أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/239.jpg?v=1766066191&w=220&q=100&f=webp

علي بن محمد الرباعي

من التبكيت إلى التنكيت

كان أحد المعارف في زمن الدراسة؛ يعشق الضحك؛ وإن دون سبب؛ فهو كائن ضاحك؛ وإن تعرّض لمظلمة تعالت ضحكاته؛ ولو انضرب في المدرسة يعود إلى طاولته يقهقه؛ بل حتى وهو في سابع نومة ترى ملامح وجهه منفرجة الأسارير؛ وعندما تأتيه نصيحة من كبير أو كبيرة سِنّ؛ بأن كثرة الضحك تُميت القلب؛ يردّ ضاحكاً؛ قلبي ميّت من زمان، فيأتيه الردّ؛ الله يهنيك بقلبك.

وقديماً كان لحضور كبار السن الوقورين في حياة الناس هيبة؛ وكانوا سُلطة يبكّتون كل من يخرج عن النص في مجالسهم؛ ولا يغفرون لمن يتطاول بعبارة أو إشارة؛ وينعتونه، بأقبح الصفات؛ ولو ضحك دون سبب؛ يسمع (ما يضحك إلا الهائمات من النساء وإلا رجالٍ ما تداري العاقبة).

وشخصيات البشر كانت ولا زالت تتوزع بين تراجيدي، وكوميدي؛ وبهلول، والبهلول يوصف بأنه من العارفين؛ وله كرامات، ودعاؤه مُستجاب كما كنا نسمع. ومن الشخصيات الخالدة في الذاكرة (المسحور) وكان شاباً وسيماً افتتنت به بائعة متجولة، فسحرته ليتبعها؛ إلا أن أهله كانوا حريصين على مداواته لدى الفقهاء، ولكنه لم يُشفَ، واحتفظ بمهارة النقد الساخر. وعندما توفي والده تزوجت أمه بعمّه، فقال له أحد الملاقيف؛ مبروك زواج أمك، فردّ عليه؛ عقبال أُمّك.

ولم يكن يحتدّ كبار القرى، أشدّ الاحتداد إلا على خفيف الظلّ، ويعدونه خطراً على نسائهم وعلى قراراتهم. ويلقبونه؛ بمضحك الحريم، ولُبانة اللوطة؛ ويحذرون من دخوله لبيوتهم في غيابهم، وكانوا ينقمون على بعض المُدرسين العرب، الذين كانوا يعتنون بأبدانهم وشعورهم الطويلة، وكان أحد المعمرين متزوجاً بسيدة شابة وجميلة، وكلما لاحظ تحركات للمعلمين، يقطع شغله ويعود للبيت داعياً على من ابتلاهم بهاذولا الأوادم اللي كما التفاح، ويقول؛ بيوزوني ابتني لي محجاة سدة الباب.

وبالطبع كانت النكتة أو التعليق الساخر، يأتيان عفويين وغير متكلّفين، ويبقى الصدى يتردد ويستعاد، ويراعى فيه فنّ القول، وعدم الابتذال أو الإسفاف، والبعض ينكّت على نفسه. وكان قرويّاً ساخراً يستفز العريفة بتعليقاته ومرة سمع أن العريفة نوى السفر إلى مصر ليركّب أسنان، فقال له؛ صد لك قرد وركب رأسه محل رأسك أوفر لك من السفر، كما تصدر النكتة عن رئيس ومرؤوس؛ ولعل من قديم النكات الواردة على لسان حاكم؛ جاءت جواباً على حلاقه الثرثار، فعندما سأل الحلّاق الحاكم؛ كيف يريده يقص له شعره، أجابه: «في صمت».

ولم تغب النكتة السياسية عن الفضاء العربي، ومن ذلك؛ أنّ عربيّاً زار صديقه في بلد عربي؛ ولأن الضيف مهندس سدود، سأل صديقه؛ إيش أشهر سدّ عندكم؟ فأجابه؛ سدّ فمك. ومما يروى عن أحد المثقفين أن مسؤولاً طلب منه يقترح اسماً لأحد السدود، فقال له؛ سدّ الخير، وأحد الطلاب في بلد عربي تأخر في صالة الامتحان عن الوقت، وهو لم يُجب على أي سؤال، فسأله المراقب؛ عن سبب تأخره، فقال؛ أحاول فهم الأسئلة، فقال المراقب؛ ساعتين تحاول أن تفهم، فعلّق الطالب؛ استكثرت عليّ ساعتين والرئيس الذي حكمنا ربع قرن لم يفهمنا إلا في آخر نصف ساعة من عمره الرئاسي.

لا ينتقد المقال النكيتة، إلا أن بعضها مستهلك، وبعضها ثقيل دم، والبعض كلما لقط نكتةً من هنا أو هناك، أعاد بثها وهو يضحك ببلاهة. وليس طبيعياً أن نتحوّل جميعاً في عالمنا العربي إلى (نكتنجية) ومضحكاتية، وإن حدث فربما تكون هناك أسباب يرصدها علماء الاجتماع. والنكتةُ لا تعد بذاتها مستهجنة، بل يأتي الاستهجان من غثاثة روح الناقل أو القائل، وتاريخيّاً دوّن فقهاء كُتب المُلح، والقصص ذات الحكايات الطريفة التي كان يتسلى بها الناس في مسامراتهم، ولا غنى للنفس عن سماع ما يبهجها ويعزز مناعتها، شرط ألا تكون سبباً في أذيته؛ فأحد النخب الخليجية زار رئيس دولة (كثير حماقات)، بمناسبة انعقاد مؤتمر، وعندما انتقل مع السائق قاصدين خيمة الزعيم، مروا بسور طويل، فسأل السائق؛ ماذا خلف هذا السور؟ فأجابه؛ مصحة الأمراض النفسية، وبمجرد انتهى السلام على الرئيس، ابتدر الضيفَ بسؤال؛ ما أبرز ما لفت انتباهك في عاصمتنا؟ فأجاب بثقة وبنوع من المزاح المُبطّن؛ مصحة الأمراض النفسيّة، فنهض محتدّاً، وتبعته حاشيته؛ وظلّ الضيفُ وحيداً لساعات ينتظر مصيراً مجهولاً.

منذ 4 ساعات

أنا يا شُعّار ما جيت للقروش

جمعت الصعلكة بين صديقين وألّفتْ بين مشاعرهما؛ أحدهما شاعر، والثاني متذوّق ومُتسلّق؛ وفي منعطف الصُدف؛ لعب الحظ لصالح المتسلق، وتم اختياره مسؤولاً؛ فتنسّكَ، واجتهد لمحو صورة ماضيه الأسود؛ بالرسمنة والنفشة؛ والتشخيص واصطناع الوقار؛ فبلغ النبأ السار صديقه الشاعر، الذي كان قد وقّع معه الفقر عقد شراكة طويل الأمد؛ وضاقت عليه أبواب الرزق بما رَحُبتْ، فقال في نفسه؛ نوصل الرجال، منها تهنئة وتجديد عهد؛ ومنها نشرح له الحال؛ ولن يبخل بحكم العيش والملح، وبحكم سعة اطلاعه؛ اختار من عيون الأدب حكاية تتضمّن حواراً أدبياً دار بين أعرابي ومعن بن زائدة، فقال في نفسه لعلني ببركة ما ورد في الحكاية من أبيات أظفر من صاحبي بحق السفرة، فرتب نفسه، وأقبل مع غيره مهنئاً وشابراً كسوة، ولما توسط المجلس قال؛ أتذكر إذ لحافك جلد شاة، وإذ نعلاك من جلد البعير

فردّ عليه المسؤول؛ ما صدقت.

فقال؛ فسبحان الذي أعطاك بنكاً، وعلمك الجلوس على السرير.قال؛ ما يعطي إلا مستحق.

فقال؛ فلست مُسلّماً إن عشتُ دهراً، على شروى بتسليم وقور. علّق؛ جعلك ما تسلّم لين تقوم ناقة صالح.

فقال؛ سأرحل عن بلاد أنت فيها، ولو جار الزمان على الفقير. قال صاحبه؛ الساعة المباركة.

فعرف أن الرجال ما نوى يفرّحه، فسكت وقعد في آخر كرسي بالمجلس، وعندما خرج المهنئون وبقيا لوحدهما، اقترب منه وقال؛ في خاطرك تحرجني يا سرسري قدام الخلق؛ قم اقلب وجهك وخذ الباب معك، فخرج منكسراً وندم على الفكرة التي لم يكن ختامها أجمل من مبتدئها.

وفي منطقتنا استغل أحد شعراء المناسبات، ذهاب القرية لمعايدة شيخ قبيلة، ورافقهم لتهنئة الشيخ بالعيد، وكان مالي يده من الكسوة، أو الظفر في الحد الأدنى بـ (صحّ لسانك)؛ فارتجل قصيدة مئوية مطلعها؛ (يا الله لا تجعل لساني يكلكلي، ما دام بيري عِدّ تغتر ودلوي ممتلي)، ثم اختلطت عليه ونشب فأشفق عليه الشيخ، ورقّ له قلبه، وعطف على حالته فقال؛ ما قصّرت وإن شاء الله إذا ظهر في العائلة شاعر نجيك إلى بيتك، ونرد لك القصيدة بقصيدة، وعندما عاد لزوجته سألته؛ بشّر؟ فقال؛ الحمد لله إنه ما احتط مشلحي من فوق كتفي.

