حين لا تسعف ساحات المعارك خصوم السعودية، تفتح الجبهات البديلة على مصراعيها في قلاع الإعلام وغرف صياغة الروايات. إنها هجمة إعلامية ممنهجة، لا تبحث عن الحقيقة بقدر بحثها عن هندسة الوعي وتشويه المواقف، حيث تتخذ من تسمية الأشياء وتوجيه دلالاتها أخطر أسلحتها الموجهة ضد المملكة. أداة ضغط سياسي، تسعى لتقويض السيادة وتزييف المشهد.


وفي خضم هذا الاستهداف المتواصل، تكررت مؤخراً روايات إعلامية سمجة تُصور السعودية في حال قلق وجودي واضطراب استراتيجي، زاعمة أنها تبحث يائسة عن مخرج سياسي أو تستجدي وساطة دولية لإنقاذها. وهي صياغات سطحية تتعمّد القفز فوق الفروق الجوهرية والبدهية؛ بين السعي إلى تسوية عادلة تحفظ الاستقرار -وهو نهج عقلاني ومألوف في إدارة النزاعات- وبين طلب النجدة، الذي يبقى ادعاء أملته أهواء الدعاية المغرضة. فالدول الكبرى تتحرك وفق مصالحها العليا، وتعيد تقدير خياراتها الاستراتيجية بمرونة ووعي، من دون أن يعني ذلك البتة أنها فقدت زمام المبادرة أو تراجعت عن ثوابتها.


إن هذا التوجه الممنهج ليس عفوياً، وإنما يندرج في إطار تواطؤ إعلامي واضح في اختيار المسميات، واختيار التوقيت، لضرب الثقة وتوجيه الرسائل الضمنية. ولقد شهدنا بوضوح في أزمات كبرى سابقة، كيف تنخرط منصات إعلامية غربية واسعة التأثير في صياغة رواية أحادية الجانب؛ تُنحى فيها السياقات الأمنية والتهديدات الحقيقية والهواجس المشروعة جانباً، لتبرز الأضرار وكأنها سلوك بنيوي، بينما يُغض الطرف تماماً عن ممارسات المليشيات المتمردة والدول الإقليمية الداعمة لها. إنه الخلط الصريح بين مساءلة دولة ومحو مسؤولية مليشيا.


إن هذا الاختزال المتعمد، عبر مصطلحات ملتوية وموجهة، يضع الدولة ذات الشرعية والكيان المتمرد في كفة واحدة، متجاهلاً عمداً الفروق القانونية والسياسية، ليجعل المسؤوليات متساوية قبل حتى فحصها، ويختزل صراعاً معقداً في صورة طرفين متماثلين، تماماً كما تقتضي الأجندة السياسية، التي تحاول عبثاً تقويض مكانة المملكة عبر محاولات شيطنة قراراتها السيادية المستقلة.


ولعل الأزمة الحقيقية لا تكمن في أن تتناول الصحافة الدولية قرارات السعودية أو تداعيات الحروب في المنطقة، وإنما في الانتقائية الفجة للوقائع لخدمة رواية جاهزة ومسبقة، مع إسقاط الأسئلة الجوهرية عن مسؤولية الأطراف الأخرى. فالتغطية الصحافية الجادة والمتوازنة تستحضر السياق التاريخي للحدث عند وصف أثر الضربة المباشر، وتفحص دقة مصادر الادعاءات، وتتيح للقارئ رؤية الصورة الكاملة من زوايا متعددة. أما التغطية المتهورة التي تستعجل إصدار الأحكام، فهي تترك في ذهن المتلقي انطباعاً حاداً ومضللاً، لا يغنيه عن الحقيقة شيئاً، بقدر ما يغذي لديه انحيازاً أعمى مسبقاً.


إن المعيار الصحفي الأصيل لا يوزع صكوك البراءة والإدانة وفق الميول السياسية، ولا يتغافل عن الانتهاكات أياً كان مرتكبها. ولكنه في المقابل يرفض، بقطعية، أن تتحوّل المعاناة الإنسانية إلى مادة استعراضية رخيصة، تُستخدم لغة التعاطف فيها غطاء لتبرئة مجرم، بينما تُحمّل طرفاً آخر تبعات المشهد بأكمله. فالمهنية الحقيقية ليست غفلة عن السياسة وموازين القوى. إنها مقاومة صلبة لأن تبتلع السياسة الوقائع وتطمس ملامحها.


وفي نهاية المطاف، لن تُحسم معركة الروايات الإعلامية بضجيج العناوين العريضة ولا ببريق المانشيتات، وإنما بصلابة الحقائق ودقة التفاصيل.


إن الحقيقة كالشمس، قد يحجبها ضباب الدعاية لفترة، لكن غربال الأكاذيب أضعف من أن يطسها. فالصحافة التي تختار الانحياز الأعمى تغتال مصداقيتها أمام القارئ اليقظ والذكي، علاوة على إساءتها للمملكة. ويبقى الرهان الأكبر معقوداً على وعي المتلقي، الذي بات يدرك بفطنته أن خلف كل عنوان برّاق مصلحة خفية، وأن وراء كل صياغة درامية أجندة سياسية تتجاوز حدود الخبر الصحفي البحت، لتكشف بوضوح عن وجه الصراع الحقيقي ومآلاته.


تلك هندسة الرواية. تعتمد على التكرار والانتقاء والإيحاء. قد تنجح مؤقتاً في صناعة انطباع زائف، لكنها لا تصمد طويلاً أمام الوقائع الموثقة.