفع أسعار الفائدة، وتُشدّد السيولة، وكأن مفتاح الحل دائمًا نقدي بحت. هذا التصور الموروث من المدرسة النقدية لميلتون فريدمان، والتي يرى أن «التضخم ظاهرة نقدية»، لكن ما نشهده في كثير من الاقتصادات اليوم يوحي بأن هذا التفسير، رغم أهميته، لم يعد كافيًا لفهم الصورة كاملة في ظل التحوّلات الاقتصادية التي يعيشها العالم.

وهنا نحن لا نهمش من السياسات النقدية، ولكن قد نطلب منها معالجة ما هو في جوهره اختلال مالي. وهنا تبرز النظرية المالية لمستوى الأسعار التي طوّرها اقتصاديون مثل جون إتش كوكرين. هذه النظرية لا تنكر دور النقود، لكنها تعيد ترتيب الأولويات من حيث مستوى الأسعار الذي يتحدد في النهاية من خلال قدرة الدولة على تمويل التزاماتها المستقبلية.

الفكرة الأساسية بسيطة لكنها عميقة وتتمثل في كون الحكومة تُصدر دَيْنًا اسميًا، وهذا الدَّيْن يجب أن يُقابله على المدى الطويل فائض مالي مستقبلي إما ضرائب أعلى، أو إنفاق أقل، أو كلاهما. إذا لم يكن هذا المسار قابلًا للتحقق سياسيًا أو اقتصاديًا، فإن التصحيح لا يحدث عبر إعلان التعثر، بل عبر التضخم الذي يُقلّص القيمة الحقيقية للدَّيْن. بمعنى آخر، الأسعار لا ترتفع فقط لأن النقود زادت، بل لأن الثقة في المسار المالي اهتزت.

هذا التحليل يتقاطع مع مفهوم القيد الزمني للميزانية الحكومية، ويتعزز عبر منطق التوقعات العقلانية. فالتضخم هنا ليس حدثًا آنيًا، بل انعكاس لتوقعات الفاعلين الاقتصاديين حول المستقبل. اعتقاد الأسواق أن الحكومة لن تولد فوائض كافية لسداد ديونها، فإنها تُسعّر هذا الخطر اليوم فتظهر الضغوط التضخمية حتى قبل وقوع الأزمة.

تبنّي هذا التفسير لا يعني إقصاء العوامل الأخرى. فالتضخم في بيئات معقدة كما هو الحال اليوم لا يجب أن يُفسَّر بعامل واحد، إنما بتفاعل بين السياسة النقدية، والاختلالات المالية، والصدمات الهيكلية، مثل اضطرابات سلاسل الإمداد وتقلبات الأسعار. غير أن ما يغفل عنه كثير من المحللين هو أن العامل المالي قد لا يكون دائمًا في الواجهة، لكنه غالبًا ما يكون المحدد لمسار الأسعار على المدى المتوسط.

التجربة اليابانية تُظهر لنا بشكل واضح أن الدَّيْن المرتفع يمكن أن يتعايش مع تضخم منخفض، طالما بقيت الثقة قائمة في قدرة الدولة على إدارة التزاماتها. الفارق المهم ليس في حجم الدَّيْن، بل في مصداقية السياسة المالية. حين تكون المسارات المالية واضحة، والإصلاحات ذات مصداقية، تتماسك التوقعات حتى وإن كانت في بيئات دَيْن مرتفع. من هنا، يصبح الاعتماد المفرط على أدوات السياسة النقدية وحدها رهانًا ناقصًا. رفع أسعار الفائدة قد يهدئ الطلب، لكنه لا يعالج الشكوك حول استدامة الدَّيْن أو التوسع غير الممول في الإنفاق. وفي مرات كثيرة التشديد النقدي وخاصة في بيئة مالية هشّة قد يزيد كلفة خدمة الدَّيْن، ويُفاقم المخاوف بدل أن يبددها.

يتضح ثقل هذا الطرح في الاقتصادات التي تتزايد فيها الالتزامات الحكومية بوتيرة تفوق قدرة التمويل الفعلي. ففي مثل هذه الحالات، لا يعود السؤال مقتصرًا على كفاءة الإنفاق، بل يمتد إلى كيفية تمويله عبر الزمن. التوسع غير المسعّر قد لا يظهر أثره فورًا، لكنه يتراكم كالتزام ضمني، وتبدأ الأسواق في تسعيره تدريجيًا ضمن توقعاتها. ومن هنا، لا يمكن النظر إلى السياسة النقدية بمعزل عن الصورة الكبيرة للإطار المالي. فرفع أسعار الفائدة قد يخفف الضغوط قصيرة الأجل، لكنه لا يعالج الشكوك المرتبطة باستدامة المسار المالي. التضخم، في جوهره، ليس مجرد ظاهرة سعرية، بل لغة تعكس ثقة الأسواق في قدرة الدولة على إدارة التزاماتها، وإذا كانت هذه الثقة موضع شك، فلن يكون التشديد النقدي كافيًا لإعادة الاستقرار. ربما حان الوقت لإعادة التفكير ليس فقط في أدوات كبح التضخم، بل في بناء مسار مالي مقنع يطمئن الأسواق بأن التضخم لن يكون الأداة التي يُعاد من خلالها تحقيق التوازن.

