هل كان يمكن لـ"عبدالله الجشي" الا يكون شاعراً؟ سؤال لا رد عليه سوى النفي. وقراءة -حتى لو كانت متعجلة- لنشأة الجشي تجعل الاجابة بـ"نعم" مجرد افتراض تتراجع مشروعيته امام هذا الزخم من مقومات صناعة "الشاعر" في مسيرة عبدالله بن قاضي القطيفي العائد الى عائلة تعاملت مع اللؤلؤ وهي تستثمر في العقار والنخيل وتضرب بجذورها في فضاءات القطيف والبحرين والعراق وايران وعبدالله ايضا ابن السيدة ملكة المولودة في العراق والمنحدرة من عائلة ذات اصول بحرينية لم يكن لها من شاغل سوى صقل الاحجار الكريمة.
- في بداية الحوار هل لكم ان تحدثونا عن نشأتكم؟
في هذا الفضاء الاسري المخضب ايضا بالنبوغ في العلم والشعر نشأ عبدالله الجشي ليتتلمذ في بداياته على يد عيسى آل عبدالعال ويكمل في كتاب ميرزا حسين البريك في القطيف قبل ان يشد الرحال مع والده الى النجف ومابينها وبين بغداد حيث المدرسة الدهانية تلقى العلوم الشرعية والنحو والصرف والبيان والبلاغة والمنطق ليعود ثانية الى القطيف شاعرا.
- مسيرة عمر ورحلة طويلة مع الشعر والترحال ارتضى عبدالله الجشي ان تنبش "عكاظ" ملفاتها وتنتقل بين محطاتها بادئة من مراتع الطفولة والنشأة
نشأة في كنف العلم
= ولدت في بيت والدي قاضي القطيف "آنذاك" علي الجشي بفريق الخان بالقلعة عام 4431هـ الموافق 6291م وترعرعت في كنفه.. اما والدتي فهي ملكة بنت علي الحكاك المولودة في بغداد والتي تنحدر من اصول بحرينية وترتبط بسبع اسر عراقية هي بيت الحكاك وبيت المحارى وبيت الجشي وبيت الخفاجي وبيت البحراني وبيت لبجة وبيت الفتاح.
كانت اسرة الجشي التي تنتشر في القطيف والبحرين والعراق وايران تعمل في مجالات اللؤلؤ واستثمارات العقارات والنخيل ومن ابرز شخصيات الاسرة عبدالعزيز الجشي "فقيه وشاعر" وعلي حسن الجشي "فقيه وشاعر" ومحمد علي مسعود "فقيه وتاجر" ومحمد علي احمد الجشي "تاجر لؤلؤ" ومحمد حسن الجشي "تاجر لؤلؤ" ومنصور الجشي "تاجر لؤلؤ" ومحمد علي ماجد الجشي "فقيه وتاجر" ومحمد سعيد احمد الجشي "شاعر".
وكان افراد ا سرة والدتي "آل الحكاك" يعملون في صقل الاحجار الكريمة.
في كنف هاتين الاسرتين ورعاية والدي ووالدتي كانت نشأتي الاولى مثل العديد من اقراني وتأثرت كثيرا بالاجواء الادبية السائدة في ذلك الحين وبالشعراء في اسرة الوالد.
وانجب والدي ووالدتي عشرة من البنين والبنات ولم يبق الآن منهم على قيد الحياة سوى انا واختي فاطمة.
من البيت الى كتاب الميرزا
- أين تلقيتم تعليمكم الابتدائي؟
= كان لوالدي الأثر الأول في توجيهي نحو الحياة العلمية وبدأت في بيت الاسرة تلقي العلوم الاولى حيث درست القرآن الكريم على يد عيسى آل عبدالعال بقلعة القطيف ثم انتقلت ال كُتّاب ميرزا حسين البريكي بمكتبته الخاصة في حي السدرة عام 1391م لادرس السيرة النبوية واصول الخط العربي والشعر والحساب.
