أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/236.jpg?v=1766066142&w=220&q=100&f=webp

عبداللطيف الضويحي

كأس العالم.. منافسة المنتخبات أم منافسة السرديات الدولية ؟

لم تعد صافرة البداية في كأس العالم تعني بدء مباراة في كرة القدم فقط، لكنها باتت تعني بدء تسعين دقيقة من التنافس على الانتباه العالمي.

في الملعب يتنافس فريقان، أما خارج الملعب فتتنافس دول، وثقافات، وهويات، وصور ذهنية، وسرديات وطنية كاملة على مساحة زمنية ثمينة محددة في وعي العالم.

فهل لا تزال كأس العالم بطولة كروية فحسب؟ أم أنها تحوّلت إلى أكبر وأهم منصة عالمية لإعادة توزيع القوة الرمزية بين الدول والشعوب؟

هناك قوة صاعدة يصعب إدراجها في الموازنات العسكرية أو القوائم المالية، لكنها شديدة التأثير وهي قوة صناعة الانطباع، وهو أن تجذب دولةٌ انتباه العالم، وأن تثير إعجابه، وأن تجعل الملايين يبحثون عن اسمها وموقعها وثقافتها وتاريخها، وأن ترتبط في الخيال العالمي بقصة أو قيمة أو إنجاز، وأن تستطيع تقديم أو إعادة تقديم نفسها إلى شعوب لم تكن تعرف عنك إلا القليل، فهذه ليست مجرد نتيجة رياضية، إنها مكسب استراتيجي في سوق الانتباه العالمي.

فمن يربح مساحة في خيال العالم؟

إن القوة الرمزية لأي دولة تبدأ حين تصبح حاضرة في خيال الآخرين. بعض الدول لا تحتاج إلى شرح طويل حتى تستدعي في أذهاننا صورة أو قيمة أو سردية. يكفي ذكر اسمها حتى تتحرك شبكة كاملة من الانطباعات والصور والمعاني. هذه الشبكة لم تتشكل بالمصادفة.

لقد أصبحت المنصات الرياضية العالمية أقصر الطرق فعلاً إلى بناء جزء من «الرصيد الرمزي» في عصر ما بات يعرف بـ«اقتصاد الانتباه». فهدف واحد في مباراة يجعل الملايين ينطقون اسم بلد للمرة الأولى، واحتفال لاعب بطريقة مستمدة من ثقافته قد يتحول إلى مادة بصرية عالمية.

وقميص أو لون أو رقصة شعبية أو حركة جماهيرية أو قصة لاعب قد تصبح بوابة يدخل منها العالم إلى هوية شعب بأكمله، من هنا فإن المنتخبات لا تلعب وحدها في كأس العالم، لكن الدول تلعب كذلك، والمنتخب ينافس على النتيجة، لكن الدولة تنافس على المحتوى والسردية. واللاعب يبحث عن المرمى، والمؤسسات الوطنية تبحث عن نافذة إلى الوعي العالمي، المدرب يضع خطة لتسعين دقيقة، فهل هناك من يضع خطة الدولة لاستثمار التسعين دقيقة سردياً؟

إن كأس العالم أكبر غرفة انتباه في العالم، وهي حالة إستراتيجية استثنائية لتكثيف وتركيز الانتباه العالمي. وفي فترة زمنية قصيرة لا تتكرر، لا بد أن نعرف ما الذي نريد أن يعرفه العالم عنا خلالها؟ وما هي القصة التي نريد أن تروى عن بلادنا؟ وما القيمة التي نريد أن ترتبط باسم بلدنا وشعبنا، والصورة التي نريد أن تبقى عالقة في أذهان الجماهير بعد خروج المنتخب، والكلمات التي نريد أن يستخدمها الإعلام العالمي في وصف بلادنا؟

هذه أسئلة لا تخص المدرب ولا اتحاد كرة القدم، إنها أسئلة موجهة إلى مؤسسة مسؤولة عن وضع وصيانة وتشخيص السرديات عن الدولة وشعبها. ولذلك يمكن القول بثقة: «قد تخسر المباراة وتربح العالم»! وفي المقابل يمكن لمنتخب أن يقدّم أداءً رياضياً مدهشاً، وتفشل مؤسسات دولته في تحويل ذلك النجاح إلى قيمة وطنية مستدامة. هنا يظهر الفرق بين الحدث واستثمار الحدث.

حين يحقّق منتخب مفاجأة عالمية، تبدأ نافذة زمنية قصيرة جداً لتساؤلات العالم، لذلك فالسرديات الوطنية لا تُكتب بعد المباراة بل يجب أن تكون جاهزة قبل صافرة البداية. فهل كانت سردياتنا لمنتخباتنا العربية جاهزة في كأس العالم الأخيرة ولماذا؟ وهل نجحنا في تقديم أنفسنا؟ ومَن مِن دولنا استطاعت تحويل المشاركة الرياضية إلى قصة وطنية؟ ومن جهّزت القصص الإنسانية والثقافية والسياحية مسبقاً؟ ومن هيأت اللاعبين السرديين، لا مجرد نجوم رياضيين؟ فقد يصنع اللاعبون لحظة تاريخية، ثم تكتفي المؤسسات الرسمية بالتهنئة فقط، وإعادة بث الأهداف، وترديد عبارات الفخر.

وهنا بالتحديد، يجب أن تبدأ السردية، فهل هي مسؤولية وزارات الإعلام؟

ربما حان الوقت للاعتراف بأن إدارة الصورة الوطنية والسرديات الدولية أصبحت أكبر من أن تكون «مهمة إعلامية» بالمعنى التقليدي، وزارة الإعلام قد تدير سياسات إعلامية، ووزارة السياحة تروّج للوجهات السياحية، ووزارة الثقافة تقدّم المكوّنات والمنتجات الثقافية، والاتحاد الرياضي يدير المنتخب، والبعثات الدبلوماسية تتحرك في نطاقها.

لكن من يجمع كل ذلك في سردية وطنية واحدة ويشخّص الصورة الذهنية للدولة في العالم ويراقب تحوّلات هذه الصورة ويحدد الفجوة بين الواقع والكيفية التي يرانا بها الآخرون؟

ومن يبني بنك السرديات الوطنية ويحدد السردية المناسبة لكل دولة ولكل شعب ولكل منصة ولكل موقف، ويجهز الدولة للحظات الانتباه الخاطفة ويتدخل عندما يمنح حدث رياضي أو ثقافي أو سياسي الدولة نافذة عالمية لا تتكرر؟

إن الحاجة تتضح يوماً بعد يوم إلى جهاز وطني احترافي للسرديات والصورة الذهنية والقوة الرمزية، ليس جهازاً دعائياً أو مصنعاً للشعارات، وليس إدارة للعلاقات العامة، بل مركز إستراتيجي متعدد التخصصات، يعمل فيه خبراء الإعلام والسياسة وعلم الاجتماع وعلم النفس السلوكي والبيانات والثقافة والتاريخ واللغات والذكاء الاصطناعي. يقوم بدراسة موقع الدولة في الوعي العالمي ويشخص سردياتها ويبنيها ويصونها ويختبر قدرتها على الانتقال بين الثقافات ويراقب السرديات المضادة ويقيس أثر كل ذلك بمؤشرات علمية.

أظن أننا بحاجة إلى غرفة عمليات سردية تعمل قبل كأس العالم وقبل كل مناسبة عالمية أو إقليمية أو محلية وازنة ومهمة، وتدرس الدول والأسواق الإعلامية واتجاهات البحث واهتمامات الجماهير والصور النمطية السائدة عن الدولة، وتأخذ على عاتقها بناء عشرات القصص القابلة للتداول وبلغات مختلفة، وتدرّب اللاعبين والبعثة والجماهير والمؤثرين على تقديم عناصر الهوية بصورة طبيعية غير مصطنعة، وتربط كل مباراة بفرصة ثقافية أو سياحية أو اقتصادية.

إن من لا يمتلك سرعة سردية توازي سرعة الحدث يخسر الانتباه ولو امتلك الحقيقة والقصة والإنجاز، فكأس العالم إحدى أكبر أسواق السمعة والقوة الرمزية في العالم، فهناك دول تحصد الأهداف في الملعب، ودول تحصد الانتباه، ودول تحصد الإعجاب، ودول تعيد تقديم هويتها، ودول تدخل خيال الشعوب للمرة الأولى، أما الدول التي لا تمتلك سردية جاهزة فقد تشارك، وتفوز، وتحتفل، ثم تغادر المسرح العالمي دون أن تترك قوة رمزية في وعي العالم وأثراً يوازي حجم اللحظة التي مُنحت لها.