الشّعرُ وجه آخرٌ للكلام؛ لا يمنح مفاتحه إلا لمن أخلص له، ولم يُشرِك معه غيره، وأبلغ قول الشاعر الكلام الذي ليس مثل أي كلام، وأعلى مراتبه؛ الكلام الذي عليه الكلام؛ وذاك لا يُجيده إلا النوادر ممن هاجسهم حفر الأعماق للوصول إلى صفو النبع وإن كان وحيداً ونبعه على قدّ ظماه. ومن القصائد قصائد خالدة، إلا أنه ليس كل الشعراء يُشغلهم الخلود، فالبعضُ يكتفي بمقابل مالي يحسّن الوضع المعيشي، والبعضُ كما قال أمل دنقل (يعيشُ منتصباً، بينما ينحني القلب يبحث عمّا فقد، والبعض يمضي به العمر منحنياً باحثاً في الطريق عما يقيم الأَوَد).

ولم تكن تكتمل مناسبات الزواج في القُرى، إلا بفلكلور العرضة، وكانت لكسوة الشاعر أولوية من ميزانية العُرس، وعلى قدر ما يخمّن من كسوة ينبري للمديح والإطراء، ويستغرق في إطلاقه الأوصاف الحقيقية والمُبالغ فيها، وصاحب الحفلة يعرف قدر نفسه أكثر من الشُّعار، وبعضهم لا يتورّع عن الخداع؛ فأحياناً يكبر الظرف، ويضع فيه مبالغ من فئات ورقيّة صغيرة لتبدو كثيرة، وإذا انتهت الحفلة وتفرق الناس تنكشف حقائق مؤلمة، ويترقب الشاعر المكلوم، فرصة لينتقم لكبريائه المجروح، وكثيراً ما وردت مفردة (أبو نواس) في الأبيات كناية عن الحيلة.

وكنتُ ولا زلتُ ألتمسُ العذر لتملّق الشاعر الكبير المتنبي، فالفنان رأس ماله موهبته؛ وربما كانت مصدر رزقه، ولعل أبو الطيب من أوائل من فتح للشعراء باب الشرهات على مصراعيه، كما جاء عنه مع (كافور) الذي جعل منه أسطورة ورفعه عالياً: بقصيدته التسوليّة:

لَحا اللَهُ ذي الدُنيا مُناخاً لِراكِبٍ

فَكُلُّ بَعيدِ الهَمِّ فيها مُعَذَّبُ

أَلا لَيتَ شِعري هَل أَقولُ قَصيدَةً

فَلا أَشتَكي فيها وَلا أَتَعَتَّبُ

إِذا تَرَكَ الإِنسانُ أَهلاً وَراءهُ

وَيَمَّمَ كافوراً فَما يَتَغَرَّبُ

فَتىً يَملَأُ الأَفعالَ رَأياً وَحِكمَةً

وَنادِرَةً أَحيانَ يَرضى وَيَغضَبُ

أَبا المِسكِ هَل في الكَأسِ فَضلٌ أَنالُهُ

فَإِنّي أُغَنّي مُنذُ حينٍ وَتَشرَبُ

وعندما لم ينل ما أمّل، ويئس منه، خسف به وبداره الأرض مجازاً؛ بقصيدة:

أُريكَ الرِضا لَو أَخفَتِ النَفسُ خافِيا

وَما أَنا عَن نَفسي وَلا عَنكَ راضِيا

تَظُنُّ اِبتِساماتي رَجاءً وَغِبطَةً

وَما أَنا إِلّا ضاحِكٌ مِن رَجائِيا

وَتُعجِبُني رِجلاكَ في النَعلِ إِنَّني

رَأَيتُكَ ذا نَعلٍ إِذا كُنتَ حافِيا

وَمِثلُكَ يُؤتى مِن بِلادٍ بَعيدَةٍ

لِيُضحِكَ رَبّاتِ الحِدادِ البَواكِيا

وعندما أراد أحد شُعار العرضة الشعبية نفي تهمة الطمع المادي عن نفسه؛ و(الشعراء يقولون ما لا يفعلون) صدح في عرضة بمطلع (أنا يا شُعّار ما جيت من شأن القروش) وكان أحد النقاد الساخرين يجلس جنب الزير يسمع ويحفظ ويحلل، ويعلّق بسرعة بديهة وصوت مسموع فقال؛ أجل وش جيت له تدغبس؟!

00:00 | 31-07-2026

بيش تعرف ربك..

قطع صوت الدقّ نومة (ورطان)، فنهض مردّداً: كل ما شافتني هذي المخلوقة باغفي وانتسم لي ساعة، قامت تقربع وتقرقع، وتنبّش وتفتش لها على شغلة تنكد بها عليّه بنت نيصان، كنّ دقّها وسط رأسي، سحب الباب، وإذا بها محتضنة المهراس بين قدميها، والوِدِي بيدها، تدق حِنّا، اشتله بحناه وحدحد به من ركن جناح يطل على ساحة المسيد، والفقيه والأولاد في الظلة يتحفظون جزء عمّ، صاح الفقيه، الله يجعل ايدك بالكسر يا من حذفت، بغيت تغديني أنا والورعان رُمعه.

لزم (ورطان) الصمت، ومرته نزلت تلاحق مهراسها. مدّ نظره إلى حوش (جلاب الكباشة) وإذا هو في فيّة الحماطة، وصبيّته قبالته، اشتل عمره ووجّه، وما هلا استقعد، قالت زوجة الجلاب (من جا بدون داعي يقعد بدون فراش) لمح في زوجها وفي خاطره بيردّ عليها، لكنه اكتفى بصب فنجال من المصفاة، وقرّب منه صحن بلح رنيَه، فقال، ودّنا ببراد شاهي شيره، فحرّك الجلّاب رأسه، وقامت الزوجة وهي تزرم مرددة، أُخرى بعد يتشرّط أبو صندحة كما زبرة الصانع.

لفّ عمره، ونشد، اسلم وش هذي الخطوة اللي جرّتك ويلينا؟ ردّ عليه، لك الله اني تحاليت البُراد يهب من الخلف، وغفيت وما غطت عيني إلا وبنت نيصان تدق، دقوا محاشم أبوها فوق هضاب الصُنّة، علّق الجلاب ليسليه، ما يعطي من بنات فاطمة إلا الله، ودخيلك فيها لا تصخاها ترى وقفتها معك ما يوقفها أخوك ولد أمك وآبوك، لو ما غير تشطّي وتقصّب وتعفّي وتصرم وتديس، وتفزع مع اللي يحفظون الجميل، والعاقل خصيم نفسه، فقال، يا الرفيق أنا ودّي بحُرمة كما السبع العادي، ما هب كما هذي تتضيمر كما الأفعى وتتسلبى كما الشبّارة، ولو لقصتك لقصتها والقبر.

نقل الجلاب المسند على شماله، مع حطت البراد الشاهي، فرفع الغطا ونكّسه مرتين ثلاث، وحط الفنجال عِقال فيصل على (عُنق الغوري) وقال خله يخدر، وقابل صاحبه بالوجه قائلاً، لا تجحد الفضل، والله إنها مودمانية، ولا هي دون شيء، صليبة راس، ولولا الله ثم هي، يكنّك قد بعت تركة أهلك بالباع والذراع ولما بقّى منها رباع، وتبسّم وأضاف، ليتك تلمح في هيالتها وجسامتها وأنت كما القُراد في قعر البعير، ثمّن تمقّل هذي اللي معي تخرع طايفة من الجنّ لك الله لو ما اغمض عيوني لتموت همّتي، وغمزه في فخذه الأيسر، مضيفاً، تحسبني مدري عنك يا فحل البساس، لو ما لقيت عندك بنت نيصان ما يكيّف راسها، تكون قد زقت بك لام الدمون، وبدأ يقصّد (يا حيّ لي يا زكي كرام، اللي يشرّف لنا المقام، يهبد كما هابد الغمام، يدعق عضايد في الظلام، ويروي البلاد المسنيّة) فالتقط (ورطان) عوداً يابساً، وكسره ورماه باتجاهه قائلاً: (كسرت في عينك عود، وثوّرت في عفلتك عبرود، والشرّ ما يعود).

باءت محاولات الفقيه لإقناع (ورطان) بحضور دروسه في المسجد بالفشل، قال، باعلّمك أمور دِينك، واحفظك الأصول الثلاثة، رفض وقال، إن كان تشبرني في مدّ حنطة ليت لي في اللي عندي (كما الدبا الحنان يقضم الأخضر واليابس) حلقي مليان سفان تقل في بطونهم يمنه، وبلادي كما آذاني الفار، لا تعبي الشدوق، ولا ترتق الفتوق، والحالة حالة والعيشة نخالة، ولكي يكسر شوكة الفقيه ويسد نفسه عن مطالبته بحضور الدروس، أضاف، وأنا أعرفك وأعرف مواريك ومساريك، يا حرامي القدور، وفادع الخدور، وشاهد الزور، وشنهي فقاهتك اللي ما جمّلتك من أبوك وأمك ماتوا يدعون عليك، خصره الفقيه وانكلت من ثغرة المسراب وكنه ما سمع شيء، وفي نفسه يقول، الله لا يجعل واحد منهم يتعلّم أنا كما اللي يقوّز الرمادة.

