لا يحسبن أحد أننا حين نَسِمِّ قيادتنا بـ«الرشيدة» أن ذلك من باب المدح الزائف، أو التزويق اللغوي، أو المستهلك اللفظي العارض، أو هي لازمة نأتي بها بشكل عفوي وتلقائي، بغير حساب أو تقدير أو نظر يماثل معناها العميق المنطوي على خلال وصفات سنيّة وعلّية، منظورة في وفرة العقل، وسداد الرأي، وتغليب الحكمة، ونشدان الحق، وتحقيق العدالة، وغير ذلك مما تجمعه هذه الكلمة في طواياها، بل إننا حينما نقرنها بقيادتنا، فإننا ننظر إلى هذه المعاني مجتمعة ومنطبقة عليها، ومجسّدة في أفعالها وأقوالها وصنيعها، فمن قصرت همته عن مراجعة التاريخ، فلينظر صنيع هذه القيادة الرشيدة مع ما يجري من أحداث كارثية تشهدها المنطقة هذه الأيام، فما إن وقعت الواقعة حتى خفت قيادتنا وبادرت بالتقاط زمام المواجهة، متعالية على الخلافات، ومترفعة عن الصغائر، جامعة كلمة العرب عموماً، والخليجيين خاصة، في نسق واحد رافض ومستنكر وشاجب للعدوان السافر الذي أقدمت عليه ايران، واضعة ومسخّرة كافة إمكانياتها من أجل تضميد الجراح، فجاء توجيه القيادة الحكيمة، بالموافقة على استضافة جميع العالقين في مطارات السعودية من مواطني دول مجلس التعاون الخليجي، بجانب إعلان المملكة الذود عن كافة دول الخليج، قناعة راسخة أن أمن الخليج العربي كلٌّ لا يتجزّأ، وفق الاجتماع الاستثنائي للمجلس الوزاري لمجلس التعاون، والذي نص على أن «العدوان الإيراني غير مبرر»، وأن «دول المجلس ستتخذ جميع الإجراءات اللازمة للذود عن أمنها واستقرارها وحماية أراضيها ومواطنيها والمقيمين فيها بما في ذلك خيار الرد على العدوان».

إن وصف العدوان الإيراني بغير المبرر تسنده كافة الوقائع على الأرض، بل إن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عبّر عن دهشته واستنكاره لهذا التصرّف غير المنطقي، والمجافي للحكمة، فادعاء إيران بأنها إنما تستهدف المصالح الأمريكية، كان من الممكن أن يجد شيئاً من «القبول»، لو أنها وجّهت ذات الاستهداف للمصالح الأمريكية في دول مثل تركيا، وباكستان، وأذربيجان، وهي على مرمى حجر منها، ولكن من الواضح أنها تتخذ من ذلك ذريعة مكشوفة النوايا، تخرج به ما في جوفها من ضغائن مستترة، وأحقاد ابتليت بها المنطقة. ولا تعدو أن تكون «ورقة توت» لا تستر عيوب هذا النظام البائس، والذي بات يلفظ أنفاسه الأخيرة، ولم يبقَ له إلا هذا «السعار» الكارثي الذي يرسله في عماء وحقد كيفما اتفق،

وما هو ببالغ غايته من زعزعة المنطقة، فقد باتت على قلب رجل واحد، وموقف نابذ ومستنكر لصنيعها، مسنودة بتأييد المجتمع الدولي كله دون استثناء.

إن مبدأ رد هذا العدوان الإيراني الآثم على المملكة ودول الخليج العربي وبعض الدول العربية تكفله كافة المواثيق، وتعضده المواثيق والأعراف والقوانين الدولية، وما «ضبط النفس» الذي تمارسه المملكة حيال كافة التجاوزات الخطيرة التي يقوم بها النظام الإيراني المحتضر؛ إلا من باب الحكمة، والنأي بالمنطقة من حرب إقليمية تسعى إيران إلى توسيع دائرتها ما أمكن، وتستفز الجميع لرد الفعل العاجل حتى تجد المبرر والذريعة لمزيد من الدمار الأعمى، والاستهداف الأخطل، وبالغاً ما بلغ «ضبط النفس» من تقدير وسعة وسماحة، فالذي لا شك فيه أن الأمور لن تكون كما كانت عليه قبل العدوان، فحق الرد قائم، وطرقه ووسائله ستحددها المملكة وفق تقديراتها السليمة، بمواقيتها المحسوبة بدقة، وبالصورة التي تضمن بسط الأمن الراسخ بأقل الكلفة الممكنة، وبصورة تضمن تقليل الخسائر إلى أدنى المستويات الممكنة، وبما يضمن شرقاً أوسطياً آمناً ومستقراً لا تنتاشه «صفوية» بغيضة، ولا تعكر صفوه طموحات آيديولوجية مفخخة من أي جهة صدرت، وبأي آلية تحرّكت.

إن السماح بتمدد الحرب خارج محيط إيران ستكون تبعاته وخيمة، وستلقي بظلالها الكثيفة على دول الخليج العربية بشكل مباشر ومؤثر، وهو ما تضعه المملكة ودول المجلس في حسبانها، وتحركها الواعي والمتزن، رغم عظم الاستفزاز من النظام الإيراني.

نثق كل الثقة في قيادتنا الرشيدة، ونقف معها في كل خطوة تخطوها، وهي تمضي بحكمة عالية في مسار الحل الأمثل لهذه الكارثة التي حلت بالمنطقة، مذكرة المجتمع الدولي، أن استقرار منطقة الخليج العربي ليس مسألة إقليمية فحسب؛ بل هو ركيزة أساسية لاستقرار الاقتصاد العالمي والملاحة البحرية، بما يتوجّب عليه القيام بدوره المنظور، بما يؤسّس ويرسّخ مبادئ احترام القانون الدولي، والمواثيق الأممية المعروفة، فإن عجز المجتمع الدولي عن ذلك، وقصرت يده عن كف المعتدي، فللمملكة كلمتها النافذة وقتها، ولات حين مندم.