عبارة نبوية بسيطة، لكنها عميقة، صادقة. ليست جملة عابرة عن لحظة دهشة، بل مفتاح مدرسة كاملة اسمها الحب المحمّدي.

مدرسة لا تُدرَّس بالشعارات، بل تُفهم بالسلوك، ولا تُحفظ بالنصوص، بل تُعاش بالمواقف.

هنا يتجلّى النبي ﷺ إنساناً كامل الإنسانية، نبيّاً لا يتخفّى خلف مقامه، ولا يستعلي برسالته على مشاعره.

خوفه لم يُنقِص من نبوّته، وذهابه إلى خديجة لم يكن ضعفاً، بل ذروة القوة؛ قوة الاعتراف بالحاجة إلى السكن، وإلى القلب الذي يطمئن قبل العقل، علم أنها بحر عطاء وصحراء صبر، ينبغي احترامها وتقديرها.

من الدروس التى تعلمناها من مدرسة محمد العظيمة أن القبيلة الواسعة، والعشيرة القريبة، والحِمى الاجتماعي المعروف، كلّها لم تكن وجهته.

اختار خديجة، اختار القلب الذي يعرفه دون شرح، والروح التي تصدّقه دون برهان.

كأن الرسالة الصامتة تقول الحب الحقيقي ليس كثرة الأسماء ولا تعدد الأصول والفروع، بل اسم واحد يعرف طريقك دون دليل عنده الامان وفي حضنه المأوى.

ذلك الموقف يؤسّس لفهم مختلف للحب ليس ترفاً، ولا زينة جانبية للحياة، بل مأوى الرسالة نفسها.

خديجة كانت وطناً أخلاقياً، ومرفأ يقين، وشاهدة ميلاد النبوّة. صدّقته يوم كذّبه الناس، واحتوته ساعة ارتبك العالم حوله، فاستحقّت أن تُذكر مع الوحي، وأن تُخلّد مع الرسالة.

منح الله خديجة الحب ومنحته بدورها إلى محمد، فيَدَاها زمّلتاه عندما نادى زمّلوني، دثّرته بالحب والدفء والحنان، شجّعته بكلمات الحب والتقدير، والنبي ﷺ لم يخفِ هذا الفضل، ولم يُجمِّله بعبارات مجاملة.

قالها بوضوح العمر كلّه حبّ خديجة.

في قلبي ذكرها، بكى لفقدها، وتذكر فضلها، وكأن الوفاء عنده عبادة قلبية لا تقل قداسة عن الصلاة.

في مدرسة الحب المحمدية، الوفاء لا يسقط بالتقادم، ولا يُلغيه الزمن.

تُعلّمنا هذه المدرسة أن الرجولة ليست قسوة، ولا جفاف مشاعر، ولا ادّعاء صلابة زائفة.

الرجولة الحقّة شجاعة قلب، وقدرة على الاحتماء بالمحبّة دون خجل.

نبيّ الأمة لم يقل تماسكت وحدي، بل قال ذهبت إلى خديجة. بهذا الإعلان البسيط أعاد تعريف الرجولة، وحرّرها من أوهام الفحولة الجوفاء.

ثم يتّسع الدرس ليصير قانوناً إنسانياً، أعظم الرسالات تحتاج إلى دفء، وأثقل الأمانات لا تُحمل دون كتف رحيم.

وليس هناك كتف يتحمل وحضن يتسع وحنان يتدفق إلا عند خديجة وبنات جنسها.

الحب هنا ليس نزوة، بل شرط توازن، وسرّ استمرارية، وجسر عبور بين الخوف واليقين.

وهكذا تصبح مدرسة الحب عند الرسول الكريم منهاج حياة؛

حبّ لا يُلغِي العقل، ولا يُضعف الإيمان، بل يعمّقه.

حبّ يربط السماء بالأرض عبر إنسان صادق.

سلامٌ على نبيّ علّم البشرية أن الحب قيمة مؤسسية، وأن المرأة شريكة رسالة، وأن البيوت العظيمة تُبنى بالطمأنينة قبل الجدران.

في يومكن العالمى كنّ على قدر المسؤولية، وضعكن الإسلام في غرة سنامه، وأكرمكن الله ورسوله، أفرد لكّن سورة في كتابه العزيز وقال الله يفتيكم في النساء، فجعل حق الفتوى له وحده عز وجل فلا يزايد أحد عليكن.

اليوم فُتحت الأبواب الموصدة، وحُطمت الأقفال الصدئة، وهُدمت مصدات وضعت أمامكن في زمن أغبر لن يعود، أزاحته عنكن رؤية قديرة، في ما عُرف زوراً وبهتاناً بـ«الصحوة»، وما هي في حقيقتها إلا «كفوة» ألمّت، و«جفوة» قطعتنا عن حياتنا في مسارها الطبيعي، لتبلغن مع «الرؤية» مقاماً عليّاً تُحقّقن حلم وطن بحجم الشمس.