لقب الجشي
- الى ماذا تعزون اطلاق لقب الجشي على اسرتكم؟
= تنتسب اسرة الجشي الى قبيلة عبدالقيس "من السكان القدماء بالمنطقة" وتعد من العائلات الذائعة الصيت ليس في القطيف فحسب بل وفي البلدان المطلة على الخليج مثل البحرين والعراق وايران حيث يتواجد افرادها في وجد حفص بالبحرين والاحواز بايراني والبصرة والنجف وكربلاء وبغداد بالعراق.
ويرجع السبب في اطلاق لقب الجشي على الاسرة الى انتساب جدها الأعلى الى قرية الجشي المعروفة بالقطيف.. حيث يُروى انه عند وصوله من البحرين سكن في الكويكب بالقطيف وتزوج زوجة ثانية من الجشي فكان يقضي ليلة في الكويكب والليلة الاخرى في الجشي.. بيد ان رواية اخرى تنسب الاسرة الى قرية بحرينية قديمة تسمى الجشة.
ويعتبر آل الجشي من الاسر العلمية في القطيف والبحرين ولهم املاك وعقارات وبساتين في كلا البلدين.. وزاول كثير منهم تجارة اللؤلؤ التي كانت رائجة في منطقة الخليج قديما.. كما قدمت العديد من العلماء والادباء والشعراء.
الجشي والحجر الاسود
- ولماذا اشتهرت قرية الجشي مقارنة بقرى القطيف الاخرى؟
= الجشي من القرى القطيفية العريقة التي لها ذكر وشهرة في التاريخ القديم.. ويشير كتاب "تجارب الامم" لابن مسكويه الى ان زعيم القرامطة ابي طاهر الحسن بن سليمان الجنابي نزل في مسيرة من الاحساء للعراق عام 513هـ بموقع الجشي.. ويبدو انه كان لها شأن كبير عند القرامطة.
وبعد عامين اي في عام 713هـ أتى ابي طاهر بالحجر الاسود بعد ان اقتلعه من الكعبة المشرفة بمكة المكرمة ووضعه عند اشهر عيون الجشي لتعرف فيما بعد باسم عين الكعبة وماتزال اطلالها باقية حتى الآن.
كما ورد ذكر الجشي في سجل "قانون نامه لواء القطيف" الذي كتبه موظفو الدولة العثمانية عام 959هـ حيث تضمن ذلك السجل ان ايردات الجشي للدولة العثمانية تبلغ "3" الاف و"600" أقجة والأقجة هي قطعة صغيرة من الفضة ضربت لاول مرة عام 927هـ في عهد السلطان العثماني اورخان وكان وزنها خمسة قراريط وثلاث حبات اي ربع مثقال.
أيامي في النجف
- تشكل الاقامة بالعراق ردحا من الزمن.. محطة رئيسية من محطات حياتكم المديدة "باذن الله" فالى اي مدى ساهمت تلك المحطة في تشكيل ملامح شخصيتكم؟
= انتقلت مع والدي من القطيف الى العراق في عام 6531هـ الموافق لعام 5391م.. وتلقيت اولى دراساتي العصرية في النجف على يد الشيخ اديب النجفي الذي كانت اللغتان الانجليزية والفرنسية ضمن مايدرسه لطلابه.
وبعد التحصيل العلمي المبدئي بدأت اتعلم النحو العربي وعلم الصرف والبيان والبلاغة والمنطق والعلوم الشرعية على يد كل من والدي علي الجشي وعبدالله الخليفة الاحسائي وعلي منصور المرهون القطيفي.
كانت حياتنا في النجف بسيطة لكنها خالية من الهموم والمتاعب.. وكان التعاون والمودة شعارها.. وعلى ما اذكر وردنا في اول عام لنا بالعراق عائد محصول مزرعة النخيل التي نملكها بالقطيف وقيمته "180" ريالا اي ما يعادل "18" دينارا عراقيا. وخشية من الاسراف في الانفاق اودعنا ذلك المبلغ عند صاحب دكان للسلع الاستهلاكية يدعى محمد محي الدين وكنا نأخذ منه "50" فلسا يوميا للمصاريف اليومية.
