أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/uploads/authors/1235.jpg&w=220&q=100&f=webp

علي محمد الحازمي

من إدارة الأصول إلى صناعة القيمة

هل يُقاس نجاح الجهات الحكومية بعدد الفرص الاستثمارية التي تطرحها، أم بالقيمة الاقتصادية التي تصنعها؟ عندما أعلنت وزارة البلديات والإسكان طرح أكثر من 13 ألف فرصة استثمارية خلال النصف الأول من عام 2026، اتجهت الأنظار إلى الرقم، لكن الرقم في حد ذاته لا يخبرنا بالكثير. من منظور اقتصادي، لا تعني الأرقام الكبيرة بالضرورة إنجازات كبيرة، لأن القيمة الحقيقية لا تكمن في عدد الفرص المعلنة، بل في قدرتها على جذب الاستثمارات، وخلق الوظائف، وتحويل الأصول العامة إلى محركات للنمو. في الاقتصاد، لا تُقاس النجاحات بعدد المبادرات، وإنما بالأثر الذي تتركه على الاقتصاد الحقيقي.

من هذا المنطلق، فإن ما يحدث اليوم في القطاع البلدي يتجاوز كونه برنامجًا لطرح فرص استثمارية، ليعكس تحوّلًا مؤسسيًا أعمق في طريقة إدارة الأصول العامة. اليوم، الأراضي والمرافق البلدية تجاوزت فكرة كونها ممتلكات حكومية يجب الحفاظ عليها، لتُعامل كرأسمال اقتصادي ينبغي تعظيم عائده وتحويله إلى محرك للنمو.

هذا التحوّل يمثّل نقلة مهمة في فلسفة العمل الحكومي. لوقت قريب، كان نجاح الجهة الحكومية يُقاس بحجم ما تمتلكه من أصول أو بعدد المشاريع التي تنفذها. أما اليوم، فقد أصبح المعيار أكثر تطورًا، كم من استثمار جذب هذا الأصل؟ وكم وظيفة وفر؟ وما مقدار القيمة المضافة التي خلقها للاقتصاد؟ وهذا ببساطة يؤكد أن وزارة البلديات والإسكان أحدثت نقلة من إدارة الممتلكات إلى إدارة القيمة.

بالتوازي مع ذلك، تغيّر دور القطاع الخاص أيضًا. الحكومة أصبحت تركّز على التخطيط والتنظيم وتهيئة البيئة الاستثمارية، بينما يتولى القطاع الخاص التمويل، والتطوير، والتشغيل، والابتكار. هذا التحوّل لعب دورًا مهمًا في تخفيف العبء عن المالية العامة، وقاد إلى رفع كفاءة استخدام الأصول، وزيادة الإنتاجية، وتعزيز تنافسية الاقتصاد.

تتجاوز أهمية هذا التحوّل القطاع البلدي نفسه؛ فهو يرتبط مباشرة بأحد أهم مستهدفات رؤية المملكة 2030، والمتمثل في رفع مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي إلى 65 %. الوصول إلى هذا الهدف لن يتحقق عبر زيادة الإنفاق الحكومي وحده، وإنما من خلال خلق فرص استثمارية حقيقية تمكّن القطاع الخاص من توظيف رأس المال، وتطوير الأصول العامة، وتوسيع النشاط الاقتصادي في مختلف المناطق والقطاعات.

كل أرض بلدية تتحوّل إلى مشروع تجاري، أو مرفق سياحي، أو مركز صحي، أو منشأة رياضية، أو مشروع لوجستي توسع النشاط الاقتصادي، وتخلق فرص عمل، وتحفّز سلاسل الإمداد، وتولد إيرادات جديدة، وهو ما ينعكس في نهاية المطاف على ارتفاع مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي. من هنا، فإن الاستثمار في الأصول البلدية أداة لتحقيق أحد أهم مستهدفات التحوّل الاقتصادي في المملكة.

وهنا يبرز مفهوم اقتصادي مهم يعرف بالعائد على الأصول العامة. الأصل الحكومي لا ينبغي أن يُقاس بقيمته الدفترية أو بمساحته، وإنما بقدرته على توليد قيمة اقتصادية واجتماعية مستدامة. الأرض غير المستغلة تمثل تكلفة فرصة ضائعة، في المقابل تتحوّل الأرض المطورة إلى مصدر للإيرادات، ومحرك للاستثمار، وأداة لتحسين جودة الحياة.

التجارب الدولية تقدّم نماذج واضحة في مثل هذا التحوّل. على سبيل المثال في سنغافورة، يكمن سر نجاحها الاقتصادي في الإدارة الإستراتيجية للأصول العامة. على الرغم من محدودية الأراضي، تبنّت الحكومة نهجًا يقوم على تعظيم القيمة الاقتصادية لكل أصل، وربط قرارات استخدام الأراضي بالعائد الاقتصادي والاجتماعي طويل الأجل، وبذلك أصبحت الأصول الحكومية مصدرًا لتمويل البنية التحتية وتعزيز الاستدامة المالية، بدلاً من أن تكون مجرد ممتلكات تحتفظ بها الدولة. لم تقتصر هذه الفلسفة على سنغافورة، فقد تبنّت أستراليا برامج إعادة تدوير الأصول، بينما اعتمدت بلديات كندية على شراكات واسعة مع القطاع الخاص، في تأكيد عالمي على أن كفاءة استثمار الأصول أصبحت أهم من مجرد امتلاكها.

هذه التجارب تؤكد أن التحوّل الذي تشهده المملكة ليس استثناءً، بل هو جزء من اتجاه عالمي يعيد تعريف دور الدولة في الاقتصاد. الدول الحديثة لم تعد تقيس نجاحها بحجم الأصول التي تمتلكها، وإنما بقدرتها على تعظيم العائد منها، وتحويلها إلى أدوات للنمو والإنتاجية والاستدامة المالية.

من هذا المنظور، فإن إعلان وزارة البلديات والإسكان لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره خبرًا عن 13 ألف فرصة استثمارية، بل باعتباره مؤشرًا على تحوّل اقتصادي أعمق؛ تتحوّل فيه البلديات من جهات تقدم الخدمات إلى جهات تصنع الأسواق، وتمكن الاستثمار، وتدير الأصول بعقلية اقتصادية. هذا التحول قد يكون أحد أهم الإصلاحات الاقتصادية الهادئة التي تشهدها المملكة، لأنه يعيد صياغة العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص، ويجعل الأصول العامة أكثر قدرة على خلق الثروة بدلاً من الاكتفاء بالحفاظ عليها.

