نحمد الله ونشكره أن من على حجاج بيت الله الحرام بأداء شعيرة حج هذا العام في يسر وسهولة وأمان، وبدأوا في المغادرة عائدين إلى بلادهم يحملون أجمل المشاعر والذكريات عن أيام وليالٍ قضوها في الرحاب المقدسة. لا أحد يشك في أن جهود الدولة كلها كانت مسخرة للحجاج كي ينعموا بحج مريح ويؤدوا شعائرهم كاملة مستفيدين من الخدمات التي وفرت لهم في كل مكان.

***

إلى وقت قريب كنت أظن أن كراسي المساج الكهربائية يمكن للشخص أن يجلس عليها في المطارات، أو الساحات العامة داخل المدن الكبيرة؛ وذلك لامتصاص آلام القدم بعد عناء المشي أو الإجهاد الجسدي، لكن تغير ظني بشكل كبير عندما رأيت في مشعر منى، وقرب الجمرات، عددا من هذه الكراسي مصفوفة في مدخل أحد المخيمات على مرأى من الجميع، صاحب هذا المخيم أراد أن يستعرض مدى الرفاهية والفخامة التي يمكن لأصحاب حملته أن يتمتعوا بها خلال إقامتهم في مخيمه، ولكنه نسي أو تناسى أن هناك آلاف الحجاج يفترشون الأرض أمام مخيمه أو يمرون به جيئة وذهابا. كلنا نعلم أن هؤلاء بشر لهم أحاسيس ومشاعر، ونكاد نلمح على وجوههم آثار الألم الذي يعتصر قلوبهم وهم يرون تجسيدا للطبقية عند أداء الشعيرة، حيث يجلس بعضهم على قطعة كرتون أو فرشة من البلاستيك المهترئ، في حين ينعم الآخرون من ساكني المخيم (خمس نجوم) بالجلوس على كراسي مساج وثيرة. مثل هذه المظاهر الاستعراضية والدعاية المقيتة لخدمات هذا المخيم حري بنا التصدي لها، وإن كان لابد لصاحب هذا المخيم أن يوفر مثل هذه الكراسي لساكني مخيمه فعليه، على أقل تقدير، أن يجعلها من وراء ستار لكي لا يثير أسى الآخرين وحرقتهم ممن لا تتوفر لديهم الملاءة لأداء الحج في مثل هذه الأجواء.

***

في اليوم الثاني من أيام التشريق، ومن مكان مرتفع جلست أتأمل حركة سير الحجاج المتجهين لرمي الجمرات، مسارات وأدوار متعددة، ورجال أمن يديرون خطة سير محكمة، كل ذلك في انسيابية قل أن نشهد لها مثيلا في العالم، لو تأخر مشروع جسر الجمرات ولم ينفذ إلى اليوم لربما وقعت حوادث يعلم الله وحده مدى حجمها وأضرارها، وقد سبق أن عانينا من مثل هذه الحوادث التي راح ضحيتها أعداد من حجاج بيت الله الحرام. منذ ذلك الوقت كان التفكير يتجه وبجدية إلى إيجاد حلول شاملة لتكدس الحجيج وقت رمي الجمرات، وقد صاحبت الحكمة والصواب قرار خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز، أمد الله في عمره ومتعه بالصحة والعافية، بتوسعة جسر الجمرات وتعدد أدواره، واليوم ومع اكتمال المشروع ترتفع أكف الضراعة من كل حاج بالدعاء له على ما يسره لهم من إكمال هذا المشروع الذي مكنهم من رمي جمارهم وعلى مدى ثلاثة أيام دون معانة أو تعب.

hazzaa81@hotmail.com