تحتفل الدول الاوروبية في مثل هذا الوقت من كل عام «الثامن من مايو» بذكرى انتهاء الحرب الكونية الثانية التي حصدت ارواح 60 مليون ضحية منهم 27 مليوناً في روسيا وحدها. والثامن من مايو يؤرخ له بانه الىوم الذي انتصرت فيه دول الحلفاء «الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا وفرنسا وروسيا الاتحادية وذلك عام 1945م حيث وضعت الحرب اوزارها.واذا كان الحلفاء يطلقون على هذا اليوم اسم يوم النصر فان ذلك اليوم هو النقطة الفاصلة التي انتهى معها الكابوس النازي بزعامة الفوهرير ادولف هتلر وهو رجل النازية غير الالماني ذو الاصول النمساوية والذي عينه رئيس الرايخ الالمان باول فون هيندنبورج كمستشار للرايخ يوم 30 يناير 1933.
منذ هذا التاريخ وحتى هزيمة ألمانيا عام 1945 شهد المسرح الدولى أبشع حروب القرن العشرين تحت ستار : محاربة البطالة والماركسية وخرق معاهدة فرساى التي اضطر الرايخ الألماني الى توقيعها بعد الحرب العالمية الاولى –1914 الى 1918 – والتي بموجبها فقد الرايخ جزءاً كبيراً من أراضيه الأمر الذي دعا الفوهرير الى تكليف رجاله بالنظر في امكانية تطوير المصانع الحربية حتى تستوعب عدداً كافياً من العاطلين الألمان الأصليين – أو الآريين – الى جانب تخطيط حربي يستهدف اعادة الاراضي الألمانية الى الرايخ الألماني بحجة – خلق مساحة كافية للألمان ليعيشوا فيها- وتطلبت هذه الاجراءات تعديلات تستهدف – الحكم المطلق والشمولى لهتلر ويمكن القول أن تاريخ 27 فبراير 1937 واحراق مبنى الرايخستاج – البرلمان الألماني – مكن هتلر من اعلان حالة الطوارئ في البلاد والانفراد بالحكم بعد وفاة هندنبورج ليتولى هتلر رئاسة البلاد ويصبح – الفوهرير – كما كان يطلق عليه .... ليبدأ حقبة ألمانيا النازية العظمى.
وقد حاولنا من خلال « خط التماس» أن نرصد صورة هذه الحقبة التاريخية الهامة التي كان لها بدون أدنى شك عواقب على مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية ... كما حاولنا من خلال لقاءات مع شخصيات عاصرت الحرب وشهود عيان أن نقترب من الحقيقة بقدر الامكان لا سيما وأن الكتابات المؤرخة للحرب العالمية الثانية كثيرة ومتعددة وربما تتفاوت فيها الحقائق ولكن يبدو أن الحقيقة الوحيدة من هذه الحقبة التي نقلتها أفلام هوليوود بشيء من الرومانسية – هي أن جنون الزعيم والفوهرير أدولف هتلر اسدل الستار على أكبر دولة في أوروبا منذ القرن الـ 19 وهي .. الرايخ الألماني ..الذي أسسه بسمارك منذ عام 1871 .....وأغرق الألمان في أكبر كارثة انسانية شهدها التاريخ المعاصر .
وامام هذه الكارثة قد يكون من المنطق بمكان طرح بعض الاسئلة.. هل كان هتلر بكامل قواه العقلية ... أم كان انسانا مصابا بجنون العظمة؟
لماذا لم تتمكن أى معارضة ألمانية من الظهور في هذا الوقت وهل صحيح أن الالمان أيدوا هتلر على مدى الطريق ؟
ما هي حقيقة محارق اليهود أو الهولوكوست؟
وهل صحيح أن القائد الألماني الكبير المعروف باسم « ثعلب الصحراء» أرفين رومل – طلب من الفوهرير الانسحاب أو الاستسلام ؟؟
ومن هم – جوبلز – وشبير – وكاناريس – أسماء صنعت مع الفوهرير تاريخ ألمانيا النازية كما أنها شاركت في الهزيمة وانهيار الرايخ الألماني بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى.
