أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/uploads/authors/947.jpg&w=220&q=100&f=webp

فواز الشريف

ما لا تعرفه في منصات الهجن

انتهى مؤخراً عرس الموروث الكبير المتمثل في مهرجان مولاي خادم الحرمين الشريفين للهجن 2026، وفي الحقيقة يذهب كثيرون إلى أن الجوائز المليونية في سباقات الهجن هي المؤشر الأبرز للدخل والمكاسب، وأن منصة التتويج تمثل ذروة العائد الاقتصادي لهذه الرياضة. هذا الفهم، رغم شيوعه، يظل قاصراً عن إدراك الصورة الكاملة، بل ويغفل جوهر التحول الحقيقي الذي تعيشه منظومة الهجن اليوم.


فالقيمة الاقتصادية الأهم لا تكمن في الجوائز وحدها، بل في الطريق إليها مع الاتساع الأفقي لإنتاج وتربية وتدريب الهجن، وهو القطاع الذي يمثل العمود الفقري لهذه الصناعة. هنا تُصنع الثروة بهدوء، بعيداً عن الأضواء، حيث تتوسع قاعدة المنتجين والمربين والمضمرين، وتتضاعف حلقات القيمة من الانتخاب، والرعاية، والتطوير، وصولاً إلى التسويق والبيع حتى أن البعض شكل علامته التجارية داخل هذا السوق وأصبحت بعض (العزب) وهو الاسم الذي يطلق على أماكن الملاك ليس لديهم اهتمام بالسباق أكثر من اهتمامهم بالإنتاج خاصة أن الهجن لا تقوم على انتقال وراثي للانتصار من مطية إلى أخرى بل يدخل في ذلك التدريب والتجريب والتمكين وهو ما يحدث الفرق، كما أن اختيار المطية القادرة على الفوز يرضخ وبشكل ما لحسن الطالع وتفرد مطية عن أختها على الرغم من أن سلالتهما واحدة.


الفائزون الذين نراهم على منصات التتويج هم في الحقيقة رأس السهم فقط، أما جسد المنظومة فيقوم على شبكة واسعة من المنتجين الذين لولاهم لما وُجد هذا التميز ولا تحققت تلك النتائج. كثير من هؤلاء يحققون مكاسب بالملايين عبر بيع إنتاجهم للمؤسسات الكبرى، أو للأسماء المعروفة التي تتكرر في مشاهد التتويج، في دورة اقتصادية ذكية تعيد توزيع القيمة داخل القطاع وهي الهدف الأهم للإنسان مالك الهجن البسيط الذي اعتاد عيش حياته مع حلاله وتحمل ظروفه على مر السنوات نتيجة هذه العلاقة الأبدية مما جعله يشعر وبشكل مباشر بقيمة ما تمثله هذه الأحداث في رفع سعر البيع والإقبال على الهجن كما لا يفوتني أن الكثيرين ممن عرفتهم عبر هذا القطاع اتجه أو بدأ في التفكير للاتجاه نحو الإنتاج والبيع والشراء.


سباقات الهجن، بهذا المعنى، لم تعد حدثاً موسمياً أو تنافساً عابراً، بل تحولت إلى سلسلة اقتصادية متكاملة تبدأ من الميدان، مروراً بالمزارع والعزب ومراكز الإنتاج، ولا تنتهي عند الكأس أو الصورة التذكارية. إنها صناعة تُبنى على الاتساع لا على الاستثناء، وعلى القاعدة لا القمة فقط.


ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي ليس على حجم الجائزة، بل على حجم القاعدة المنتجة، واتساع دائرة المشاركة، وتحويل الهجن من رياضة تراثية إلى اقتصاد حيّ، قادر على الاستدامة، وجاذب للاستثمار، وحافظ لقيمة الموروث بروح العصر.


فالسباق، في جوهره، ليس شوط المكسب بل منظومة تم بناؤها في ضوء هذه المكاسب سعى فيها الاتحاد السعودي للهجن لتوزيع الأشواط والمسابقات على مختلف مناطق المملكة وأسهم بشكل احترافي في نشر فكرة الربح وتكوين الثروة والاستثمار في القطاع ليكون متاحاً للجميع.

منذ يوم

الثقافة الرياضية

نظم الاتحاد السعودي للثقافة الرياضية بالتعاون مع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية المؤتمر والمعرض الدولي الأول للثقافة الرياضية، في تجربة يمكن وصفها بأنها خطوة نوعية في مسار الوعي الرياضي السعودي، ونقلة حقيقية في التعامل مع الرياضة بوصفها ثقافة مجتمعية شاملة، لا مجرد نشاط تنافسي أو حدث موسمي عابر. فقد جاء هذا المؤتمر ليضع الثقافة الرياضية في سياقها الأوسع، بوصفها أداة للتنمية، ورافداً من روافد جودة الحياة، ومجالاً معرفياً يستحق النقاش العلمي والتخطيط المؤسسي.


وعلى الرغم من حداثة الاتحاد السعودي للثقافة الرياضية فإن النجاح الذي تحقق لم يكن محصوراً في حجم الحضور أو تنوع المشاركات، بل في طبيعة الطرح الذي تجاوز الأسئلة التقليدية إلى مقاربات أعمق، ناقشت علاقة الرياضة بالثقافة، والسياحة، والترفيه، والإعلام، والاقتصاد، وقدمت رؤية متكاملة تنسجم مع التحولات الكبرى التي تعيشها المملكة في ظل رؤية 2030. فالمؤتمر لم يكتفِ باستعراض تجارب، بل أسهم في إعادة تعريف مفهوم الثقافة الرياضية، بوصفها ممارسة واعية وسلوكاً مجتمعياً ومجالاً تعليمياً وتخصصياً.


