في ظل تسارع التحديات البيئية وتنامي أثرها المباشر على المدن وجودة الحياة، تبرز اللقاءات العلمية المتخصصة بوصفها منصات محورية لإنتاج المعرفة التطبيقية، وربط البحث العلمي بصناعة القرار، وتعزيز الوعي بالمخاطر المستقبلية. وليس من المعتاد أن يفرض لقاء علمي نفسه ليكون مادة للتأمل والكتابة، إلا حين يتجاوز حدود الطرح النظري ليترك أثراً معرفياً ومهنياً يستحق التوقف عنده.

لقد ترسخت لدي قناعة مبكرة بأهمية نقل المعرفة النافعة، بوصفها مسؤولية مجتمعية قبل أن تكون ممارسة مهنية، لا سيما في زمن يتسم بزخم معلوماتي متدفق، تتداخل فيه المعارف وتتباين فيه مستويات الجودة. ويظل نقل العلوم المرتبطة بالحياة المعاصرة من أكثر مجالات المعرفة تأثيراً، لما لها من ارتباط مباشر بسلامة الإنسان واستدامة بيئته، رغم ميلي الدائم إلى الإصغاء العميق أكثر من الحديث.

ويُعد ارتفاع منسوب المياه الجوفية أحد أبرز التحديات البيئية والهندسية المتنامية في المدن الحديثة، لما يحمله من آثار مباشرة على البنية التحتية والمنشآت الحيوية وجودة الحياة الحضرية. وتتطلب مواجهة هذا التحدي تكاملاً فعّالاً بين الجهود البحثية والتطبيقية، وتعزيز الشراكات الأكاديمية، وربط مخرجات الدراسات العلمية بصنّاع القرار، بما يسهم في حماية الأصول الحضرية، ودعم التخطيط العمراني المستدام، ورفع جاهزية المدن للتعامل مع المخاطر المستقبلية.

وفي هذا الإطار، شكّلت الورشة العلمية المعنونة «مخاطر ارتفاع منسوب المياه الجوفية وتأثيرها على جودة الحياة في المناطق الحضرية» نموذجاً معرفياً متقدماً، تجاوز الطرح النظري إلى معالجة عملية قائمة على التحليل العلمي والتطبيقات الهندسية. حيث ناقشت الورشة أسباب ارتفاع منسوب المياه الجوفية في المناطق الحضرية، وتأثيراتها على المباني والطرق وشبكات الخدمات، إلى جانب استعراض دور الدراسات الجيولوجية والهيدروجيولوجية في التنبؤ بالمخاطر، وأفضل الممارسات الوقائية، والحلول الهندسية والتقنية الحديثة للحد من هذه المخاطر وتعزيز الاستدامة الحضرية.

وقد جاءت هذه الورشة بتنظيم من أكاديمية هيئة المساحة الجيولوجية السعودية، وبالتعاون مع كلية علوم الأرض – جامعة الملك عبدالعزيز، وبمشاركة علمية وتطبيقية متخصصة من الدكتور حسن عبدالله سليم، والمهندس وائل عبدالعزيز بردي، فيما أدار أعمال الورشة الدكتور خالد أحمد بانخر.