حرب بسرعة البرق
هتلر كان شخصية نرجسية.... كل ما يقوله بات دستورا للبلاد.. كان هتلر يحب «الكلام» فهو كثير الخطب سواء على منصة ميدان الرايخستاج في قلب برلين التي كان يرغب في أن يجعلها « أم العواصم» في العالم أو في ميونيخ ومانهايم وكان الشعب الألماني يستمع الى هذه الخطب باقتناع يفوق التصور يصاحبه تحية من القلب بل من قلوب الملايين للزعيم «هايل هتلر»!!
في احدى هذه الخطب قال هتلر لشعبه إن البطالة تهدد كيان ألمانيا وأن معاهدة فرساى قسمت البلاد وأنه هو ورجاله سيعملون ليعيدوا مجد ألمانيا ولكي يكون لكل ألماني مكان يعيش فيه هو وأسرته وأولاده وعمل يرتزق منه .. وعلى ما يبدو أن الألمان الذين هللوا للزعيم لم يكونوا على علم بأن طموحاته تعني الاستيلاء على بولندة – (اعادة أراضي بروسيا الشرقية التي فقدها الرايخ الألماني بعد الهزيمة في الحرب العالمية الاولى وانتقال هذه الاراضي الى بولندة)- للحصول على أراض كافية يعيش فيها الألمان حتى أن المراسل الصحفي الأمريكي- ويليام شيرير - في برلين آنذاك سجل تصريحات لأحد المقربين من الفوهرير وعضو الحزب النازي (هانس فرانك) قال فيها أنه يجب أن تجد أولا هذا الألماني الذي يعارض اجتياح القوات الألمانية للأراضي البولندية أو الذي يعارض تدمير بولنده..!
أما هتلر فقد أمر بتجريد الطبقة الارستقراطية البولندية وترحيلها من البلاد والابقاء على البولنديين من الطبقة العاملة.
ويوم الاول من سيتمبر 1939 بدأت خطة هتلر في اجتياح الاراضي البولندية بسهولة لاكثر من سبب:
أولا لأن هتلر ضمن الاتحاد السوفييتي وستالين بعد توقيع معاهدةعدم اعتداء بين البلدين مما أقلق كلاً من باريس ولندن وخيب أملهما في ستالين ولو الى حين ..
وثانيا: لأن خطة الاجتياح سبقتها - ألعوبة هتلرية – اذ قامت القوات الألمانية المتواجدة على الحدود مع بولنده «بتلبيس» رجلين متوفيين ملابس ضباط بولنديين وتم القاء الجثتين أمام محطة اذاعة « جلايفيتس» على الحدود البولندية الألمانية ما يشير الى أن قوات بولندية حاولت اجتياح الاراضي الألمانية مما يسمح بتحرك عسكري نازي لحماية ألمانيا ...
وبتاريخ الاول من سبتمبر بدأت السفينة الحربية الألمانية – شليسفيج هولشتاين – بضرب ميناء دانسيج البولندي في محاولة لاستعادة القوات النازية للمدينة الساحلية ولمنطقة بروسيا الشرقية التي انتقلت الى بولندة بتاريخ 1919
وبعنصر المفاجأة وهو من أهم عناصر الحرب النفسية المستخدمة تمكنت قوات هتلر بدباباتها المتطورة من خرق خط القوات البولندية التي فوجئت باعلان حرب لم تكن مستعدة لها ووقعت بولندة في يد القوات النازية .
في هذا التوقيت أعلنت كل من فرنسا وبريطانيا الحرب على ألمانيا النازية فيما بقى الاتحاد السوفييتي بزعامة ستالين في موقف المتفرج على الأحداث .. أما الولايات المتحدة فكانت لا ترغب في التدخل في أوروبا بعد الحرب العالمية الاولى الأمر الذي جعل الساحة متاحة أمام هتلر للاستيلاء على أراضي «الزوديت» في تشيكوسلوفاكيا واجتياح النمسا حيث هلل المواطنون لـ«هايل هتلر» تحية للفوهرير الذي عاد منتصرا الى بلاده وضمها الى الرايخ الألماني الذي أصبح يحمل اسم الرايخ الثالث.وبعد اعلان كل من باريس ولندن الحرب على ألمانيا النازية أعلنت كل من استراليا والهند ونيوزلندة الحرب على برلين الهتلرية وكان ذلك يوم 3 سبتمبر بعد يومين من اجتياح بولندة وفي يوم 6 سبتمبر أعلنت دول اتحاد جنوب أفريقيا الحرب على ألمانيا النازية فيما أعلنت كندة الحرب في 6 سبتمبر.