واستطاع المؤتمر من خلال الدور الهام الذي لعبته جامعة الامام وعناية البروفيسور أحمد بن سالم العامري أن يجمع بين البعد الأكاديمي والبعد التطبيقي، عبر جلسات علمية وورش عمل ودورات تدريبية، إلى جانب المعرض المصاحب الذي عكس تطور صناعة الرياضة وارتباطها بالتقنية والابتكار. هذا التكامل منح الحدث قيمة مضافة، وجعل منه مساحة حقيقية لتبادل الخبرات، وبناء الشراكات، وفتح آفاق جديدة للباحثين والإعلاميين والممارسين والعاملين في القطاع الرياضي.


كما برز دور الجامعة بوصفها حاضنة معرفية، أسهمت في تعزيز العلاقة بين البحث العلمي والواقع الرياضي، وأكدت أن الثقافة الرياضية لا تنمو بمعزل عن المؤسسات الأكاديمية، بل تتشكل وتتطور من خلالها. وقد عكس هذا التعاون نموذجاً ناجحاً للتكامل بين الجهات الرياضية والمؤسسات التعليمية، وهو نموذج تحتاجه المرحلة المقبلة لضمان استدامة العمل الثقافي الرياضي وليس بمستغرب على جامعة الإمام المشاركة في مثل هذا الحدث المهم لأنها أصبحت الآن منارة للكثير من الأحداث ذات التأثير الفاعل والمهم لمرتكزات رؤية الوطن.


ولعل من أبرز مخرجات المؤتمر أنه أعاد الاعتبار للبعد الإنساني والاجتماعي في الرياضة، ورسخ فكرة أن الرياضة لغة مشتركة، قادرة على بناء الوعي، وتعزيز الانتماء، وصناعة الأثر، متى ما أُديرت بعقلية ثقافية واعية. كما أن التكريمات والمشاركات المجتمعية المصاحبة أكدت أن الثقافة الرياضية ليست حكراً على النخب، بل مشروع وطني مفتوح للجميع.


في المحصلة، لم يكن المؤتمر والمعرض الدولي الأول للثقافة الرياضية مجرد فعالية عابرة، بل تأسيس لمرحلة جديدة من التفكير الرياضي، مرحلة يُنظر فيها إلى الرياضة كقيمة ثقافية ومعرفية، وكمنصة للحوار والتطوير وصناعة المستقبل. وهو نجاح يحسب للاتحاد السعودي للثقافة الرياضية في ظل ما يتمتع به رئيس الاتحاد البروفيسور سليمان بن عمر الجلعود من قدرة على تأسيس عمل تراكمي يُنتظر أن يثمر مبادرات أوسع، ومشاريع أكثر عمقاً، في مشهد رياضي سعودي يتجه بثقة نحو النضج والريادة.

00:09 | 10-02-2026

ديربي ثقافة الغالب والمغلوب

ديربي العاصمة لم يكن مجرد مباراة تنتهي بنتيجة، بل كان اختباراً مفتوحاً لثقافة كروية تتغير بسرعة، ولطريقة تفكير جديدة في إدارة التفاصيل الصغيرة التي تصنع المنعطفات الكبيرة. في هذا النوع من المباريات لا تكفي الحماسة ولا تكفي السمعة ولا تكفي أسماء النجوم؛ لأن الديربي بطبيعته لا يمنحك شيئاً مجاناً، بل يجبرك على أن تكون يقظاً أمام كل لحظة يمكن أن تقلب المشهد من الصفر إلى اتجاه آخر.

نقطة التحول الأوضح كانت طرد نواف العقيدي، هذه ليست لقطة عابرة في دفتر مباراة، بل لحظة تعيد توزيع أدوار المباراة كلها. عندما يفقد فريق حارسه في ديربي، فأنت لا تخسر لاعباً فحسب، بل تخسر توازن الفريق النفسي والعددي، وتخسر تركيبة الخطوط وتضطر لاستبدال لاعب بحارس، معها تفقد الجرأة في التقدم، والثقة في النفس؛ لأن أي كرة تصبح محسوبة، وأي اندفاع يصبح مخاطرة. هنا يبدأ الديربي في التحول من مباراة مفتوحة إلى مباراة تحت ضغط القرار، وتحت ضغط التوقيت، وتحت ضغط عقلية من يستغل الوضع بأقل مجهود وأكبر مكسب.

لا أخفيكم أنني لست مع طرد العقيدي في اللقطة الناعمة التي تحولت إلى تراجيديا، لكن ذلك يقودنا إلى دور التقنية حيث لا يمكن تجاهله فالـ(VAR) من زاوية القانون هو آلية لضبط القانون، ولتقليل الخطأ الفادح ولمنح العدالة فرصة ثانية، لكن في زاوية أخرى، وهي زاوية الأفكار داخل المنافسة، أصبحت التقنية جزءاً من اللعبة نفسها. بعض الفرق تتعامل معها كوسيلة لضمان العدالة، وبعضها يتعامل معها كمساحة يمكن توظيفها لمصلحته عبر رفع مستوى الاحتكاك، وتحويل اللقطة الرمادية إلى ملف قابل للتأويل، واللعب على الحافة النفسية للحكم والخصم. والتأثير في الثقافة التي تتشكل حولها «ثقافة تبحث عن القرار بقدر ما تبحث عن الهدف، وتحتفي بالشاشة أحياناً كما تحتفي بالشباك».