صحي (ورطان) فجر الخميس، نشدته زوجته، وين بتلقّي، جاوبها، باهبط، فقالت ساخرةً، تهبط تسعّر الحنطة والا تصرف الجنيهات؟ ردّ بصوت منكسر، نمدّ الساق وربّنا الرزاق، هبط يجرّ الخُطى، لا في ثمّه ولا كُمّه، في خاطره إن الله يسخّر له ابن حلال يفك زنقته، فالتقاه بعض الوعّاظ الصلفين، وكانوا يختارون عينات عشوائية من المتسوقين لامتحان سلامة عقيدتهم، ولكي يتأكدون أن الفقها يدرسون جماعتهم في كل قرية، نشدوه، وش اسمك، ردّ، (ورطان)، ما عجبهم الاسم، ولا الخِلقة تقطع الخميرة من البيت، ولا الهيئة الرثّة، فطبّلوها بسؤال، بيش تعرف ربك؟ جاوبهم من واقع الحال، اعرف ربي بالفقر، فاستلموه بالجَلْد لين بال تحته، وهو لا يدري لماذا يجلدونه.

تفقد أعضاءه، وتلفلف عماته وعدّل زنوبته، وصدر، وعيناه في السماء، وفي داخله نشيج وصدى يسخر ويعاتب، مدّ الساق وربك الرزاق، جاك رزقك اللي ما وراه، فصعبت عليه نفسه، وانفرط يبكي، ولحسن الحظ لقي لي وكر ماء، فغسل وجهه، وحلف ما يروح البيت، بتتشمت فيه المرة وهو ما عاد في صدره سعة لمخلوق، راجع حساباته، وقال، ليتني رقدت وسمعت كلامها، لكن الخطل ما تنحني قرونه، لين يلبونه بالشون بين عيونه.

وهو فوق الكظايم، أقبل عليه شقيقه (شرطان) بجمله القرحان، وطلب منه يسقيه، قائلاً، ياخه جاني ضيفان، وغداكم من غداهم اسق الجمل، وفي الركيب حطب شدّه فوق ظهره وهو بيسدك، اعتذر منه وقال: دخيلك حِل عني، ما اعرف للجمل وش ادراني بالجمّلة، تدخّل به لين وافق، وقال، ما بيكربك دروب الجمل: دلّه ع الما وهو بيشرب ونوّخه وحمّل الحطب، وما صدّق الجمل المستفزّ إن ورطان ملقيه ظهره، يجمط في الحبق، فأصدر هديراً، التفت له، وتناوله بكَرَبته، وكرّبه وهشّم عظام لحييه ولو ما هي حماته (خضراء) فزعت وفرّعت بشعرها قدام الجمل، فهكب وفكه ما في عينه قُطرة، وما روحوه إلا يزفونه، وكانوا يسامرونه على أنه ملقّي، بغوا يذبحون الجمل فحندر فيهم، يعني لا تذبحونه، وطلبوا في الفقيه علي بن صالح، فجبّر لحييه وركب له محقن ومدّ ليّاً إلى حلقه، يحقنونه بالفريقة واللبن والسمن، والرجال مقصمر، ومن كثرة الحقن، تعافى وانتفخ لين غدا كما الشكوة المنفوخة، والفقيه يتبدى عليه من الكُترة ويخرج له لسانه، بيش تعرف ربك ذلحين؟.

00:00 | 24-07-2026

محرّق العِشاش خرج منها بلاش

وُلد (مسعوط) برأس كما رأس النيص، وسيقان كما قلاميز الجرادة، وبراطمه كما مبعر الفلوة، لا قمط على ديس أمه يمتص حليبها لين تذلي ديوسها مشلاه؛ وحلفت جدته ما يتم الدور لين يدفنونه في المقبرة. تعاطفت معها نساء القرية، وكلما أرضعته واحدة منهن؛ ينيّبها؛ لين حلفن ما عاد تطب حلماتهن في حلقه لو كان نفسه فيها؛ ومرّت بهم منجّمة فأخذته في حثلها؛ وسرعان ما أعادته لحضن أمه وهي تردد؛ يجعل شرّك حوبك، ومضت الأيام وكبر هو والفتنة سوا؛ وتسمّى (محرّق العشاش) لأنه كان يخلّي الحماية لين يروحون، ويولّع في عششهم التي تحميهم من شمس الظهيرة.

غاب المحضّرة في العقيق؛ طيلة موسم جني تمر النخيل؛ وبعد أسابيع؛ أقبلت الجمال مغرباً؛ محمّلة بعِدل وجواليق؛ ما يزوع الواحد منها إلا رجّال بينفقع من خشمه من العافية؛ طلب العريفة منهم يبرّكون الجمال تحت الجناح؛ واللي بيته قريب يروح لاهله؛ ومن كان من قرية غير القرية؛ ممساه وعشاه في بيت العريفة؛ ولأن (محرّق العشاش) لا يهنأ له طعام ولا منام لين يوشّي فتنة، ويصبح يدفى على واريتها؛ حرّش واحد من الجمّالة؛ وقال؛ إن كان ودك تسلم من جماعة (دُبي هلم) فاسر بتمرك بيرخصونه ويتقاسمونه وانت تلمح وما تحقّ عينك لا قليل ولا كثير؛ أهلك في حراك وحضرتك سوّقها في سوق أبو مرزوق؛ والجمّال ما هوب خِطل؛ أوهمه أنه اقتنع بكلامه؛ واستدرك قائلاً؛ نسيت كمري وغليوني، باعوّد آخذها، ولقي العريفة قد حط ثوبه وغطى به على محاشمه؛ وقاعد يتبرد في الطيرمة؛ ونقل له ما جرى من (محرّق العشاش) ردّ عليه؛ إن كان ساموا التمّارة بخراج فبع، والا انحى السوق قدامك، برد وجه (محرّق العشاش) وهو يسمع الحوار بينهما؛ فتناوش المساريب، وصل بيته وما جاه نوم؛ حدّ الليل يمخض ويزبد، وتيقن أنها حاطت به بقعا، فقال لنفسه؛ مالها إلا أجيب واحدة أكبر منها، تنسيهم الأولة والتالية.

سمع الأذان فقام توضأ، وهو يردد؛ يا الله في هداك وما يرضيك، لقيهم قد قاموا الصلاة؛ فأتم صلاته؛ ثم انتظر الفقيه يخرج؛ واقترب من المذّن؛ وقال وش هذي الهروج اللي يتناقلنها النسوان؛ التفت فيه؛ وقال شنهي هروجه؟ فجاوبه؛ قال يقولون أن الفقيه يقول عن أمك هروج ما يصدّقها عاقل؛ فقال؛ ها وش قال؟ يقول إن أمك يوم مات أبوك وجو يغسلونه؛ طلبت طشت غسال الجنازة وتروّشت به عشان يخرج حبه من قلبها؛ وتتزوج الظليفي، لمح فيه المذّن؛ وتلفّت ما شاف أحد معهم، همّ يلطمه على وجهه، وخاف عواقبها فقام وأفلح وخلاه.

خرج يدوّر له قشاش يشب به فتنة، ولقي العريفة مع شرقة النهار، يتخلى لحمارته المجنونة؛ ويصرم لها عثرب؛ فقام يناغش، ويلمّح للعريفة بكلام يسوّد الوجه؛ ويقول (ذُب عير اضربني إن كان فيك خير)، توسّع له العريفة والمحش في يده؛ وخشي يرتكب جناية في ذماه؛ فاشتله على كتفه وقلطه في رباع مليانة بالحُرّاق؛ وقّع على ظهره فوق طلحة؛ ولسعه الحُراق وقام يوحوح؛ ويحك قفاه اللي طبزه الشوك؛ والعريفة يضحك ويقول؛ يُحرم ما سمّوا بالرحمن.