23:35 | 15-07-2026

النفط السعودي.. قراءة في منطق القرار

أثار قرار المملكة بخفض السعر الرسمي لبيع خامها إلى الأسواق الآسيوية، وهو الأكبر منذ سنوات، كثيرًا من التساؤلات حول ما إذا كانت السعودية بدأت تدخل مرحلة جديدة من المنافسة السعرية. القراءة الاقتصادية الأعمق تشير إلى أن ما يحدث ليس تنازلًا عن الإيرادات، بقدر ما هو استخدام مدروس لأحد أهم أدوات السياسة النفطية التي تمتلكها المملكة. في أسواق النفط، لا تُقاس القيادة دائمًا بالقدرة على بيع البرميل بأعلى سعر، بل بالقدرة على استخدام أدوات التسعير في الوقت المناسب للحفاظ على النفوذ والمكانة في السوق العالمية.

لفهم هذا القرار، لا بد أولًا من النظر إلى البيئة التي يتحرك فيها سوق النفط اليوم. الملاحظ أن الأسواق شهدت عودة الإمدادات من الشرق الأوسط بعد انحسار جزء من المخاطر الجيوسياسية، بالتزامن مع الزيادات التدريجية في إنتاج تحالف أوبك+، إضافة إلى تباطؤ نسبي في نمو الطلب الآسيوي وعودة بعض البراميل المنافسة إلى السوق. هذه العوامل مجتمعة رفعت مستوى المنافسة بين المنتجين، خصوصًا في آسيا التي تمثل أكبر مركز لنمو الطلب العالمي على النفط.

في مثل هذه الظروف، لا يصبح الهدف الاقتصادي هو تعظيم سعر البرميل في المدى القصير، بقدر الحفاظ على العملاء والحصة السوقية. العميل الذي يفقده المنتج اليوم قد يحتاج سنوات لاستعادته، بينما يمكن تعويض انخفاض السعر مع تحسّن دورة السوق. لذلك، تمثل الحصة السوقية أصلًا إستراتيجيًا يضمن استمرار الطلب المستقبلي، ويحافظ على المكانة التجارية للنفط السعودي في أهم أسواق العالم.

لهذا السبب تعتمد السعودية منذ سنوات على آلية أسعار البيع الرسمية (Official Selling Prices - OSP)، وهي ليست أسعارًا ثابتة، وإنما أداة تسعير مرنة تُراجع شهريًا وفق أوضاع السوق، بهدف الحفاظ على تنافسية الخام السعودي مقارنة بالخامات البديلة. ومن هذا المنطلق، فإن خفض السعر الرسمي لا يُعدّ تغييرًا في الإستراتيجية، إنما تطبيقًا طبيعيًا لها عندما تتغير أساسيات السوق.

التاريخ يؤكد أن المملكة تعاملت دائمًا مع الحصة السوقية باعتبارها أحد أهم أصولها الإستراتيجية. في محطات عديدة من تاريخ سوق النفط، فضّلت السعودية امتصاص جزء من الضغوط السعرية للحفاظ على علاقاتها التجارية طويلة الأجل مع عملائها، إدراكًا منها أن خسارة جزء محدود من السعر أقل تكلفة بكثير من خسارة سوق أو عميل إستراتيجي.

تستند هذه السياسة إلى مجموعة من المزايا التنافسية التي لا تتوافر لكثير من المنتجين. المملكة تعد أكبر مصدّر للنفط الخام في العالم، وتمتلك أكبر طاقة إنتاجية احتياطية تمنحها مرونة عالية في إدارة الإمدادات، كما تتمتع بتكاليف إنتاج من بين الأدنى عالميًا، إضافة إلى شبكة واسعة من العملاء، وعقود توريد طويلة الأجل، وبنية تحتية متطورة تجعلها من أكثر الموردين موثوقية واستقرارًا في السوق العالمية. هذه المزايا تمنح السعودية قدرة أكبر على إدارة دورات الأسعار مقارنة بالعديد من المنافسين.

من منظور اقتصادي، فإن الأسواق السلعية لا تكافئ دائمًا من يحقق أعلى سعر، بل تكافئ من يحافظ على حضوره ونفوذه عبر مختلف الدورات الاقتصادية. لذلك، فإن التخلي عن جزء محدود من السعر في مرحلة تشهد ارتفاعًا في المنافسة قد يكون قرارًا أكثر ربحية على المدى الطويل، لأنه يحافظ على تدفقات الإيرادات المستقبلية، ويصون العلاقات التجارية التي بُنيت على مدى عقود. السعودية تدير مكانتها في السوق العالمية، وهذا هو الفارق بين المنتج الذي يتفاعل مع السوق، والمنتج الذي يمتلك القدرة على التأثير في اتجاهها.

19:29 | 8-07-2026

العقار كأداة للسياسة الاقتصادية..

اعتدنا عند الحديث عن جذب الاستثمار الأجنبي أن نركّز على الحوافز الضريبية، وسهولة ممارسة الأعمال، وسرعة إصدار التراخيص، وتطور البنية التحتية. لعقود طويلة اعتبرت هذه العناصر هي المعايير التي تتنافس من خلالها الدول لاستقطاب الشركات العالمية ورؤوس الأموال. خلال السنوات القليلة الماضية المشهد الاقتصادي العالمي تغيّر بصورة دراماتيكية، فالشركات لم تعد تبحث فقط عن أقل تكلفة أو أقل ضريبة، بل أصبحت تبحث عن بيئة تمنحها القدرة على الاستقرار والنمو لعقود. من هنا بدأت أداة جديدة تدخل في معادلة التنافس بين الدول وهي السياسة العقارية. وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى السياسة العقارية بوصفها امتداداً للسياسة الاقتصادية، وليست مجرد إطار لتنظيم الملكية. قد يبدو الأمر غريباً، وهنا يأتي السؤال كيف توظف السياسة العقارية لتعزيز النمو الاقتصادي وجذب الاستثمار النوعي دون الإخلال بتوازن السوق؟ وهذا هو السؤال الذي يبدو أن المملكة بدأت تجيب عنه من خلال هذا النظام الجديد لتملّك غير السعوديين للعقارات.