00:01 | 14-07-2026

حروب السرديات وإعادة تعريف دور وزارة الإعلام!

في ظل تصاعد «حروب السرديات» الإقليمية والدولية وتحديداً مع تداخل خيوط الصراع المعقد بين أمريكا وإسرائيل وإيران، برز دور وزارة الإعلام السعودية كركيزة صلبة لحماية الوعي الوطني، ولم تكن الرسالة الإعلامية مجرد تغطية إخبارية بل صمام أمان منح المجتمع الطمأنينة والاستقرار وسط فيض المعلومات المضللة.

لقد تغيّر الإنسان المعاصر أكثر مما تغيّر الإعلام. فالإنسان المعاصر يعيش وسط فيض هائل من الرسائل والمعلومات والبيانات، ولم يعد يملك الوقت ليفحص كل معلومة. ولذلك أصبح يعتمد على الاختصارات الذهنية، وعلى الأشخاص الموثوقين الذين يشرحون ويقرّبون له المعنى، وعلى القصص التي تقرّب المعنى وتمنحه تفسيراً سريعاً للعالم. وهنا دور السردية ومكمن قوتها.

كثيراً ما تنتصر السردية أو الرواية في تقديم الحقيقة من زاويتها لأنها أكثر قدرة على مخاطبة الإنسان من موقعه وكما هو، لا كما يفترضه أو يخطط له الخبراء. فهي تخاطب المشاعر قبل الأرقام، والهوية قبل المنطق، والانتماء قبل التحليل، والرمز قبل الوثيقة، فالحقيقة لا تتحدث دائماً عن نفسها، ولا تدافع عن معناها، ولا تنتشر تلقائياً. إنما تحتاج الحقيقة إلى من يرويها، ويشرح دلالاتها، ويقدّمها بلغة يفهمها الناس ويثقون به. فعندما تغيب هذه المهمة، تتقدّم السردية أو السرديات المنافسة لتملأ الفراغ، سواء كانت صادقة أو مضللة.

لقد تحوّل العالم من عصر «حروب المعلومات» إلى عصر يمكن تسميته بـ«حروب السرديات». ففي الماضي كان السؤال: من يمتلك المعلومة؟ أما اليوم فأصبح السؤال: من يمتلك القصة والرواية التي تمنح تلك المعلومة معناها والدلالة؟ وأزمة مضيق هرمز أوضح صورة لهذا الموضوع.

لكن السردية ليست مجرد رواية خيالية للأحداث، بل هي الإطار الذي يحدد كيف يفهم الناس تلك الأحداث، ومن هو الضحية، ومن هو البطل، وما الذي يجب أن يصدّق، وما الذي ينبغي أن يرفض. من هنا فالسردية قادرة على إعادة ترتيب الحقائق داخل عقل المتلقي، دون المساس بالحقيقة.

أبلغ الأخطاء التي تقع فيها بعض المؤسسات هو الاعتقاد بأن نشر البيانات الرسمية أو عقد المؤتمرات الصحفية يكفي لكسب الرأي العام وكفيل بإيضاح الصورة. لكن البيان الصحفي ليس سردية، والإحصائية والأرقام ليست قصة، والمؤتمر الصحفي ليس بالضرورة عملاً مقنعاً.

ولعل أخطر وأصعب المعطيات الرقمية أن خوارزميات المنصات الرقمية لا تكافئ الحقيقة، بل تكافئ التفاعل بأعداد المتابعين. فهي تمنح الانتشار لما يثير الانتباه، ويستفز المشاعر، ويحفّز المشاركة، بصرف النظر عن مستوى دقته ومصداقيته. وبهذا تصبح الحقيقة، إن قُدّمت بطريقة جامدة، أقل قدرة على الوصول من رواية مثيرة، حتى لو كانت مشوّهة أو مجتزأة.

وهنا تبدأ حروب السرديات، وهي صراع على تفسير الواقع أكثر من كونها صراعاً على الواقع نفسه. فالأطراف المختلفة لا تتنافس فقط على نقل ما حدث، بل على تحديد ماذا يعني ما حدث، وكيف يجب أن يتذكره الناس، وما القرارات التي ينبغي أن يبنوا عليها مواقفهم.

ولهذا أصبحت السردية أصلاً من الأصول الإستراتيجية التي لا تقل أهمية عن الأصول الاقتصاد أو التقنية أو القوة العسكرية. فالدولة التي تفقد القدرة على تفسير أفعالها للداخل والخارج، قد تجد أن الآخرين يتولون كتابة قصتها نيابة عنها. ومن يكتب القصة، يمتلك في كثير من الأحيان القدرة على تشكيل الانطباعات، وتوجيه الرأي العام، وصناعة الشرعية أو نزعها.

لكن يجب التمييز بوضوح بين بناء السردية وصناعة الوهم. فالسردية المهنية لا تعني تجميل الواقع أو إخفاء الحقائق أو التلاعب بالجمهور، وإنما تعني تنظيم الحقائق داخل إطار واضح ومفهوم ومقنع، يحفظ الدقة ويُحسن التواصل. أما الدعاية، فتعتمد على الانتقائية والتضليل والتشويه، حتى وإن نجحت مؤقتاً.

ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نحتاج إلى سردية؟ بل لماذا لا نبني السردية في أوقات الاستقرار، ثم ما هي السردية الصلبة التي يمكن البناء عليها، ولماذا لا يستثمر في القدرات البشرية الخبيرة والضالعة في بناء تلك السرديات؟

إن المؤسسات الناجحة لم تعد تكتفي بإدارة الإعلام، بل أصبحت تعرف كيف يفكر جمهورها، وما الذي يقلق هذا الجمهور، وما اللغة التي يتفاعل معها، ثم تبني رسائلها بما يحافظ على الحقيقة ويجعلها قابلة للفهم والتبني من موقع هذا الجمهور.

كما أن السردية الناجحة لا تُصنع وقت الأزمات فقط، بل تُبنى في أوقات الاستقرار. فالثقة التي تُراكمها الدول أو المؤسسات خلال سنوات، تصبح رأس مالها الحقيقي عندما تواجه أزمة أو شائعة أو حملة تضليل. أما من يتذكر التواصل فقط عند وقوع الأزمة، فإنه يبدأ من نقطة الصفر بينما تكون السرديات المنافسة قد قطعت شوطاً بعيداً.

ولعل المرحلة المقبلة ستشهد انتقال المنافسة بين الدول من سباق الموارد إلى سباق القدرة على تفسير الذات. فالقوة لن تُقاس بما تملكه الدول من إمكانات فحسب، بل أيضاً بقدرتها على تحويل إنجازاتها إلى قصة يفهمها مواطنوها، ويقتنع بها العالم. وهذا كله ضمن أربعة عناصر متلازمة: حقيقة راسخة، وسردية ذكية، وتوقيت مناسب، وثقة متراكمة. ولا ننسى أبداً أن حماية الحقيقة لا تبدأ بجمع الأدلة فقط، بل تبدأ أيضاً بإتقان فن روايتها.

أخيراً، ليس من التهويل القول بأن السردية الوطنية تعد جزءاً لا يتجزأ من الأمن الوطني والذي يتطلب إعادة تعريف دور ومنطلقات وزارة الإعلام وإدارات الإعلام من خلال إيجاد بنك للسرديات الوطنية وقاعدة معرفية تحتوي على القصص الوطنية والإنجازات والشخصيات والرموز والأزمات السابقة والدروس المستفادة. كما يتطلب رصداً لحروب السرديات وقد يدخل فيها رصد الشائعات والحملات المنظمة والاتجاهات الرقمية والتحوّلات في الرأي العام والسرديات الخارجية في المنصات الاجتماعية ومحركات البحث وتطبيقات الذكاء الاصطناعي والموسوعات الرقمية والمحتويات متعددة اللغات.

00:01 | 7-07-2026

تشريع حكومي يعتق العروسين اجتماعياً من مديونية العمر

لم تعد تكاليف حفلات الزواج ترفاً اجتماعياً أو شأناً عائلياً خاصاً، بل أصبح قضية مجتمعية واقتصادية تستنزف طاقات الأسر، وتؤخر زواج الشباب، وتدفع بعضهم إلى الديون، وتحوّل مناسبة الفرح إلى مشروع مالي مرهق، يبدأ قبل ليلة الزواج ولا ينتهي بعدها إلا بسنوات من سداد المديونية والضغط النفسي والاجتماعي.. وهذا ربما أحد أهم الأسباب التي أدت إلى انخفاض معدلات الزواج وربما ارتفاع معدلات الطلاقات وبالتالي انخفاض نسبة المواليد.