انتظر المذّن إلى الضحى، ودردب خطاه على بيت العريفة، ولقي الجمّالة والتمّارة في مساومات، أشار العريفة بعصاته على جالوق وعدلة من البيعة، وقال؛ هذي تحلون بها مجلسكم، وطلب من ولده (بختان) يسحب خريطة ويوزع تمرها صدقة على المستحقين والمستحين، ولاحظ أن وجه المذّن كنّه تلّيك مصبوغة بقطران، انتهز فرصة انتهاء المزاد، فانتحى بالعريفة جانباً وقال؛ غِلط عليّه ولد (مفليّة القرود)؛ قطع فيه النظر، ثم قال؛ إن كان محرّق العشاش نقل لك النمّة فلا تصدقه؛ ردّ؛ يا عريفتنا ما يجي علم من تحت حجر؛ ما يجي إلا من سوق وإلا من نقنوق، عذ من الشيطان كررها العريفة؛ إلا وهذا الفقيه مقبل عليهم قرص بوسن وبكرج حليب من حليب معزاه؛ حلف المذّن ما يحلّ له ولا يطب بطنه؛ والعريفة شدّه من كفّة ثوبه؛ شدة من قلبه مردداً ؛ إخ إخ؛ فجلس؛ والفقيه ما يدري وش العِلم عليه، أكلو قرصهم وشربوا الحليب؛ وترع العريفة فقال؛ كباب وبنت شباب؛ سمعت زوجته فقالت؛ إلا شبوبة تشبّك من راسك إلى ذنبك، فانبسط الفقيه وكركر، خشي العريفة على هيبة مقامه فقال؛ خلونا في هرجتنا، فقال الفقيه؛ أي هرجة؟ ردّ عليه؛ رفيقك يقول وصله كلام إنك تلحّقتْ أمه؛ فقال؛ بيش تلحقتها؟ فقال المذن؛ أدري إنك معك محقرة عشانها أبت منك، وقمت توّلف الروايا، علّق؛ يا سبعة يناه، أمك كما حلّة القشم المعفّطة، والله لو تعرضها بلاش ما تسن لي، ولو كانت منشفة ما أمش بها فطحتي.

تيقن العريفة أن (محرّق العشاش) ما بيتوب لين تجيه محوّقة البراطم، فقال للمذن والفقيه؛ هذا المخلوق ما يسدنا فيه إلا شاعرنا، وتعالوني سوا بعد العصر؛ وإن شاء الله تجيك يا مسعوط؛ كيّة تضوطك ضوط؛ بين الشطوة والعضروط، أقبل المذّن والشاعر، وتأخر الفقيه، فقال العريفة؛ اللي يجي متّلي يستريح ويقعد عند مرته، قال؛ كانت بنت أختك تدهن ظهري بشحم النمر، قطعت ظهورنا بالتمر شل وطّ؛ فقطع الشاعر المناوشة بقوله؛ وش لي إذا ريحتكم منه؟؛ قالوا؛ من كل واحد مُدّ قسبة، وكيلة دخان؛ عليها بنينا.. عليها بنينا؛ فأكمل؛ مسعوط طماع، والطماع تغدي به طماعته؛ وانحن بنجتمع ونقصّد؛ والفقيه ياهب للقصايد معاني؛ ويمررها لمحرّق العِشاش؛ ولكم عليّه لأريّح البلاد والعباد من أذاه؛ وتجمعوا للسمرة عند العريفة؛ وأخذ الشاعر مسعوط معه؛ وبعد ما رشقت الدلة؛ بدع؛ (يا سلامي يا بعيدً وقرّبناه؛ ما ينصّب لكن اليوم نصّبناه؛ لو ندر للبير خذ له جواهر بيده؛ ما شكى من فقر جيبه وفيلسان).

وهم سارين نشد الفقيه؛ وش يقصد الشاعر؛ قال؛ رزقك في بير شُعب الشطب، فيها ثعبان يحط كل ليلة جوهرة على وجه الماي تبدي لحظة وتغيب؛ بكرة بعد العشاء بنندرك بحبل، ومن ساعة تبدي ألقطها واطلع بسرعة البرق. قنع بالفكرة، فأقحموه في البير وافلحوا وخلوه، وأقبلوا عليه صبح يوم تالي، ولقيوه منبطح في القف، وعيونه بتخرج من راسه؛ نقلوه لمستشفى خارج منطقته، ليقضي بقية عمره بين أوادم لم تسعفهم أرواحهم للتصالح مع واقعهم.

00:02 | 17-07-2026

جيعان الاشتراكي وشبعان الرأسمالي

أصبح وجه القرية (شاحباً) على غير ما كان عليه بالأمس، ولبست الملامح الراضية أقنعة التوتر والقلق؛ إذ قلّما اجتمع في موسم واحد؛ يباس الفرع؛ وجفاف الضرع، واختلاف الطبع، وزادت الطين بلّة؛ حادثة ألقت بثقل ظلالها على الجميع، برغم أن المتسبّب وافد؛ إلا أنه صار كل واحد خائفاً على نفسه ويدوّر الفكة؛ ولو بالسفر إلى غير وجهة.

وكاد المرجفون يلصقونها التهمة في ظهر الغلبان (جيعان) المحسود على تركة خلّفها أسلاف ما ينشرع في بحورهم، وبما أن الفقيه، حاول الارتباط بأُم جيعان، فباءت محاولاته بالفشل؛ وحاقت في وجهه رمادة؛ تزعّم الموقف، واستعد بتوفير شهود الزور لإدانة (جيعان)، وحبك المؤذن القصة؛ ومررها لزوجته، التي لها مقدرة على الغيبة والنميمة؛ بحكم لياقتها التي تساعدها على سرعة الانتقال، وما اكتفت بإذاعة الخبر بين نسوة القرية، بل أشاعت الخبر المُلفق في أودية وشعاب تشترك فيها أكثر من قرية.

قرر (جيعان) الشردة من الديرة؛ تفادياً لتبعات اتهام، ربما يودي بحياته؛ والمسكين لا في بطنه ولا في ظهره؛ ولأنه لا يثق إلا بالمُرابي (شبعان الرأسمالي) لجأ إليه كونه يؤمن بلُغة المصالح؛ وما هلا شافه وهو يعرف أن حبل المودة بينهم ملشلش؛ هشّ له وبشّ، وفزّ من مقعده وأجلسه مكانه؛ وقرّب له زبدية السمن وصحن تمر؛ وحلف عليه ليختفس؛ فاختفس؛ وداخله يردد (خفسوا بك لأم السامط)، ثم ناوله فنجال قهوة، وقال شُرحة اللافي عِلمه، ردّ عليه؛ أعلامنا خير والصلاة على النبي، البلاد ما عاد يا عم شبعان فيها سرّة، وأنا ودي ألحق بالطحاطيح في الظهران، واشتغل في أرامكو، وبغيتك تفزع لي بقروش، وإن شاء الله لأردّها لك من ساعة استلم أول راتب.

رد عليه؛ ونعم وكفو، وأبشر بسعدك، ولو إنّك ما جيت في وعدك؛ ومثلك ما ينرد له طلب؛ وبدأ يكنكن ويلكّن؛ قائلاً؛ لكن كِنْ السيولة هذي الأيام لك عليها؛ وحلف له با غلظ الأيمان أن حلاله عند الناس، وأوصله لمرتبة التيئيس؛ ثم بدأ في مساومته؛ مرة يقول؛ ودك تعطيني أمك؟ ومرة يقترح عليه؛ ينتف له شعرة من شاربه الكث لتكون رهناً؛ ولاحظ (جيعان) أنه يتمهزأ به؛ وللبدع ردود؛ فقال؛ أمي ما بتأخذ بعد الذيب جُعري؛ فحمّر وجهه؛ وأضاف؛ وشنبي أكرم من ميلانك وذهبك وفضتك؛ وكان (شبعان) متكي فاستقعد؛ وقال؛ تغلط عليّه وانته في بيتي؟ فقال؛ لانك لوّيا ما فيك مُخ، وما جمّلك في عيون حمران البطون إلا فلوسك، وتراني أعرف منين لك هذي الميلان يا سرّاق نسوان مكة؛ فلا تخليني أبذح الفحذة، وأشهّر بك بين الشاني والعاني؛ شَعُر بالخطر؛ فلطّف له القول؛ وحلف له أنه يمزح وما درى أن صدره قصيف، وأضاف؛ وينك من آبوك اللي ما كان أوسع من صدره، علّق في داخله؛ ولا أوسع من بطنك.

قال (شبعان الرأسمالي) لا تزعل يا ولدي؛ تراني ما جيت أدوّر لك انت اللي جيتني برجلك والسلفة اللي تبغاها با دبّرها لأنك من ريحة غالين، وجيعان يقول في نفسه؛ والله إنك كذاب؛ فقال؛ ترهن عندي شقّة مسقوي على بير عِدّ وباحرث واثبّي واصرم لين توفي دَينك! ردّ عليه؛ مدخلي عليك خلّها عثّري؟ فقال؛ يفتح الله؛ واستدرك ثم قال؛ إن كانت عثّري باعطيك خمس عشرة فرانسي؛ ردّ عليه؛ والله ما تكفّي ولا توفّي، قال؛ وإن خليتها عثري ومسقوي تبشر بخمسة وثلاثين جنيه جورج؛ قال (جيعان)؛ تم؛ وتلفت ليطمئن أن ما أحد يسمع، فقال؛ تردها أربعين وانت ما تشوف الطريق؛ والا أربعمية من ورق الشيبة؛ علّق؛ هات ويسير خير.

ودّع (جيعان) أمه التي ما كفّ نونها؛ تبكي وتلوم، فاحتج على بكاها، وقال؛ أنا رجّال وش أقعد أسوي عندك ترضعيني، وما صدق أنه لقي له مكان مع بن رجا، الذي قال؛ ترى حدّي الطايف، ومنياك تدبر نفسك، سلّمه جنيهاً للأجرة والمعوشة؛ فحلف ما يركب إلا جنبه في الغمارة، وما أطمأن قلبه إلا بعدما طمى الموتر من صفا البراقه، وطلب من السواق يشغّل شريط سعيد عمر، (قال ابن مصلح قلوب اهل المحبة شفافيق؛ ون كان كذّبتني فالمح وشُف يا نعيسان).

