مع انقضاء موسم اختباري القدرات والتحصيلي، تتجدد في كل بيت يضم طالباً أو طالبة في المرحلة الثانوية حالة طوارئ صامتة وممتدة؛ حيث تتشارك الأسرة عبء ضغوط نفسية وعصبية قاسية، ويُطالَب المراهقون بالتركيز المطلق على التحصيل، بينما يخوضون في صمت معارك من القلق وفقدان الثقة قد لا تطفو إلا في لحظات انفجار نادرة. وهنا نقع في انفصام تربوي حاد؛ فبينما تضج منصات التوجيه بنصائح حالمة: «ادرس ما تحب، واتبع شغفك»، يصطدم هؤلاء بجدار النسبة الموزونة التي تقف كمقصلة تحرمهم من التخصص الذي يملكون فيه شغفاً حقيقياً، فيتحول الشغف إلى وهم، وتغدو رغبة الطالب ضحيةً لآلية فرز صماء لا تعبأ بقدراته المتعددة.


هذا الاستنزاف ليس ضغطاً عابراً، بل جناية بيولوجية تثبتها أبحاث علم الأعصاب التربوي. فدراسات البروفيسورة سارة جين بليكمور من جامعة كلية لندن تشير إلى أن دماغ المراهق، وتحديداً «القشرة الجبهية» المسؤولة عن اتخاذ القرار والتخطيط، يمر بإعادة هيكلة جذرية ولم يكتمل نموه بعد، فيما تكشف أبحاث أخرى عن ارتفاع ملحوظ في هرمون التوتر «الكورتيزول» خلال الاختبارات المصيرية بدرجة تُربك القدرة الإدراكية وتُعطّل أداء الدماغ. نحن إذن أمام معايير لا تقيس قدرات الطالب ولا شغفه فحسب، بل تختلط بقياس قدرة جهازه العصبي -غير المكتمل بيولوجياً- على تحمّل التوتر!


ولعل أبلغ ما يُقال هنا إن سلسلة من الدراسات الحديثة، محلياً وعالمياً، تكاد تُجمع على نتيجة واحدة: أن اختبارات القبول المعيارية على اختلاف مسمياتها لا تفسر مجتمعةً سوى ما بين ربع وثلث تباين الأداء الجامعي الفعلي للطالب، أي أن قرابة سبعين بالمئة من قدراته الحقيقية تظل خارج عدسة هذه الاختبارات. بل كشفت تحليلات بعدية عالمية شملت عشرات الآلاف من الطلاب أن المعدل التراكمي للثانوية يتفوق على اختبارات القبول في التنبؤ بإكمال الطالب لدراسته الجامعية، وأن عوامل غير معرفية كالكفاءة الذاتية والدافعية وعادات الدراسة والبيئة المحيطة تتفوق أحياناً على هذه الاختبارات في تفسير الأداء. فأي عدالة هذه التي تُختصر فيها سبعون بالمئة من العقل البشري في صمت رقمي؟


ولو تأملنا في الممارسات التي تحكم منظومتنا الثلاثية (التراكمي والقدرات والتحصيلي)، لبرز خلل أوزانٍ صريح يساوي بين جهد ثلاث سنوات دراسية وساعتي اختبار حاسوبي قد تحسم مصير الطالب بالكامل. ويتفرّع عنه ظواهر متشابكة: هروبٌ متزايد نحو المدارس المتساهلة التي تمنح معدلات مرتفعة بسهولة فيُفرَّغ التعليم الثانوي من قيمته المعرفية، وسوقٌ تجاري نشط يستهدف المراهقين بدورات وكتب تبيعهم «توقعات القياس» بدلاً من البناء العلمي الرصين، وإقصاءٌ منهجي للمواهب المتعددة من ذوي القدرات الاجتماعية والإبداعية والقيادية. ويزيد من حدة المفارقة ذلك التناقض الصارخ بين مناهج حديثة تدعو الطالب للتفكير النقدي، واختبارات قبول لا تتطلب سوى مهارات فك شفرات الأسئلة السريعة، فيُختزَل الطالب الذي قضى ثلاث سنوات في بناء حصيلة معرفية في درجة اختبار «محوسب»، ليُدفَع بسبب «أعشار الدرجة» إلى تخصصات لا يرغبها، فيدخل قاعات الدراسة بلا شغف، وقد يخرج إلى سوق العمل بلا تميّز.