لقد خرجت كثير من مناسبات الزواج عن حجمها الطبيعي ونطاقها المنطقي. فلم تعد المسألة وليمة فرح، ولا اجتماع أهل، ولا إعلان مرحلة أسرية جديدة، بل تحوّلت في بعض الحالات إلى سباق مكلف في القاعات، والضيافة، والتجهيزات، والتصوير، والهدايا، والبروتوكولات، والمظاهر، وحتى صار العريس وأسرته والعروس وأهلها أسرى لتوقعات اجتماعية لا تنتهي. وكلما حاولت أسرة أن تعتدل وتتزن، وجدت نفسها تحت ضغط المقارنة والمباهاة: ماذا سيقول الناس؟ فهل نحتفل بزواجات أبنائنا وبناتنا، أم نتباهى بحفلة ليلة ستصبح كابوساً مالياً يلاحق العروسين وأسرتيهما وربما ينهي أحلامهما الزوجية؟

وهل يدخل آلاف الشباب والفتيات الحياة الزوجية وهم يحملون حلماً جميلاً أم يدخلون وهم يحملون قروضاً ومديونيات والتزامات مالية قد تمتد سنوات طويلة.

هنا تتضح الحاجة إلى تدخل رشيد لا يصادر الفرح، ولا يمنع الناس من الاحتفال، ولكنه يعيد الأمور إلى نصابها. فالتشريعات الحكومية في مثل هذه القضايا لا تتدخل في الخصوصيات، لكنها تحمي المجتمع من عرفٍ مرهق تحوّل إلى كابوس شبه أبدي. كما أن التشريع لا ينبغي أن يكون عقابياً فقط، بل حاضناً ومسانداً ومشجعاً على الاعتدال.

نحن بحاجة إلى تشريع يضع بروتوكولاً وسقفاً أعلى للالتزامات المالية في مناسبات الزواج، وينظم عدد الفعاليات المصاحبة للاحتفال، ويحد من الهدر الغذائي، ويمنع المبالغات التي تحوّلت إلى معيار اجتماعي لا يمت للزواج بِصِلة.

ليس من العدل أن يُدفع شاب في بداية حياته إلى الاقتراض من أجل ليلة واحدة، ولا أن تتحوّل الأسرة الجديدة إلى مشروع مديونية بدلاً من أن تبدأ حياتها بمسكن، وادخار، واستقرار، وخطة مستقبل.

الأهم من التشريع نفسه أن يكون مصحوباً بمبادرات حكومية واجتماعية ترفع الحرج عن الناس. فالناس لا يسرفون لأنهم يريدون الإسراف، بل لأنهم يخشون كلام المجتمع. لذلك فإن وجود سقف نظامي واضح يمنح الأسر عذراً نبيلاً أمام الآخرين: «النظام لا يسمح»، هكذا يتحوّل التشريع من قيد إلى حماية، ومن منع إلى انعتاق وانفراج.

ويمكن أن تتبنى الجهات الحكومية والجمعيات الاجتماعية مبادرات مثل: «الزواج الرشيد»، و«زواج بلا مديونية»، و«فرح بلا هدر»، بحيث تمنح الأسر الملتزمة تسهيلات وشهادات، وحوافز، وخصومات، وأولوية في بعض برامج الدعم، مع اعتماد قاعات أفراح مسؤولة تقدم باقات معتدلة ومعلنة وتتبنى ذات المنهج، فتلتزم بتقليل الهدر، وتنظيم عدد الضيوف، وتحجيم مظاهر البذخ ومزادات عدد الضيوف وحجم المائدة.

كما ينبغي أن يتكامل هذا التشريع مع خطاب ديني واجتماعي وإعلامي يعيد تعريف الفرح ومفهوم الزواج. فالفرح لا يقاس بحجم المائدة ولا بعدد المدعوين الذين لا نعرف أغلبهم ولا فخامة القاعة، ولا بكثافة التصوير، بل بنجاح الخطة وفق الإمكانات دون تضحيات من البعض لحساب صورة وهمية بالية من التفاخر الشكلي، وبراحة النفوس، وكرامة العروسين، وسلامة الأسرة من المديونية والضغوط.

إن المجتمع الذي يربط زواج أبنائه وبناته بالبذخ والضيافة العشوائية الفوضوية، يتسبب من حيث يدري ولا يدري في تأخير أعداد كبيرة من الشباب، ويساهم بتوسيع الفجوة بين القدرة والرغبة.

إن فوضى مناسبات الزواج ليست مجرد هدر مالي، بل هدر للمعنى والقيمة والدلالة. حين تصبح ليلة الزواج أهم من الحياة الزوجية نفسها، وحين يصبح رضا الناس مقدماً على مصلحة العروسين، وحين تُستنزف ميزانية الأسرة في مظاهر عابرة، فإننا أمام خلل ثقافي اجتماعي أخلاقي يحتاج إلى مراجعة شجاعة في المعالجة.

المطلوب اليوم ليس إلغاء الاحتفال، بل تهذيبه وتحديث مفهومه. ووضع مؤشرات تقيس مستهدفات الزواجات البعيدة عن التفاخر والمباهاة وإنقاذهم من عرف اجتماعي صار أثقل من قدرتهم.

إن التشريع الحكومي الرشيد، إذا جاء متوازناً ومدعوماً بمبادرات توعوية وحوافز اجتماعية، يمكن أن يصنع تحوّلاً كبيراً في ثقافة الزواج، ويعيد المناسبة إلى معناها الأصيل، بداية أسرة، لا بداية مديونية؛ وبناء حياة، لا طهبلة ليلة؛ وفرح مبارك، لا سباق مكلف في البذخ والهدر، خاصةً مع انعدام تحديد المسؤولية عن فوضى الهدر والبذخ.

لقد آن الأوان أن نقول بوضوح إن الزواج ليس ميدان منافسة اجتماعية، بل ميثاق حياة. وكل ريال يُنقذ من الهدر يمكن أن يتحوّل إلى استقرار، وكل عادة تُرشّد يمكن أن تفتح باباً لزواج ميسّر، وكل تشريع عاقل في هذا الباب هو حماية للمجتمع من نفسه، ورحمة بالشباب، وإنصاف للأسر، واستثمار في مستقبل أكثر اتزاناً. خاصة في ظروف اقتصادية جعلت الكثير من الشباب خارج دائرة العمل وخارج الدورة الاقتصادية، وفي ظروف اجتماعية تخيم عليها انخفاض معدلات الزواج وارتفاع معدلات الطلاق.

00:03 | 30-06-2026

متحف ومسجد عمر بن الخطاب في الجوف

ليست كل الخسائر ممكنة التعويض أو سهلة التعويض كالخسائر المادية والاقتصادية، فبعض تلك الخسائر تمس الذاكرة والهوية والوجدان والتاريخ. وحين ينهار أثر تاريخي عريق أو يتعرّض للإهمال حتى يفقد أصالته، فإن ما يضيع ليس حجارةً وطيناً فحسب، بل جزء من قصة المكان وسيرة الإنسان وذاكرة الوطن.

وفي منطقة الجوف تقف قلعة مارد شامخة منذ قرون طويلة، شاهدة على تعاقب الحضارات والأمم والقوافل والجيوش. إنها واحدة من أقدم القلاع والحصون في الجزيرة العربية، وواحدة من أبرز المعالم التاريخية التي ارتبط اسمها بتاريخ شمال الجزيرة العربية منذ عصور سحيقة.

إن الخطر الذي يواجه المواقع التاريخية والآثار ليست الحروب والكوارث الطبيعية فحسب، بل ذلك التآكل البطيء الذي يحدث بصمت عاماً بعد عام، عندئذ تصبح عملية الإنقاذ أمراً بالغ الصعوبة والكُلفة. قلعة مارد وأسوارها وحصونها تحتاج إلى تدخل احترافي عاجل وفق أعلى معايير المحافظة على التراث، قبل أن تتفاقم الأضرار أو نفقد أجزاء من هذا المعلم الذي لا يمكن تعويضه إذا انهار أو تشوهت ملامحه الأصلية.

أهيب بوزارة الثقافة الحفاظ على المواقع الأثرية القائمة ذات القيمة التاريخية العالية وصيانتها وترميمها ببالغ الأهمية، خاصة عندما يكون الموقع بعراقة حصن مارد وقيمة مسجد عمر بن الخطاب ومئذنته الأقدم في الإسلام.

كما أنني أتمنى أن تتآكل الفجوة التنموية والإدارية والإجرائية بين القطاعين العام والخاص ليصار إلى تأسيس متحف الخليفة عمر بن الخطاب بجوار مسجد عمر بن الخطاب في الجوف وضمن الواحة التي تضم قلعة مارد ومسجد عمر بن الخطاب وحي الدرع، فذلك أهم تكريم في نظري لهذا الخليفة، لأسبقية إنجازاته وتعددها وأهميتها وتأثيرها في العالم.