كان (جيعان) من أنبه عُمال أرامكو تعلّم بسرعة؛ وأتم دراسته؛ وخلال سبعة أعوام، غدا أحد أبرز الكوادر التي يعتمد عليها الخواجات؛ وتهندم بالبدلة الافرنجي؛ وأعجبته نفسه؛ فصار ينادي بحقوق العُمال؛ وخصوصاً بعدما حفظ أغلب ما جاء في كتاب كارل ماركس (رأس المال) وحذّرته الشركة من تحريضه زملائه على الإضراب، والمطالبة بزيادة الرواتب؛ ولم يستجب، فقررت الشركة فصله، ولم يجد بُدّاً من العودة إلى القرية.

حطّ جيعان (شبعان) في رأسه وعزم يبيّعه كل ما يملك؛ وبعد أيام الحفاوة؛ وما جاء به له من هدايا؛ خصوصاً الرادي؛ الذي يحرك له مؤشره كل ليلة على (صوت العرب) ثم حبك الحِيَل، فطلب منه يموّل الأهالي؛ لتعزيز روح الاشتراكية، سأله؛ شنهي الاشتراكية؛ فأجابه؛ نعطي كل فلاح مبلغاً من المال، وندخل المواطير؛ ونحافظ على الثروة الحيوانيّة، وأهل القرية شراكة في اللقمة والجغمة، بلاد واحدة من أعلى الشعب إلى أسفله؛ الفَرْقة واحدة، وضيفنا واحد؛ ومبدانا واحد؛ والشور شور الأكثرية من المزارعين، ووشوشه إذا عجزوا عن السداد خُذ بلادهم لك وأنا ما ابغي إلا تسقط ديني وإن كان بعد لك شفّ في الكهلة تراها جتك لو ما غير تتشمشم نسمتك.

شكّك (الرأسمالي) في نوايا (الاشتراكي)؛ ولكنه يجيد الإقناع بلغة الأرقام؛ وأقسم له بأنه سيخليه حديث الناس؛ ويصير مثل البنك الدولي (العوايد كلها تصب فيه)، يأخذ أرباحه؛ وبقية الأموال تُصرف على عوامل الإنتاج؛ حفر آبار، وتوفير أسمدة؛ وزراعة أشجار مثمرة، وتزبيب العنب؛ وعيّن نفسه أميناً للصندوق والمحاسب، والفقيه رئيس مجلس الإدارة؛ والمؤذن السكرتير، والشاعر مدير العلاقات العامة؛ ونجح في تمرير حيلته؛ وأوصى الأهالي كلما استلم أحدهم مبلغاً من (شبعان) يسلمه الفلوس، ليسافر ويؤمّن لهم مواد الانتاج.

اشترى سيارة وحراثة، واحتفت القرية بالتطور؛ الذي سبقت به كل جيرانها؛ وكل شهر يسافر (جيعان) يقضّي بدراهم (شبعان) بعض المُتفق عليه، والباقي يشتري لنفسه به عقارات في مكة وجدة، وحانت ساعة الفصل، فلجأ (جيعان) لشيخ القبيلة، وقال؛ يا شيخنا صاحبك (شبعان) امتص دم ودسم الأرامل والأيتام والشيبان والكهيل، (مرابي) ما يخاف الله؛ وأضاف؛ لا ووده يغيّر دين الناس؛ يمدح الاشتراكية، ويقول؛ الحياة مادة؛ وكلام لا جانا من الله ولا من رسوله؛ فاستدعاه الشيخ، وقال؛ إما رجال تلزم حدّك والا رفعت بك للدولة، فلزم الصمت وعرف أن (جيعان) نكسه على دماغه؛ تبوأ (جيعان) موقع الرأسمالي، وصار (شبعان) يقيم الكلب ويقعد مكانه؛ وكلما شافه أهل القرية؛ قالوا؛ ذقها؛ ليتها من عيونك؛ ويشمتون به؛ مرددين؛ علوة من بغاه كله خلاه كله.

00:01 | 10-07-2026

حشود الملاعب وجنود المتاعب..

يحكم ويتحكم في الكائن البشري دوائر تحيط به يصعب كسرها أو سبر أغوارها، بدءًا من (عاطفة) تديرها مشاعر، وتستثيرها استفزازات تتمثل في جينات، وتعاليم دين، وتربية، وظروف ومعاناة، وأحداث، ويقابل العاطفة (عقل) فطري، ومكتسب بالوعي والخبرات وتجارب الحياة ومنه العقل الأخلاقي المُؤسس على قِيَم وتعليم وقراءة وأدب وإيمان بالحقوق والواجبات، وهناك دائرة ثالثة تمثلها (المؤسسة) التي هي نظام أو عُرف أو قانون مرجعيته اجتماعية أو سياسية، وربما يكون المجتمع الدائرة الرابعة؛ الذي يُحتّم الإذعان لسلطته، ويُراعى فيه السِّلم والتعايش.

ولبعض المهن، والوظائف؛ والاهتمامات؛ مرجعيات تحكمها، وإن لم تتحكم بإطلاق في المنتمين إليها؛ إلا أنها مظلة يمكن الرجوع إليها والاحتكام لأدبياتها؛ ومن المرجعيات ما هو قابل للتطوير والتحديث وإن ببطء، فيما يتخفف من كل ذلك من يرون أنفسهم مستقلين؛ (مرجعياتهم) قناعاتهم وأقنعتهم؛ وربما لا يحتكم إلى يقينياتهم إلا هم؛ وهذا يمكن تفهمه؛ إذ إن هوى نفوس البشر (انزياحي) وميال ومتقلّب؛ بل متحوّل بمعدلات قياسية؛ فما يُقبل عليه ويستميت لأجله شخص ما اليوم، يمكن أن يبغضه وينفر منه غداً، والعكس.

وبحكم عشقي لكرة القدم، وافتتاني بحشود الجماهير في الملعب؛ أكثر من فنيّة اللعب؛ لاحظتُ أن بين الإعلامي والمشجع تقاطعاً؛ منها الانتماء للمهنة والاهتمام أو الهوايات، مع أن لكل طريقته في التعبير عن انتمائه، ويمكن لهما تبادل المواقع، وإن كانت مساحة استيعاب نقد المُشجع (الملعب) والمستهدف (لاعب)؛ ومساحة نقد الإعلامي (صفحة) أو (منصة) أو (زاوية تضيق وتنفرج)، والذي يتعامل معه الإعلامي جاد وما يلعب، وإن امتلك مهارة لا يمتلكها أذكى اللاعبين.

وفي المُدرّج يتفاعل المشجع، وربما ينفعل ويتأزم، وتفلت أعصابه، وربما يحتك بغيره؛ أو لا تحتمل صحته؛ فيتدخل الأمنيون لمحاسبته؛ أو المُسعفون لإنقاذه؛ بينما في أدراج الإعلامي؛ أوراق وقصاصات، وفي جواله أفكار وعناوين؛ ويُمكن استثارته؛ فينفعل أو يتفاعل أو يتفعّل، فيقع ومن ورائه مؤسسته التي هي مرجعية يستحيل تجاوزها، وإن أمكن التحايل عليها باللعب على الكلمات، أو تفسير الفضفاض من التعبيرات.

وكل مساء، أجدني اندمج فيه بشاشة؛ لمتابعة مباريات كأس العالم؛ تأخذني الهواجس بسبب موقف أو منظر؛ إلى أبعد من الملعب واللاعبين والجماهير؛ وأتخيل لو كنا في كوكب لا يقيم للعقل وزنا، أو أننا نسكن عالماً عاقلاً لا مجال فيه للهزل والساخر؛ والجنون؛ ولا احترام به لعقلاء المجانين؛ أو مجانين العقلاء، فكيف ستكون الحياة؛ التي هي مزيج من نواة وذرات وجزيئات (ورببوسامات وكروماتينات) ولبعضها طفرات ولها مثبطات؛ وفي أمثالنا الشعبية (قوم بلا جهال تغدي مذلّة، وقوم بلا عقال تؤخذ حقوقها)، ومن الممكن، أن تجد أحياناً (مجنوناً) في ذروة إنسانية الإنسان؛ وترى بعض الأحيان (عاقلاً) في حضيض صبيانية النزق المراهق!!.

ولعل ما يمكن أن تتقبله مدرجات الميول من (مثالب) يُرفض تماماً في ميدان مهنة (المتاعب) ولا تتغاضى عنه أعين الرقيب والمُحتسب والمُحاسب؛ ومن حشود الملاعب، مثقفون يتجاوزون بعض الإعلاميين فيعلو؛ ومن الإعلاميين من ينسى الفارق بينه وبين المشجع المتعصب أو العنصري فيهبط، فالتشجيع العاطفي، والكتابة المُفرطة في ذاتيتها؛ كلاهما يُعمي عن احترام الخصم، وإن كان نِدّاً مُحترماً، وأحياناً يكون خيال (المُشجع) مُشبعاً بأوهام وأساطير ودجل، فينفلت ويتمرد، ومن يستثمره لا يعلم شيئاً عن خِلّة أو عِلّة.

