في تاريخ الدول هناك أشخاص ارتبطت أسماؤهم بملفات معينة حتى أصبح من الصعب الحديث عن تلك الملفات دون استحضار أدوارهم، وفي تاريخ الطيران السعودي يصعب تجاوز اسم الأمير سلطان بن عبدالعزيز -رحمه الله- بوصفه أبرز من أسهموا في بناء هذا القطاع وصياغة ملامحه الحديثة، حتى غدا حضوره جزءاً رئيسياً من ذاكرة الطيران في المملكة رغم المناصب الكبرى التي تقلدها.

لطالما راودتني فكرة تأليف كتاب يوثق تلك المراحل، ليس لأن الأمير سلطان كان مسؤولاً عن قطاع الطيران لسنوات طويلة فقط، إنما لأن التحوّلات التي شهدها الطيران السعودي في عهده تستحق أن تُقرأ بوصفها تجربة وطنية متكاملة، وأن توثق للأجيال القادمة باعتبارها جزءاً مهماً من تاريخ المملكة الحديث.

حين نتأمل واقع الطيران السعودي بما يضمّه من مطارات وشركات ناقلة، ومنظومة تشريعية متقدّمة وحضور دولي مؤثر، فإننا أمام نتائج تراكمية جاءت بعد عقود من التخطيط والعمل والبناء، ومن الإنصاف توثيق اللبنات الأولى ومن حمل مسؤولية هذا القطاع سنوات طويلة.

آمن الأمير سلطان بأن الطيران قوة سيادية ورافعة اقتصادية وجسر يربط المملكة بالعالم، لذلك امتد اهتمامه من شراء الطائرات وإنشاء المطارات إلى بناء منظومة متكاملة من التشريعات والأنظمة وتنمية الكفاءات وتطوير البنى التحتية، وتعزيز الحضور السعودي في المنظمات الدولية.

شهد الطيران المدني السعودي تحت قيادته توسعاً كبيراً في شبكة النقل الجوي، وتحسّناً مستمراً في الخدمات وتطوراً في الأنظمة والإجراءات، بما يتناسب مع النمو الذي كانت تعيشه المملكة آنذاك، وفي نفس الوقت كان الطيران العسكري يسير بخطوات متسارعة نحو التحديث والتطوير، حتى أصبحت المملكة تمتلك واحدة من أكثر المنظومات الجوية تقدّماً في المنطقة.

إن النجاحات الكبرى تُصنع بالرؤى بعيدة المدى، والاستمرار في البناء، وتأسيس مؤسسات قادرة على البقاء مع مرور الزمن، لهذا أرى أن الحديث عن الأمير سلطان في سياق الطيران لا يكون حديثاً عاطفياً أو احتفالياً بقدر ما هو قراءة موضوعية لتجربة إدارية وتنموية أثرت في قطاع إستراتيجي أصبح اليوم أحد أهم القطاعات التي تراهن عليها المملكة ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030.

يرحل الأشخاص، لكن يبقى العمل والأثر الذي تركوه في حياة الناس، وهذه هي القيمة الحقيقية في الأوطان.

اليوم، ونحن نشهد التحوّلات الكبرى التي يعيشها قطاع الطيران في المملكة من توسع غير مسبوق في المطارات، وإطلاق ناقلات جديدة واستثمارات ضخمة، ومستهدفات تجعل المملكة مركزاً عالمياً للطيران، فإن من الجميل أن نستحضر التاريخ الذي بدأت منه هذه المسيرة ونحن ننطلق إلى آفاق مدهشة ترسمها رؤية 2030 التي أطلقها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، هذه الرؤية المباركة التي تأخذ الوطن بكافة قطاعاته إلى مدار آخر من النجاح والازدهار.

ما زالت فكرة الكتاب ترافقني، لا بوصفه كتاباً عن شخصية إنما بوصفه كتاباً عن مرحلة صنعت جزءاً مهماً من تاريخ الطيران السعودي، وعن رجل ارتبط اسمه بهذا القطاع لعقود طويلة حتى أصبح حضوره جزءاً من هويته، والأمير سلطان يستحق عملاً يوثّق علاقته بالطيران، ويستعرض المشاريع والإنجازات والتحديات التي صاحبت تلك المرحلة، ففي هذا تكريم لشخصية رائدة وحفاظ على ذاكرة قطاع أسهم في ربط المملكة بالعالم.

قطاع كان ولا يزال أحد أعمدة التنمية الوطنية السعودية.