إن التعامل مع هذه المواقع بوصفها آثاراً صامتة فقط يمثل هدراً لفرصة تنموية وسياحية وثقافية كبيرة. يجب أن تتحوّل القلاع والحصون والأحياء التاريخية إلى محركات اقتصادية تدر دخلاً مستداماً، فما ينقصنا ليس التاريخ، بل الاستثمار الذكي في التاريخ.

إن مشروعاً متكاملاً لتأهيل قلعة مارد ومسجد عمر بن الخطاب وحي الدرع يمكن أن يحوّل المنطقة إلى واحدة من أهم الوجهات التراثية السياحية في المملكة والمنطقة العربية. ويمكن أن يشمل ذلك إنشاء مسارات سياحية تفاعلية، ومراكز للزوّار، ومتاحف رقمية، وعروضاً ضوئية وصوتية تحكي تاريخ الجوف، ومهرجانات ثقافية موسمية، وأسواقاً للحرِف التقليدية، ومقاهي ومطاعم ذات طابع تراثي، إضافة إلى برامج تعليمية وبحثية تستقطب الباحثين بالآثار والمهتمين بها.

تمتلك المنطقة ميزة تنافسية عالية تتمثل في العديد من القلاع والحصون والمواقع الاستيطانية الأقدم، ومنها قلعة زعبل في سكاكا، وموقع الرجاجيل، وموقع الشويحطية الذي تشير التنقيبات أنه أقدم استيطان بشري في آسيا، بالإضافة إلى جبل الجمل الذي يعد الوحيد في العالم من حيث التكنيك المستخدم لنحت الجمل بالكامل على الجبل. كما أن عدداً من البعثات الأجنبية تعمل على اكتشاف المزيد من المواقع الأثرية الكامنة التي تزخر بها منطقة الجوف نظراً لموقعها الإستراتيجي وتعاقب العديد من الحضارات والجيوش عليها منذ آلاف السنين. لكن ذلك كله للأسف لم يقنع إدارة جامعة الجوف بفتح كلية أو قسم للآثار والسياحة في الجامعة مثلما أن الهوية الاقتصادية الزراعية لمنطقة الجوف لم تقنع إدارة جامعة الجوف حتى الآن بفتح كلية زراعة في جامعة الجوف.

إنني أحيي جهود التنقيب والبحث عن الآثار التي تزخر بها كافة مناطق المملكة التي تقوم بها بعثات التنقيب بإشراف ومتابعة من الجهات الحكومية وفي مقدمتها وزارة الثقافة، لكن ترميم المواقع الأثرية والآثار القائمة وصيانتها يجب ألا يقل أهمية عن جهود التنقيب.

إن السؤال الذي يجب أن يوجه لوزارة الثقافة ليس: كم ستكلف أعمال الترميم؟ بل: كم سيكلفنا التأخر في الترميم؟ فكل عام يمضي دون معالجة شاملة يزيد من احتمالات التدهور ويرفع فاتورة الإنقاذ المستقبلية، وقد يقود إلى خسائر لا يمكن تعويضها مهما أنفقنا بعدها من أموال.

كما أن المواقع الأثرية يجب أن تكون مجالاً سياحياً من خلال تذليل كل الصعوبات التي تحول دون استثمار تلك المواقع من قبل روّاد الأعمال بالمطاعم والكافيهات وغيرها من وسائل الثقافة المصاحبة.

إنني لا أعرف معنى لإغلاق موقع مارد أو مسجد عمر وغيرهما في وجه الزوّار والسيّاح، مثلما أنني لا أجد سبباً يحول دون صيانة وترميم هذه المواقع دائماً وباستمرار. إننا يجب ألا نكتفي بكتابة التاريخ، بل أن نحوّل إرث الماضي إلى فرص في الحاضر.

00:10 | 23-06-2026

ثقافة المسافة في علاقاتنا المهنية والاجتماعية

رغم أن هناك فرقاً بين ما يسمى «العلاقات الاجتماعية» وما يسمى «العلاقات المهنية»، إلا أنهما يشتركان في تنامي الحاجة لخلق ما يسمى «ثقافة المسافة».

فبعدما أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي قادرة على اختراق أدق تفاصيل حياتنا، يبدو الحديث عن «المسافة» بين الناس حديثاً غير مألوف، بل وربما يُساء فهمه أحياناً على أنه دعوة إلى البرود أو الانعزال. لكن الحقيقة أن كثيراً من العلاقات لا تضعف بسبب البعد، وإنما بسبب الاقتراب المفرط، وأن كثيراً من الروابط الإنسانية لا تنهار بسبب قلة التواصل، وإنما بسبب غياب الحدود.

فكما أن لكل دولة حدوداً تحفظ سيادتها، ولكل منزل أبواباً تحفظ خصوصيته، فإن لكل إنسان مساحة شخصية يحتاج إليها ليحافظ على توازنه النفسي وكرامته واستقلاليته. ومن هنا تأتي أهمية ما يمكن تسميته بـ«ثقافة المسافة».

المسافة هنا لا تقاس بوحدة القياس الرياضية والإحصائية ولا تعني القطيعة، ولا تعني الجفاء، ولا تعني جفاف المشاعر الإنسانية أو انعدام الود، ولا تعني التخلي عن الواجبات الاجتماعية والأخلاقية أو المسؤوليات والواجبات المهنية، لكنها تعني إدراك الحدود المناسبة «المرئية» و«غير المرئية» التي تجعل العلاقة صحية وتضمن الاستدامة والاستمرارية الطبيعية دون تقلبات.

في دائرة الأصدقاء، كثيراً ما تبدأ المشكلات عندما يتحوّل الصديق إلى مراقب دائم لتفاصيل حياة صديقه، أو عندما تتحوّل الصداقة إلى شعور بالملكية والوصاية. فالصديق الحقيقي لا يحتاج إلى أن يعرف كل شيء عن صديقه، ولا أن يكون حاضراً في كل لحظة، ولا أن يفسر كل غياب على أنه تقصير أو إهمال. فالصداقة الناضجة تمنح مساحة للحرية بقدر ما تمنح مساحة للمودة.

أما في بيئة العمل، فإن ثقافة المسافة تصبح أكثر أهمية. فالعلاقات المهنية الناجحة تحتاج إلى قدر من الاحترام المتبادل والوضوح في الأدوار والحدود. وعندما تختلط العلاقات المهنية بالعلاقات الشخصية بشكل مفرط، قد تتعقد القرارات، وتختلط المصالح، وتظهر حساسيات تصعب إدارتها. ولذلك فإن كثيراً من المؤسسات الناجحة لا تبني ثقافتها على القرب الشخصي بقدر ما تبنيها على الاحترام المهني.

وفي العلاقات الأسرية والقرابة، يتكرر الأمر ويصبح تحدياً أكبر. فالمحبة العائلية لا تعني التدخل المستمر في تفاصيل حياة الآخرين، ولا تعني فرض الوصاية على القرارات الشخصية. من أجل ربما أصبحنا نتفاجأ بحجم التوتر أو القطيعة بين بعض الأشقاء، والتي يتم تفسيرها جهلاً بأنها تضارب مصالح أو أطماع أو غير ذلك من الأسباب الظاهرية، لكننا أبداً لا نعير اهتماماً ولا ننتبه للأسباب الناجمة عن كثرة وتكرار التدخل غير المبرر وعدم مراعاة المسافة التي تضمن مساحة من الحرية للأخ أو الصديق أو الزميل، وعدم إدراك أن المحبة لا تمنحك حق السيطرة.

حتى الجيرة، التي تعد من أرقى العلاقات البشرية، تحتاج إلى هذه الثقافة. فالجار الصالح ليس من يقتحم خصوصيات جاره، وإنما من يعرف متى يقترب ومتى يبتعد، ومتى يقدم المساعدة ومتى يترك لصاحبه حق الاختيار والخصوصية.

ومن المفارقات أن بعض الناس يظنون أن قوة العلاقة تقاس بمقدار القرب، بينما تشير تجارب الحياة إلى أن قوة العلاقة تقاس بقدرتها على البقاء. والعلاقات التي تبقى طويلاً هي غالباً تلك التي نجحت في الحفاظ على التوازن بين القرب والمسافة، بين الحضور والغياب، وبين الاهتمام والاحترام.

