الشعر مصدر للجمال والخيال المفعم بالعاطفة والرقة والعذوبة، فهل يتناسب ذلك مع فكرة وجود شيطان يوحي للشاعر بما يقول؟ إن هذا هو ما يقوله العرب عن شعرائهم، فلماذا سيطرت هذه الفكرة عليهم؟ هل تعمدوا ذلك للتخلي عن مسؤولية ما ينظمونه من شعر؟ أم هو نوع من التباهي بأن ما يأتون به من شعر ليس من الهين الإتيان به ولا بد فيه من دعم شيطاني يفتق القرائح؟
شياطين الشعر الذين رافقوا شعراء العرب كثر كثرة الشعراء أنفسهم، كأن كل شيطان مختص بشاعر بعينه، فحسب ما يبدو كانت شياطين الشعر تكره التعدد والجمع بين الشعراء، لذا كان لكل شيطان شاعر واحد فقط، ومن أشهر شياطين الشعراء (مسحل) شيطان الأعشى، و (أبو لبينى) شيطان الفرزدق، و(عمرو) شيطان الشاعر المخبّل، و(شنقناق) شيطان بشار بن برد، وإن كان بشار يتنكر له ويرفض قبول مصاحبته. ومن خصائص شياطين الشعر أنها لا تأتي في كل مكان، وإنما على الشاعر أن يتصيد شيطانه في أماكن عيشه كالآبار والجبال وأجواف الحيوان أو الصحراء، كما فعل الفرزدق، فحسب روايته أنه لما احتبس عنه الشعر امتطى فرسه وانطلق إلى الصحراء ينادي على شيطانه (أبا لبينى) مستنجدا به، فما لبث أن انهمرت عليه الأبيات كالمطر!!
وفي بعض الحالات لا تكتفي شياطين الشعر بتلقين الشعراء ما يقولون، فيظهر بينهم من يجعل نفسه راوية متخصصا في رواية شعر الشاعر، أو ينخرط في قول الشعر فيصير هو نفسه شاعرا. وفي التراث الثقافي العربي تشيع رواية الشعر منسوبا إلى الجن، وهناك دراسة طريفة للدكتور عبدالله الرشيد منشورة في كتاب المجلة العربية، عن شعراء الجن في التراث العربي، عرض فيها ما كان متداولا عند العرب من شعر منسوب إلى الجن، مثل القصيدتين اللتين ينسبهما أبو العلاء المعري في رسالة الغفران إلى الشاعر الجني (الخيتعور). وقد علق صاحب الدراسة على ذلك بقوله: «ولا شك في أن القصيدتين اللتين صنعهما المعري على لسان الجني الذي سماه (الخيتعور) كانتا (...) مجالا لعرض بعض آرائه في الحياة والكون والناس (...)، ويستنبط من صنيع المعري أن تحميل الجان قول الشعر هو ضرب من التقوّي بهذه النسبة المزعومة على إحقاق الآراء واستدعاء القبول لها». كما أنه قد يكون أيضا من قبيل الحماية للنفس بإلقاء مسؤولية ما يتضمنه القول من مخالفة لما يعتقده الناس أو لا يرضون عنه، على الجني ناظم القصيدة.
وفي (الحيوان) يذكر الجاحظ بعضا من الشعر المنسوب إلى الجن، ومن ذلك قولهم: (وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر)، ولأن الجاحظ عقلاني النزعة، فإنه يستدرك ــ متهكما ــ أن من نسب هذا البيت إلى الجن استدل على ذلك بأن هذا البيت لا يستطيع أحد أن ينشده ثلاث مرات متصلة لا يتتعتع فيها.
أخيرا، شعراء الجن لا حظ لهم في شعر الغزل، فهم يمهرون في مواضيع كثيرة إلا الغزل لا حظ لهم فيه، ولعلهم شعراء غلبت عليهم الواقعية وتحكيم العقل فلم يكونوا لينهزموا أمام الحب!!.
فاكس 4555382-11
للتواصل أرسل رسالة نصية sms إلى 88548 الاتصالات أو 636250 موبايلي أو 737701 زين تبدأ بالرمز 160 مسافة ثم الرسالة
الاستنجاد بالشياطين !!
8 يونيو 2013 - 19:33
|
آخر تحديث 8 يونيو 2013 - 19:33
تابع قناة عكاظ على الواتساب