الشركات العالمية لا تنتقل إلى دولة جديدة من أجل شراء أرض أو مبنى، بل من أجل بناء نشاط اقتصادي متكامل. المصنع يحتاج إلى أرض مستقرة، والمركز اللوجستي يحتاج إلى مستودعات، ومركز البيانات يحتاج إلى موقع دائم، والمقر الإقليمي يحتاج إلى مبنى يمثل قاعدة لإدارة الأعمال. من هذه الزاوية، أصبح حق التملّك جزءاً من قرار الاستثمار نفسه، لأنه كلما شعر المستثمر أن حقوقه واضحة ومستقرة، زادت شهيته الاستثمارية على ضخ رؤوس الأموال وتوسيع أعماله والاستمرار على المدى الطويل. من هنا يمكن فهم التحوّل الذي نشهده في العديد من الاقتصادات، حيث أصبحت السياسة العقارية تكمل السياسات الضريبية والتنظيمية في جذب الاستثمار.

من هذا المنظور، يمكن التعمّق في قراءة نظام تملّك غير السعوديين للعقار في المملكة العربية السعودية. اختزال القرار في كونه «سماحاً للأجانب بتملك العقارات» لا يعكس حقيقته الاقتصادية. النظام، كما تظهر فلسفته، لا يتعامل مع العقار كسلعة، بل كأحد الممكّنات الاقتصادية التي تدعم مستهدفات رؤية 2030 في تنويع الاقتصاد، واستقطاب الاستثمار الأجنبي المباشر، ورفع الإنتاجية. الملفت أن النظام لم يتبنَّ نموذج الانفتاح الكامل، كما لم يتجه إلى الإغلاق الكامل. اختار نموذجاً وسطاً يقوم على التوازن؛ إذ حدد الفئات المؤهلة للتملّك، وربط ذلك بنطاقات جغرافية محددة، وأوجد إجراءات رقمية واضحة، وربط الملكية بالسجل العقاري، بما يحقق هدفين في الوقت نفسه: تعزيز جاذبية الاستثمار، والحفاظ على استقرار السوق العقارية.

هذا التوازن يتجاوز فكرة التنظيم التفصيلي، ليصل إلى جوهر السياسة الاقتصادية ذاتها. الدول التي تفتح أسواقها العقارية دون ضوابط قد تواجه ارتفاعاً في الأسعار أو زيادة في المضاربات أو ضغوطاً على القدرة السكنية للمواطنين. في المقابل، فإن الدول التي تغلق أسواقها بالكامل قد تفقد جزءاً من قدرتها على استقطاب الاستثمارات النوعية، لذلك أصبحت المنافسة اليوم تقوم على إيجاد المعادلة التي تحقّق الانفتاح الاقتصادي دون الإخلال بالمصلحة الوطنية.

الأهم من ذلك أن القيمة الاقتصادية لهذا النوع من السياسات يبدأ بعد شراء العقار، وليس عند توقيع عقد البيع. الشركات العالمية عندما تمتلك عقاراً لتشغيل مصنع أو مقر إقليمي أو مركز بيانات، فإنها لا تضيف صفقة عقارية إلى السوق فحسب، بل تضيف وظائف جديدة، وتقنيات متقدّمة، وإنفاقاً رأسمالياً، وسلاسل إمداد، وعقوداً مع الموردين، وخدمات لوجستية، وهندسية، ومالية.

وهنا لابد من بيان، أن نجاح هذه السياسة لا تقاس بحجم المبيعات العقارية أو عدد طلبات التملّك، وإنما بحجم الاستثمار المنتج الذي نجح في استقطابه. المؤشرات التي تستحق المتابعة هي عدد المصانع الجديدة، والمقار الإقليمية التي انتقلت إلى المملكة، ومراكز البيانات التي أُنشئت، والوظائف التي خُلقت، والقيمة المضافة التي دخلت الاقتصاد الوطني.

00:00 | 2-07-2026

نهاية العَقد بين الفيدرالي والأسواق

في أول اجتماع له على رأس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، أبقى كيفن وورش أسعار الفائدة دون تغيير. ظاهرياً لم يكن القرار استثنائياً، لكن ما جرى خلف القرار قد يكون أكثر أهمية من القرار نفسه. المؤشرات الصادرة عن الاجتماع توحي بأن الفيدرالي بدأ يعيد النظر في الطريقة التي يتعامل بها مع الأسواق المالية التي استمرت لأكثر من عقدين.

منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008 تشكّلت علاقة جديدة بين الأسواق والفيدرالي الأمريكي. ملامح تلك العلاقة متمثّلة في تبدل دور الفيدرالي من كونه مقتصراً على إدارة التضخم وسوق العمل، ليصل إلى تشكيل توقعات المستثمرين. مع كل أزمة أو تباطؤ اقتصادي كانت الأسواق تتوقع تدخلاً نقدياً جديداً، سواء عبر خفض الفائدة أو ضخ السيولة أو إرسال رسائل تطمينية حول المستقبل.

بمرور الوقت، اعتادت الأسواق على نمط معين من السلوك. عندما تتراجع الأسهم تتزايد التوقعات بخفض الفائدة، وعندما يتباطأ النمو تنتظر الأسواق تدخلاً من الفيدرالي. ومن هذا المنطلق، أصبح المستثمرون يمحصون بيانات الفيدرالي وتصريحات مسؤوليه أحياناً أكثر مما ينقبون في القوائم المالية للشركات أو المؤشرات الاقتصادية الأساسية.

هذا التحول خلق ما يشبه عقداً ضمنياً غير مكتوب بين الأسواق والفيدرالي. وبناء على تلك المعطيات، أصبحت الأسواق تفترض أن الفيدرالي سيتدخل عند الضرورة حرصاً منه على توجيه الأسواق مسبقاً لتقليل المفاجآت. هذا العقد غير المكتوب يبدو اليوم أمام اختبار حقيقي.