ثقافة المسافة ليست ثقافة تباعد، بل ثقافة نضج. وهي لا تقلل من قيمة العلاقات، بل تحميها من الاستهلاك والابتذال ومن تجاوز خطوط الاستقلالية والصدام أو الاحتكاك المفرط الذي يحول المودة إلى ضيق ونفور، والاهتمام الزائد إلى رقابة، والقرب إلى عبء. فالمسافة الحكيمة هي الجسر الذي يحفظ العلاقة من الانهيار، ويمنحها فرصة الاستمرار والنمو عبر الزمن.

المسافة المطلوبة للحفاظ على من تربطنا بهم علاقة وود، تشبه إلى حد كبير المسافة بيننا وبين النار في ليالي الشتاء. إذا ابتعدنا عنها كثيراً شعرنا بالبرد، وإذا اقتربنا منها أكثر مما ينبغي تعرضنا للاحتراق.

لعل هذه الإشكالية هي ما جعل الغالبية يؤثرون التواصل مع أصدقائهم وزملائهم من خلال الهاتف والواتساب وغيرهما من قنوات التواصل الاجتماعي، وذلك لسهولة التحكم بالمسافة من خلال الحظر أو عدم الرد أو العديد من أساليب وقف المضايقات من دائرة المقربين.

أخيراً، إذا كنا نتجاوز هذه الظاهرة في العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع حسب نوع العلاقات الاجتماعية، فهل يمكن غض النظر عن هذه الظاهرة عندما تقوم بها الشركات وأرباب العمل مع موظفيهم خارج العمل وفي بيوتهم وفي إجازاتهم وخلال إجازة نهاية الأسبوع؟

في المؤسسات والشركات العامة وغير العامة من يستغل حاجة الموظفين الماسة للوظيفة، خاصة صغار الموظفين، وهناك من يستغل جهل الموظفين الجدد بحقوقهم فيكلفهم في منازلهم وفي إجازاتهم ويستنزفهم بالإيميل والواتساب والهاتف للقيام بعمل دون تكليف ودون مقابل. إذا لم يكن هذا استغلالاً، فما الذي يمكن أن يكون؟

لقد حان وقت سن تشريعات وخلق ابتكارات تلزم المؤسسات وأرباب العمل بأن تحفظ حقوق الموظفين أمام مديريهم وزملائهم في العمل والذين يستغلون حاجتهم للوظيفة أو الذين يجهلون حقوقهم فيشغلونهم سخرةً خارج أوقات الدوام أو يبتزونهم بطريقة غير مباشرة بإعطائهم إجازاتهم مقابل الإبقاء على قنوات الشغل مفتوحة خلال إجازات الأسبوع والأعياد والإجازات السنوية وحتى أنصاف الليالي.

هناك حاجة ماسة لحفظ حقوق صغار الموظفين والموظفين الجدد من بعض أرباب العمل ومن المديرين والعاملين الذين يستغلونهم كحلقة ضعيفة تكافح للبقاء في الوظيفة وعدم خسارتها.

00:14 | 16-06-2026

المؤسسات والتحوّل من السلطة الإدارية المطلقة إلى سلطة البيانات..

على مدى أكثر من قرن، بُنيت المنظمات الحديثة على نموذج هرمي واضح: المعلومات تصعد إلى الأعلى، والقرارات تنزل إلى الأسفل. وكانت السلطة مرتبطة بالموقع الوظيفي، وكلما ارتفع الشخص في الهيكل التنظيمي ازدادت قدرته على الوصول إلى المعلومات وصلاحياته وبالتالي اتخاذ القرار. لكن الثورة الرقمية قلبت هذه المعادلة رأساً على عقب، وبدأت تعيد تعريف مفهوم السلطة وخطوطها داخل المؤسسات.

كان المدير أو الرئيس يمتلك سلطة شبه مطلقة تبعاً لما يمتلكه ويحتكره من المعرفة بتفاصيل المنظمة ومجالات عملها. التي تحرك المنظمة وتتحرك بها المنظمة. فالتقارير تمر عبره، والبيانات تتجمع عنده، والموظفون يعتمدون عليه وعلى مكتبه في تحليل وفهم الواقع.

لكن الواقع الرقمي الجديد خلط الأوراق في المنظمات. فقد مكّنت سلطة البيانات بعض العاملين وبعض الإدارات الوسطى من نفس البيانات والتحليلات التي يتحصّل عليها المدير وربما أكثر، وأصبحت تلك البيانات متاحة رسمياً لكل من لديه صلاحية الوصول، بجانب «العاملين عليها» من الفنيين و المتخصصين عبر لوحات التحكم الرقمية وأنظمة الذكاء الاصطناعي ومنصات التحليل المتقدّمة. فإذاً، لم يعد السؤال (مَن يملك المعلومات؟) بل أصبح (مَن يستطيع تفسير البيانات واتخاذ القرار الصحيح بناءً عليها؟).

من ناحية أخرى، تسبّب الواقع الرقمي الجديد بتقليص المسافة بين صانع القرار والواقع التشغيلي للمنظمة. فالمدير التنفيذي أصبح مطالباً بالإلمام بأبجدية قراءة مؤشرات الأداء، والإنتاجية وحركة المبيعات، ورضا العملاء، ليختصر المرور بسلسلة طويلة من الإدارات الوسطى. وهنا بدأت تظهر أولى علامات التحوّل في مراكز القوة داخل المنظمات.

الإدارات الوسطى كانت تقليدياً تؤدي دور الوسيط بين القيادة العليا والتنفيذ. لكنها اليوم تواجه تحدياً غير مسبوق. فكلما ازدادت الأنظمة الرقمية ذكاءً، تراجعت الحاجة إلى بعض الوظائف التي تعتمد أساساً على نقل المعلومات وتجميع التقارير وإعداد الملخصات وقراءة النتائج. وأصبحت قيمة الإدارة الوسطى مرتبطة بقدرتها على التحليل والتوجيه والتمكين.

فهل نحن أمام نهاية السلطة الهرمية التقليدية؟ المنظمات لا تعمل دون قيادة ومسؤوليات واضحة، لكن ما يحدث هو تحوّل تدريجي من «سلطة المنصب» إلى «سلطة المعرفة والبيانات». فالقرار لم يعد يستمد شرعيته فقط من توقيع المدير، بل أصبح يستمد رشده ونضجه من الأدلة الرقمية التي تدعمه.

إننا نشهد صعود نموذج جديد يمكن تسميته «السلطة الأفقية للبيانات». ففي هذا النموذج تتدفق المعلومات عبر المنظمة كلها في الوقت نفسه، ويصبح بإمكان فرق العمل المختلفة الوصول إلى مؤشرات الأداء ذاتها. وهنا تتحوّل القوة من احتكار المعلومة إلى القدرة على قراءتها واستثمارها.

ولعل أخطر ما في هذا التحوّل أنه يغيّر طبيعة القيادة نفسها. فالقائد الرقمي لا ينجح لأنه الأكثر إصداراً للأوامر، بل لأنه الأكثر قدرة على بناء الأنظمة، وطرح الأسئلة الصحيحة، وقراءة الإشارات المبكرة وتوجيه المنظمة بناءً على البيانات.

وقد تشهد المرحلة القادمة ظهور هياكل تنظيمية أكثر أفقيّة وأقل هرميّة، حيث تتراجع المستويات الإدارية المتعددة لصالح فرق عمل مرنة مدعومة بالذكاء الاصطناعي. وفي بعض المنظمات قد يصبح محلل البيانات أو مهندس الخوارزميات أكثر تأثيراً في القرار من مدير تقليدي يمتلك سلطة إدارية كبيرة، لكن دون فهم عميق للبيانات.

ومع ذلك فالمستقبل لا يشي بصراع بين المدرستين: التقليدية الهرمية والرقمية الأفقية، بل ستتبنى أغلب المنظمات الدمج بين النموذجين. فالمنظمة الناجحة ستكون تلك التي تجعل البيانات أساس القرار، دون أن تتخلى عن الدور البشري في تفسير الدلالات وصناعة القرارات المستقبلية.

إن أكبر تحوّل تشهده المؤسسات اليوم ليس انتقال القرار من مدير إلى موظف، بل انتقاله مِن «مَن يملك السلطة؟» إلى «مَن يملك الفهم الأعمق للبيانات؟». وعندما تصبح البيانات لغة المنظمة المشتركة، فإن النفوذ لن يُقاس بعدد المرؤوسين في الهيكل التنظيمي، بل بقدرة الفرد أو الفريق على تحويل البيانات إلى قيمة، والمعلومات إلى قرار، والقرار إلى أثر.