وغالباً لا يطلب رئيس فريق؛ من مشجع أن يُفرِط في تعصّبه؛ وإن تعصّب من نفسه؛ لا يبالي الرئيس واللاعبون وبقية الجمهور بمصيره؛ وإن تعاطفوا مع حالته؛ وفي مدرجات كرة القدم جمهور يطربه اللعب النظيف، وإن من الفريق المنافس، وهذا من الموضوعية التي لا تقدح في صدق الانتماء؛ وهناك مشجع بارد جداً؛ لا تعنيه النتائج؛ وهناك مشجع يتصوّر أنه أقدر من المُدرّب؛ وأمهر من اللاعبين؛ وأنصح من إداري؛ وربما يتجاوز حدود الأخلاق، بتطاوله؛ على لاعب أو إدارة أو مدرّب أو حكم، وكل ذلك بداعي العشق (الذي منه ما قتل).

لربما قال قائل لا وجه للمقارنة بين حشود الملاعب وبين جنود مهنة المتاعب، باعتبار أن المُشجع شعبوي، والإعلامي نخبويّ؛ وللقائل الحق فيما يقول؛ إلا أن الكاتب عندما تسوط دماغه فكرته يحاول المقاربة بين أكثر من نموذج؛ لتحرير الفكرة وتمريرها، ولم يعد يغب عن الذهن والذاكرة حجم الخسائر التي تكبدتها شعوب تمّت استثارتها بعاطفة دينية أو أيديولوجية أو سياسية؛ وكم من حزبيين دفعوا بأبرياء إلى الجحيم، وهم يُنظّرون من سكنى مرفهة ومراكب فارهة؛ وهناك مجتمعات راقية؛ لم يحل وعيها بينها وبين الاستجابة للنازيّة والفاشيّة والإسلاموية؛ ولا عزاء لجماهير دفعهم العشق المجنون إلى العنف أو الانتقام أو المجون.

تلويحة:

ترويض النمور والغول، أسهل من ترويض العقول والميول، وتضخّم الأنا يُصيب بالعمى.

00:00 | 3-07-2026

جيبه غطّى عيبه

في عِزّ قيلة صيفيّة؛ شمسها تبوّل الحمار دمّ؛ عكّر صراخ وعويل، هدوء قرية الملايكة. تسابق الكبار والصغار؛ والحريم والرجاجيل؛ مسربين للصايح. شافوا (ناجي) الوافد من بلاد مخلاف سليمان، واقف على رأس زوجته (نجيبة) التي كعّش شعرها؛ فوق بسطة درج عالية بيت (بو مروان) وخمشها وسحبها بكراعينها؛ انبسط المراهق (خصوان) من المنظر، فلأول مرة في حياته يلمح أنثى تلبس ثياب نُص كُمّ؛ وزنودها ناصعة البياض؛ وكان يتمنى ما تنتهي المضاربة؛ ليُشبع خياله بمناظر تعينه على الاتلهام عند النوم.

خرج (شيبة المساطح) من السافلة متعكّز على شونه العُتم؛ وطلب من (ناجي) يتعوّذ من ابليس؛ وانفرطت المسكينة تنتحب وتندب حظّها؛ اللي جابها من العزّ عند أهلها إلى ابن عمها المشغول بخدمة نساء القرية؛ ورفعت صوتها الناقم؛ وينك يا ناجي؟ عند (شمله) أرضّع حسيلها؛ ومع (صمله) أحنّك الطلي، والا في بيت (فضله) تشتيه يطلي زافرها؛ فصاح عليها الشيبة؛ أصه أصه؛ جعلك الغُصّة يا لحجيّة؛ قومي الله لا يقيم لك حظّ فضحتينا من الله ومن خلقه.

تحرك (خصوان) نحوها قاصداً الفزعة؛ يبغي يقيمها ويدخلها غرفتها؛ وما حس إلا و(ناجي) يصكه بحجر مرو بين اكتافه؛ فصعق؛ اوه يمّاااه؛ وتحولّت المعركة بين خصوان وبين ناجي؛ وانقسمت القرية؛ ناس يطلب من (بو مروان) يسفّر ناجي ومرته؛ تفادياً لفتنة بتشبّ في قريتهم؛ بسبب بزاغة الحكرة؛ وناس؛ محتزمين بالجنابي ويحلفون ما يغادر لا ناجي ومرته إلا متى طابت خواطرهم؛ ويؤكدون أن الجار والنازلة متى ذبح شاة الغُرم فهو واحد منّا.

دهن(بو مروان) سير العريفة ودسّم شاربه؛ فضرب على رقبته، وقال؛ يا رجّال حقّت الرجال؛ لو ما غير شاهي نجيبة اللي يقعد روسنا بالليل وغمز له فتضاحكوا؛ وأعلن العريفة يوم الجمعة بعد الصلاة أن (ناجي ) واحد منّا، وأبوه ابن عمّ هاجر في زمن الحُمريّة؛ وعرّف به عند الشيخ، وقصوا له تابعيّة؛ وخاطب الحضور؛ حدّ معه شور والا رأي؟ بغى يتهرّج المذّن، فكتمه وقال؛ خلّ شورك يا بو الأشوار عند (قرنفله) اللي ما غير تلزك في قفاتك ليل الله ونهاره؛ وتغدي قدامها كما الحاشي المطلي بالقطران؛ فضج المسيد بالضحك ثم صمت الجميع، وتسنن اللي يبغي المغفرة واللي ما غير يتغصب؛ أعطاها على الظلة واخرج تنباكه.

سمع ناجي عن (شاة الغرم)، وانمرش على مراح الشاعر؛ ولا خرج إلا بكبشين الواحد كُبر الحسيل؛ وطلّق بالثلاث؛ إن عشا الجماعة منه ومن نجيبة في بيت عمه بو مروان؛ وقال؛ قدركم أكبر من شاة الغُرم يا خُبرة؛ لكن نعشيكم على الغُنْم مش الغُرم، ما كذّب المذّن خبر؛ دخل السافلة؛ وخرج بالشفرة والمسنّ؛ ورفع أسفل ثوبه في ثمّه؛ ونسي أنه ما هو لابس تحته شيء؛ فتضاحكوا الجماعة، وما عاد أمداه يفلت الثوب لين كسر رقبة الخروف؛ علّق الشاعر؛ وين قد ضيّعت سروالك يا ديكان؟ ردّ عليه؛ انشد بنتك المخورة له عندها دور ما غسلته!

عرف الشاعر أنه نشب؛ فقال؛ ابشر بالعوض أحط لك سروالي؛ قال؛ تسلم يا عمّ أخاف جنيّة القصايد تدخلني من مكان ضيّق وتعجّمني ما عاد أقدر أوذّن، تعشوا عشا السرور ودقوا المعراض وطمع الشاعر في الكسوة وبالغ في مدح ناجي (ناجي كريم الساس يوم الدني دني). ردّ ناجي بمسيّرة ختمها (أنا ما أبيع النشامى ولا أرخصهم بسوقي، واللي يعرف راس ماله يبيع ويشتري).

كاد المعارضون بزعامة الفقيه يغيرون كلام العريفة بغيره؛ فتصدى بحزم وقال؛ وين ناجي ووينكم يا بني بِحره؛ واللي خلقكم ما تسوون غُسال رجل مرته نجيبه؛ ضاق الفقيه؛ وقال؛ عشان انها تطق لك إصبع حد الليل؛ وتغني (لولبي لولبي، يم الجويهل والصبي، وللبعيد اقربي، ادني منه والعبي). ردّ عليه؛ تخسى وتعقب يا ملقاط النبق؛ وتدخل المذّن قائلاً؛ انته يا عريفة كما اللي خلب جدران بيته بضفع البقر، ويقول منين تجينا ريحة العفن اللي تسوم بالكبد.

غلّب العريفة صوت العقل؛ وفي ليلة ما يشوف الساري فيها طرف إيده؛ شدّ ناجي بنجيبه وسفانهم؛ وانقطعت أخباره، وسافر الفقيه وبو مروان مكة؛ وهم يتدرجون في القشاشية؛ إلا وذاك الرجال اللي ما ينكرونه؛ فقال الفقيه؛ ما كنه ناجي رجال نجيبة يا بو مروان اللي كنت تتخدم به في البيت والوادي؛ وكنا نسميه العطوي؟ قال؛ بو مروان سبحان من يغيّر الحال بحال؛ صار (ولد في بلد) وأضاف؛ رجال مفتّح وانحن مغمضين؛ سلّموا عليه ونشدوه؛ انت ناجي؟ ردّ بلهجة مكّاوية؛ امشي يا حُجز يا طباخين ذنب الثور، لا تخليني ادعي لكم الشويش يفرشكم، وأضاف؛ ناجي مين يا خُرنق؛ علّق الفقيه؛ شردنا يا الرفيق، ناجي ما عاد يقل للراعد كريم؛ أرزاق يقسمها الرزاق؛ ردّ بو مروان؛ لك الله انه لسرق علينا حتى مفارد كهلتي وضفارها؛ ولكن مثل ما قال الأول؛ (يا من جيبه غطّى عيبه).