غير أن ذلك لم يثن عزيمة هتلر ورجاله لأنهم كانوا يخوضون الحرب ضد الماركسية تحت شعار «النصر للابد».
الجستابو
ومن أقوال شاهد عيان شارك أيضا في الحرب على بولندة أن الشعب الألماني كان يستمع الى هتلر كما استمع الاوروبيون في الخمسينات والستينات الى – ماريا كالاس- احدى مطربات الاوبرا العالمية .. وقال إن اتهام الألمان بأنهم أرادوا ابادة الشعوب هو اتهام في غير محله لأن مشكلة ألمانيا اتسمت في اعادة أراضيها التي تم «الاستيلاء» عليها بعد هزيمة الرايخ الألماني في الحرب العالمية الاولى وتوقيع معاهدة فرساي ... منطقة الراين أصبحت تتبع فرنسا ولكن هتلر اجتاح بقواته هذه المنطقة التي كانت تعتبر منزوعة السلاح وذلك في عام 1938 أى قبل دخول القوات الألمانية الى بولندة.
وأضاف يقول : أن جنون العظمة الذي كان يلاحق هتلر هو سبب هزيمة الألمان واعتبر أنها خسارة أن هتلر لم يستفد من حلفائه في ايطاليا حيث كان هناك محور فاشي هو محور برلين وروما – موسوليني وهتلر ...
وقال إن مسؤولية الهزيمة لا تقع على عاتق هتلر وحده وانما جهاز المخابرات – الجستابو – كان له دور كبير بجانب وزارة الخارجية في هذا الوقت .. ويقول شاهد العيان :
الجستابو والـ«E» – قوات نازية خاصة - كانت تنقل معلومات كاذبة الى الفوهرير – اذ أن هتلر لم يكن يحب الاستماع الى أنباء تزعجه .. حتى أنه حين جاء كاناريس رئيس جهاز المخابرات النازية الى هتلر وقال له أن القادة العسكريين يتوقعون حملة عسكرية واسعة النطاق من الجيش الأحمر – قوات ستالين – جاء رد هتلر : هذه أكبر أكذوبة منذ عصر جنكيز خان.لم يصدق هتلر أن غزو الاتحاد السوفييتي سيكون نهاية العصر الذهبي للنازية .. ولم يستمع هتلر الى تحذيرات العسكر والمخابرات الألمانية في عام 1942 ومنذ هذا التاريخ بدأ جهاز المخابرات والجهاز الاعلامي الذي تزعمه وزير البروباغندا جوزيف جوبلز الى بث نصف الحقائق حتى المعلومات التي كانت تصل الى هتلر يقال أنها كانت غير صحيحة.
الاستيلاء على وارسو
رغم مقاومة الجيش البولندي وقوات الفرسان للغزو النازي لبولندة تمكنت قوات هتلر من الوصول الى حدود العاصمة وارسو والاستيلاء بسهولة عليها كما سارعت قوات ستالين السوفيتية بمساعدة هتلر واجتياح الاراضي البولندية لأسباب أهمها التزام السوفييت بمساعدة هتلر بموجب اتفاقية عدم اعتداء اضافة الى عدم موافقة السوفييت على تواجد دولة بولندية على حدودها بالشكل الذي رسمته معاهدة فرساى التي فرضت على الرايخ الألماني بعد هزيمته في الحرب العالمية الاولى وأرغمته على التنازل عن جزء من أراضيه الى بولندة وفرنسا .. وبناء عليه فقد تم تقسيم أراضي بولندة بين موسكو وبرلين وفر القائد البولندي جنرال زيكورسكي مع آلاف من الجنود البولنديين الى غرب أوروبا حيث قاموا بتشكيل حكومة في المنفى وتحالفوا مع قوات الحلفاء ضد هتلر فيما يعد.
وبالعودة الى شاهد العيان الذي يقول إن النازيين أقاموا معسكرات – جيتو - لليهود البولنديين مثل « وارسو جيتو» وتم ترحيل العديد من البولنديين كعمالة لألمانيا كذلك ستالين رحل البولنديين لمعسكرات عمالة في الاتحاد السوفيتي وحدثت مذبحة قاتين الشهيرة حيث قتل السوفييت عدة آلاف من الضباط البولنديين
في هذه الاثناء بدأ هتلر يزداد ثقة وجبروتاً وبدأ يخطط للهجوم الأكبر.