في هذا السياق يظهر معنى صبر إنزاغي في الشوط الأول. الصبر هنا لم يكن تراجعاً ولا خوفاً، بل كان إدارة واعية للمباراة. أغلق المساحات، خفف المخاطر، وراكم الثبات الذهني حتى تأتي اللحظة المناسبة. إنزاغي استهلك طاقة خصمه ثم ضرب عندما بدأت القرارات الثقيلة في الظهور وبدأت المباراة في فقدان توازنها.

وبخبرتي كنت أعتقد أن خيسوس مع لحظة التعادل سيغير حسابات اللعبة جذرياً؛ باعتبار التعادل في (ديربي) بهذا الضغط وبعد سلسلة أحداث مفصلية ليس نتيجة صغيرة يمكن تجاهلها، بل هو نقطة يمكن البناء عليها لحماية الفريق من خسارة قد تمتد آثارها إلى مباريات أخرى في الدوري. كان المنطق يقول: العب على أقل الخسائر، حافظ على التعادل، خذ النقطة وأغلق المباراة، ثم اذهب إلى الدوري بذاكرة هادئة بدل أن تفتح أبواب المخاطرة. الديربي لا يطلب منك دائماً أن تنتصر، أحياناً يطلب منك ألا تخسر، وهذه القدرة بالذات هي ما يميز المدرب الذي يدير الموقف عن المدرب الذي يطارد الصورة المثالية، لكن البرتغالي لم ينجح في إدارة هذه اللحظة كما ينبغي، لم يقرأ التحول النفسي الذي يرافق التعادل في مباراة مشحونة، ولم يتعامل مع المباراة كمرحلة جديدة تتطلب تخفيضاً قسرياً للإيقاع وتضييقاً للمساحات وتغيير شكل المغامرة. فبعد الطرد والتعادل كان يمكنه تحويل المباراة إلى مساحة آمنة وإيقاع أهدأ خلال الدقائق الثلاثين المتبقية.

أعتقد أنه من الأهمية بمكان استثمار هذا الديربي لسرد حكاية ثقافية حول كرة القدم اليوم التي تذهب باتجاه التقنية وتستمد طاقتها من ثقافة الجماهير، تلك الجماهير التي تعتقد أن الطعن في الظهر خيانة، وأن المعارك لها قيم ومبادئ متعارف عليها، لكن كرة القدم ليست الحقيقة بل هي لعبة، وأنها لم تعد صراعاً على الكرة فقط، بل صراع على القرار، وعلى إدارة اللحظة، وعلى فهم أن التقنية أصبحت جزءاً من ثقافة اللعب لا مجرد أداة تحكيم.

ويبقى الهلال والبرد شبيهان بالقسوة وترك الندبات على الآخرين.

00:05 | 14-01-2026

حين تصبح الصقارة بطولة عالمية

يعجبني الصقر إنه الطائر الوحيد الذي يكون و(كره) صدر المجلس، أراه يشبهني بعض المرات وأشبهه وقد قيل: «صقر ماكره فوق هامات الشواهق»


وحين نسمع كلمة بطولة، يتبادر إلى الذهن للوهلة الأولى الملعب والكرة، لكن في مهرجان الملك عبدالعزيز للصقور، تأخذ البطولة شكلاً مختلفاً؛ سباق في السماء بدل العشب، وفي ميدان الملواح منافسة في الدقة والسرعة بدل الأهداف، وروح رياضية لا تقل حدةً أو حماساً.


الصقارة، في جوهرها، هواية ورياضة، تدريب والتزام، وقت ومعرفة، وأداء يقاس بالنتيجة، وكل من تابع مسابقة الملواح في هذا المهرجان الدولي يدرك أن ما يجري سباق حقيقي، له قوانينه، وله أبطاله، وتقنيات وأجهزة متقدمة تحسم نتائجه، وله جمهور ينتظر لحظة الحسم والفائز بكؤوس الملك عبدالعزيز في كل فئة، وأسمى الألقاب: سيف الملك، وشلفا الملك.


ما يلفت في المهرجان أنه نجح في تحويل هواية تقليدية إلى منافسة منظمة، تشبه ما نراه في الرياضات الحديثة، توقيت دقيق، وتصنيف فئات وأشواط، وعدالة في المنافسة، وجوائز وألقاب تحفّز الأداء، وهذه ليست تفاصيل شكلية، وإنما هي أساس أي بطولة ناجحة.


ومن الزاوية الرياضية، فإن المهرجان يوسّع مفهوم الهواية نفسه، ليس كل تنافس بحاجة إلى ملاعب، أحياناً، يكفي فضاء وميدان مفتوح، وعيون تتابع صقراً ينطلق، وثوانٍ تحسم سباقاً، واللافت أيضاً أن البطولة لا تُقصي أحداً، هناك فئات للهواة والمحترفين والملاك والنخبة، للكبار والصغار، للرجال والسيدات، للسعوديين والخليجيين والدوليين، لصقور السباقات وكذلك صقور المزاين ذات الجمال، هذا الاتساع هو ما يجعل الحدث قريباً من الناس، ويمنحه طابعاً شاملاً، لا نخبوياً.


ويظهر البُعد الرياضي الحقيقي للمهرجان في مشهد التنافس الشريف بين الصقارين السعوديين ونظرائهم من مختلف دول العالم، الجميع يقف على خط الانطلاق ذاته، تحت القواعد نفسها، وبروح احترام متبادل تسبق السباق وتبقى بعده. ويبقى التنافس الشريف والالتزام بالقيم الرياضية هو ما يجعل الخسارة مقبولة، والفوز مسؤولية، والجميع يحييه ويرحب به ويهنئه كما شاهدنا في المهرجان خلال السنوات السابقة.