00:00 | 26-06-2026

طبيبي وأنا بين العِلمِ والخُرافة

كان طبيب الصحة المدرسيّة قبل ثلاثة عقود صديقاً ومستشاراً لي، بحكم كيمياء الروح، والثقة المتبادلة بيننا، ولما توطّد من وشائج معرفيّة، وما أتحناه لبعضنا من مساحة حرّة لنقاشات، غايتها «الاكتشاف» ووقودها ما نزوّد به بعضنا من مقالات ودراسات، وما يهديني من كتب ومجلات، يعود بها من بلده عقب إجازاته الصيفية.

صادف في أحد اللقاءات، خارج محيط العمل، أن رويتُ له قصة شعبيّة، عن تأكيد جداتنا وأمهاتنا علينا منذ طفولتنا أن نردف اسم «الفقها» بعبارة «الله يذكرهم بالخير»، حينها سألتُ: «ليش»، فأقنعونا أنهم «أولياء الله،» وعناداً أو احتجاجاً قررتُ ما أقول «الله يذكرهم بالخير»، وكان رد الفعل على كلامي غاضباً، وقالت الجدة (رحمها الله): «سيعرف أنك ما قلتها وينتقم منك!»، وكان أحد إخوتي ذا نزعات تمرديّة، فقال: تعال نردد اسم «الفقيه» ونكرره أنا وأنت ونتعمد ما نقول «الله يذكره بالخير»، ونشوف ايش يسوي فينا؟!، وقد كان، ولم تغرب شمس ذلك اليوم، إلا وجبارة الكسور تحيط ذراعي، والميكركوم الأحمر فوق براطمي المشقوقة، لأني ترديت من سطح بيتنا المسلّح.

تركتْ الحادثة في نفسي أثراً، وتلازم في ذهني العقاب الفوري مع كل تطاول على جناب «الصالحين»، وكان من الأحاديث المعززة «من عادى لي وليّاً آذنته بالحرب»، وحاولتُ أن أكفّر عن خطيئتي بالاستغفار والدعاء لهم.

وفي زمن الصحوة واعتناقي لخطابها، كان الصحويون يطلقون على المُعالجين الشعبيين «الشركيين»، فهذاك ساحر، وذاك مشعوذ، والثالث دجّال، وأنا أهزّ رأسي وداخلي يردد «الله يذكرهم بالخير»، لأن الذين يهاجمون لم يستوعبوا الدرس الذي استوعبت بسبب تطاولي على «أولياء الله».

فعلتْ القصة الآنفة فعلها في صديقي الطبيب، وأثارت شجونه، فقال: «بُصّ يا عِلْوة، أنا كنت في كلية الطبّ، ورسبت في مادة الصيدلة ثلاثة مرات، وفي عام التخرج، أصابتني نوبة هلع، ولاحظت أُمي ذلك، وحاولت جهدها، أن أزور مسجد أحد «الأولياء» وأصلي ركعتين، وأمسح على الضريح لأخذ بركاته، وسوف أنجح». وأضاف: «لكني بحكم التخصص رفضتُ، حتى جاء يوم امتحان مادة الصيدلة المنحوسة، فقررتُ الأخذَ بوصيّة أُمي، فاخترتُ وقتاً يكون الناس فيه نائمين، كي لا يراني أحد من أصدقائي»، وأكد أن المفاجأة أنه رأى وسمع وشارك نُخباً من شخصيات البلد الطواف بالضريح والاستغاثة، ثم صلّى الفجر، وذهب إلى الجامعة ليمتحن، فأجاب عن الأسئلة بثقة، ونال أعلى درجة بين زملائه وزميلاته! ذكر الله الدكتور الرياشي بالخير حيّاً وميّتاً، وما أعادني للقصة أن برنامجاً استضاف راقياً، ففند كثيراً من ادعاءات الرقاة، وهاجت وماجت عليه «ردود الأفعال»، خصوصاً من يرون في نشاطهم هذا باب رزق، وأنا لستُ ضدّ رزقهم، لكني لستُ مع تحويل الطب النبوي إلى دراميات تراجيدية بائسة، تشيع في الأوساط المتعلمة الشكوك في العلم والطب الموثّق بالبرهان والتجارب المختبرية.

وزاد الطين بلّة ما جاء عن نظام الطيبات، وتعلّق البعض به، علماً بأن ديننا أكد أن حفظ النفس البشرية من الضرورات، ومن أسباب الحفظ الأخذ بقول الطبيب الثقة، والطبيب الثقة لا يخالف العِلم، ولا يشيع الخرافات، ولا يصادم أقوال الثقات، وأنا بين العِلم والخرافة، ما زلتُ لم أنزع يدي كليّاً من الموروث، ولم أُسلّم أمري مُطلقاً للعلم الحديث، ولذا لا يستغرب أحدكم، لو شافني في محلات العِطارة، أو لمحني مراجعاً لعيادة أحد الرقاة، لينفث عليّ ويخنقني ليردّ لي عقلي الضائع، الذي من يوم عرفت نفسي وأنا أبحث عنه، وأجمل دعوة أسمعها من مُحبّ «الله يرد لك عقلك».

يظل الإنسان ضعيفاً أمام حوادث الزمان، وفي حالة الضعف يثق بكل شيء بما في ذلك خيوط بيت العنكبوت، الذي هو أوهنُ البيوت، وصدق القائل «يقصى على المرء في أيام محنته، حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن»، وأعرف أناساً خسروا صحتهم أو حياتهم أو أزواجهم، بسبب راقٍ لا يخاف الله، أو مفسّر أحلام «مفرنش». تكفون الله يذكركم بالخير خفّوا على عباد الله، وكفاية تدخّل في تفاصيل حياة الغلابة والبسطاء، فالبيوت أسرار، ولو توقف نشاطكم ونشاطكن الله يذكركم بالخير لن يختل نظام الكون، الذي فيه من «المغزّلة» أكثر من الصُحاح وما زال ماشي حاله، دخيلكم «الله يذكركم بالخير».

00:00 | 19-06-2026

باصم ما يخاصم

انقلب (شيمان)، من نومه على جنبه اليمين، إلى الجنب اليسار؛ وفتح عينيه فلمح السَّفر المُتسلل من ثعلبة درفة الباب. انجهر من شعاع الشمس المنعكس على الجدار المخلوب بالشيده؛ انتفر معتزياً (أبو ولدي)؛ وزاد؛ صدق اللي قال من فاته الصباح فاتته الأرباح؛ لفّ العمامة الكورشيه على رأسه، واحتزم بالكمر، وسحب الرصد، وقف فوق العتبة هلّل وكبّر، ثم تنخّم وبصق على يساره؛ أيقن أن الوقت ضحى، فترنم كعادته (يا هابط السوق عصرا والنهار اقفى، الضحوة للفايدة ما هي كما الروحه؛ أنشبت فـ الحُب قلبي والحُب اشناوي) قامت الزوجة بتثاقل ونفسها راس خشمها، أول جملة قالتها؛ بقعى تروح عليك ما بت إلا تتهوّل طوال الليل، كلما غفت عيوني انفرطت، (ألحقوا البقير بتطيح في البير) التفت نحوها وشاف كعشتها كما العقشة، فقال بصوت خافت؛ الله يجعل لسانك بالراعية والله ما خلّيتِ ولا بقّيتِ عن بقر حلِي، ثم غيّر الموضوع ورفع صوته؛ وش هذي السما يا ربي ما فيها لَوَسه؟ وأضاف؛ ليت الفقيه ما يتقحّط كل جمعة (صيّباً نافعاً) لا شفنا لا هاذي ولا ذيك؛ حسّ انه وقع في محذور؛ فاستغفر، ورفع يديه مرددا؛ يا الله انا نجور بك من المنقود؛ ودهر ما ودّنا يعود.

نشدته الزوجة؛ وش انحن فيه من نجم، ردّ بضيقه؛ نجم عصاة بقعا؛ وهي ما زالت تكد شعرها بالمنفاش فوق دوشقها؛ فقالت؛ ترى جارك (خوطان) تُكْلَه؛ وبيره عِدّ؛ وثيرانه ساحليّه؛ اطلبه يبغر الركيب؛ ردّ عليها؛ والله اني ادري وش الركيب اللي محتاج البغرة، علّقت؛ الله ربنا وربّك، فختم الحوار معها بقوله (ان ما سقانا الله متنا من الظما). لملمت الشعر المتساقط من رأسها؛ وكوّرته في باطن كفها؛ وأدخلته في غار بين حجارة جدار البيت من الخارج؛ واحتفشت ثوبها؛ وتواطت على خواشعها؛ فتناقز صغارها نحوها؛ فأسندت رؤوسهم على فخذيها، وبدأت تقصّع الحشرات مصاصة الدماء، وكلما قصعت واحدة، شفطت هوى بفمها وأصدرت صوتاً، ثم مسحت الدم من ظفرها في حرف الدرجة.