رسائل وورش الأولى أوحت بأن الفيدرالي قد لا يرغب في الاستمرار بهذا النهج. بدلاً من تقديم إشارات تفصيلية للأسواق حول خطواته المقبلة، بدا أكثر ميلاً إلى ترك المستثمرين يواجهون قدراً أكبر من عدم اليقين. وبدلاً من التركيز على حماية الأسواق من التقلبات، عاد التركيز إلى المهمة التقليدية للفيدرالي المتمثلة في السيطرة على التضخم والحفاظ على استقرار الأسعار. لوهلة، قد يبدو هذا التحوّل تقنياً، لكنه في الواقع يعكس تغييراً استراتيجياً عميقاً. لذلك يبدو أن وورش يسعى إلى إنهاء حقبة اعتادت فيها الأسواق النظر إلى الفيدرالي باعتباره الموجه والمنقذ الأخير، وإعادة المسؤولية إلى المستثمرين أنفسهم لقراءة المخاطر وتحمل نتائج قراراتهم.

خلال السنوات الماضية أدت السياسات النقدية التوسعية إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الأصول حول العالم. صحيح أن جزءاً من هذه الارتفاعات كان مدعوماً بالنمو الاقتصادي والتطور التكنولوجي، لكن جزءاً آخر ارتبط بتدفق السيولة وتوقعات استمرار الدعم النقدي. نتيجة لذلك، باتت أسعار الأصول أقل حساسية للمخاطر الحقيقية وأكثر حساسية لتصريحات الفيدرالي الأمريكي.

من هنا، يمكن فهم الرؤية التي يبدو أن وورش يتبناها. السوق السليمة، من وجهة نظر العديد من المحافظين النقديين، هي السوق التي تسعر المخاطر بنفسها. المستثمر الذي يحقق عائداً مرتفعاً يجب أن يتحمّل أيضاً احتمال الخسارة. أما عندما تصبح الأسواق واثقة من وجود شبكة أمان دائمة توفرها البنوك المركزية، فإن آلية تسعير المخاطر تبدأ في التشوّه.

بطبيعة الحال لا يخلو هذا التوجه من المخاطر. التقليل من التوجيه المستقبلي قد يزيد التقلبات ويرفع تكلفة التمويل ويجعل الأسواق أكثر حساسية للأخبار الاقتصادية. في الوقت ذاته، ربما لدى وورش قناعة أن قدراً من التقلب أفضل من تراكم اختلالات مالية كبيرة نتيجة الاعتماد المفرط على السياسة النقدية.

00:00 | 25-06-2026

الاقتصاد السياسي يطرق الباب من جديد!

عندما سقط جدار برلين، لم يسقط معه نظام سياسي فحسب، بل سقطت أيضاً فكرة كانت تحكم جزءاً كبيراً من القرن العشرين تتمثل في أن السياسة هي التي تحدد مصير الاقتصاد. خلال تلك الحقبة اتجه العالم نحو مرحلة جديدة تتراجع فيها الحدود، وتنتصر فيها الأسواق، وتصبح التجارة اللغة المشتركة بين الدول. الواقع قدّم لنا شواهد كثيرة عزّزت الاعتقاد بأن هذا المسار أصبح أمراً لا جدل فيه. انتقلت المصانع إلى حيث العمالة الأرخص، وتحركت الاستثمارات إلى حيث العوائد الأعلى، وامتدت سلاسل الإمداد عبر القارات وكأن العالم تحوّل إلى مصنع واحد ضخم. كان المنطق السائد بسيطاً دع الأسواق تعمل، وستتكفل بتحقيق أفضل النتائج للجميع، لكن التاريخ كان نادراً ما يسير في خط مستقيم.

في السنوات الأخيرة، بدأ العالم يكتشف أن الكفاءة ليست كل شيء. جاءت جائحة كورونا لتكشف للعالم هشاشة نظام اقتصادي بُني على افتراض أن السلع والمواد والمنتجات ستظل تتحرك دائماً بحرية. فجأة توقفت المصانع، وتعطلت الموانئ، واختفت بعض المنتجات الأساسية من الأسواق. ولم يكن السؤال آنذاك من ينتج بأقل تكلفة؟ بل من يستطيع أن يضمن استمرار الإمدادات؟

ثم جاءت الحرب الروسية الأوكرانية لتضيف درساً آخر أكثر قسوة. الدول التي بنت سياسات الطاقة على اعتبارات اقتصادية بحتة وجدت نفسها مضطرة لإعادة التفكير في أولوياتها. وأصبح أمن الطاقة قضية سياسية قبل أن يكون قضية اقتصادية. بعد ذلك، تصاعد التنافس بين الولايات المتحدة والصين، ليكشف أن أكثر القطاعات تقدّماً في العالم لم تعد تُدار فقط بمنطق السوق. الرقائق الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، والتقنيات المتقدّمة تحوّلت من منتجات تجارية إلى أدوات نفوذ إستراتيجي. ولم تعد الدول تتنافس على بيع المنتجات فقط، بل على السيطرة على التكنولوجيا التي تصنع تلك المنتجات. هنا بدأت ملامح مرحلة جديدة تتشكّل. مرحلة لم تعد فيها الحكومات تسأل ما الخيار الأقل تكلفة؟ إنما أصبحت تسأل: ما الخيار الأقل خطراً؟ قد يبدو الفرق بين السؤالين بسيطاً، لكنه في الحقيقة يعكس تحوّلاً عميقاً في طريقة إدارة الاقتصاد العالمي.

عندما تكون الأولوية للكفاءة، تبحث الشركات عن أرخص العمالة وأسرع طرق الشحن وأقل التكاليف. أما عندما تكون الأولوية للأمن، فإن الحسابات تتغيّر بالكامل. تصبح المرونة أهم من السرعة، والاعتمادية أهم من السعر، والقدرة على الصمود أهم من تعظيم الأرباح. لهذا السبب نشهد اليوم عودة الحديث عن الأمن الغذائي، وأمن الطاقة، والأمن التقني، وأمن سلاسل الإمداد. هذه المصطلحات تعكس أهمية متزايدة أن الاقتصاد لا يعيش في عالم منفصل عن السياسة والجغرافيا والتاريخ.

