-A +A
محمد الساعد
بعد أسابيع من تولي الرئيس الأمريكي جون بايدن رئاسة الحكومة الأمريكية، صعدت الأوساط اليسارية من لهجة التحريض ضد الرياض، وكما هي الرياض دائماً، بقيت هي الرياض قبل «بايدن» وبعده، لم تتغير، لم تتوجل، لم تتملق، رسائلها صلبة معتزة بنفسها مؤمنة بربها وعظمة شعبها، وفي الوقت نفسه تفتح باب الصداقة والتحالف والشراكة لمن يقدرها ويثمن الدور السعودي فيها، دولة مشغولة بمستقبلها وتحقيق رؤيتها لشعبها ولامتها، وحولتها من أمنيات جميلة إلى واقع على الأرض.

وبينما كانت المتحدثة باسم البيت الأبيض تجيب على أسئلة مقصودة ومرتبة موجهة إشارات للسعوديين ولأعدائهم، ورسائل غير مفيدة، وإنما كانت تنفيذ لأجندات وإرضاء لأوساط غير حليفة، كان الأمير محمد بن سلمان مهموما بوطنه مشغولا برؤيته يعقد اجتماعاته المتواصلة مع فرق عمله لإطلاق حزمة من المشاريع حان موعد تدشينها واستكمالا لبرامج كانت قد أطلقت في السنوات الخمس الفائتة، وكأنه المتنبي حين قال:


أنام ملء جفوني عن شواردها..

ويسهر الخلق جراها ويختصم.

خلال ثمانية أسابيع من بدء العام الميلادي الجديد انطلقت الأعمال في مدينة مثالية قادمة من المستقبل تحت اسم «لاين سيتي»، ثم يعتمد ولي العهد السعودي تصاميم مشروع كورال بلوم في البحر الأحمر، وليعلن بعدها عن مبادرتين «السعودية الخضراء» و«الشرق الأوسط الأخضر» لزراعة مليارات الشجيرات بهدف الاستثمار في البيئة وتحسين حياة البشرية بدلا من الاستثمار في الصواريخ الباليستية الإيرانية وقتل الأبرياء، وأخيرا المشروع العملاق للشراكة بين القطاع الخاص والعام وضخ تريليونات الريالات في الاقتصاد المحلي والإقليمي.

قراءة في بنية تفكير الأمير وآلية مشاريعه، نجد أنها تنطلق من خطين متلازمين يكملان بعضهما ولا يتضادان، الأول: تعظيم الفرص وتحسين حياة السعوديين كهم رئيسي، وعتق الاقتصاد المحلي من البترول وتنويع مصادر الدخل، والثاني: استفادة الفضاء المحيط بالسعودية من الإمكانات والمشاريع العملاقة التي تطلقها، والدفع بالسعودية لتكون القاطرة التي تحمل المنطقة نحو مستقبل مزدهر.

وعد كان الأمير محمد بن سلمان أعلنه في منتدى دافوس الصحراء قبل عامين بأن يتحول الشرق الأوسط إلى أوروبا جديدة، الأمير لم يقل ذلك كدعاية، ففي هذا الشرق الأوسط -المرهق بالحروب والكوارث- عادة ما تُطلق التهديدات ويستثمر بعض قادتها في التنظيمات الإرهابية «إيران وتركيا» مثالا، بينما السعودية بقياداتها تطلق الفرص والأمل والحياة ليس لشعبها فقط، بل لكل الشعوب التي عانت الكثير من الويلات والحروب والاحتجاجات التي هدتها وحولتها لدول فاشلة.

السعودية المشغولة بنفسها تقول لواشنطن ولبقية العواصم الغربية، نحن نقدم نموذجنا الخاص؛ نموذجاً معرفياً مبنياً على الاقتصاد وجودة الحياة والمشاركة، نموذجاً غير أناني، إنسانياً بالدرجة الأولى، يوجد البدائل ويفهم تحديات البيئة والاقتصاد والصحة العامة، ويساعد الشركاء والجيران في المنطقة، نحو مستقبل ينعتق فيه «السياسي» من حبك المؤامرات ونسج الخيانات وعقد التحالف مع التنظيمات الإرهابية (داعش، الإخوان، القاعدة) فهل سيفضلون النموذج السعودي، أم سيبقون أسرى النموذج الإيراني، الإجابة عندهم، وبين أيديهم.