عندئذ يكون السؤال الأهم (كيف نعيد تصميم السلطة نفسها في عصر البيانات؟)؛ لأن السلطة التي لا تتكيّف مع الرقمنة قد لا تختفي فحسب، بل قد تصبح غير ذات صلة في عالم يتخذ قراراته بفاعلية وسرعة فائقتين.

كما أن الفرصة سانحة للجهات المهتمة بالتغيير الإداري، لإجراء دراسة استكشافية وتشخيصية شاملة لكافة القطاعات والوقوف على المرحلة التي يمكن من خلالها التنبؤ بالإتجاهات الإدارية المستقبلة للمؤسسات، وما إذا كان هناك تفاوت واختلاف بين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والكبيرة في هذا المجال.

00:19 | 9-06-2026

أنا أصوّر إذاً أنا موجود..!

قبل قرون، صاغ الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت عبارته الشهيرة: «أنا أفكّر إذاً أنا موجود». لم تكن مجرد جملة فلسفية، بل هي تأكيد عن أن جوهر الإنسان يكمن في عقله ووعيه وقدرته على التفكير. فالإنسان موجود لأنه يفكر، ويفكر لأنه يمتلك ذاتاً واعية مستقلة عن العالم من حوله.

لكن لو عاد ديكارت إلى عالمنا اليوم، ربما سيفاجأ بأن الإنسان المعاصر قد استبدل هذه المقولة بأخرى غير مكتوبة، لكنها تُمارس يومياً ملايين المرات:

«أنا أصوّر إذا أنا موجود». ففي عصر الأجهزة الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، لم يعد الإنسان يكتفي بعيش اللحظة، بل أصبح يشعر بحاجة متزايدة إلى تصويرها وتوثيقها ونشرها وإظهارها، وكأن قيمة الحدث لم تعد فيما يضيفه إلى حياتنا، بل فيما يضيفه إلى حساباتنا.

لقد أصبحنا نوثق حياتنا أكثر من أن نعيشها. أصبحنا نبني صورنا، بعد أن كنا نبني ذواتنا. وبين واقعنا وصورنا مسافةٌ تفاقم مأساتنا، وتعمّق غربتنا. حتى لم يعد السؤال من أنت؟ بل أصبح السؤال كيف تبدو؟

ولم يعد النجاح يُقاس بما نقوم عليه وننجزه بقدر ما يُقاس بما نُظهره. هكذا انتقل الإنسان من مجتمع الإنتاج إلى مجتمع الاستعراض.

نحن لا نسافر فقط، بل نصور سفرنا. ولا نأكل الطعام فقط، بل نوثّق طعامنا. ولا نحضر المناسبات فقط، بل نبثها مباشرة. حتى اللحظات الخاصة التي كانت تنتمي إلى الذاكرة أصبحت تنتمي إلى المنصة.

لقد انتقل الإنسان المعاصر من استهلاك الأشياء إلى استهلاك الصور، ومن صناعة الخبرة إلى صناعة الانطباع. كنا نسأل أنفسنا ماذا تعلمنا؟ ماذا أنجزنا؟ ماذا أضفنا إلى حياتنا؟ اليوم أصبح السؤال الذي يسبق كثيراً من الأفعال هو: كيف نبدو على الشاشة؟ وهنا نقطة التحوّل الحضاري الكبرى.

أصبحت الهوية الفردية أقرب إلى «علامة تجارية» منها إلى كينونة إنسانية. فكل شخص يُدير صورته الذهنية، ويختار زوايا ظهوره، ويصمّم محتواه، ويتابع مؤشرات الأداء الخاصة به من إعجابات ومشاهدات ومتابعين. وأصبح النجاح عند البعض يقاس بمدى الحضور الرقمي أكثر من عمق الأثر الحقيقي.

هذا لا يعني أن التقنية مشكلة في ذاتها، فهي من أعظم أدوات العصر. لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الصورة أهم من الواقع، وعندما يتحوّل الوجود الحقيقي إلى مجرد مادة خام لإنتاج محتوى جديد.

الإنسان الذي ينشغل بإظهار حياته أكثر من عيشها ومعايشتها، يواجه خطراً وجودياً خفياً. فالمسافة تتسع شيئاً فشيئاً بين شخصيته الحقيقية وشخصيته الرقمية.. بين ما هو عليه فعلاً وما يود أن يراه عليه الآخرون. ومع مرور الزمن قد يصبح أسيراً لصورته التي صنعها بنفسه.

ولعل أخطر ما أنتجه مجتمع الصورة ليس التصوير ذاته، بل تحويل الاعتراف الاجتماعي إلى مصدر رئيسي للقيمة الذاتية. فبدلاً من أن يستمد الإنسان قيمته من أخلاقه أو علمه أو إنجازه أو علاقاته الحقيقية، أصبح بعض الناس يستمدونها من أرقام تتغيّر كل دقيقة على شاشة الأجهزة الذكية.

وهكذا ظهر إنسان يخشى الغياب أكثر مما يخشى الفشل، ويقلقه انخفاض التفاعل أكثر مما يقلقه انخفاض المعرفة، ويؤلمه فقدان المتابعين أكثر مما يؤلمه فقدان القيمة والمعنى.

لقد أصبح الإنسان المعاصر يعيش مفارقة غريبة؛ فهو الأكثر ظهوراً في التاريخ، لكنه ليس بالضرورة الأكثر معرفة بنفسه. والأكثر اتصالاً بالآخرين، لكنه ليس بالضرورة الأقل وحدة. والأكثر توثيقاً للحظاته، لكنه ليس بالضرورة الأكثر استمتاعاً بها.

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه إنسان العصر كيف ينتج المزيد من الصور، بل كيف يحافظ على ذاته خلف هذه الصور.

فالصورة يجب أن تكون شاهداً على الحياة وتوثيقا لها، لا بديلاً عنها، والهوية يجب أن تُبنى من الداخل قبل أن تُعرض في الخارج.

ولعل السؤال الذي سيصبح أكثر إلحاحاً في المستقبل ليس «ماذا نشرت اليوم»؟ بل من أنت عندما تنطفئ الشاشة؟ هناك فقط يبدأ الجواب الحقيقي عن الوجود الإنساني.

00:16 | 2-06-2026

التنافسية الاستثمارية.. 13 منطقة وهوية اقتصادية

نجاح تجارب بعض مناطق المملكة خلال العقود الماضية وإلى اليوم فيه الكثير من الدروس فهو لم يكن مصادفة، ولم يكن نتيجة «المال» وحده كما يُعتقد أحيانًا، بل كان نتيجة تفاعلات بين الجغرافية والبنية الاقتصادية، والثقافة المحلية، والقيادات، التوقيت التاريخي، وقدرة المنطقة على استثمار ميزتها النسبية قبل غيرها.

من هنا، فإن فهم تجارب بعض المناطق السعودية وقصص نجاحها، يساعدنا على فهم كيف تُبنى «الهويات الاقتصادية للمناطق»، وكيف تتحوّل بعض المدن والمناطق إلى حاضنات مستثمرين وروّاد أعمال، ومنصات تأثير اقتصادي وثقافي وإداري داخل ذات المنطقة وخارجها،

رغم التفاوت بين مناطق المملكة الـ13 بمساحاتها الجغرافية وكثافتها السكانية، وتنوع مواردها الطبيعية التي حباها الله وبمواردها البشرية والكثير من مقوّمات الاستثمار.. ورغم ما حظيت به كل مناطق المملكة من دعم حكومي سخي وميزانيات ضخمة خلال العقود الماضية ولكافة القطاعات منذ البدء بخطط التنمية.

صحيح أن المال مهم في التنمية، وصحيح كذلك أن الموارد الطبيعية ضرورية للاستثمار، لكن هناك الإدارة ورأس المال البشري والقيادة التي لا تقل أهمية عن المال وعن الموارد الطبيعية في المنطقة.

تلك النجاحات والتجارب الاستثنائية لبعض المناطق، تضعنا أمام مسؤولية وطنية تنموية لتأصيل وتوثيق تلك التجارب الاستثنائية والقصص الملهمة وتكريم روّاد النجاح لتلك التجارب من المعاصرين وممن سبقهم، وتعظيم الفائدة من نجاحاتهم وتجاربهم.. مثلما تضعنا نجاحات بعض المناطق أمام مسؤولية طرح سؤال عن أسباب عدم استفادة المناطق التي لا تزال تبحث عن هويتها الاقتصادية والتي لا تزال تتلمس طريقها لأسباب إما إدارية من خلال ترجمة واستثمار مواردها الطبيعية والبشرية وميزتها الثقافية والجغرافية النسبية لتلتقي مع أغلب مستهدفات رؤية المملكة 2030 والتي من ضمنها تنويع مصادر الدخل الوطني وجودة الحياة.