لعل المفارقة الكبرى أن العالم الذي اعتقد يوماً أن العولمة ستجعل السياسة أقل تأثيراً في الاقتصاد، يجد نفسه اليوم أمام واقع مغاير تماماً. العقوبات الاقتصادية أصبحت سلاحاً سياسياً، والتكنولوجيا أصبحت أداة نفوذ، والممرات التجارية أصبحت أوراق قوة، وحتى القرارات الاستثمارية الكبرى باتت تتأثر بالاعتبارات الجيوسياسية بقدر تأثرها بالمؤشرات المالية. لهذا لم يعد من الممكن فهم الاقتصاد العالمي من خلال الأرقام وحدها، لأن معدلات النمو، وأسعار الفائدة، وحركة التجارة لم تعد تروي القصة كاملة. المؤكد أن خلف هذه الأرقام تقف اعتبارات تتعلق بالقوة والنفوذ والتحالفات والمصالح الإستراتيجية.

00:00 | 18-06-2026

عندما يكون الصمت قراراً اقتصادياً!

«إذا كنت لا تعرف، فالتزم الصمت! وكما قلت سابقاً، فإن الصمت شكل من أشكال الحديث». بهذه العبارة اختصر الأمير عبدالعزيز بن سلمان وزير الطاقة فلسفة عميقة في إدارة الأزمات خلال منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي 2026 تحت شعار «حوار براجماتي: طريق نحو مستقبل مستقر». قد تبدو للوهلة الأولى هذه العبارة مرتبطة بأسواق الطاقة، لكنها في الحقيقة تمتد إلى جوهر العمل الاقتصادي وصناعة القرار في عالم يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم. اللافت في حديث الأمير أنه جاء في زمن أصبحت فيه الثقة الزائدة سلعة رائجة، بينما أصبح التواضع المعرفي نادراً وخاصة في عصر يتّسم بكثرة المجهولات وسرعة التحوّلات. مرات كثيرة تكون الحكمة الحقيقية ليست في امتلاك كل الإجابات، بل في معرفة متى يجب التوقف عن الادعاء بامتلاكها.

اعتادت الأسواق وعامة الناس أن ينظروا إلى الاقتصاديين وصنّاع القرار على أنهم قادرون على تقديم الإجابات والتوقعات لكل ما سيحدث في المستقبل، لكن الواقع مختلف تماماً. فكلما ازدادت الأزمات وتشابكت الأسواق وتداخلت السياسة مع الاقتصاد، أصبحت القدرة على التنبؤ أقل، وأصبح الاعتراف بحدود المعرفة أكثر أهمية من ادعاء امتلاكها.

في الظروف الطبيعية تستطيع الحكومات والشركات بناء توقعاتها اعتماداً على البيانات والاتجاهات التاريخية والنماذج الاقتصادية، لكن في لحظات التحوّل الكبرى، كالحروب والأزمات الجيوسياسية والكوارث الطبيعية والاضطرابات المالية، تتغيّر المعطيات بسرعة تجعل كثيراً من التوقعات عديمة القيمة خلال أيام أو حتى ساعات. وهنا تظهر إحدى أهم الحقائق الاقتصادية التي كثيراً ما يتم تجاهلها وهي أن ليست كل المخاطر قابلة للقياس. فهناك فرق جوهري بين «المخاطر» و«عدم اليقين». المخاطر يمكن تقدير احتمالاتها، أما عدم اليقين فهو ذلك المجال الذي لا نعرف فيه ما الذي سيحدث، ولا نملك حتى القدرة على تقدير احتمالات حدوثه بدقة.

عندما يقول الأمير عبدالعزيز بن سلمان إنه لا يعلم ما الذي سيحدث بعد نصف ساعة، فهو لا يعبّر عن نقص في المعلومات، بل عن فهم عميق لطبيعة المرحلة. العالم يعيش اليوم حالة من التحوّلات المتسارعة تجعل أكثر الخبراء والمؤسسات حذراً في إطلاق التوقعات القاطعة.

وهنا يمكن فهم الصمت بوصفه أداة من أدوات الإدارة الاقتصادية. ففي أوقات الأزمات لا تؤثر الوقائع وحدها على الأسواق، بل تؤثر أيضاً الكلمات والتصريحات والتوقعات. تصريح واحد غير محسوب قد يرفع أسعار النفط أو يربك المستثمرين أو يخلق حالة من الهلع في الأسواق. ولهذا فإن الامتناع عن الحديث في ظل نقص المعلومات ليس ضعفاً، بل قد يكون ممارسة مسؤولة تهدف إلى حماية الاستقرار ومنع تضليل الأسواق.

ولعل الدرس الأهم الذي يمكن استخلاصه من حديث الأمير هو أن النجاح الاقتصادي لا يقوم على القدرة على معرفة المستقبل، بل على القدرة على الاستعداد لمستقبل مجهول، فالاقتصادات الناجحة ليست تلك التي تتنبأ بكل أزمة قبل وقوعها، وإنما تلك التي تبني من المرونة ما يمكنها من التكيّف مع الأزمات مهما كان شكلها. وهذا ما يفسر كثيراً الاستثمارات التي شهدتها المملكة خلال السنوات الماضية في البنية التحتية والطاقة والخدمات اللوجستية وسلاسل الإمداد. فالفكرة لم تكن قائمة على توقع أزمة بعينها، وإنما على بناء اقتصاد أكثر قدرة على التعامل مع مختلف السيناريوهات. عندما جاءت الأزمات المتلاحقة، من الجائحة إلى اضطرابات التجارة العالمية والتوترات الجيوسياسية، أثبتت هذه الاستثمارات قيمتها الحقيقية.

00:00 | 11-06-2026

الاقتصاد الذي بنته الموانئ!

عندما أُطلقت رؤية المملكة 2030، أشار ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى حقيقة اقتصادية مهمة مفادها أن المملكة لم تستفد بالشكل الأمثل من موقعها الجغرافي الاستثنائي، رغم أنها تقع في قلب ثلاث قارات وتطل على البحر الأحمر الذي يمر عبره جزء كبير من التجارة العالمية. كانت تلك الملاحظة بمثابة تشخيص اقتصادي دقيق؛ فالموقع الجغرافي يحتاج إلى رؤية واستثمارات وبنية تحتية تحوّل الجغرافيا إلى قيمة اقتصادية.

