المتابع لتطبيقات تتبّع الرحلات الجوية يظن أنه ينظر إلى خرائط، لكنه في الحقيقة يراقب شرايين العالم؛ ما يشبه مجرّة من الطائرات حيث تنسج آلاف الرحلات خيوطاً تربط الغرب بالشرق، مروراً بالخليج العربي، أحد أكثر مفاصل الملاحة الجوية ازدحاماً في العالم.


أجواء الكرة الأرضية في الأوقات العادية تضم كل لحظة بين 10 آلاف و13 ألف طائرة محلّقة، 20% من هذه الحركة تعبر الشرق الأوسط، حيث تلتقي الطرق القادمة من أوروبا بالمسارات المتجهة إلى الهند وشرق آسيا وجنوبها.


اليوم تبدو الصورة مختلفة تماماً، حين تنظر إلى الشاشة ستلاحظ فراغات واسعة لم تكن موجودة قبل التوترات الأخيرة، فراغات صامتة تقابلها ممرات بديلة مزدحمة، وكأن شبكة الطرق الجوية التي اعتاد عليها العالم تعيد رسم نفسها تحت ضغط الواقع.


الرحلات بين أوروبا وآسيا تمر غالباً عبر منطقتنا، لأنها تمثل أقصر الطرق الجوية بين القارتين، لكن حين تُغلق الأجواء أو تصبح مناطق واسعة غير آمنة، يتحول هذا الطريق إلى مسار متعرج يضيف آلاف الأميال.


تخيل رحلة طويلة بطائرة A350 بين لندن وسنغافورة، مسارها الطبيعي يقارب 13 ساعة طيران، لكن مع تجنب مناطق النزاع قد تمتد الرحلة إلى 15 أو 16 ساعة، وخلف هذا الرقم حكايات أخرى؛ مسافر أرهقته الساعات الإضافية، وطاقم يعمل ضمن إطار زمني دقيق، وشركة تعيد حساباتها في كل ثانية طيران.


طائرة A350 تستهلك في المتوسط نحو 5 إلى 6 أطنان من الوقود في الساعة، ومع إضافة ساعتين يرتفع الاستهلاك بين 10 و12 طناً فوق الخطة الأصلية، وهو رقم ينعكس مباشرة على تكلفة التشغيل، خاصة مع ارتفاع أسعار الوقود، حيث تصل تكلفة الساعة إلى ما بين 20 و30 ألف دولار.


العالم جرّب مثالاً مقارباً عند نشوب حرب أوكرانيا عام 2022م، حين اضطرت معظم الرحلات بين أوروبا واليابان وكوريا الجنوبية إلى الالتفاف جنوباً، ما أضاف أحياناً 2000 كيلومتر إلى بعض المسارات، ودفَع بعض الشركات إلى تقليص رحلاتها، بينما لجأت أخرى إلى رفع أسعار التذاكر.


التحدي لا يتوقف عند الوقود والزمن، فحين تُغلق مساحات واسعة من الأجواء، تتحول الممرات المتبقية إلى طرق مكتظة. بعض الممرات الجوية مصمم لاستيعاب عدد محدد من الطائرات في الساعة، ومع تضاعف العدد تصبح إدارة الحركة الجوية أكثر تعقيداً، حيث يعمل المراقبون الجويون كمنظمي حركة على طريق سريع مزدحم، يحافظون على مسافات الأمان في فضاء يبدو واسعاً، لكنه في الحقيقة منظومة حساسة من المسارات والارتفاعات المحدودة.


هناك عامل آخر يقلق المختصين بالسلامة، وهو التشويش على أنظمة تحديد المواقع عبر الأقمار الصناعية. خلال السنوات الأخيرة سجلت جهات الطيران الدولية زيادة في حالات التشويش أو تزييف إشارات GPS في بعض مناطق النزاعات، وأثناء هذه الحالات يعتمد الطيارون بشكل أكبر على أنظمة الملاحة الاحتياطية وتوجيهات المراقبة الجوية.


الخسارة في هذه التحولات لا تقتصر على شركات الطيران أو المسافر الذي طالت رحلته، إنما تمتد إلى فكرة العالم المتصل التي بنتها صناعة الطيران طوال القرن الماضي، فعلى مدى مئة عام أصبح الطيران الجسر الذي اختصر القارات وجعل المدن البعيدة أقرب مما كانت عليه في أي وقت من التاريخ، لكن ما يحدث اليوم في السماء يعيد التذكير بحقيقة مزعجة؛ هذا الجسر معلق فوق واقع متحرك.


في العقود القليلة الماضية، أصبحت مدن كالدوحة ودبي وأبوظبي نقاط ربط مهمة، لكن ما حصل لها هذا الشهر يعد من أبرز التحولات في طيران المنطقة، ومليئاً بالدروس.


إعادة الأجواء قد تحدث بقرار سريع، لكن إعادة الثقة في الممرات الجوية تحتاج وقتاً، فالطرق تعود للعمل، وشبكات الطيران تعاد جدولتها، لكن الشعور بالأمان لا يعود بنفس السرعة، لأن السماء التي تبدو مفتوحة هي أكثر الأماكن انغلاقاً و ارتباطاً بما يحدث على الأرض.