إن الطفولة هي البنية التحتية لمستقبل أي أمة. وأمة بلا طفولة آمنة ومعافاة ومتعلمة، هي أمة بلا مستقبل. صحيح أن الإنسان العربي يعاني يعاني جملة من الأزمات، غير أن الطفل العربي يعاني أكثر، فهو الأقل قدرة على حماية نفسه، والأشد احتياجًا إلى من يحميه، والأطول عمرًا في تحمّل آثار ما يُرتكب بحقه تحت أنقاض الأسرة وركام المؤسسات.

من هنا، أصبح عقد قمة عربية طارئة لإغاثة وإنقاذها وحماية الطفولة العربية ضرورة لا تحتمل التأجيل. فحماية الأطفال قضية ترتبط بوجود الوطن العربي وقدرته على البقاء والاستمرار والنهوض.

عندما تتعرّض الطفولة العربية للقتل والتجويع والترويع والتهجير، وللحرمان من الأمومة والأبوة والأسرة والعلاج والتعليم، فإن المستقبل العربي نفسه يتعرّض للتدمير مثلما يتعرّض الحاضر العربي لهجمة عنصرية استعمارية جديدة بأدوات جديدة.

في فلسطين، تتجسّد هذه الحقيقة بأقسى صورها. فوفق نداء اليونيسف الإنساني لعام 2026، بلغ عدد الأطفال المُبلَّغ عن مقتلهم في غزة ما لا يقل عن 21,700 طفل حتى 30 يونيو 2026، وأُصيب نحو 45 ألف طفل. وتذكر المنظمة أن 97.5% من المدارس تضررت أو دُمّرت. هذه أعداد لأطفال أصبحوا ضحايا أو جرحى أو ناجين ينتظرون استعادة شيء من حياتهم.

وقد أكدت لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، في بيانها الصادر في 26 أكتوبر 2026، استنتاجها أن استهداف الأطفال الفلسطينيين يضرب قدرة الشعب الفلسطيني على البقاء وتقرير مستقبله. وبذلك يتجاوز تدمير الطفولة أثره المباشر إلى إضعاف المجتمع عبر أجياله.

ما الذي يمكن أن يعوّض طفلًا عن يد أمه أو صوت أبيه؟ وكيف نطالبه بالتعافي وهو يفتقد الشخص الذي كان يستمد منه الأمان؟ فحرمان الأطفال من الأسرة في فلسطين المحتلة حسب تقديرات اليونيسف يناهز 800 ألف طفل فلسطيني ما زالوا نازحين في غزة، وقرابة 60 ألف طفل فقدوا أحد الوالدين أو كليهما بسبب القتل خلال الحرب أو منذ وقف إطلاق النار.

في السودان، قدّرت اليونيسف احتياج 17.3 مليون طفل إلى المساعدة الإنسانية خلال 2026، فيما يواجه ما لا يقل عن ثمانية ملايين طفل في سن الدراسة الحرمان من التعليم. وأن قرابة نصف المباني المدرسية لم تعد تعمل بوصفها فصولًا دراسية. وحين يفقد الملايين مدارسهم، يخسر المجتمع إحدى أهم وسائل حمايتهم من الاستغلال والتجنيد والفقر الممتد عبر الأجيال.

وفي سوريا، تقدّر اليونيسف لعام 2026 احتياج 7.2 ملايين طفل إلى المساعدة الإنسانية، وبقاء 2.7 مليون طفل خارج المدرسة، واحتياج 6.2 ملايين طفل إلى خدمات حماية الطفولة. قد تختلف تواريخ هذه التقديرات ونطاقاتها، لكنها تكشف جميعًا أن حجم الحرمان يُقاس بالملايين.