في المقابل بدأت فرنسا وبريطانيا في تحريك قواتها الى مواقع عسكرية للدفاع عن أراضيها اذ لم تضع في الحسبان أى طموحات لغزو ألمانيا النازية حتى أن رئيس الوزراء البريطاني أرتور نيفيل شمبرلين كان يفكر في قطع الطريق البحري على قوات هتلر ( شمبرلين شارك في توقيع معاهدة ميونيخ مع موسوليني وهتلر التي سمحت لألمانيا النازية الحصول على منطقة الزوديت رسميا من تشيكوسلوفاكيا وبناء عليه تجنبت فرنسا وبريطانيا اشتعال الحرب ... غير أن الطمأنينة لم تطل وقعت الاتفاقية يوم 22 سبتمبر 1938 في جبال الألب في «أوبرسالسبرج» مقر هتلر في مدينة برشتسجادن جنوب ألمانيا على الحدود مع النمسا).
ومع تزامن هذه الأحداث كانت بروباغاندا جوبلز تنتشر على أشدها في جميع أنحاء ألمانيا ... المؤرخون يتحدثون عن حملات اعلامية لغسيل الادمغة ... كانت مهمة جوبلز هو اغراق الشعب الألماني في عقائد ومفاهيم لا تسمح بمكان لغير الألمان ... كان جوبلز لا يشك في الفوهرير فكل ما يقوله هتلر هو الحقيقة المطلقة ورغم أن جوزيف جوبلز حصل على الدكتوراه على يد بروفوسور ألماني يهودي وهو فرايهير فون فالدبرج في جامعة بون عام 1921 الا أنه أول من بدأ تنظيم حملات الدعاية ضد اليهود والموالين للتيار اليساري في ألمانيا .... وكما هو الحال للنظم الديكتاتورية كان لا بد من جهاز اعلامي قوي يرافق هذا النظام ولا يسمح بظهور أى معارضة وكان د. جوبلز وزير الدعاية في عهد النازية ومعه هاينريش هيملير نائبه من أكفأ الشخصيات التي مهدت طريق هتلر حتى اذا كان الطريق وعراً أو غير مستقيم .
بعد مرور 60 سنة على الحرب العالمية الثانية كان من الصعب أن نلتقى شخصيات عاصرت هذه الفترة ولكن وفي احدى ضواحي برلين وفي مبنى للعجائز التقينا بأحد الضباط القدامى – هاينريش سيجلير- الذي بدأ يحدثنا عن الجبهة الغربية منوها بأن نزعة الحرب والاجتياح كانت هي التي تسيطر على هتلر ورفاقه وكان أقرب المقربين اليه في هذه الحقبة هو ألبرت شبير – مهندس الرايخ النازي- ووزير التسلح والمصانع الحربية .
كان هتلر بدأ يخطط لاجتياح الجبهة الغربية اذ أنه كان يطمع في الوصول الى باريس وكانت هناك خطة حربية تستهدف الاتجاه عبر هولندة وبلجيكا الى فرنسا غير أن الخطوة الاولى كان هدفها وصول المواد الخام للمصانع الحربية وبدأ التخطيط لغزو الدانمرك والنرويج ... ورغم أن ألمانيا النازية كانت تحصل على 40% من المواد الخام من السويد الا أن النازيين احترموا وضع السويد المحايد واكتفوا بضم الدانمرك في فبراير 1940 ثم النرويج مع احتفاظ البلدين بكيانهما الدستوري .هذه العملية أطلق عليها «عملية فيلفريد» ... وهي تشير الى تكتل القوات البحرية لفرنسا وبريطانيا على الحدود البحرية للدانمرك والنرويج ...وفي هذه المرة تمكنت البحرية الألمانية من التلاعب على – عملية فلفريد – وتم ضم الدانمرك والنرويج الى الرايخ وضمن هتلر وشبير تزويد المصانع الحربية بالحديد والصلب والرصاص.
الحرب الكونية الثانية جنون الرايخ .. مأساة القرن العشرين (الحلقة الاولى)
الفوهرر كذبة التاريخ التي أحرقت نصف العالم
8 مايو 2006 - 19:26
|
آخر تحديث 8 مايو 2006 - 19:26
تابع قناة عكاظ على الواتساب
ترصدها: عهود مكرم

