-A +A
محمد مفتي
إيران.. هي الدولة الأكثر جدلاً في التاريخ السياسي المعاصر، فمنذ اندلاع الثورة الإيرانية 1979 من القرن المنصرم حتى اليوم، كان -ولا يزال- النظام الحاكم في طهران جوهر الصراعات في المنطقة، فقد غدت منطقة الشرق الأوسط وكأنها تعيش على شفا بركان متفجر ينفث حممه الساخنة على دول المنطقة وقابلاً للانفجار في أي وقت، غير أن السؤال الجوهري الذي يجب طرحه هو: من هو عدو إيران الحقيقي؟ هل هو العراق؟ أم دول الخليج؟، وذلك ليتسنى لنا فهم طبيعة الأيديولوجية المتغلغلة في عروق حكام طهران.

استوقفتني رسالة وجهها مهدي بازركان (أول رئيس وزراء بعد الثورة الإيرانية) إلى الخميني خلال حرب الخليج الأولى بعد أن اكتشف عبث الأخير بمصائر شعبه، قال فيها: «لا يكفي أنك فشلت في محاربة صدام، لكنك جعلته أقوى مما كان، لقد ألبت الجميع علينا، لن يجلب استمرارك سوى الدمار، ارحم إيران وأجيالها القادمة». والحقيقة أن القارئ لمذكرات العديد من القادة العسكريين العراقيين مثل نزار الخزرجي (رئيس أركان الجيش العراقي السابق) ووفيق السامرائي (رئيس الاستخبارات العسكرية العراقية الأسبق) وغيرهما، بالإضافة إلى قدر كبير من البرامج الوثائقية التي وثقت تفاصيل حرب الخليج الأولى، بخلاف تصريحات الرئيس الإيراني الأسبق «أبو الحسن بني صدر» وغيرهم، سيكتشف ببساطة ودون أدنى شك أو مواربة، أن العدو الأول للنظام الحاكم في طهران هو الشعب الإيراني نفسه.


عندما وصل الخميني لسدة الحكم كانت القيادة العسكرية في إيران في ذلك الوقت منقسمة حول ذاتها، ولاسيما عقب قيام الخميني بحملة تصفيات قوية داخل صفوف الجيش تضمنت إعدام كبار الضباط الموالين للشاه، فقد كان الخميني يؤرقه دوماً هاجس التمرد العسكري ضد حكمه، كما أن الشعب كان منقسماً حول نفسه بين رافض لحكم زمرة الخميني وبين العودة إلى أيام الشاه البائسة، لم يجد الخميني سبيلاً لتوحيد صفوف قادته العسكرية سوى الحرب مع عدوه اللدود صدام حسين.

أمر الخميني بقصف بعض المدن والقرى العراقية المتاخمة للحدود، وكان على ثقة من أن عدوه اللدود يمتاز بالتهور، غير أن الرئيس العراقي -وقتذاك- لم يستجب بسهولة للاستفزازات بسبب ضغوط دول الخليج عليه حتى لا ينزلق في مستنقع الحرب، غير أن هذا التجاهل أغرى الخميني للتمادي في استفزاز العراق وزعزعة استقراره، فقام بدعم العمليات الانتحارية التي قام بها -وقتذاك- حزب الدعوة المعروف بموالاته للنظام الإيراني.

فرغ صبر الرئيس العراقي عند هذا الحد، وشرع في ضرب القوات الإيرانية المتمترسة داخل حدود إيران، واندلعت شرارة الحرب بعدها مدوية، ونتيجة للانتصارات السريعة للعراقيين في بداية الحرب، توحدت صفوف القادة العسكريين الإيرانيين وشرعوا في صد الهجوم العراقي، وهو الأمر الذي كان يسعى له الخميني من البداية، وهو أن يتمكن من توحيد المعارضين لحكمه بذريعة التصدي لخطر خارجي.

أدار الخميني الحرب الدموية التي استمرت ثماني سنوات بطريقة تنم عن وحشية متأصلة؛ فقد كان يدفع بالآلاف من الجنود في أتون الحرب المستعرة في معارك مع الجانب العراقي، وكثير من هذه المعارك كان محكوماً عليها بالفشل حتى قبل أن تبدأ، فقد كان هذا الخميني يطلق على كل من يقتل في تلك المعارك «شهيداً»، وذلك بشهادة قادته العسكريين أنفسهم.

خلال الحرب قام العراق بشراء العديد من المدافع من فرنسا التي كان بإمكانها أن تطلق أكثر من 300 قذيفة في الدقيقة الواحدة، وبعدها قام الخميني وقادته بدفع جنوده بما يسمى بتكتيك الموجات البشرية في مواجهة هذه المدافع، الأمر الذي أدى طبقاً لتصريح مساعد وزير الدفاع الفرنسي وقتئذ «فرانسوا هايزبورج» إلى قتل ما يقرب من عشرة آلاف جندي إيراني خلال ساعة واحدة فقط، وهذه معركة واحدة من ضمن عشرات المعارك التي خلفت حتى نهاية الحرب أكثر من 700 ألف قتيل، وأكثر من مليون جريح وعاجز، وأكثر من 2 مليون لاجئ وهارب من أتون الحرب.

وكلما كانت الأجنحة الموالية للسلام والمناهضة للحرب في أروقة البرلمان الإيراني تتصاعد -وقتذاك-، لسعيها للحفاظ على حياة الشعب الإيراني، كانت فتوى واحدة من الخميني كفيلة بنسفها، وبعد أن تصاعدت حدة تصريحات المجتمع الدولي تجاه إيران، خاصة بعد قيام الولايات المتحدة بتدمير عدد من القطع البحرية الإيرانية، اضطر الخميني لقبول وقف الحرب، ولكنه يبدو أنه لم يثأر من شعبه بالقدر الكافي، لذلك أمر بعد الحرب مباشرة بإعدام أكثر من عشرة آلاف سجين إيراني، حتى أن «حسين المنتظري» أحد المقربين من الخميني صرح بقوله: «لقد ارتكبتم أكثر الأعمال وحشية، وسيذكركم التاريخ كمجرمين» وهو ما أدى إلى عزله من جميع مناصبه.

يوماً بعد يوم، تزداد حدة الغضب الدولي تجاه قادة إيران، وتزداد الرغبة في معاقبتها اقتصادياً والاستمرار في عزلها سياسياً لمنعها من الاستمرار في إشعال المنطقة من خلال خوض معارك إقليمية بالوكالة، وعلى الرغم من أهمية هذا الأمر إلا أن فضح الوجه الداخلي لقادة إيران تجاه شعبها أهم وأكثر تأثيراً، فعلى العالم أجمع أن يعرف جرائم قادة طهران بحق الشعب الإيراني الأعزل، والذين لم يتورعوا يوماً عن التنكيل به بأقصى صورة في سبيل تحقيق نزاوتهم الطائشة وأطماعهم اللا مشروعة، فعدو قادة طهران الأول هو الشعب الإيراني قبل أي كيان دولي آخر، وهو الأمر الذي يستحق بالفعل عزلها سياسياً ومحاصرتها اقتصادياً.

كاتب سعودي

Prof_Mufti@

dr.mufti@acctecon.com