كما كنا نستلم من ادارة النجف "3" دنانير للاسرة شهريا و"3" اقراص من الخبز لكل فرد من العائلة صباحا وظهرا ومساء.
في تلك الفترة كنا نسكن في بيت لجدي الحاج محمد الجشي بالنجف اوقفه ليدفن فيه هو وكل من يتوفى في العراق من اسرة الجشي علما بأنه كان له بيت آخر في كربلاء اوقفه لتقبل التعازي وسكن الزائرين من آل الجشي.. وبيت ثالث في ضاحية الكاظمية بقي ارثا لبنيه.
- كيف كانت الاجواء العلمية بالنجف في ذلك الحين؟
= كان الطلبة يلتقون في مجموعات كل مجموعة مكونة من ثلاثة الى خمسة طلاب يتولى كل يوم واحد منهم استعادة ما استوعبه من الدرس الاخير ويناقشه مع الاخرين.
وكنا انا وعبدالرضا صادق من النبطية بلبنان وباقر موسى ابوخمسين من الاحساء وعبدالحميد الخنيزي الذي ابدل لقبه فيما بعد بالخطي نجتمع في ليالي الشتاء بغرفة من الصحن الحيدري وفي الصيف امام تلك الغرفة لنتدارس مايستجد في الساحة الادبية والشعرية.
واذكر انني كنت اشتري الصحف المصرية من مكتبة عبدالامير الشريفي في السوق الكبير وآتي بها الى المجموعة لقراءتها والتعليق على ما يُنشر فيها من فكر وشعر والاستماع الى ما ينظمه بعضنا من شعر.
وفي وقت لاحق انخرطت في عضوية جمعية الرابطة الادبية.
ذكريات الحرب والرابطة
- ما مدى تأثير انضمامكم لتلك الجمعية على اهتماماتكم الادبية؟
= من الذكريات التي ماتزال عالقة في ذهني الثورة التي قادها رشيد عالي الكيلاني على الانجليز الذين كانت قواتهم تتواجد عند بحيرة الحبانية بالانبار قرب الفلوجة.. وكان الشعب ا لعراقي انذاك يكره الانجليز لغرورهم واستعمارهم وجلبهم اليهود للاستطيان في فلسطين.
وكانت الوسيلة الوحيدة لمتابعة اخبار تلك القوات البريطانية هي المذياع "الراديو" الذي لم يكن متوفرا للكثير من الناس. ولما اهدى الملك غازي مذياعا لجمعية الرابطة الادبية وضعته في ساحتها وصار الناس يتوافدون بانتظام على الرابطة للاستماع الى البيانات الحكومية العراقية وكنت واحدا منهم ولم يكن عمري آنذاك يتجاوز خمسة عشر عاما.. وتبع ذلك انتسابي للرابطة والانضمام لعضويتها.
ومن ابرز مهام تلك الرابطة الادبية تشجيع المواهب الناشئة واحياء المناسبات الدينية والاحتفاء بالذكريات الوطنية والتاريخية واستقبال كبار الزوار وتعريفهم بالبلد وتاريخه واقامة الصلاة معهم واذكر منهم الدكتور زكي مبارك والامير اليمني البدر بن الامام احمد بن يحيى.
وكانت الرابطة تشارك في الخدمات العامة فاثناء الحرب العالمية الثانية كانت المواد الغذائية متوفرة بكميات قليلة وساهمت الرابطة في الرقابة عليها واذكر انني كنت اراقب احد الخبازين في اوقات الفجر والظهر والمساء وهو يقوم بعجن ما خصص له من طحين حتى لايهرب به.
عبدالله الجشي..رحلة اللؤلؤ والقوافي
زعيم القرامطة أخفى الحجر الأسود في عين الكعبة فاشتهرت قريتي
3 مارس 2006 - 21:08
|
آخر تحديث 3 مارس 2006 - 21:08
زعيم القرامطة أخفى الحجر الأسود في عين الكعبة فاشتهرت قريتي
تابع قناة عكاظ على الواتساب
رصد محطاتها: صالح الفهيد تصوير: عبدالرزاق العوض