المهرجان كأكبر حدث من نوعه في العالم، هو في النهاية يحكي قصة ارتباط بين الإنسان وما يمارس، ومهرجان الملك عبدالعزيز للصقور يقدّم هذه القصة بلغة بسيطة: منافسة عادلة، وشغف يجمع الكل من المملكة وكل أنحاء المعمورة.


قبل انطلاق مهرجان الملك عبدالعزيز للصقور في الـ25 من ديسمبر في مَلهم شمال الرياض، يبدو واضحاً أن الصقارة هي جزء من ذاكرتنا، وباتت أيضاً جزءاً من مشهد رياضي متجدد، يثبت أن البطولة يمكن أن تُكتب بأكثر من شكل، وتُفهم بأكثر من لغة، دون أن تفقد روحها أو معناها.

00:03 | 24-12-2025

هنا الرياض 2025

في إنجازٍ تنظيمي استثنائي يعكس مكانة المملكة وقدرتها المتنامية في استضافة الأحداث الرياضية الكبرى، نجحت الرياض في تنظيم دورة ألعاب التضامن الإسلامي 2025 بصورة لافتة لاقت إشادة واسعة من المشاركين والجماهير على حدٍّ سواء. وقد شكّلت هذه الدورة محطة مهمة لإبراز القدرات السعودية في الإدارة الرياضية، والبنية التحتية المتطورة، والعمل المؤسسي المنظم، الذي يعكس رؤية المملكة 2030 وما تحمله من طموحات لتعزيز دور الرياضة جسراً للتواصل الدولي.


جاءت هذه الدورة تحت إشراف اللجنة العليا المنظمة برئاسة الأمير فهد بن جلوي، الذي لعب دوراً محورياً في توجيه العمل وتنسيق الجهود بين مختلف الجهات المشاركة. وقد أظهر الأمير فهد بن جلوي قيادة فاعلة تمتاز بالدقة والمرونة، لكن ما أسهم في ضمان سير الفعاليات وفق أعلى المعايير والتميز هي شخصية وروح الأمير فهد وطريقة تعامله مع الأفراد أو اللجان التي انبثقت عن اللجنة العليا، وهي لجان تنفيذية متخصصة: العمليات الميدانية، والإعلام، والتسويق، والخدمات اللوجستية، والأمن، واستقبال الوفود، كلها عملت بتناغم كبير يعكس الاحترافية والقدرة على إدارة حدث متعدد الألعاب وواسع المشاركة.


أحد أبرز جوانب النجاح في هذه الدورة كان مشاركة أكثر من 1,200 متطوع ومتطوعة من شباب وفتيات المملكة، الذين جسّدوا روح العطاء والانتماء الوطني. تنوّعت مهمات المتطوعين بين الإرشاد وتنظيم الجماهير، ومرافقة الوفود، وتقديم الدعم التقني والإعلامي، مما أضفى على الحدث طابعاً شبابياً وحيوياً. كما أسهم هؤلاء المتطوعون في تعزيز صورة المملكة المضيافة، وأظهروا مدى استعداد الجيل السعودي للمشاركة الفاعلة في الأحداث العالمية.


لقد شكّل تنظيم دورة ألعاب التضامن الإسلامي في الرياض نموذجاً ناجحاً للتخطيط والإدارة والتعاون بين المؤسسات الحكومية والشباب السعودي، ورسالة واضحة بأن المملكة ماضية بثبات نحو تعزيز حضورها الدولي عبر الرياضة وتنظيم الفعاليات الكبرى بكفاءة واقتدار.

00:20 | 26-11-2025

شيء من مزاد الصقور

«اركبوا ميراج معنا في الغمارة


عادة أن الشجيع يقدمونه»..


قبل زيارتي الأولى لمزاد نادي الصقور السعودي، لم أكن أعرف ما الذي سألتقيه، صحيح أن علاقتي بالطيور قديمة جدّاً، وطفولتي كانت في كل أكتوبر من كل عام في (المجيرمة)، وهي من مواقع المقناص الشهيرة في وسط الساحل الغربي، وكان والدي إذا عرف أنني تعرفت على رجل فيه خير أو له مكانه يسميني (صائد القرانيس)، وهي المفردة الأصلية لما يعرف بطارح الطيور. سألت نفسي ترى كيف ستكون آلية التسجيل والتفنيد والترقيم والتسعير مع وجود هذا القدر من المهتمين والشغوفين بهذا الموروث؟


ولهذا، حين دخلت إلى مقر المزاد في مَلهم شمال الرياض، شعرت أنني أدخل عالماً مختلفاً تماماً، عالماً له لغته وروحه وتاريخه، فمنذ اللحظة الأولى، أدركت أن ما أشاهده هو تجربة تفوق المزاد، تجربة ثقافية واقتصادية واجتماعية متكاملة، فيها طواريح، وهو الاسم الذي يحمله من يهوى ويمتهن صيد أو شبك الصقور، جاؤوا بصقورهم التي غنموا بها من سماء المملكة خلال موسم الطرح، الذي يمتد على مدى شهرين، عادة من 1 أكتوبر وحتى الـ30 من شهر نوفمبر.


في المزاد حشد كبير من المهتمين والمزايدين، جميعهم يتحلّقون حول منصة المزاد، كما أنهم مرتبطون بأعداد كبيرة من خلفهم يتواصلون عبر الهاتف ويتابعون عبر الشاشة.


كنت أراقب الشاهين وهو يدخل القاعة، صغير الحجم بخلاف حجم اهتمام الناس به، تُقرأ مواصفاته، ثم تبدأ المزايدة، لترتفع الأرقام بسرعة، «الشاهين له أيامه وله قيمته، وهذا الصقر نادر بمواصفاته».


