أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/236.jpg?v=1766066142&w=220&q=100&f=webp

عبداللطيف الضويحي

حق المواطن العادي بالابتكار.. ومبادرة الابتكار للجميع

بدايةً أدعو بأن يكون لكل إنسان في المملكة حق الابتكار، من خلال إيجاد وتأمين طريق قصير وعادل ومعلوم للابتكار منذ بداية المشكلة إلى بلورة الفكرة إلى التجربة إلى السوق.

لا يجوز أن تضيع في المملكة فكرة جيدة؛ لأن صاحبها لا يعرف إلى أين يذهب، أو لا يملك المال، أو يعيش بعيداً عن المدن الكبرى، أو لا يحمل مؤهلاً علمياً، أو يعمل في مهنة لا تُصنّف تقليدياً ضمن قطاعات الابتكار. لا بد أن يصبح الابتكار متاحاً للجميع، وحقوق الابتكار مكفولة كالماء والهواء.

فلم تعد ثروة الدول تُقاس فقط بما تختزنه أراضيها من نفط وغاز ومعادن ومياه، ولا بمساحتها وعدد سكانها وموقعها الجغرافي. فثمة «الابتكار» المورد الجديد الذي أخذ يعيد تشكيل خريطة القوة والثروة في العالم.

من هنا يمكن النظر إلى الابتكار باعتباره بديلاً نسبياً للموارد الطبيعية، وزناداً يطلق طاقات الموارد البشرية. فالندرة بالموارد الطبيعية كثيراً ما تكون دافعاً وسبباً للبحث الدؤوب عن مورد بديل للدول.

الابتكار ليس بديلاً كاملاً عن الموارد الطبيعية، إلّا أنه يظل قادراً على تقليل الاعتماد على الموارد، وتعظيم قيمتها، وابتكار بدائل لها. فالماء المحدود والأرض الزراعية المحدودة والمواد الخام المحدودة يجعلها الابتكار موارد ذات قيمة إضافية وممتدة.

كل الدول تمتلك موارد بشرية، لكن الفارق الكبير بينها يكمن في قدرتها على إطلاق مارد الابتكار والمبتكرين والاستفادة القصوى من العقول.

هناك حلقة مفقودة، هي القدرة على تحويل المعرفة إلى فكرة، والفكرة إلى تجربة، والتجربة إلى منتج، والمنتج إلى سوق، والسوق إلى ثروة، بذلك يتم إعمال زناد الموارد البشرية، ويتحوّل الإنسان من مستهلك للمعرفة إلى منتج لها، ومن مُنفّذ للعمل إلى مطوّر له، ومن متعايش مع المشكلة إلى باحث عن حلٍّ لها.

ليس كلّ الناس مبتكرين بالدرجة نفسها، لكن معظمهم يمتلكون قابلية ما للابتكار. وصحيح أن الحاجة أم الاختراع، لكن هناك ابتكارات تولد من الطموح والفضول والمنافسة والخيال والإبداع. قد تشعل الأزمات شرارة الابتكار، لكن المنظومة والبيئة يمكنها أن تحوّل الشرارة إلى طاقة وقوة وتأثير.

قد تكون الشرارة من الأسرة والمدرسة والجامعة أو حاضنات الابتكار والمختبرات والمعامل والأبحاث، لكن أخطر تلك المراحل المتعثّرة هي حقوق التجربة وحقوق التمويل وحقوق الملكية الفكرية وحقوق تحويل المشروع إلى شركة أو مصنع أو بيع المشروع.

ليس صحيحاً أن العاملين في قطاع التقنية هم الأوفر حظاً بالابتكارات، إذا أدركت القطاعات الحكومية والجهات المسؤولة ضرورة دفع القطاعات الأقل ابتكاراً إلى التغيير، وألا تكتفي بالدعوة إلى الإبداع، بل أن تبني المنافسة والحوافز والأسواق التي تجعل الابتكار مجدياً. على سبيل المثال، نحن بحاجة لاقتصاد يحمي الثقافة ويستثمر فيها من خلال الابتكار، بدلاً من اقتصاد يسلّع الثقافة.

لقد نجحت قيادة المملكة ورؤيتها في تحقيق الكثير بمجال الابتكار خلال هذه المرحلة، وقد حان الوقت للتوسع بالابتكار من نشاط نخبوي إلى فرصة مجتمعية متاحة لكلّ فرد.

