ليست المرة الأولى التي تعلن فيها أوروبا عدم استعدادها لضم تركيا للاتحاد الأوروبي وبعد سنوات طويلة من الوقوف التركي على أبواب العواصم الأوروبية لم تجد أنقرة سوى الخيبة والرفض.

اليوم وبعد الأداء التركي الكارثي في المنطقة وفي الداخل التركي تضاعفت مبررات الأوروبيين لرفض أنقرة، خاصة بعد الفوضى السياسية والأمنية والإقليمية التي تسبب بها النظام التركي. إنما لماذا تلهث أنقرة بكل استماتة من أجل الانضمام للاتحاد الأوروبي؟

في الواقع أن أنقرة تبحث عن أي شيء، عن أي حلف أو مظلة أو جماعة تخرج بها من حالة التيه الثقافي والسياسي التي لا زالت تعيشها منذ سقوط الخلافة العثمانية، فتركيا ليست دولة أوروبية ولا دولة مؤثرة في العالم الإسلامي وتقف حواجز اللغة والعرق دون اندماجها في المجتمع العربي الذي تتشارك معه في الدين والجغرافيا.

وحيث شهدت العقود الثلاثة الماضية ما يمكن وصفه بالاستقرار الاقتصادي التركي لم تستطع تركيا أن تبني استقرارا سياسيا تنطلق منه من قيمة الدولة الوطنية الحديثة الجديدة التي يمكن أن تستثمر مقوماتها الداخلية وتبني كيانا إيجابيا في المنطقة والإقليم يحافظ على مصالحها ويمثل جزءا من معادلات الاستقرار والأمن الإقليمي.

تقع تركيا جغرافيا في موقع يهيئ لها أن تكون قوة اقتصادية وسياسية نوعية وقع في العقد الأخير في المشكلة التي طالما عصفت بكيانات كبرى: التفكير بعيدا عن منطق الدولة الوطنية إلى الدولة ذات التطلعات العابرة للحدود وتلك التطلعات أيضا كانت انعكاسا لذلك التيه، لكن العامل الأكبر وجود قيادة ذات طابع أيديولوجي أممي.

كانت أحداث العام ٢٠١١ في مختلف العواصم العربية فرصة كبرى للنظام التركي ليعود لاعبا محوريا في المنطقة وليحقق مكاسب تمكنه من بسط السيطرة السياسية على أهم العواصم العربية ليعود للمنطقة العربية لا بصفته شريكا بل متحكما وفاعلا وقياديا وكان انتماء النظام وتعاطفه مع حركة الإخوان المسلمين التي اعتبرها أبرز مفاتيحه للدخول للمنطقة أبرز الأثر في صناعة مواقفه التي ارتدت بعد ذلك على الداخل التركي.

كان العام ٢٠١٢ عام النشوة الكبرى للنظام التركي والنظام الإيراني والقطري كذلك؛ القاهرة العاصمة الأكبر في المنطقة تفتح لهم أبوابها للتأثير في القرار والموقف والتحالفات، وبالتالي لم يبق سوى استهداف السعودية والإمارات وبقية دول الخليج، وفيما تولت الأموال القطرية تسديد فواتير الضربات الجوية في ليبيا وتولت آلتها الإعلامية استمرار التحشيد في العواصم والميادين العربية وتولت الخمينية تنشيط خلاياها في البحرين تولت أنقرة بناء المرجعيات السياسية والملف السوري واتخاذ المواقف السياسية الداعمة والمتبنية لكل ذلك، كان ذلك العام قمة النشوة الكبرى لكل تلك الأنظمة.

حدث ما لم يكن بالحسبان؛ ثورة جديدة في مصر تصحح المسار وتستعيد الدولة المصرية وتكسر الحلم التركي والقطري والإيراني أيضا.

حالة من السعار السياسي أصيب بها النظام التركي لم تسعفه فيها أبجديات الدبلوماسية واتخذ النظام موقفا معاديا من مصر التي تفصلها عن تركيا آلاف الكيلومترات، موقفا لا يحمل أي بعد سياسي أو مصلحة إستراتيجية لأنقرة، إنه فقط موقف يعبر عن خيبة الأمل في الحلم التركي القطري الذي تهاوى.

أسوأ انكشافات النظام التركي كانت في القضية السورية، فمنذ بدايتها اتخذ النظام موقفا شعاراتيا في دعمه للثورة التي مثلت مادة جيدة للمنابر والخطب الجماهيرية، وقد كان لانهيار مشروع الربيع العربي تأثير بالغ على الأداء التركي في سورية، لقد انهار الحلم وبقيت تلك النيران المشتعلة في الجنوب التركي.

أخطر لاعبين في مشروع الفوضى أنقرة والدوحة وجدا أنهما في مواجهة مع مشروع الاستقرار والدولة الوطنية الذي تقوده دول الاستقرار والكيانات الكبرى في المنطقة، كان قرار مقاطعة الدوحة إبطالا لعمل ذلك الجهاز المتمرد في المنطقة فلم يجد سوى حليفه التركي الذي تعامل معه بكل انتهازية وفي ذات الوقت ظهر للعيان ضعف وهشاشة النظام القطري حين انفصل عن محيطه العربي وانحاز للفوضى والمؤامرات.

اليوم تعج شوارع الدوحة بالجنرالات الأتراك وتمتلئ المتاجر بالمنتجات التركية، ولم تحصل تركيا من كل تلك الخطط وتلك الشعارات إلا على عقود حماية قطرية فقدت معها الدوحة استقلالها وفقدت أنقرة قيمتها الإقليمية، خاصة بعد تكرر مواقف الاتحاد الأوروبي الرافضة لانضمام تركيا، ولم يتبق للنظام التركي في المنطقة إلا حراسة ملاعب الدوحة.

* كاتب سعودي