وقتها فقط فكّرت، كم من قصص هذا الموروث ما زالت تنبض بيننا دون أن نحسّ بها إلا حين نقترب منها؟


أكثر ما شدّني هو التنظيم العالي للمزاد، كل شيء موثّق، كل عملية بيع مسجلة، والبائع والمشتري يحصلان على توثيق للبيع، وضمان حصول كل منهما على حقوقه، البائع أو الطاروح يحصل على ماله، والمشتري أو الصقار على الشاهين، ولم أتوقع أن هذا القطاع له منظومة حديثة بهذا المستوى.


وما فهمته أن هذا الحدث السنوي يعد رافداً اقتصادياً مهماً يعود بالنفع على الطواريح والمجتمعات المحلية، ويعيد إحياء مهنة وهواية الطرح التي كانت مهددة بالاندثار، كثيرون من الحاضرين أكدوا أنهم عادوا لممارسة الطرح بسبب هذا المزاد، وأن أبناءهم يتعلمون منهم اليوم ما تعلموه من آبائهم.


ولعلي بعد هذه الزيارة، بدأت أرى الشاهين بعيون مختلفة، الطائر الذي يشكل رمزاً لموروث سعودي عميق يستعيد مكانته.


خرجت من المزاد وأنا أدرك أن ما شاهدته هواية وهوية كاملة، وسوق منظم يتطور عاماً بعد عام، ويجعل المملكة مرجعاً في عالم الطرح والصقارة.


لقد غادرت وأنا أعرف جيداً لماذا يفتخر السعوديون بالشاهين، ولماذا لا تنفصل سماء المملكة عن تاريخها، ولا تراثها عن مستقبلها.

00:07 | 24-11-2025

«الضعيف تبكيه أمه»

يسألني البعض كيف يمكن أن نُنتج جيلاً كروياً يلعب كرة القدم بروحٍ عالية، وقتاليةٍ حقيقية، وحضورٍ مميّز يقود الأندية والمنتخبات إلى النجاح والإنجازات؟، يسألون، ومن حقهم مثل هذا السؤال، على خلفية تحقيق منتخب المغرب أخيراً كأس العالم للشباب.


وجدت نفسي وبكل قسوة أرد على مثل هذه التساؤلات بأهمية تغيير الفكرة الترفيهية والمثالية المحاطة بها حالياً الأكاديميات الكروية، فلا أعتقد أن نجماً من نجوم المغرب ذهبت به سيارة خاصة ترافقه مربية من البيت إلى الأكاديمية، بل يركض على قدميه الحافيتين تطارده كوابيس الحاجة لأجل القتال في الملعب فيبرز أنيابه ومخالبه لينتزع الخانة التي يلعب فيها من غيره، وهذا الحال ليس في المغرب فقط بل وفي كل العالم؛ لذلك تجد مجموعة الأفارقة في الأكاديميات الأوروبية وبعض سكان جنوب المدن الكبرى.


الكاتب ابن اللعبة والحقيقي الذي لم تغيّره بريق الماركات من اكسسوارات وملبوسات يعرف أن كرة القدم لعبة الحرب، والحب لعبة الموت، والحياة لعبة الفقر والغنى؛ لذا أقول بثقة إن الطريق إلى ذلك لا يبدأ من الأندية أو المنتخبات، بل من الفكرة الأولى التي نزرعها في الطفل منذ سنواته الأولى.


اليوم، نرى من يصنع ما يُسمّى «أكاديميات كروية» تُشبه في واقعها الحضانة أو الروضة، كثير من الترفيه والجهد السلوكي وبروتوكول استخدام الشوكة والسكين على طاولة الطعام، ومراجعة المشرف النفسي والمشرف الاجتماعي إلى غير ذلك، هذا عمل متميّز لكنه يختلف عن عمل كرة القدم ذاك الذي فيه تبكي من كلمات مدربك الجارحة ثم تعود في اليوم التالي لتنتصر عليه، فالتأسيس الحقيقي لا يكون بالتسلية والأنشطة الشكلية، بل عبر نظام صارم يُعلّم الطفل الجدية والانضباط وروح التحدي و«الضعيف تبكيه أمه» كما يقال في المثل الشعبي.


يجب أن يكون الطفل الصغير مستعدًا للقتال، قادراً على إظهار أنيابه ومخالبه، وأن يقاتل من أجل المركز الذي يريد أن يلعب فيه، يجب أن يقاتل من أجل الحصول على «جزمة» الفريق ليعوض قدميه الحافيتين.


إن مجرد جمع الأطفال وأخذ الأموال منهم ومن أهاليهم لن يصنع كرة قدم حقيقية، إنه بذخ مجتمعي يحافظ فيه الصغير على وقته ليشغله فيما يفيد كأن تقول له «العقل السليم في الجسم السليم».


فهكذا تُهدر الطاقات وتضيع المواهب قبل أن تنضج، هذه هي روح اللعبة في بناء جيل كروي يبدأ من الجدية، والانضباط، والعمل الحقيقي، لا من الترفيه والسطحية والتنافس على آخر صيحات «قصة الشعر»، الأكاديمة يجب ألا تكون مسرحاً للممثلين بل ميدان اقتتال لأجل إثبات الذات وتحدي المعوقات.


وإذا أردنا أن نُخرّج لاعبين يحملون روح القتال في الميدان، فعلينا أن نُنشئ بيئة تعليمية وتدريبية تُغرس فيها المنافسة الصحيّة منذ الصغر، قائمة على الجهد، والموهبة، والاستحقاق.


العمل الحقيقي لا يبدأ عند تمثيل المنتخب، بل في الصفوف الأولى من التعليم، حين يتعلم الطفل معنى الالتزام، وأخلاقيات الرياضة، وروح الفريق الواحد.