تدرك الشعوب العربية حجم الهجمة والاستهداف لمنطقتنا هذه المرحلة، غير أن الاستغراق بصراعات الحاضر والتصدي للاستعمار الجديد، لا يجوز أن ينسينا مستقبلنا والمتمثل بما تتعرّض له الطفولة العربية على الدوام. فمواجهة الاحتلال والعنصرية والهيمنة والاستعمار الجديد، وحماية سيادة الدول العربية وأمنها، لا بد أن يتضمّن حماية أطفالها.

من هنا ندعو جامعة الدول العربية والدول الأعضاء، للمبادرة بالدعوة لقمة عربية عاجلة للطفولة، لمراجعة السياسات المعمول بها للطفولة على مستوى الحكومات ومؤسسات الطفولة والصناديق التنموية. لأن الأزمة الراهنة تكشف اتساع الفجوة بين حجم الاحتياج وقدرة الاستجابة، وتفرض مساءلة جادة عن النتائج وجدوى البرامج المعمول بها حالياً، والتي تم تصميمها لظروف مختلفة تماماً عن حالات الأزمات الشاملة لبعض الدول العربية المنكوبة.

إن الأزمة التي تعاني منها الطفولة العربية تستدعي مراجعة مستهدفات الصناديق التنموية والمؤسسات العربية وآليات عملها. ففي البلدان المنكوبة، تتقدم ضرورة تشغيل العيادة والمدرسة وشبكة المياه والرعاية الاجتماعية والأدوية والمواد التعليمية والصيانة واستمرار الخدمة.

وتحتاج هذه البيئات إلى منح طارئة وتمويل ميسّر وإجراءات أسرع، وشراكات مع جهات عالمية وإقليمية مؤهلة تستطيع الوصول والتصدي لإجراءات التجويع والإبادة الصهيونية في غزة و خطة لاستعادة قدرة المؤسسات الوطنية.

وفي قلب ذلك كله تقف الأسرة. لا يمكن حماية الطفل بمعزل عن إنقاذ الأسرة التي ترعاه. فالأسرة التي فقدت دخلها أو مسكنها أو معيلها تحتاج إلى غذاء ومأوى ودعم نقدي وعلاج ومساندة نفسية واجتماعية.

ولا ينبغي أن تقتصر مراجعة سياسات الطفولة على مناطق الحرب. ففي الدول العربية المستقرة أيضاً، يلزم فحص البرامج الوطنية للتأكد من مواكبتها حاجات الأطفال المتغيّرة، ومعالجة ما تقادم منها.

وتستطيع القمة المقترحة تحويل هذه الأولويات إلى برنامج عربي ممول: حماية سياسية واجتماعية واقتصادية للطفولة، وضمان وصول الإغاثة، وعلاج الحالات العاجلة، وإسناد الأسر، واستعادة التعليم والخدمات الأساسية، ومراجعة سياسات المؤسسات المعنية.

لا يمكن تأجيل هذه الأعمال إلى ما بعد التسويات. فالطفل الجائع يحتاج إلى الغذاء قبل الاتفاق السياسي، والمريض يحتاج إلى العلاج قبل إعادة الإعمار، والمنقطع عن التعليم يحتاج إلى فرصة تعلّم قبل أن تضيع سنوات أخرى من عمره.

إن مسؤولية من يقتل ويجوّع ويهجّر ويمنع الإغاثة يجب أن تبقى واضحة، وأن تُلاحق عبر آليات المحاسبة المختصة ولو بعد حين. وفي الوقت نفسه، تبقى علينا مسؤولية استخدام ما نملكه من موارد وقدرات لإنقاذ الأطفال وحمايتهم.

إن عقد قمة الطفولة العربية الآن، هو امتداد للمعركة التي تخوضها بلداننا ضد الاستعمار والعنصرية والحروب والتدمير التي تتعرّض لها كثير من بلداننا العربية. وإن انشغالنا بالتصدي لمخاطر الحاضر، لا يعفينا من حماية المستقبل. قد تطول الأزمات وتتأخر التسويات، لكن أعمار الأطفال تمضي، وفرص إنقاذهم تضيق. وأمة بلا طفولة، أمة بلا مستقبل.