ولستُ هنا مع النسخ الأعمى من تجارب الجهات الخارجية، فلكل بيئة خصوصياتها، لكن الاستفادة المُحَكَّمة من تجاربها بابُ حكمةٍ لا يُغلق. فالدول التي قطعت شوطاً في إصلاح القبول لم تُلغِ الاختبارات المعيارية، لكنها أحاطتها بأدوات أكثر إنصافاً لطبيعة العقل البشري. فجامعات النخبة الأمريكية كهارفارد وستانفورد ومعهد ماساتشوستس للتقنية تتبنى ما يُعرف بـ«التقييم الشمولي» الذي يدمج الدرجات الأكاديمية مع المقابلة الشخصية والمقالة وملف الإنجاز وتوصيات المعلمين، فيُقرأ الطالب «إنساناً متكاملاً» لا رقماً مفرَداً. وفي المقابل، تعتمد سويسرا وألمانيا اختبارات الميول المهنية لتوجيه الطالب نحو التخصصات التي تتسق مع ميوله، وقد أثبتت الدراسات أن مطابقة الميل للتخصص ترفع رضا الطالب وتقلل التسرّب الجامعي. كذلك تُمنح توصية المعلم والمرشد الأكاديمي ثقلاً حقيقياً في ملفات القبول في فنلندا وهولندا والمملكة المتحدة، انطلاقاً من بديهية العلاقة ومرافقة الطالب. وقد كشفت دراسات دولية أن الطلاب الملتحقين بتخصصات لا توافق ميولهم أكثر عرضةً للتسرّب، وأن معدل عدم التوافق بين التخصص والمهنة لاحقاً يتراوح بين عشرة وخمسة وأربعين بالمئة بحسب التخصص، أرقامٌ كافية لجعل أيّ منظومة قبول تُعيد حساباتها.


استناداً إلى هذه المقاربات، يمكن إعادة هندسة معادلة القبول لتشمل أربعة محاور بدلاً من ثلاثة، بأوزان تُحدَّد بحوارٍ وطني واستناداً لبيانات تنبؤية فعلية. والمقترح هنا ليس إلغاء قياس القدرات والتحصيل، فلهما قيمة محدودة لكنها قائمة، وإنما تقليل أوزانهما ودمجهما في اختبار قياسي موحَّد ضمن معادلة أوسع تستوعب ما يعجزان عن قياسه:


• المعدل التراكمي للثانوية: محوره الرئيس استناداً لما أثبتته الأبحاث من تفوقه التنبؤي، مع آلية تعديل وطنية تُحايد فروقات التقدير بين المدارس وتُغلق باب التساهل.


• الاختبار القياسي الموحَّد: دمجٌ لاختباري التحصيلي والقدرات في اختبار واحد متكامل يقيس الحصيلة المعرفية والقدرات الذهنية معاً، بوزن مُعاد ضبطه قياساً بمحدودية القدرة التنبؤية المثبتة بحثياً، وتخفيفاً لعبء التكرار على الطالب.


• مقياس تحديد الميول: أداة وطنية جديدة تقيس توافق ميول الطالب مع طبيعة التخصص، لتكون مرشِداً علمياً لا حاجزاً إقصائياً.


• التقييم المدرسي وملف الإنجاز: يشمل توصية المرشد الأكاديمي وأنشطة الطالب القيادية والتطوعية والإبداعية الموثَّقة عبر ثلاث سنوات.


هذه المعادلة لا تُلغي الاختبارات المعيارية، بل تُعيدها إلى حجمها الطبيعي، وتُضيف إليها أبعاداً إنسانية وعلمية تُنصف الطالب والتخصص معاً. ويصاحبها بالضرورة شراكة مدرسية فاعلة تجعل من المدرسة الثانوية شريكاً رئيساً للجامعة في التوجيه، وتوسيع لمسارات القبول بالمقابلات وملفات الإنجاز لتخصصات بعينها، والسماح بمسارات دراسة بينية مرنة مع مراقبة إرشادية فاعلة من الجامعات خلال السنة الأولى، تتيح للطالب تصحيح مساره دون كلفةٍ باهظة، ودعم نفسي مؤسسي داخل المدارس يراعي الطبيعة البيولوجية للعقل النامي، وتنوير الطلبة وأولياء الأمور بتنوع التخصصات وأهميتها لرؤية المملكة 2030، بدلاً من التركيز الموروث على التخصصات الصحية وحدها. ولو أُجريت دراسة وطنية شاملة على نسب الطلبة الملتحقين بتخصصات لا يرغبونها، لظهر بظنّي أن النسبة تتجاوز المنتصف، وهو ما تؤكده مؤشرات دولية مشابهة. وبكل تأكيد، فالأنظمة التعليمية الضخمة كثيراً ما تتعثّر عند التغيير الجذري المفاجئ، ولذلك يبقى التدرّج وتطبيق البيئات التجريبية مدخلاً حكيماً لأي إصلاح حقيقي.


ومن المهم في كل ذلك أن يدخل الطالب هذه الاختبارات وهو مطمئنٌ، يعرف أن قدراته الإنسانية والمعرفية تُقاس من زوايا متعددة، لا من زاوية واحدة قد تخذله في لحظة توتر.


الجامعة ليست خط نهاية لسباق ماراثوني مُجهد، ومحاصرة عقول أبنائنا بين نصائح الشغف الحالمة وأنظمة الفرز الجامدة لا تُفرز بالضرورة المبدعين. العدالة الحقيقية ليست في تساوي المقصلة على الجميع، بل في إنصاف العقول المختلفة. وتحرير معايير القبول لتكون أكثر مرونة وعلمية وإنسانية هو الخطوة الأولى لضمان دخول عقول صحية وشغوفة إلى قاعاتنا... عقول مستعدة للبناء، لا عقولاً منهَكة متوترة استنزفتها جناية الأرقام والاختبارات المعيارية، وبظني حان الوقت -عاجلاً- لمراجعة هذه المنظومة.