إن جيل الإنجاز لا يولد صدفة، بل يُبنى على العلم، والانضباط، والتخطيط المبكر حين يأكل الصغير عشب الملعب من أجل الفوز.


وحين نغيّر مفهوم الحضانة من «مكان للرعاية» إلى «أكاديمية للتأسيس»، سنكون قد وضعنا اللبنة الأولى لبناء مستقبلٍ كروي مشرق، يليق بطموحنا، ويعكس روح الوطن في كل ملعب.

00:06 | 23-10-2025

.. وأثار وقع خفافهن صوت المجد

في كل عمل أو ملف نهتم بوضعه على طاولة الأحداث الرياضية الدولية نجد أنه ينبع من رؤية المملكة الخلاقة 2030، التي استمدّها ولي العهد -حفظه الله- من إرث وثقافة وقدرة الوطن على تحقيقها، هذه الرؤية التي تغيرت معها الخرائط الجغرافية والتاريخية وحتى الذهنية ثبت بأن راسمها العبقري الملهم لم يترك فراغاً للصدفة أو مكاناً للاحتمالات، فقط اعقلها وتوكل.

في الرياض وهنا جانب صغير قد لا يتوقف عنده البعض تم إدراج سباق الهجن لفئتي الرجال والسيدات ضمن منافسات دورة ألعاب التضامن الإسلامي 2025، لأول مرة في تاريخ الدورة، ليُكتب فصل جديد في مسيرة هذه الرياضة العريقة، وهو تجسيد لرؤية المملكة في الجمع بين الأصالة والحداثة، وأن الهجن لم تعد مجرد موروث شعبي، بل باتت رياضة عصرية تخط طريقها بثبات نحو العالمية.

لقد دأب الأمير فهد بن جلوي رئيس الاتحاد الدولي للهجن منذ تسلمه هذه المهمة على رسم خارطة طريق بخطوات واثقة، وقاد تحول هذه الرياضة من إطارها التراثي المحلي إلى منافسة دولية، تدفعه إلى ذلك الرؤية السعودية في الاتحاد السعودي للهجن، التي انتقلت لتكون مشروعاً عربياً على طاولة الاتحاد العربي للهجن حتى تحظى هذه الرياضة العريقة باعتراف القارات والمؤسسات الأولمبية.

ولا أخفيكم بأنني كنت متابعاً عن قرب لكل الأعمال المهمة والخطوات الجريئة والجادة التي قام بها سموه في سبيل وضع الهجن على خارطة الرياضة العالمية من خلال رؤية مؤسسية شاملة.

ولست قريباً بما يمنحني أحقية الاطلاع إلا عبر الفضل الإعلامي حين نجح سموه في كسب الاعتراف الرسمي من اللجنة الأولمبية الآسيوية واللجنة الأولمبية الأفريقية، وعلى ضوئها أُقيمت المسابقة الآسيوية الأولى للهجن في أبوظبي، لذا تجد أن المتابع لهذه الخطوات يدرك بأن الهجن باتت واحدة من الرياضات المرشحة لأن تكون قريباً ضمن برنامج الألعاب الأولمبية الدولية، في تحول تاريخي يعكس ثقة العالم برياضة تنطلق من جذور عربية عريقة.

إن إدراج الهجن في دورة الرياض 2025 ليس مجرد إضافة جديدة إلى جدول المنافسات، بل هو رسالة تؤكد قدرة المملكة على تقديم إرثها الثقافي والرياضي للعالم في أبهى صورة، من خلال تنظيم احترافي يضمن مشاركة نخبة الأبطال وتقديم تجربة متكاملة للوفود والجماهير.

بهذا الإنجاز، تثبت المملكة التزامها بتطوير هذه الرياضة وتحويلها إلى منافسة عابرة للحدود، فالرياضة إجمالاً ليست مجرد ميدان للتنافس، بل أداة للحفاظ على الهوية الثقافية وتعزيز الحضور الدولي، والهجن بما تحمله من أصالة وإرث إنساني يمكن أن تكون نموذجاً لرياضة عصرية تصل إلى منصات الأولمبياد.

وهذا هو ملفنا المهم، ولكل ملف رجالات يقومون عليه لخلق علامة فارقة في تاريخ الرياضة العالمية، وخطوة كبرى نحو تحقيق الحلم الأكبر بدخولها الألعاب الأولمبية الدولية قريباً، لتتحول من سباق صحراوي عريق إلى منافسة عالمية تعانق الضوء تحت الأعلام الأولمبية.
00:02 | 26-08-2025

أهمية الثقافة للارتقاء بمهنة الإعلام الرياضي

يمثل الإعلام الرياضي أحد الأركان الرئيسية في المشهد الإعلامي المعاصر والمؤثر على مستوى المجتمع، وبالذات حين تكون الرياضة ضمن الركائز الأساسية ضمن برنامج «جودة الحياة»، أو على مستوى اقتصاديات الرؤية، لذلك لا يقتصر دوره على نقل النتائج والأحداث فحسب، بل يتعدى ليُسهم بفعالية في تشكيل وعي الجمهور الرياضي وتعزيز القيم المرتبطة بالمنافسة الشريفة والروح الرياضية حتى يكون قد قام بدور فاعل ومهم على المديين القريب والبعيد.