زهد (شيمان) في البيت وفي المرة والسفان اللي شعورهم ترحى؛ فطلّ برأسه من فوق الجناح المتهايل، إلا والعريفة يكيل حنطة في أكياس، فقال في نفسه؛ وجبت الدلّة؛ ندر يسعى؛ صبّح عليه بالخير، وسحب المُدّ فأرخى له العريفة يده، ودّه بالكُفيّا؛ وطلب من زوجته تفتّح الأكياس لشيمان؛ لين يرشّق لهم الدّلة؛ استغل دخلة العريفة للشقيق؛ ونشدها؛ وين بيغدي هذا الحَبّ عريفتنا؟ جاوبت؛ بيسعّره عند (ثومان) بكره في سوق الخميس، أردف؛ كيف له؟ فقالت؛ بنديّح نحجّ إن كتب الله؛ طلب من العريفة إبرة الخياط والدبارة؛ وخيّط فتحتي الكيسين؛ وأسندهما على مدماك مجاور لمدخل البيت؛ بقي فوق الهدم حبات قمح؛ ولمح الديك والدجاج مقبلين؛ لقطها بسرعة وقال مخاطباً الديك؛ والله ما تحل لك لا انته ولا نسوانك؛ وأضاف؛ اندر الدمنة تنخش لك دواحيس.

رشف له من الفنجال كم رشفة؛ ونشد العريفة؛ وش طرى عليك بالحج وانت ما تاهب لربي ركعة؟ ضحك وقال؛ تحسبها بالمراكعة يا ذِرى ملجّقة المُقطان؛ ترى ربي ما يحاسب إلا على النوايا، ويا عامل عملك لك. شكى عليه من الوقت؛ ردّ عليه؛ عند الله خير كثير؛ ثم قال؛ افتح حثلك؛ فغرف له من الشطيرة نُصيف طحين؛ وقال؛ الله يفتح لك افلح تفاول مع عيالك؛ وطلّق عظامك في الوادي؛ رُكبك عادت كما رُكب القرحان؛ علّقت زوجة العريفة؛ (يشوف عيب الناس ما شاف عيبه).

لقيها على حالها؛ تقصّع والورعان مغمضين عيونهم؛ ومستسلمين للهرش والفلّاي؛ فنهرها؛ قومي يا بنت متشرّك الدجاجة؛ ردت عليه؛ الله يجعلك دفع وصدقة عن آبي ما تسوى وطية أرجوله في الحيله؛ أفرغ الطحين في غضارة، وشافها ما جت؛ فعجن وسوّى لنفسه مشرّق، وفتّ القرص في سمن أكل وبقّى شويه للصغار؛ ومسح الزفرة في فقوع أرجوله وأطراف لحيته؛ سمعها باقي تحنم وتدعي عليه؛ فقال؛ سبحان من رزقك لسان أطول من لسان الحسيلة في حلّة المواص، فبلعتها على مضض؛ وانطلق من ساعته ولا اثنى ركبته إلا عند (خوطان) قال تراني عند الله ثم عندك.

بغر الركيب بثيران جاره؛ وحرث وثباها صِيب؛ واقترح عليه (خوطان) يحجون مع العريفة؛ فقال؛ مكة ما بتطير من مكانها، لكن ذولا الفروخ اللي ما يسعهم البيت وش يقوتهم، أضاف؛ ثُمّن اغدي أحج وأخلّي بلادي، ووجه لجاره الكلام؛ انته يا خوطان؛ بيرك تغتر وثيرانك في السفل؛ وعيالك الواحد عفاسه كما عفاس أبو قرنين اللي قصّوا به في سوق الخميس؛ ولقمة الوحد منهم تجي لها مدّ، واللي ما يشقى ما يلقى؛ فقال؛ سمّ بالرحمن على الحلّال والعيال؛ سمّى وقال؛ اربّك تحسبني عيّان؟.

حجّ العريفة وابطأ؛ الحجاج عودوا من دور وهو ما ردّ الراس، فقال الفقيه؛ ما معنا إلا نعلّق له المدريهه؛ وندرّه له؛ ربطوا المدمسه بحبل من جهتين وعلقوها في سواري سقف بيت المذّن؛ وسرى الليل وهم اثنين يركبون واثنين ينزلون ويرددون (درّهي مدريهه، يا فرخ البُريها؛ شيخنا بياجي؛ في مور العواجي) وما أصبحت إلا وعريفتهم وكهلته عندهم.

لاحظ الشاعر؛ أن خاطر العريفة ما هو طيب؛ فنشده؛ وشبك من يوم عوّدت من الحج وانت باصم ما تخاصم، فك المشبك عن حلق الثوب؛ وقام يندف صدره؛ ويقول والله يا (ريشان) يا مرة مع مطوّفنا اللي حجينا معه؛ انك تقل شقفة من القمر، وعليها قوام؛ وتلوب لوب؛ وتتحرف وتتصرف وزوجها كما حجر الدياس منبطح على بطنه؛ وانحن اللُّعث اللي معنا الواحدة كما الخصفة ما تتلاقى ذرعانك عليها لا تحيل ولا تزيل فقال الشاعر (أرزاق تصلاك بالبارود وارزاق فيّه) علّق تقوله يا الرفيق أنا أشهد.

وزّع عليهم العريفة حمبص وحلاوة حمبصيّة ملونة؛ وسروا يقضمون؛ وفي الصبح خرجوا من بيوتهم بطونهم منفخة كما القرب؛ وانتشروا في المساريب؛ وما يسمع السامع إلا كما الرُّعد؛ فمرّ بالقرية متشبر؛ وسمع وشاف وشمّ اللي خلاه يرد عمامته على خشمه ويسأل؛ أُسس وش مع الناس كما حمير السوق ما غير تفاقع؟ ردّ عليه شاعر القرية؛ من نعايم ربي وهدايا العريفة؛ فقال؛ (وش تيه النعايم والهدايا اللي ما تجيب إلا الفقعة)؟.

00:02 | 12-06-2026

عندما يعشقك النجاح

يعشق كل أحد النجاح، ويتطلع إليه؛ باعتباره من أجلّ وأثمن مقاصد الحياة؛ وأقدسها في قاموس الناجحين؛ وهناك من يتحقّق له الهدف ويبلغ الغاية؛ بسبب موضوعية طموحه، المتناغم مع إمكاناته؛ فيظفر بمعشوقه، وينال مطلوبه، وهناك من يتعثّر؛ لا بسبب وعورة المسار، بل لرعونة السير؛ أو منافسة وحسد الغير، وهناك من يملّ فيتراجع بحكم أن طول الانتظار يستهلك الطاقة، ويبدد القدرات.

في الطريق إلى النجاح قصص درامية؛ منها الكوميدية ومنها تراجيدية، فالنجاح بطبعه منطقي، يعتمد على مقدّمات، ومنهجيات، وآليات، ليعطي النتائج المرجوّة، وما كل من سار على الدرب وصل، إذ يمكن أن تكون المنعطفات والمنحدرات أخطر مما توقّع، وهناك من بذل للنجاح المُتاح وما لا يُتاح، لكنّه تأبى عليه، فليس كل معشوق عاشق، ولذا يمكن لعاشق النجاح السهل؛ أن يكتفي بنظرةٍ وابتسامة ولقاء عابر.

والفرادة في النجاح التي يحلم بها البعض، مُكلِفة، وربما يقضي الحالم نحبه دون بلوغها؛ إذ (ما كل من طلب الفرادة نالها، ولا كل من قرأ الكتاب فهيمُ)، ويظل نتاج عشقِ النجاح لأشخاص أو جهات سِرّاً مكنوناً، أو لُغزاً مُحيّراً، أو غيباً لا قدرة لمخلوق على استجلاء كُنهه.

بينما حين يعشق النجاحُ شخصاً أو كياناً، تنقلب المعادلة رأساً على عقب؛ فيغدو المستحيل ممكناً، وتتمثل الأحلامُ في الواقع وتصبح حقيقة، فالعاشقُ هنا هو مركز القوة، والمعشوق مصطفى من البشر بأمر خالق البشر، أو مؤهل بكاريزما لا يملك النجاح معها إلا الإذعان له؛ وترديد (هيت لك)، وعندما يعشقك النجاح؛ تتشرب روحك ثمالة أقداحه، ويتسرب إلى شرايينك نمير صباحه.

وبانتهاء موسم الحج، بنجاحٍ منقطع النظير؛ أيقنتُ أن النجاح يعشق وطني، ويشرأبُ إلى معانقة هامة قادته، فالنجاحات في وطني تحيا به، ولا تموت فيه، وإن كان لا نجاح بالمطلق دون دفع ثمن مُستحق؛ عطاءً وبذلاً واختيار أكفّاء أوفياء، واستشعار أمانة المسؤولية، التي لا تغفل عين الله عن حفظ ورعاية من استشعرها.

تلويحة؛ الناجح ربما يخسر لكنه لا ينهزم، ليقينه أن الخسائر ضريبة الأرباح، وأن التضحية أبلغ قيمة للعشقِ المُباح.

00:00 | 5-06-2026