اليوم، وبعد أقل من عقد على إطلاق الرؤية، تبدو الأرقام وكأنها تروي قصة هذا التحوّل، وذلك من خلال ارتفاع قيمة إعادة التصدير من 35.4 مليار ريال في عام 2020 إلى أكثر من 149 مليار ريال في عام 2025، في قفزة تعكس نجاح المملكة في تحويل موقعها الاستراتيجي من ميزة كامنة إلى ميزة تنافسية حقيقية. ونستنتج من ذلك، أن المملكة أصبحت مركزاً لوجستياً متنامياً تتقاطع فيه سلاسل الإمداد بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، متجاوزاً فكرة كونه مجرد نقطة عبور على خريطة التجارة الدولية.

هذه الأرقام تؤكد أن الاستثمارات التي ضُخت في الموانئ والمناطق اللوجستية وشبكات النقل والإجراءات الجمركية بدأت تترجم إلى نتائج اقتصادية ملموسة. والأهم من ذلك أنها أيضاً تخبرنا أن الرهان على الخدمات اللوجستية كان استشرافاً مبكراً للتحوّلات التي ستشهدها التجارة العالمية خلال السنوات اللاحقة. ربما يكون أهم ما تكشفه هذه الأرقام أن الاستثمار في المستقبل يبدأ دائماً برؤية واضحة، لكن نتائجه تظهر عندما تتغير قواعد اللعبة العالمية ويكون هناك من استعد لها مسبقاً.

الاقتصادات الحديثة تجاوزت فكرة المنافسة على إنتاج السلع وحدها لتراهن على موقعها داخل سلاسل الإمداد العالمية؛ لأن حركة التجارة العالمية تجذب معها الاستثمارات، والخدمات، والوظائف، والمعرفة. ومن انعكاسات تلك الفكرة، استثمرت دول عديدة مليارات الدولارات لتصبح مراكز لوجستية عالمية؛ لأن القيمة الاقتصادية تجاوزت مفهوم تصنيع المنتج لتشمل أيضاً نقله وتخزينه وتوزيعه وتمويله وتأمينه. أدركت المملكة مبكراً هذه الحقيقة ففي الوقت الذي كانت فيه التجارة العالمية تتوسع بوتيرة متسارعة، عملت المملكة على تطوير موانئها، وتحديث أنظمتها الجمركية، وإنشاء المناطق اللوجستية الخاصة، وربط الموانئ بشبكات النقل الحديثة. ربما لم تكن نتائج هذه الجهود ظاهرة للعيان في بدايتها، لكن الأحداث العالمية الأخيرة كشفت أهميتها.

منذ جائحة كورونا وما تبعها من اختناقات في سلاسل الإمداد، مروراً بالتوترات الجيوسياسية والصراعات الإقليمية، وصولاً إلى التحديات التي واجهت بعض الممرات البحرية الدولية، أصبح العالم يبحث عن مراكز أكثر كفاءة واستقراراً وموثوقية. وهنا ظهرت قيمة الاستثمار طويل الأجل، إذ لا يمكن بناء مراكز لوجستية عالمية أثناء الأزمات، بل يجب أن تكون جاهزاً قبل وقوعها.

وما يستحق التوقف عنده أن كثيراً من الأزمات التي هدّدت حركة التجارة العالمية تحوّلت بالنسبة للمملكة إلى فرصة لإثبات جاهزية بنيتها التحتية وقدرتها على استيعاب المزيد من التدفقات التجارية. فالأزمات غالباً ما تعيد رسم خرائط التجارة، لكنها في الوقت ذاته تكشف أي الدول كانت تستعد للمستقبل وأيها كانت تكتفي بمراقبة التحوّلات.

تؤمن المملكة أن الصورة الأكبر تكمن في بناء منظومة اقتصادية متكاملة حول هذه الحركة التجارية، فكل سفينة ترسو في ميناء سعودي، وكل حاوية تمر عبر الأراضي السعودية، تمثل فرصة لخلق نشاط اقتصادي إضافي في النقل والتخزين والخدمات المالية والتأمين والتقنيات اللوجستية والصناعات المرتبطة بسلاسل الإمداد. فالهدف ليس فقط أن تمر البضائع عبر المملكة، بل أن يُصنع جزء منها فيها، وأن تُدار من خلالها مراكز التوزيع الإقليمية، وأن تستقطب الشركات العالمية استثماراتها وخبراتها إلى السوق السعودية.

00:00 | 4-06-2026

فرص اقتصادية مؤجلة داخل المدن

في صباح صيفي حار، وقبل أن تبدأ الحركة التجارية المعتادة في أحد المراكز التجارية، يتشكّل مشهد مختلف تمامًا. أبواب المول تُفتح، لا للمتسوقين، بل لأشخاص جاءوا فقط للمشي. كبار سن يبحثون عن مساحة مكيّفة، موظفون يستثمرون ساعة قبل العمل، وعائلات تحاول الهروب من حرارة الصيف الملتهبة. للوهلة الأولى يبدو المشهد اعتياديًا، لكنه في الحقيقة يعكس فكرة اقتصادية أعمق بكثير تتمحور حول كيف يمكن للأصول القائمة أن تنتج قيمة جديدة دون استثمارات رأسمالية إضافية.

المدن الأكثر كفاءة اقتصاديًا خرجت من مفهوم الكم في عدد المشاريع التي تبنيها، إلى الكيفية في استخراج القيمة من الأصول المتاحة. وهنا يُطل علينا سؤال حاد كرأس السهم؛ لماذا تبقى آلاف المرافق والمساحات العامة شبه معطلة خلال العطل الأسبوعية وإجازات الصيف، رغم أنها قادرة على صناعة أثر اقتصادي، واجتماعي، وصحي، واسع؟

هذا ما أدركته مبكرًا مدن عديدة حول العالم عندما تبنّت مفهوم «المشي داخل المراكز التجارية»، حيث إن الفكرة لم تكن مبادرة اجتماعية بقدر ما كانت إعادة تعريف لوظيفة الأصل التجاري نفسه. المساحات التي كانت خاملة في ساعات الصباح تحوّلت إلى حركة بشرية، والحركة البشرية هي الشرارة الأولى لأي نشاط اقتصادي. علاوة على ذلك، كل شخص يدخل المكان يرفع احتمالات الاستهلاك، حتى وإن لم يكن هدفه الشراء في البداية. فالمشي يقود إلى القهوة، والقهوة تقود إلى الجلوس، والجلوس يقود إلى الاستهلاك. من هنا تبدأ القصة الحقيقية حيث إن المشكلة ليست دائمًا في نقص المرافق، بل في ضعف كفاءة استخدام ما نملكه أصلًا.