والإعلام الرياضي الذي تم استنساخه بصورة مشوهة من بعض الدول التي تستمتع بالضجيج ليس بالضرورة هو العمل الإعلامي الذي من الممكن الاعتماد عليه، لأن لكل مشروع هدفا ورسالة وأدوات واستثمارا، ولكل استثمار سواء على مستوى رأس المال «المادي» أو رأس المال «الاجتماعي» له خارطة مستقلة تتشكل من خلال موطنه، فبرنامج «البادية» مثلا الذي يعجبنا لا أعتقد أنه سيكون مفهوما أو مفضلا في دولة مثل الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي.

أعتقد حتى يحقق الإعلامي الرياضي مستوى عاليًا من الأداء المهني، ينبغي عليه امتلاك مزيج متوازن من الثقافة الرياضية المتخصصة والثقافة العامة الشاملة، بما يضمن تقديم محتوى غني وموثوق ومربح، فالثقافة الرياضية المتخصصة يستند عليها الإعلامي في ممارساته المهنية، إذ تمنحه معرفة شاملة بقوانين الألعاب وأنظمة المسابقات وأبرز الأرقام القياسية والإنجازات، إلى جانب تتبع التطورات التاريخية للرياضة على الصعيدين المحلي والعالمي. هذه المعرفة الدقيقة تُمكنه من إجراء تحليلات موضوعية وصياغة تقارير مهنية دقيقة، فضلًا عن استخدام المصطلحات الفنية الصحيحة وإثراء التغطية بالمقارنات والقراءات الفنية التي تعمّق فهم الجمهور، لكن الثقافة العامة الشاملة تُعتبر المحور الرئيس الذي يقود الإعلامي الرياضي للجلوس على طاولة الحوار وتقديم الرؤى التي تتماشى والمشهد في حينه، إذ إنها توسّع آفاق الإعلامي وتمنحه القدرة على ربط الأحداث الرياضية بسياقاتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

فالرياضة بطبيعتها لا تنفصل عن محيطها الإنساني وتؤثر فيه تأثيرا بالغا ومباشرا خاصة في زمن ما بعد وسائل التواصل الاجتماعي والعالم المفتوح، وفهم هذا الترابط يمكّن صانع الإعلام أو المشرع أو الإعلامي من تقديم محتوى متكامل متزن هادف يجمع بين المعلومة والتحليل العميق.

إن الثقافة العامة تعزز من قدرة الإعلامي على توظيف اللغة ببلاغة ودقة، واستحضار المرجعيات الثقافية والأدبية التي تثري الحوار وتضفي على التغطية بُعدًا إنسانيًا وفكريًا وتمنح المشهد الرياضي العام قدرة فائقة على تقديم نقاشات ثرية، وطرح الأسئلة الجوهرية، وبناء تقارير وتحقيقات ذات جودة عالية. هذا التكامل يقودنا لتحقيق ثقة الجمهور ونيل مصداقيته، ويوسّع من دائرة التأثير ويخدم المشروع الرياضي يشقيه الأفقي والرأسي، ليصبح الإعلامي مصدرًا موثوقًا للمعلومة والتحليل، فالجمع بين الثقافة العامة والرياضية وبين الأدوات والمنصة تمنح المشهد مهنية عالية وذكية وفارقة وتعطي الإعلامي البعد الأوسع في التخصص والدقة وتزوده برؤية شاملة وقدرة تحليلية متقدمة.

لذا، فإن الجمع بينهما يُعد شرطًا أساسيًا لتحقيق إعلام رياضي رفيع المستوى، قادر على أداء رسالته باحترافية، والإسهام في رفع مستوى الوعي الرياضي في المجتمع شريطة أن نعرف أكثر ماذا نريد من الإعلام الرياضي في زمن العالم المفتوح، في زمن القدرة والإمكانات، في زمن بمقدورنا فيه أن نحول هذا القطاع لأغنى قطاعات النقل والتصوير والإنتاج، بل أغنى من الرياضة نفسها.
00:08 | 15-08-2025

لقاء الوزير والمعتقد في الإعلام الرياضي

أعتقد، وربما أنتم تشاركونني هذا الرأي، أن الوقت قد حان لتقديم نموذج عالمي للإعلام الرياضي في المملكة، نموذج جديد لا يعتمد على النسخ المستوردة «قص ولصق»، بل يجسد «عالم السعودية» ويوازي في فكرته وتوجهه «العالم الجديد».

نحن، على مستوى المنطقة وربما القارة، نمثل عالماً واسعاً ومختلفاً وجاذباً ومؤثراً، بل أصبحنا مقياساً ونموذجاً تحتذي به الشعوب الأخرى في قيمة القفزة السعودية من حيث الرؤية والطموح والإنجاز. وقد لفت انتباهي، بصفتي ابن المهنة والمتمرس فيها، الاجتماع الذي عقده معالي وزير الإعلام سلمان الدوسري مع الجهة التي نالت حقوق نقل الدوري السعودي. لم أشهد اجتماعاً مماثلاً إلا في حقبة صاحب السمو الملكي الراحل تركي بن سلطان الذي كان يستلهم توجيهاته من الرئيس الأعلى للإعلام.

كنت دائماً أحاول إقناع الزملاء أن الإعلام ليس هو الرياضة، وأن الرياضة لا تعني الإعلام، وأن «الإعلام الرياضي» كيان مركب ذو كيمياء خاصة، قادر على التمثيل والغناء والرقص والتطبيل أيضاً عند اللزوم، وكل ذلك ضمن حدود المعقول وسيناريو محسوب. وعلى الرغم من الثقل الكبير الذي تمثله الرياضة السعودية وأنديتها وجماهيرها في المنطقة، لجأ البعض إلى اعتماد برامج «التوك شو» كأسلوب دائم، معتبرين إياه النموذج الأمثل للإعلام الرياضي. وهكذا اختُزلت الرسالة في زوايا الإثارة، والحوارات المتشنجة، والمناكفات الجماهيرية التي تثير التفاعل الرقمي وتجذب الجمهور من أجل الأرباح، وتعتمدها قنوات تفتقر للإمكانات المادية، حتى لو جاء ذلك على حساب جودة المضمون.

