لنتفق أولاً على شيء مهم: خصخصة التعليم لا تعني أن تتخلى الدولة عن مسؤوليتها تجاه أبنائها، ولا أن تتحوّل المدرسة إلى متجر، والطالب إلى زبون، كما يتخيّل البعض كلما سمع كلمة «خصخصة».

ما يحدث في السعودية اليوم مختلف تماماً.

نحن أمام إعادة تعريف لدور الدولة في العملية التعليمية؛ بحيث تبقى الدولة مشرّعاً ومنظماً ورقيباً وضامناً للجودة، بينما تفتح الباب أمام القطاع الخاص وغير الربحي للمشاركة في البناء والتشغيل وتقديم الخدمات وابتكار نماذج تعليمية جديدة.

وهذا بالضبط ما يمكن قراءته في نظام التعليم، الذي نظّم مشاركة القطاع الخاص، بما في ذلك الاستثمار الأجنبي، وأتاح إسناد بعض المهمات التعليمية أو إدارة وتشغيل بعض المؤسسات التعليمية إلى القطاع الخاص وغير الربحي. (هيئة الخبراء بمجلس الوزراء).

والسؤال هنا: لماذا يعد هذا التحوّل مهماً؟

لأن التعليم الحكومي، مهما بلغت ميزانياته، يعمل داخل منظومة ضخمة لها اشتراطاتها وإجراءاتها ودورتها البيروقراطية. بينما يمتلك القطاع الخاص ميزة مختلفة: السرعة والمرونة والمنافسة.

عندما تدخل المنافسة إلى قطاع ما، يصبح السؤال لدى المشغّل: كيف أقدم خدمة أفضل؟ كيف أجذب الطالب؟ كيف أحافظ على المعلم المتميّز؟ وكيف أستخدم التقنية لتقليل التكلفة ورفع الجودة؟

وهنا تكمن إحدى أهم فوائد الشراكة مع القطاع الخاص.

فبدل أن تتحمّل الدولة وحدها تكلفة إنشاء كل مدرسة وتشغيلها وصيانتها، يمكن تحويل جزء من هذا الإنفاق إلى شراكات واستثمارات طويلة الأجل، مع بقاء الرقابة والمعايير في يد الدولة.

والأرقام المنشورة تقول إن المسألة لم تعد مجرد فكرة على الورق؛ فقد أشارت وزارة التعليم إلى أهمية دور القطاع الخاص بوصفه محركاً رئيسياً للتنمية من خلال الإسهام في توفير 200 عقد لإنشاء مدارس خاصة وتوفير 160 ألف مقعد دراسي، إلى جانب شراكات في التغذية المدرسية والمرافق الرياضية وإدارة المشاريع والنقل والتحول الرقمي.

وقبل ذلك، أعلنت وزارة التعليم افتتاح 120 مدرسة جديدة عبر نموذج الشراكة مع القطاع الخاص، كما أشارت إلى إصدار 199 رخصة استثمار أجنبي لشركات تعليمية دولية، في مؤشر واضح على أن سوق التعليم السعودي تتجه إلى مرحلة مختلفة تماماً.

لكن الفائدة الأهم في رأيي ليست مالية، بل المنافسة على عقل الطالب السعودي.

حين تتعدد نماذج التشغيل، وتتوسع المدارس المتخصصة والتقنية والرياضية ومدارس الموهوبين، فلن يعود النموذج التعليمي الواحد هو الخيار الوحيد أمام ملايين الطلاب المختلفين أصلاً في قدراتهم وميولهم ومواهبهم.

وهذا يتوافق مع ما نحتاجه في سوق العمل الجديد. فنحن لم نعد في زمن يكفي فيه أن يحصل الطالب على شهادة، ثم يقف بها في طابور الوظيفة. ذلك لأن اقتصاد المستقبل يبحث عن المهارة، والإبداع، واللغة، والتقنية، والقدرة على حل المشكلات.

ولهذا فإن نجاح الشراكة مع القطاع الخاص يجب ألا يقاس فقط بحجم الأموال التي ستوفرها الدولة، بل بسؤال أكثر أهمية:

هل أنتجنا طالباً أفضل؟

إذا نجحت الشراكة مع القطاع الخاص في رفع جودة المدرسة، وتحسين أداء المعلم، وتوسيع الخيارات أمام الأسرة، وربط التعليم باحتياجات الاقتصاد؛ فنحن لا نكون قد خصخصنا التعليم. بل نكون قد فعلنا شيئاً أهم بكثير: استثمرنا في المواطن السعودي الذي سيصنع اقتصاد ما بعد النفط.