الأثر لا يتوقف عند الصحة فقط. زيادة الحركة داخل المدن تعني زيادة الطلب على الخدمات المحيطة كالمقاهي، ومتاجر الرياضة، والتطبيقات الصحية، والأنشطة المجتمعية. وهذا ما نسميه اقتصاديًا «الأثر المضاعف»، حيث يقود تدخل بسيط منخفض التكلفة إلى دورة أوسع من النشاط الاقتصادي غير المباشر. ومن هذا المنطلق، تؤكد لنا التجارب العالمية أن التحدي الحقيقي يكمن في تصميم بيئة تجعل استخدامها جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية. الناس لا يغيّرون سلوكهم بسهولة، ولهذا يصبح دور السياسات الحضرية مهمًا في جعل الخيار الصحي هو الخيار الأسهل والأقرب والأقل تكلفة.

في كثير من المدن، توجد أصول ضخمة ممولة حكوميًا أو تجاريًا، لكنها تعمل بجزء محدود من طاقتها الزمنية. جامعات تمتلك ملاعب ومسارات ومرافق رياضية متطورة تُغلق بمجرد انتهاء اليوم الدراسي، مدارس تبقى ساحاتها فارغة طوال عطلات نهاية الأسبوع والإجازات الصيفية. أي أن مرافق عامة لا تتحوّل إلى قيمة اقتصادية أو اجتماعية إلا لساعات محدودة من اليوم، رغم أن تكلفتها الرأسمالية دُفعت بالكامل منذ سنوات. اقتصاديًا، هذه ليست مجرد مرافق مغلقة، وإنما «أصول خاملة» وهذا يعني رأسمال لا يحقّق عائدًا كافيًا على الاستثمار.

التحوّل الحقيقي لا يكمن في بناء المزيد، بل في إعادة تشغيل الموجود بطريقة أكثر كفاءة. ففي مدينة مثل كوبنهاجن، يكمن التحوّل الحقيقي في تصميم حضري جعل الحركة جزءًا طبيعيًا من الحياة اليومية بعيداً عن التوسع المستمر في الإنفاق الرأسمالي على مزيد من المشاريع. المشي وركوب الدراجة أصبحا جزءًا من التنقل والعمل والتسوق. النتيجة الحتمية لتلك الممارسات انخفاض في التكاليف الصحية ورفع إنتاجية المجتمع.

اليوم تبدو الفرصة أكبر بكثير لدينا مما نتصور. المناخ يفرض تحديات واضحة على النشاط الخارجي، خصوصًا خلال الصيف، لكن في المقابل تمتلك المدن السعودية بنية تحتية حديثة ومساحات داخلية واسعة ومكيّفة، إضافة إلى جامعات ومدارس ومرافق عامة موزعة داخل الأحياء، وهذا يعني أن جزءًا كبيرًا من الحل موجود بالفعل، لكنه لم يدخل بعد ضمن التفكير الاقتصادي الحضري.

تخيّل لو أن الجامعات فتحت مرافقها الرياضية للعامة خلال عطلات نهاية الأسبوع والصيف. تخيّل لو أن المدارس تحوّلت بعد ساعات الدوام إلى مساحات نشاط مجتمعي للأحياء المحيطة. تخيّل لو أن المراكز التجارية أصبحت جزءًا من منظومة جودة الحياة، لا مجرد وجهات استهلاكية. نحن هنا نتحدث عن تعظيم العائد على الأصول، وخلق حركة اقتصادية جديدة من بنية تحتية قائمة في الأصل.

00:05 | 21-05-2026

السعودية.. من إدارة الدّيْن إلى صناعة السوق

تُعد أسواق الدّيْن في اقتصادات الدول معيارًا مهمًا لعمق السوق المالية، ومؤشرًا على جاذبية الاقتصاد وقدرته على استقطاب رؤوس الأموال العالمية. ومن هذا المنطلق، نستطيع قراءة إعلان وزارة المالية السعودية والمركز الوطني لإدارة الدّيْن عن تعيين «إتش إس بي سي» لينضم إلى المؤسسات المالية الدولية الست التي سبق انضمامها إلى برنامج المتعاملين الأوليين في أدوات الدّيْن الحكومية المحلية كخطوة تتجاوز إطارها الإجرائي إلى دلالة أوسع تتعلق بتطور السوق المالية في المملكة.

ما يجري اليوم يعكس انتقالًا تدريجيًا في طبيعة سوق الدّيْن. في السابق، كان التركيز منصبًا على إصدار أدوات الدّيْن وتغطية الاحتياجات التمويلية، مع حضور محدود لدور التداول والسيولة. أما الآن، فالمشهد يتغيّر باتجاه بناء سوق نشطة، حيث تصبح السيولة، وكفاءة التسعير، وتنوع المستثمرين عناصر أساسية في معادلة التطوير.

ما يحدث في سوق الدّيْن السعودية يعكس تحوّلًا في طريقة النظر إلى الدّيْن العام، كونه أصبح مكوّنًا رئيسيًا في بنية السوق المالية، وأداة لربط الاقتصاد المحلي بالأسواق العالمية. هذا التحوّل يشير إلى مرحلة جديدة، حيث تتحوّل السوق من منصة إصدار إلى بيئة تداول متكاملة، قادرة على جذب الاستثمارات وتحقيق كفاءة أعلى في تسعير المخاطر.

يمثل المتعاملون الأوليون حلقة الوصل بين الجهة المصدرة والمستثمرين، ويساهمون في دعم السوق الثانوية من خلال توفير أسعار بيع وشراء مستمرة، ما يعزز ثقة المستثمرين ويقلل من تقلبات التسعير. من انعكاسات هذه الفكرة، ارتفاع جودة وتنوع المؤسسات، وتتحسّن كفاءة السوق بشكل عام، ويتراجع مستوى المخاطر المرتبطة بها، وهو ما ينعكس تدريجيًا على تكلفة الاقتراض.

