في زحام المشاهد العابرة على الشاشات وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، قد يمر أمامنا مشهد واحد يعيد ترتيب نظرتنا إلى قضية كاملة تلامس مشاعرنا وتضعنا أمام إنسانيتنا بكل تجرد كقضية «احتضان الأيتام» وكل الظروف المحيطة برحلة الطفل المحتضن منذ البداية وحتى الاستقرار، وهذا ما حرّكه مقطع إنساني للفنان بشير الغنيم عبر شاشة MBC؛ فقد تجاوز أثره حدود اللحظة وكسر حاجز النسيان ليطرح سؤالاً أعمق عن معنى الأسرة في حياة طفل حُرم منها، وعن الفارق الذي يمكن أن يصنعه بيت يفتح أبوابه وقلوب أفراده ليمنحه الأمان والانتماء، فالاحتضان في جوهره مسؤولية إنسانية واجتماعية تتصل ببناء الإنسان منذ طفولته، وحمايته من آثار الفقد ومنحه فرصة أن ينشأ داخل نسيج أسري طبيعي تتشكّل فيه شخصيته وذاكرته وعلاقته بالمجتمع، ومن هذه الزاوية تحديداً تكتسب منظومة احتضان الأيتام في المملكة قيمتها وأهميتها؛ لأنها تحوّل التعاطف من شعور عابر إلى «مسؤولية منظمة»، تحمي الطفل وتساند الأسرة، وتجعل من التكافل ممارسة اجتماعية قادرة على تغيير حياة كاملة.
من هنا تتجلى أهمية منظومة الأسر الكافلة التي تشرف عليها «وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية» إذ أحاطت هذه المسؤولية الإنسانية بتنظيم دقيق ورعاية كبيرة تبدأ باختيار الأسرة المؤهلة اجتماعياً ونفسياً واقتصادياً وصحياً، وتمتد إلى متابعة الطفل بعد احتضانه عبر الزيارات الدورية والخدمات الاجتماعية والنفسية، للاطمئنان على استقراره وجودة الرعاية التي يتلقاها، كل ذلك وفق تنظيم مدروس من الوزارة سهّل رحلة الاحتضان إلكترونياً، من تقديم الطلب ومتابعته إلى إصدار شهادة تعريف بالاحتضان، لتصبح الإجراءات أكثر وضوحاً ويسراً للأسرة الكافلة.
تتسع هذه الرعاية من قبل وزارة الموارد البشرية لتشمل دعماً مادياً واجتماعياً يساند الأسرة في مسؤوليتها؛ إذ تصل الإعانة الشهرية إلى ألفي ريال للطفل دون السادسة، وثلاثة آلاف ريال عند بلوغه السادسة لمن يتقدّم بطلبها، مع مكافأة قدرها عشرون ألف ريال عند انتهاء فترة الكفالة، وتمتد المساندة إلى التعليم الحكومي والأهلي والابتعاث الداخلي والخارجي ودفع الرسوم الدراسية وفق المسارات المحددة، إضافة إلى شمول الطفل المحتضن بالتأمين الطبي الإلزامي لرب الأسرة أسوة بأفرادها، وحتى حين يكبر المحتضن ويبدأ تأسيس أسرته، تظل منظومة الرعاية حاضرة بمنحه دعماً للزواج قدره ستون ألف ريال، وهنا تتجاوز الرعاية معالجة احتياج آني إلى بناء مسار حياة أكثر استقراراً واستقلالاً.
في قلب هذه المنظومة يظهر بوضوح الوجه الإنساني لوطن جعل رعاية أبنائه مسؤولية حقيقية تمتد إلى أدق تفاصيل حياتهم اليومية، وطن لا يكتفي بتوفير مأوى آمن لليتيم فحسب بل يسعى ليمنحه الأمان النفسي وسط أسرة تحتضنه بحياة مستقرة، وتعليماً جيداً، ورعاية صحية، ومستقبلاً أكثر أماناً، إنها صورة تعبّر عن وطن يدرك أن قوة المجتمع تبدأ من شعور الإنسان بالطمأنينة، وأن الرحمة عندما تتحوّل إلى أنظمة وخدمات وحقوق تصبح من أسمى أشكال المسؤولية، وفي كل طفل يجد بيتاً دافئاً وأسرة تمنحه الحب والاهتمام، تتجدّد حكاية هذا الوطن الرحيم؛ وطن لا يترك أبناءه وحدهم في مواجهة الحياة، بل يسير معهم خطوة بخطوة حتى يشتد عودهم، ويكبروا وهم يحملون في ذاكرتهم يقيناً عميقاً بأن لهم وطناً احتواهم حين احتاجوا إلى من يحتضنهم.