تقتضي المرحلة -على ما يبدو- البحث في إيجاد آليات إدارية تفاعلية بين إدارات المناطق، بجانب إيجاد وتفعيل منبر أو منصة تعنى بالوعي الإداري والتقني التنموي والاستثماري وإتاحة الفرصة المباشرة وغير المباشرة لتدوير الفائدة والتجارب الناجحة وتنضيج المتأخر والمتعثر منها في بعض المناطق، وتصحيح مسارات بعضها، ويشمل ذلك كل الإدارات الحكومية وفروع الوزارات في المناطق للمواكبة والتوأمة في بعض الأحيان، وعدم التكرار والتخلص من العناصر التي تحول دون تقدّم وتنمية بعض المناطق.

كما أن المرحلة ربما تقتضي إيجاد وتفعيل مؤشر المناطق ربع السنوي على مستوى المملكة لتحديد المناطق الأكثر جاذبية استثمارية وذلك لخدمة المستثمرين، ولتنبيه المناطق المتأخرة أو المتعثرة إداريًا والمناطق المترددة في رسم هويتها الاقتصادية الاستثمارات الصناعية، التقنية، الزراعية، السياحية، اللوجستية، والعقارية، والخدمية، ليشمل حجم الجذب وسرعة النمو والبنية التحتية وجاهزية الإدارات الحكومية وعدم تضارب إجراءاتها ومرونة الإجراءات وجودة البنية الاقتصادية وحجم المشروعات، والقدرة على جذب الشركات والمواهب والعقول، والقرب من المنافذ الحدودية والموانئ والممرات البحرية.

المستثمر يبحث عن الفرص العادلة والتشريعات الواضحة والإجراءات الأقصر والأسرع، والاستثمار لا يبحث عن الموارد فقط، لكنه يبحث كذلك وبالتوازي عن البيئة التي تشعره بإدارة محلية صديقة تعمل معه لا ضده وثقافة محلية شريكة له، ولهذا متوقع أن تكون المنافسة في الاستثمار بين المناطق السعودية الأكثر ودية وجاذبية للمستثمرين، خاصة مع التحوّل التاريخي الذي رسمته رؤية السعودية 2030، حيث لم تعد المناطق الـ13 مجرد تقسيمات إدارية، بل تحوّلت إلى وحدات اقتصادية وتنموية تتنافس على جذب المستثمر واستقطاب المواهب والعقول ورفع جودة الحياة وتحويل الميز المحلية إلى اقتصاد مستدام. إن أفضل المناطق وأكثرها قابلية للاستثمار وجذبًا للمستثمرين ليست هي الأغنى بمواردها، بل هي الأسرع والأوضح والأقل تعقيدًا والأعلى سرعة والأكثر تعاونًا والأكثر احترافية.

تبرز الحاجة إلى مؤشر وطني شفاف يقيس أداء المناطق الـ13 في تحفيز الاستثمار، وجودة الخدمات الاستثمارية، وسرعة الإجراءات، وكفاءة الحوكمة، وكفاءة مراكز الأعمال ورضا المستثمرين، وعدد المشروعات التي نجحت واستمرت، لا التي افتُتحت فقط بهدف خلق تنافس تنموي صحي وكشف مكامن التعثر وتحفيز القيادات المحلية، وتوجيه الدعم والقرارات بناءً على بيانات حقيقية. ونجاح الاستثمار في المناطق مناط كذلك بقدرة القيادات المحلية على صناعة ثقافة صديقة للإنجاز والشراكة والمسؤولية المجتمعية والمنطقة التي لا تطور بيئتها الاستثمارية ستتراجع حتى لو امتلكت موارد ضخمة.

00:50 | 26-05-2026

الهيئة المنسيّة في وزارة الثقافة السعودية..

سجالات رفيعة المستوى والقيمة يدور رحاها هذه الأيام في منصات التواصل الاجتماعي حول التدريس بالإنجليزية في جامعة الرياض للفنون، ومن قبله السجال حول قرار جامعة الملك سعود بإلغاء التخصصات والأقسام الإنسانية والذي تم العدول عنه لاحقاً. كما أن مستوى المشاركين بهذه السجالات ونوعيتهم يمثل انعطافة مهمة بمحتوى منصات التواصل الاجتماعي وتأثيرها، خلافاً لكثير من القضايا في السابق والتي أفسدها المستوى المنخفض للمشاركين.

إن الأداء المتميّز للنقاش في هذه القضايا والمستوى الرفيع للمشاركين في هذه السجالات، يدعونا للتفكير في تعظيم الاستفادة من هكذا بيئة سجالية فكرية وثقافية حضارية.

لقد دعوت في أحد المقالات مركز الملك عبدالعزيز للتواصل الحضاري أن يستثمر هذه السجالات المهمة، وأن يلعب دوراً في الاستفادة منها للوصول بها إلى توصيات وخلاصات يمكن البناء عليها في مأسسة الفكر والثقافة وصناعة القرارات الوطنية ذات الصلة.

اليوم أدعو بأن يكون لوزارة الثقافة دور في تأصيل وتجذير هذا النوع من السجالات لتصبح مكوّناً من مكوّنات وتشكيلات الهوية الثقافية والفكرية الوطنية. حتى لو تم نقل تلك الحوارات من المنصات الرقمية إلى القاعات وجهاً لوجه.. لا يمكن أن تبقى الثقافة أو الفكر بوصفهما نشاطين إبداعيين فحسب، دون اعتبارها منظومة تُشكّل شخصية المجتمع، وتحدد منهجيته في كيفية رؤيته لنفسه والعالم. ولذلك لا يمكن أن تنحصر الهوية الثقافية بالجانب الرمزي أو النخبوي فقط، لأنها أهم ملفات القوة الناعمة، والتنافس الحضاري، واستدامة الإبداعات والابتكارات الوطنية، بما في ذلك الجدل العميق الدائر حول أهمية استخدام اللغة العربية في التدريس لجامعة الرياض للفنون.

لقد حقّقت المنظومة الثقافية عبر الهيئات الثقافية المتخصصة التابعة لوزارة الثقافة الكثير، لكن اتساع التحوّلات الرقمية، وتسارع العولمة الثقافية، وتغيّر أنماط العيش، وبروز الذكاء الاصطناعي والعولمة الرقمية، عوامل تفرض سؤالاً عمّن يدير الهوية الثقافية وكيف؟

الهوية لم تعد ثابتة، بل أصبحت عرضة لإعادة التشكيل المستمر عبر المنصات الرقمية، والخوارزميات، والثقافة العالمية، وثقافة السوق وأنماط الاستهلاك اليومية. وهنا تبرز الحاجة إلى التفكير في استحداث (هيئة للهوية الثقافية) تكون مهمتها باستمرار دراسة وبلورة الشخصية الثقافية، وتطويرها وتحويلها من مجرد إرث تاريخي إلى قوة وطنية فاعلة عالمياً في الاقتصاد والتعليم والإعلام والفضاءات العامة.

إن الهيئات الثقافية الحالية تعمل على قطاعات متخصصة: الأفلام، التراث، الأزياء، الأدب، المتاحف، الموسيقى، وغيرها. لكن «الهوية الثقافية» ليست قطاعاً منفصلاً، فهي الإطار الجامع الذي يربط كل تلك القطاعات ببعضها ويمنحها معنى واتجاهاً ودلالة.

الهوية ليست مجرد أزياء، أو لهجات أو فولكلور، بل منظومة تشمل: اللغة والقيم، الذوق العام، أنماط العيش، السلوك الاجتماعي، الصورة الذهنية الوطنية، الرموز الثقافية، العلاقة بالماضي والمستقبل، بجانب السجالات الفكرية والثقافية في الفضاءات الرقمية، المحتوى الإعلامي. من هنا يعد إحداث وتأسيس هيئة متخصصة بالهوية الثقافية يعني الانتقال من إدارة الأنشطة الثقافية إلى إدارة شخصية حضارية للمجتمع والوطن.

هذه الهيئة لا بد أن تعمل على حماية الهوية الوطنية في عصر العولمة الرقمية وتبنّي سياسات تحول دون التآكل الثقافي وتمنع الانغلاق وتعزز حضور اللغة العربية بصفتها وعاءً للهوية والمعنى والسردية الوطنية، وصناعة السردية الوطنية.

كما تقوم الهيئة المقترحة بربط الهوية بالاقتصاد من خلال تحويل الهوية إلى قوة اقتصادية في السياحة، والمحتوى، والمنتجات المحلية، والعمارة، والأزياء، وفنون الطهي والسجالات الفكرية والثقافية.