00:01 | 23-04-2026

كيف أعادت السعودية تدفق الطاقة في 48 ساعة؟

في أسواق الطاقة، تُقاس قدرة الدول بقوتها في حجم الإنتاج، وأيضاً بقدرتها على استعادة التدفقات تحت أي أزمة أو ظرف. ولهذا، لم يكن الإعلان عن إعادة تشغيل خط شرق–غرب (بترولاين) خلال 48 ساعة من تعرّضه لهجوم عطّل نحو 700 ألف برميل يومياً مجرد خبر تشغيلي، إنما رسالة اقتصادية مباشرة للأسواق للعالمية.

في الأدبيات الاقتصادية، يُنظر إلى سوق النفط عبر ثنائية العرض والطلب، لكن في لحظات الأزمات، يظهر عامل ثالث أكثر تأثيراً وهو المرونة التشغيلية. المرونة تعني القدرة على امتصاص الصدمة، وإعادة التوازن سريعاً، ومنع تحوّل الحدث إلى اضطراب ممتد في الإمدادات أو الأسعار. وهذا ما يميّز منظومات الطاقة المتقدّمة عن المنتجين التقليديين.

الاستجابة السريعة نتيجة تراكم خبرات مؤسساتية طويلة داخل منظومة شركة أرامكو يمكن فهمها عبر ثلاث ركائز رئيسية. الأولى هي الهندسة التشغيلية التي تتمثل في بنية تحتية صُمّمت منذ عقود لتعمل في بيئات عالية المخاطر، مع مسارات بديلة وقدرات تحويل للتدفقات تتيح الاستمرار حتى عند تعطل جزء من المنظومة. الثانية هي رأس المال البشري من خلال فرق فنية بخبرات تراكمية في إدارة الأزمات، حيث تتحوّل المعرفة من إجراءات مكتوبة إلى استجابة فورية دقيقة. أما الركيزة الثالثة القدرة على اتخاذ قرارات سريعة ومدروسة في بيئة ضبابية، ما يقلّص الزمن بين التعطّل وإعادة التشغيل. هذه العناصر مجتمعة تشكّل ما يمكن وصفه بـ «رأس المال التشغيلي غير الملموس»، أي أصل اقتصادي حاسم لا يظهر في القوائم المالية، لكنه يحدد قدرة الشركة على الحفاظ على استقرار الإمدادات في أصعب الظروف.

الأهمية الاقتصادية لما حدث تتجاوز البعد المحلي. أسواق النفط لا تنتظر حدوث النقص الفعلي، بل تتفاعل مع احتمال التعطل عبر ما يُعرف بـ «علاوة المخاطر الجيوسياسية». أي خلل في نقطة حرجة قد يدفع الأسعار للارتفاع حتى قبل أن يتأثر العرض فعلياً. من هذا المنطلق، فإن إعادة الضخ خلال 48 ساعة حدّت من تضخّم هذه العلاوة، ومنعت تحوّل الحدث إلى صدمة سعرية ممتدة، وأعادت ضبط التوقعات حول قدرة الإمدادات على الاستمرار. بمعنى آخر، لم يتم فقط إصلاح الخط، بل تم احتواء الأثر الاقتصادي قبل أن يتسع.

هنا يظهر بعد آخر في السياسة النفطية للمملكة، يتجاوز المصلحة الوطنية إلى دور استقرار السوق. الاستثمار طويل الأمد في خط شرق-غرب يتجاوز البعد اللوجستي إلى بناء قدرة استراتيجية على إدارة المخاطر العالمية. هذا يعكس تحوّلاً من منتج للطاقة إلى ضامن لاستقرارها، وهو دور يكتسب أهمية أكبر في بيئة دولية تتّسم بتزايد الاضطرابات.

00:04 | 16-04-2026

البنوك المركزية.. من احتواء التضخم إلى إدارة الخسائر!

لم تعد البنوك المركزية اليوم تواجه معضلتها الكلاسيكية بين كبح التضخم ودعم النمو؛ إذ تقف أمام صدمة مختلفة في طبيعتها، أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للاحتواء بالأدوات التقليدية. ما نشهده حاليًا ليس مجرد ارتفاع دوري في الأسعار، وإنما صدمة عرض تقودها الطاقة وسلاسل الإمداد والتوترات الجيوسياسية، وهي صدمة تعيد رسم حدود فعالية السياسة النقدية نفسها.