وحين تناقشهم، يحتجون بالقنوات العالمية، مع أن معظمها تملكها شركات عابرة للحدود أو تستند إلى قيم مجتمعاتهم. هذا النوع من الإعلام مغرٍ بالأرقام، لكنه يفتقر للعمق ويقصي القضايا الكبرى ويشوه الإنجازات.

فقد تحولت بعض البرامج إلى ساحات لتصفية الحسابات، تسيّرها شعبويات آنية وتدار بمنطق «الصوت الأعلى» بدلاً من الطرح المنهجي والإحساس بالمسؤولية. لقد ابتعدت البوصلة عن دور الإعلام في التنوير والتثقيف، وأصبحت تقتصر على تمثيل الفرق وتكريس الانتماءات، وكأن الرياضة باتت محصورة في مباراة أو رأي جمهور، لا في منظومة متكاملة تصنع اقتصاداً وترتقي بوعي المجتمع.

أعتقد أن هذا الاجتماع يؤكد أن الإعلام الرياضي هو امتداد للإعلام الوطني، ومرآة حضارية لمشروع كبير تشهده المملكة في مختلف القطاعات، وفي القلب منها القطاع الرياضي، الذي لم يعد شأناً محلياً، بل أصبح جزءاً من الحضور السعودي على خريطة التأثير العالمي، بفضل الرؤية الطموحة 2030، والدعم اللامحدود من القيادة الرشيدة.

هنا تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف الإعلام الرياضي بوصفه مشروعاً إعلامياً له «ثقافته وأسلوبه وأدواته» موازياً للمشروع الرياضي ذاته، لا تابعاً له، ولا مُشوِّهاً لمسيرته.

الإعلام الذي نحتاجه هو ذلك الذي يتقاطع مع قيم الرياضة، النزاهة، الشغف، العمل الجماعي، والتطور المستمر. إعلام لا يختصر المشهد في لقطة جدلية أو تغريدة مثيرة، بل يتسع ليحمل الرواية الكاملة لما يحدث خلف الإنجاز، وما يسبق اللقطة.

وقد كان الاجتماع الذي عقده معالي وزير الإعلام مع المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام خطوة نوعية، تعكس رؤية المملكة في اعتبار الإعلام الرياضي عنصراً أساسياً في المشروع الوطني، وليس مجرد تابع له. وأظهر تصريح الوزير بأن «وزارة الإعلام تسخّر جميع إمكاناتها لدعم تغطية جميع المسابقات الرياضية السعودية، بما يعزز حضور المشروع الرياضي السعودي محلياً وعالمياً»، مدى وعي الحكومة بدور الإعلام كشريك في الإنجاز، لا كناقل للنتائج فقط. وفي المقابل تظهر شركة «ثمانية» بمقاربتها السردية وابتكارها، كمرشح مثالي لإعادة تقديم الإعلام الرياضي بصورة أكثر مصداقية وعمقاً، عبر إدخال القصص الرياضية الأصيلة إلى كل بيت وإعلاء صوت الرياضة السعودية بما يناسب حجم التطورات.

إن هذا التحول في المشهد الرياضي السعودي يتطلب محتوى يواكب حجمه ويكشف للجمهور ما وراء الإنجازات، ويوثق النجاحات ليشكّل ذاكرة وطنية للأجيال. لم تعد التغطية الإعلامية تقتصر على نقل المباريات والأهداف، بل أصبحت تشمل السياسات، والاقتصاد، والتخطيط، والتدريب، وتمكين المرأة، ودمج أصحاب الهمم، وتعزيز الأثر المجتمعي للرياضة.

حان الوقت لإعادة الاعتبار لمهنة الإعلام الرياضي وربطها بجذورها، لتكون عيناً ناقدة مسؤولة ولساناً واعياً، وأداة للمعرفة وليست للترفيه السطحي. الأمر لا يتعلق بكبت النقد أو الحد من الرأي، بل بأن يكون النقد موضوعياً مسؤولاً يدفع الجميع نحو الأفضل.

الإعلام الرياضي اليوم ليس في أزمة إمكانات، بل أزمة اختيارات. ومع إطلاق الأستوديوهات الرقمية، والمنصات الإعلامية الجديدة، والتكامل بين المؤسسات الرياضية والإعلامية، أصبح المطلوب تحولاً جذرياً في فكر الإعلامي قبل أدواته. الأدوات والدعم متوفرة، لكن الرسالة تحتاج من يحملها بإيمان وقناعة لا بحثاً عن شهرة عابرة.

فإعادة الاعتبار للإعلام الرياضي تبدأ من الإيمان بأن الرياضة قضية وطنية حقيقية، وأن كل تغطية إعلامية جادة تساهم في بناء الوعي المجتمعي وتعزز الحضور السعودي على الساحة الدولية.

ولهذا ينبغي إدراك أن الإعلام الرياضي لا يُختزل في ما يعرف بالتوك شو والرقص على انفعالات الناس، قد تهم شريحة لكنها ليست كل شيء فمن الممكن أن نخلق برامج حوارية هادفة لها رؤساء تحرير يملكون الرسالة والهدف، فالعمل الناقد الهادف هو الشريك كما يمكن الكثير عمله طالما أننا لا نفتقد الإمكانات التي باستطاعتها تحويل ما نراه مكمن المشكلة إلى أُولى بدايات الحل.
00:21 | 30-07-2025