وتبني الهيئة المقترحة مؤشراً وطنياً للهوية الثقافية يقيس مستوى حضور الهوية في المجتمع والإعلام والتعليم والسوق والفضاء الرقمي، بجانب حماية الهوية البصرية والعمرانية الوطنية، فلا تتحوّل مدننا إلى نسخ متشابهة بلا روح محلية أو ذاكرة حضارية، وتعزيز الهوية الثقافية لدى الأجيال الجديدة.

كما تتولى الهيئة إعداد الدراسات الإستراتيجية الوطنية للهوية الثقافية ومراجعة الأثر الثقافي للمشروعات الكبرى والسياسات العامة والتنسيق مع الوزارات ذات العلاقة وتطوير معايير الهوية في العمارة والتصميم والمحتوى، وإطلاق برامج لتعزيز الهوية في المدارس والجامعات وتدعم الدراسات والأبحاث المتعلقة بتحوّلات الهوية، بجانب مراقبة ورصد التغيّرات الثقافية والسلوكية في المجتمع وتمكين المحتوى القادر على التعبير عن الشخصية الوطنية، بجانب حماية الرموز الثقافية من التشويه أو التذويب وبناء قواعد بيانات ومراصد للهوية والتحولات الثقافية.

ويمكن أن تتحقق الهيئة كل ذلك من خلال الأدوات التالية: 1) المرصد الثقافي الوطني، 2) المختبرات الثقافية المتخصصة بدراسة الهوية الرقمية وتأثير الذكاء الاصطناعي على الثقافة وتحولات اللغة، الثقافة الشبابية، الهوية العمرانية، الصورة الذهنية الوطنية في العالم، و3) الشراكات العابرة للقطاعات.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الأمم هو فقدان الشخصية والهوية، وفي عصر الذكاء الاصطناعي، والمنصات العابرة للحدود، والثقافة الخوارزمية، فلابد أن يكون الهدف هو كيفية الحفاظ على الإنسان بوصفه حاملاً للمعنى واللغة والقيم والذاكرة ومن هنا، فإن استحداث هيئة للهوية الثقافية، هو مشروع إستراتيجي طويل المدى لحماية الشخصية الوطنية، التي تمرّ بواحدة من أكبر وأسرع مراحل التحوّل في تاريخها.

00:16 | 19-05-2026

تمكين روّاد الأعمال في المناطق الحدودية من أسواق دول الجوار

تتمتع المملكة بمساحة جغرافية مترامية الأطراف، وتتموضع في قلب منطقة حيوية اقتصادياً وجغرافياً، وترتبط بحدود مباشرة مع عدد من الدول المجاورة والأسواق التي تمثّل فرصاً استهلاكية وتجارية وخدمية ضخمة.

ومن هنا يبرز سؤال: هل يمكن أن يصبح التجاور الجغرافي بين أي منطقة من مناطق المملكة مع أسواق الدول المجاورة ميزة نسبية تنافسية لكل منطقة سعودية مجاورة لسوق من أسواق الدول المجاورة؟

وكيف تتحوّل المناطق الحدودية من أطراف جغرافية إلى مراكز إنتاج وتصدير وتأثير في أسواق الدول المجاورة، خاصة مع ما تتملكه المملكة من بنية تحتية حديثة، ومنافذ نشطة ورافعة لوجستية مهمة بالإضافة إلى ربط المملكة بالأسواق العربية والآسيوية والأفريقية؟

تتنوّع مناطق المملكة الإدارية الثلاث عشرة بمواردها وإمكاناتها وهوياتها الاقتصادية، مما يجعل كل منطقة من تلك المناطق مؤهلة لبلورة وتطوير اقتصاداتها استناداً إلى ما تمتلكه من مقوّمات وموارد طبيعية وبشرية وبُنية تحتية وفرتها الدولة، مما يسهم مباشرة وغير مباشرة بخلق وتوفير آلاف الفرص الوظيفية لأبناء المناطق الحدودية، الذين لا تسمح الظروف المادية لبعضهم بالعمل في العاصمة أوالمدن الكبرى. كما أن هذه الخطوة ستسهم بفتح عشرات الفرص الاستثمارية في المناطق الحدودية. النجاح الحقيقي لهذه الفكرة لا يتحقّق عبر نقل شركات من العاصمة والمدن الكبرى إلى الحدود، بل عبر صناعة وتمكين روّاد أعمال من أبناء المنطقة الحدودية واستثمار معرفتهم الاجتماعية والثقافية.

إن تمكين روّاد الأعمال في المناطق الحدودية من أسواق الدول المجاورة لا ينبغي أن يقتصر على الدعم التجاري أو تشجيع التصدير، بل باعتباره مشروعاً وطنياً لإعادة تعريف وظيفة الحدود اقتصادياً. فالحدود التي لا تُنتج اقتصاداً، تتحوّل مع الوقت إلى أطراف مستهلكة تعتمد على المركز، بينما الحدود التي تُدار اقتصادياً، تصبح مورداً من موارد الدولة غير النفطية.

يتميّز روّاد الأعمال في المناطق الحدودية بأنهم لا يعملون داخل سوق محلي فقط، بل إنهم يعيشون بالقرب من أسواق مختلفة ثقافياً وسعرياً وفجوات في العرض والطلب بين الدول وفرص لوجستية وتجارية وسياحية وزراعية ضخمة وقدرة أعلى على فهم الديموغرافيا والجغرافيا المجاورة والاحتياجات العابرة للحدود، ومن هنا فإن رائد الأعمال «الحدودي» يمكن أن يصبح مُصدِّراً صغيراً أو وسيطاً لوجستياً أو مطوِّراً للخدمات العابرة للحدود، أو مُسوّقاً للمنتجات الوطنية.

من هنا لا بد من دور فاعل وعاجل لتمكين روّاد الأعمال في المناطق الحدودية من خلال إنشاء «مناطق ريادة حدودية خاصة» تتمتع بحوافز استثنائية مثل: 1) إعفاءات ضريبية وجمركية، 2) سرعة التراخيص، 3) دعم النقل والتخزين، 4) مرونة أكبر في الأنشطة التجارية.

كما أن هناك حاجة متنامية بأن تتحوّل هذه المناطق إلى 1) مراكز تصدير صغيرة ومتوسطة، 2) حاضنات للتجارة العابرة للحدود، 3) منصات تصنيع خفيف موجهة لأسواق الدول المجاورة. كما أن الحاجة قد تكون قائمة لإيجاد وتأسيس «بنك فرص الأسواق المجاورة».

إن الجهل باحتياج الأسواق المجاورة يعد من أفدح الأخطاء التي يقع بها روّاد الأعمال، فكان لا بد أن تقوم البرامج أو المبادرات على توفير قواعد بيانات للسلع المطلوبة للأسواق المجاورة، وخرائط الفجوات التجارية، وتحليلات للأسعار والقدرة الشرائية، ومعلومات عن الأنظمة والاشتراطات، وتقارير دورية عن الفرص القطاعية.

أي أن أي دور في هذا المجال، لا يمكن أن يكتفي بالتمويل، بل توفير «المعرفة السوقية» ودعم النقل واللوجستيات الحدودية ودعم الشحن الحدودي وإنشاء مخازن تبريد مشتركة وإقامة مناطق فرز وتغليف وتوفير خدمات تخليص مبسطة ودعم التجارة الإلكترونية العابرة للحدود وتمكين المنتجات المحلية القابلة للتصدير ومنها المنتجات زراعية والصناعات الحرفية اليدوية والثروات الطبيعية والمنتجات الموسمية. والتأهيل للتصدير مثل تطوير التغليف وبناء العلامات التجارية والتدريب على التصدير وتوحيد المواصفات والتسويق الدولي والإقليمي وإنشاء «منصات تجارة حدودية رقمية» تربط المنتج المحلي والمشترين في الدول المجاورة وشركات النقل والتخليص الجمركي والدفع الإلكتروني.

إن هذا التوجه يصب في رؤية المملكة 2030، ويترجم مستهدفاتها، ويسهم بتحقيق برامجها، وقد خصصت بعض المقالات التي أكتبها في «عكاظ» لما يعزّز الهويات الاقتصادية للمناطق الثلاث عشرة، كما كتبت عن أهمية تمكين روّاد الأعمال في المناطق الحدودية من أسواق دول الجوار، لكن الكتابة عن هذا الموضوع في هذه المرحلة وفي هذا التوقيت يكتسب طابعاً مختلفاً؛ نظراً للنضج الاقتصادي الذي وصلته تجربة المملكة، والأزمات التي تعيشها المنطقة في السنوات الأخيرة.

00:12 | 12-05-2026