في الأدبيات الاقتصادية التقليدية، يُنظر إلى رفع أسعار الفائدة كأداة رئيسية لاحتواء التضخم عبر تقليص الطلب الكلي، لكن هذه الآلية تفترض ضمنًا، أن التضخم ناتج عن طلب مفرط. أما في الحالة الراهنة، فإن جزءًا كبيرًا من التضخم مدفوع بارتفاع تكاليف الإنتاج، وعلى رأسها أسعار النفط والنقل والتأمين. وهنا تكمن الإشكالية، حيث إن رفع الفائدة لا يخفض أسعار النفط، ولا يعيد فتح الممرات التجارية، ولا يقلل المخاطر الجيوسياسية، لكنه في المقابل يضغط على الاستثمار، ويكبح الاستهلاك، ويضعف النمو الاقتصادي.

هذه المفارقة تضع صانعي السياسة النقدية أمام معادلة مربكة، كون أدواتهم التقليدية لا تعالج أصل المشكلة، لكنها تظل ضرورية لمنع تفاقمها. ومن هذا المنطلق، فإن توصيف الوضع على أنه «عجز» في السياسة النقدية قد يكون تسطيحًا مخلًا. الأدق هو القول، إن وظيفة هذه السياسة قد تغيّرت من السعي إلى حل الأزمة، إلى إدارة تداعياتها ومنع تحولها إلى أزمة أعمق وأكثر استدامة.

الخطر الحقيقي يكمن في انتقال هذا الارتفاع إلى توقعات التضخم. حين تبدأ الشركات في إعادة تسعير منتجاتها بناءً على افتراض استمرار التضخم، وتطالب العمالة برفع الأجور لتعويض تآكل القوة الشرائية، يدخل الاقتصاد في حلقة تضخمية يصعب كسرها. هنا يصبح رفع الفائدة، رغم محدودية تأثيره المباشر على أسباب الصدمة، أداة ضرورية لكبح هذه التوقعات والحفاظ على مصداقية البنك المركزي.

تقارير صندوق النقد الدولي تشير إلى أن جزءًا متزايدًا من التضخم العالمي في السنوات الأخيرة يعود إلى صدمات عرض مرتبطة بالطاقة والتجارة، فيما يؤكد بنك التسويات الدولي، أن التحدي الأكبر أمام البنوك المركزية لم يعد في تشخيص التضخم، بل في منع ترسخه في سلوك الأسواق. كذلك، توضح خطابات البنك الفيدرالي والبنك المركزي الأوروبي، أن صانعي القرار باتوا يركزون بشكل متزايد على إدارة التوقعات، حتى وإن جاء ذلك على حساب تباطؤ النمو.

ما نعيشه اليوم هو انتقال من اقتصاد تحكمه الدورات الاقتصادية إلى اقتصاد تحكمه الصدمات. في النموذج الأول، كانت السياسة النقدية قادرة إلى حد كبير على تهدئة التقلبات عبر ضبط تكلفة التمويل. أما في النموذج الثاني، فإن الصدمات تأتي من خارج المنظومة الاقتصادية كالحروب، واختناقات لوجستية، واضطرابات في الطاقة، وهنا تصبح السياسة النقدية في موقع رد الفعل، لا الفعل.

ضمن هذا السياق، تتغيّر طبيعة القرار الاقتصادي، فلم يعد السؤال: «ما هو الخيار الأمثل؟»، ولكن «ما هو أقل الخيارات تكلفة على المدى المتوسط؟». رفع الفائدة قد يحد من التضخم، لكنه يزيد من مخاطر الركود، والتساهل قد يدعم النمو مؤقتًا، لكنه يهدد بفقدان السيطرة على الأسعار. النتيجة هي ما يمكن تسميته بـ«إدارة الخسائر»، حيث تسعى البنوك المركزية إلى توزيع الأثر السلبي عبر الزمن بدلًا من القضاء عليه.

هذا التحوّل يحمل دلالات أعمق. فهو يشير إلى أن أدوات السياسة الاقتصادية التي صُممت لعالم مستقر نسبيًا لم تعد كافية لعالم تسوده الصدمات المتكررة. كما يطرح تساؤلات حول الحاجة إلى تنسيق أكبر بين السياسة النقدية والسياسات الأخرى، خاصة المالية وسياسات الطاقة، لمعالجة جذور الأزمات بدل الاكتفاء باحتواء أعراضها، وخاصة في عالم تتسارع فيه الصدمات، قد يكون أكبر إنجاز للبنوك المركزية منع الانزلاق إلى فوضى اقتصادية يصعب الخروج منها عوضاً عن تحقيق الاستقرار الكامل.

00:13 | 9-04-2026