-A +A
هاني الظاهري
على مر العصور ارتبط الفقر وسوء الحال بالأدباء والمثقفين ارتباطاً وثيقاً، وكثير من الأدباء العظماء عانوا من شظف العيش وتضوروا جوعاً طوال حياتهم لأن حرفة الأدب «لا تؤكِل عيشاً»، حتى أن العرب كانوا يقولون عمن يفلس بعد غنى «أدركته حرفة الأدب»، وهذه كناية عن ارتباط سوء الأحوال المادية بالانشغال بالأدب والثقافة عن السعي في طلب الرزق.

سبب كتابتي عن هذا الموضوع اليوم ما نشاهده من مناشدات تغص بها شبكات التواصل لإنقاذ قاص هنا وشاعر هناك وكاتب بينهما، جميعهم يشكون من الفاقة وسوء الحال في شيخوختهم، وهو أمر مؤلم بالطبع لكنه ليس جديداً فقد قال الشاعر المصري إبراهيم غنيم يوماً مواسياً شاعراً آخر «لايجمع الله بين الشعر والمال».


في الغرب لم تتحسن أحوال المثقفين والأدباء إلا خلال العقود القليلة الماضية بفضل الرأسمالية التي حولت المحتوى الأدبي إلى مادة تجارية، فتحولت القصص والروايات على سبيل المثال إلى أفلام سينمائية تدر الملايين من شباك التذاكر بفضل صناعة كاملة بناها مال التجارة لاخيال الأدباء، وهذه مرحلة صناعية متقدمة تشبه تحويل الرمل إلى زجاج يباع في الأسواق ويدر المال على صانعيه، ولذلك فإن ما يفتقده مجتمع الأدب والثقافة في العالم العربي اليوم هو «تأسيس الصناعة» التي تحول المحتوى الثقافي إلى مادة تجارية مربحة، فالمحتوى الأدبي الخام مثل الرمل بحاجة لصناعة تجارية تحوله إلى زجاج أي مادة قابلة للبيع والتسويق وهناك ثلاث صناعات قادرة على ذلك هي «صناعة السينما، وصناعة الترجمة والنشر، وصناعة المسرح والفعاليات» وجميعها تحتاج إلى رأس المال الجريء الذي يبحث عن الربح في مساحات غير مزدحمة بالمنافسين، وقد أثبت رأس المال العربي أنه جبان ولذلك ينبغي على الجهات الرسمية تشجيعه ودعمه وتقديم تسهيلات كبيرة جداً لوضع بنية أساسية تقوم عليها صناعة مربحة لرؤوس الأموال والدولة وأخيراً صناع المحتوى الأدبي والثقافي.

في السعودية هناك ميادين صناعة خاملة بحاجة إلى دعم حكومي كبير لتتحرك وتعود بالربح على الاقتصاد الوطني، لدينا وفرة في المحتوى الثقافي الخام وعجز في الصناعة التجارية، وهذه مسألة تحتاج إلى ورشة عمل وطنية كبرى بقيادة وزارة الثقافة فالأندية الأدبية اليوم لافائدة تجارية منها لأنها تدار بعقول أدباء لا تجار، وينسحب ذلك على جمعيات الثقافة والفنون ودور الترجمة والنشر، أما الصناعة السينمائية الوطنية فهي في حالة وفاة دماغية، ولا يمكن أن تقوم على تأسيس مهرجان هنا أو مشاركة في مهرجان هناك.

الوسط الثقافي السعودي اليوم بحاجة إلى مشروع صناعي ينقل المحتوى الثقافي الوطني للعالمية ويدر أرباحاً تشجع رؤوس الأموال على الاستثمار فيه، والأفكار في هذا الباب كثيرة لكنها في جعبة التجار لا الأدباء والمثقفين.

* كاتب سعودي

Hani_DH@