لا تسيئوا معشر القراء بي الظنون؛ فلست أنا من يقول هذا، ولكنه كتاب التوحيد المقرر للصف الأول الثانوي لهذا العام، ص67، في باب الأسماء والصفات الذي شرح فيه مؤلف الكتاب جزاه الله خيراً مذهب أهل السنة في الأسماء والصفات، مقارناً إياه بمقولات الفرق الإسلامية الأخرى، التي تشابه معتقداتها ـ حسب فهمه ـ معتقدات المشركين الذين كانوا يعطلون صفات الباري تعالى، فقال بالحرف الواحد: ( وهؤلاء المشركون هم سلف الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، وكل من نفى عن الله ما أثبته لنفسه أو أثبته رسوله صلى الله عليه وسلم، فبئس السلف لبئس الخلف)!
بناء عليه، فإن المعتزلة والأشاعرة إنما هم مقتدون بالمشركين، وإنما هم خلف لأولئك السلف، أي أن واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، والجاحظ، وثمامة بن أشرس، والنظام، وأبا إسحاق البلخي، وأبا رشيد النيسابوري، والقاضي عبد الجبار الهمداني، وأبا العباس المبرد، وابن جني، والإمام زيد بن علي بن الحسين بن أبي طالب ومن تبعه من الزيدية (وأولئك جميعاً من المعتزلة)، وأبو حامد الإسفرائيني، وأبو حامد الغزالي، وإمام الحرمين الجويني، والإمام البيهقي، وابن عساكر، وابن الجوزي، والنووي، وابن حجر العسقلاني (وكل أولئك من الأشاعرة)، كل أولئك إنما هم امتداد لأبي جهل بن هشام، وأمية بن خلف، والوليد بن المغيرة، وعقبة بن أبي معيط، وغيرهم من المشركين!، فبئس السلف لبئس الخلف! هذا ما يقوله كتاب التوحيد!، وهذا ما يحفظه ويدرسه أبناؤنا ذوو الخمسة عشر عاماً في المدارس الثانوية!
ويحق لنا أن نسأل:
هذا التلميذ الغض الذي للتو خلع ثوب الطفولة، وناهز الاحتلام، ما له ولهذه المسائل التي بالكاد يفهمها المتخصصون؟! ألا يمكن أن تؤخّر هذه المسائل وأشباهها إلى مرحلة الجامعة مثلاً؟ ما لهذا الغلام المسكين وللمعتزلة والأشاعرة؟ ماذا يا ترى يعرف عنهم؟ لا شيء، لا يعرف عنهم إلا أنهم يقولون مقالة المشركين في أسماء الله وصفاته، فهم ملعونون مثل المشركين الذين هم أسلاف لهم، فبئس السلف لبئس الخلف!.مثل هذه العبارة يدرسها طلاب لا يكادون يحفظون أركان الصلاة وواجباتها! أو حتى يعرفوا معنى الخشوع فيها، فضلاً عن أن يؤدوها كما ينبغي (إن شككتم في قولي فسألوا المعلمين فعندهم الخبر اليقين )!.
ولنفترض جدلاً أنه من المهم أن يعرف الطالب عقائد الفرق المخالفة في هذه المرحلة الدراسية بالتحديد، وفي هذا العمر بالذات؛ فهل من العقل أو من الحكمة في شيء أن تقحم هذه العبارة العاطفية الحادّة في منهج دراسي المفترض فيه أن يكون علميًّا موضوعيًّا؟! أليس من الأولى ـ ونحن نتكلم عن الوحدة الوطنية وعن التعددية وعن خطورة العنف والتكفير ـ أن تناقش الأفكار المخالفة مناقشة علمية موضوعية بعيدة عن التجريح، لاسيّما في مقرر يدرسه مئات الآلاف من الطلاب؟.
إن التكفير الذي نجمت في مجتمعنا نبتته الشوهاء، والذي جنينا ثماره المرة، ونعاني منه اليوم ما نعاني، ونخشاه على أولادنا، إنما ينشأ من هذه العبارات وأشباهها، فماذا يضر لو حذفت مثل هذه العبارات من كتب طلابنا؟ ماذا يضر لو أننا ناقشنا شبهات المخالفين بطريقة علمية موضوعية بعيدة عن هذه الشحنات العاطفية السلبية؟ وبعيدة عن هذا العنف في القول الذي هو مقدمة طبيعية للعنف السلوكي؟.
عندما يقرأ الطالب أن الأشاعرة هم خلف للمشركين، ثم يعلم أن ابن حجر أعظم شارح لصحيح البخاري أشعري، وأن النووي شارح صحيح مسلم وصاحب (الأذكار) و(الأربعين النووية) المشهورة و(رياض الصالحين) أشعري فماذا تراه يقول؟ عندما يتعلم الطالب أن الأشاعرة خلف للمشركين، ثم يعلم أن ابن الجوزي صاحب (تلبيس إبليس)، و(صيد الخاطر)، أشعري فماذا يقول؟ عندما يتعلم الطالب أن الأشاعرة خلف للمشركين، ثم يعلم أن أبطال الإسلام من أمثال صلاح الدين الأيوبي، وسلفه نور الدين زنكي، والظاهر بيبرس ومحمد الفاتح وغيرهم من عظماء الإسلام أشاعرة فماذا تراه يقول؟!
أهكذا تورد الإبل؟، أهذا هو المنهج العلمي؟ ثم نبحث بعد هذا عن شمّاعة نعلق عليها مصائب العنف التي تهوي على رؤوسنا كوقع المطرقة وتهدد البلاد والعباد وتروع الآمنين؟!
هل خلت البلاد من خبراء قادرين على صياغة المناهج بأساليب عصرية رقيقة.ليتنا أن نقدم للطلاب ما يحتاجونه في كل مرحلة يمرون بها، والطالب الذي ناهز الاحتلام بحاجة إلى أن نكلمه عن عظمة الله تعالى، وعن مراقبته، عن الإخلاص، عن معنى التوكل، والخشية، والإنابة، والاستقامة، والتضحية، بأسلوب يوافق مزاجه وعصره.علينا أن نفكر جدّيّاً بعقول الأجيال القادمة وقلوبها، إن الزمان يتسارع، والدنيا تتطور، ولكل جيل مفتاحه وأسلوبه وطريقته في التفكير؛ ولقد درست أنا هذا المنهج قبل سبعة عشر عاماً! وكنت أرى أن المعتزلة والأشاعرة كفار أو شبه كفار بسبب هذه العبارات وأشباهها (ولم أكن من البلداء عسيري الفهم، بل كنت الأول على المنطقة الغربية في دفعتي) ورب كلمة أو جملة نستهين بها، ولا نراها شيئاً؛ تعمل في قلب طالب من أولئك الطلبة المساكين عمل السحر، فإذا هو قنبلة موقوتة لا ندري متى تنفجر. تكلم كثيرون عن المناهج، وليست القضية حذف باب أو إضافة باب، ولا حذف جملة أو إضافة غيرها، بقدر ما هي (إعادة نظر) في المضامين وفي طريقة عرضها بأسلوب يتناسب مع الجيل ويلبي احتياجاته، ويحافظ على أمنه النفسي والاجتماعي، ويحميه من الاضطراب الفكري والسلوكي.
al-ablaj@hotmail.com
هل المشركون سلف البيهقي والنووي وابن الجوزي؟
14 فبراير 2007 - 18:47
|
آخر تحديث 14 فبراير 2007 - 18:47
هل المشركون سلف البيهقي والنووي وابن الجوزي؟
تابع قناة عكاظ على الواتساب
رائد السمهوري