انضمام مؤسسة بحجم «إتش إس بي سي» يضيف بعدًا مهمًا لهذا التوجه، كونها لاعبًا دوليًا بخبرات واسعة في أسواق الدّيْن. هذا بدوره يعزز قدرة السوق السعودية على الوصول إلى شريحة أوسع من المستثمرين العالميين، كما يدعم بناء جسور أكثر كفاءة بين السوق المحلية وتدفقات رأس المال الدولية. هذا التطور يؤكد توجهًا واضحًا نحو تقليل الاعتماد على القنوات التقليدية، والتوسع في بناء شبكة مالية أكثر تنوعًا وانفتاحًا.

توقيت هذه الخطوة ليس عشوائيًا. الأسواق العالمية تمر بمرحلة تتّسم بارتفاع أسعار الفائدة وتشدّد السيولة، ما يجعل المنافسة على رؤوس الأموال أكثر حدة. في مثل هذا الوضع، تصبح القدرة على توفير سوق عميقة ومرنة عاملًا مهمًا في جذب المستثمرين. فالمستثمر لا يبحث فقط عن العائد، بل عن سوق تمكّنه الدخول إليها والخروج منها بسهولة وشفافية.

كما أن هذه الخطوة تتكامل مع إدراج أدوات الدّيْن السعودية في مؤشرات عالمية مثل «جي بي مورجان وبلومبيرغ»، وهي مؤشرات تعتمد عليها صناديق استثمارية ضخمة في توجيه استثماراتها. الاستفادة من هذا الإدراج تتطلب سوقًا قادرة على استيعاب هذه التدفقات، وتوفير سيولة كافية لضمان استقرار التداول.

تتجه الجهود الآن نحو تعميق السوق الثانوية وتعزيز نشاطها، إلى جانب توسيع وتنويع قاعدة المستثمرين، خاصة عبر تنمية دور المستثمر المؤسسي المحلي. كما يُعد تطوير الأدوات المالية من حيث الآجال والهياكل خطوة مهمة لدعم استدامة الطلب وتوفير خيارات استثمارية أوسع، بما يعزز كفاءة السوق ويواكب تطلعاتها للنمو.

00:00 | 14-05-2026

الحرب تغيّر قواعد الاقتصاد!

لم يدخل الاقتصاد العالمي عام 2026 وهو مهيأ لأزمة كبرى. على العكس، كانت التوقّعات تميل إلى التفاؤل الحذر؛ نمو مستقر نسبيًا، تعافٍ تدريجي من اضطرابات سابقة، ومرونة واضحة في أداء القطاع الخاص، لكن هذا المسار لم يدم طويلًا. فجأة، أعادت الحرب تشكيل المشهد بالكامل كنقطة تحوّل كشفت هشاشة افتراضات استقرت لعقود.

التوصيف التقليدي لما حدث باعتباره «صدمة خارجية» لا يعكس عمق التغيير. حتى تحليلات صندوق النقد الدولي، رغم دقتها في توصيف الأثر، ما زالت تميل إلى التعامل مع الأزمة ضمن إطار اقتصادي مألوف، لكن الواقع يشير إلى تحوّل أعمق. الاقتصاد العالمي أصبح يتشكّل تحت ضغط الجغرافيا السياسية بعيداً عن الدورات الاقتصادية التقليدية.

خلال العقود الماضية، كان بالإمكان تفسير التقلبات الاقتصادية من خلال أدوات واضحة مثل الطلب، والعرض، والسياسة النقدية، والإنفاق الحكومي. اليوم، هذه الأدوات لم تعد كافية. على سبيل المثال أسعار الطاقة تجاوزت فكرة حجم الإنتاج أو الاستهلاك، لتصبح مرآة لمستوى المخاطر في الممرات الإستراتيجية، والتوترات الإقليمية، واحتمالات التعطّل. ومن هذا المنطلق، سلاسل الإمداد تجاوزت مسألة كفاءة تشغيلية، لتتشكل كعنصر في معادلة الأمن الوطني.

هنا تكمن المفارقة، السياسات الاقتصادية لم تتطوّر بالسرعة نفسها التي تغيّر بها الواقع. رفع أسعار الفائدة الأداة التقليدية المتعارف عليها لكبح التضخم تظل محدود التأثير عندما يكون التضخم مدفوعًا بعوامل جيوسياسية مثل اضطراب الإمدادات أو ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. في المقابل، التوسع في الإنفاق الحكومي لدعم النمو قد يؤدي إلى تغذية الضغوط التضخمية بدل تخفيفها. هذه المفارقة تضع صنّاع القرار أمام معادلة معقدة تتمثل في أدوات مألوفة في سياق لم تعد صالحة له بالكامل.

في هذا السياق، لا يمكن تجاهل أن الأزمات الكبرى تعيد دائمًا توزيع موازين القوة والحرب الحالية ليست استثناءً. الدول المصدّرة للطاقة تجد نفسها في موقع أقوى يتجاوز الجانب المالي، ليلامس الجانب الإستراتيجي أيضًا. في المقابل، تواجه الدول المستوردة ضغوطًا مركبة من حيث ارتفاع تكاليف الطاقة، وتآكل القوة الشرائية، وتحديات في ميزان المدفوعات. أما الأسواق الناشئة، فهي تقف في موقع أكثر هشاشة، حيث تتقاطع الضغوط الخارجية مع محدودية أدوات الاستجابة.

في ظل هذا الواقع، يصبح الاعتماد على «التوقعات» التقليدية أقل جدوى. العالم يتحرك نحو منطق السيناريوهات، حيث تُبنى السياسات والاستراتيجيات على احتمالات متعددة. هذا التحوّل يعكس إدراكًا متزايدًا بأن عدم اليقين تجذر كسمة دائمة في النظام الاقتصادي الجدي وهنا نحن أمام تحوّل في قواعد اللعبة كون الاقتصاد العالمي ينتقل من نموذج يقوم على الكفاءة والتكلفة إلى نموذج يضع المرونة والأمن في قلب أولوياته. العولمة نفسها لا تتراجع بقدر ما يعاد تشكيلها، لتصبح أكثر انتقائية، وأكثر ارتباطًا باعتبارات السيادة والاستقرار.

23:45 | 6-05-2026