فالمملكة تمتلك بالفعل بنية مهمة: هيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار، كما توجد برامج لدى «منشآت» لدعم النماذج الأولية والابتكار وريادة الأعمال. لكن التحدي التالي هو إيصال هذه المنظومة إلى المواطن العادي خاصة في بعض المناطق والمحافظات التي لا تزال فروع المؤسسة الحكومية والإدارة المحلية فيها بعيدةً عن التحوّل والتغيير ومواكبة مستهدفات الرؤية وبرامجها.

خلاصة القول، إنني أدعو لمشروع وطني يمكن تسميته (الابتكار للجميع)، يقوم على الآليات المترابطة التالية:

1- بوابة وطنية موحدة: (لديّ فكرة) للتحرر من المنصات الحكومية المنتمية لمؤسسة بعينها ولتستوعب أي تصنيف من الابتكارات المختلفة وربطها بالممكّنات القائمة لدى هيئة البحث والتطوير والابتكار و(منشآت) والجامعات والصناديق والجهات القطاعية.

2- مراكز ابتكار مجتمعية في كل محافظة، لا ينبغي أن يبقى مختبر الابتكار داخل الجامعات والمدن الكبرى. نحتاج إلى مراكز صغيرة مجهزة بالنمذجة والطباعة ثلاثية الأبعاد والتصميم والبرمجة والإرشاد التجاري، يستطيع دخولها الطالب والمتقاعد والمزارع والحرفي والموظف.

3- محفظة ابتكار لكلّ مواطن، بحيث يمكن إنشاء «محفظة ابتكار» رقمية للفرد تسجّل أفكاره والتحديات التي شارك في التغلب عليها، بذلك يصبح الابتكار مساراً تراكمياً لا مسابقة عابرة.

4- تحويل المشكلات الحكومية إلى سوق للابتكار. كل مؤسسة ومشفى وجامعة تنشر سنوياً قائمة بالمشكلات لديها، وتدعو المبتكرين لتقديم الحلول لها.

5- (قسيمة الابتكار) لكل صاحب فكرة واعدة. فمن أبرز أسباب موت الأفكار أن صاحبها لا يستطيع دفع تكلفة النموذج الأولي أو الاستشارة الهندسية أو الاختبار.

6- تحفيز الموظفين والمتطوعين والمتقاعدين وكل فئات المجتمع مادياً ومعنوياً من خلال دعوتهم لتقديم حلول.

7- حق التجربة والفشل المنضبط. لا يمكن أن يكون لدينا مجتمع مبتكر إذا كانت كل فكرة تحتاج إلى سلسلة من الموافقات. نحتاج إلى مساحات اختبار صغيرة وآمنة في مختلف القطاعات، بحيث يستطيع المبتكر اختبار فكرته دون تحمل التكلفة.

8- سوق وطني للأفكار وليس معرضاً للأفكار. المشكلة ليست في نقص المعارض والجوائز بقدر ما هي في ماذا يحدث للفكرة بعد المعرض.

أخيراً، أقترح إنشاء «المسار السريع للمبتكر». بمجرد اجتياز الفكرة تقييماً أولياً يحصل صاحبها، عبر نافذة واحدة، على خمسة أشياء: حماية أولية للملكية الفكرية، مستشار فني، إمكانية استخدام مختبر، تمويل نموذجي صغير، وربطه بجهة يمكن أن تكون أول عميل له. هنا سنختصر على المبتكر رحلة ربما تستغرق شهوراً. علينا ألا نطلب من الناس الذهاب إلى الابتكار، بل نجعله يذهب إليهم في ميادين أعمالهم.

ختاماً، علينا أن ننتقل من رعاية المبتكرين إلى مفهوم أوسع وهو حقوق المبتكرين.

منذ 15 ساعة

كود المقابر وصناعة الفرق بين الأموات والأحياء

استوقفني خبر منشور من حساب المكتب الاستراتيجي لتطوير منطقة الجوف على منصة «إكس» عن مبادرة الحفاظ على نظافة مقبرة القرعاء في منطقة الجوف بمشاركة عدد من المتطوعين في المنطقة.

لا أعرف في الحقيقة إن كان اهتمام المكتب الاستراتيجي بهذه المبادرة نابع من تعزيز ثقافة العمل التطوعي، أم نابع من الاهتمام والعناية بالمقابر ذاتها التي يعاني بعضها من العشوائية والتشوهات داخل أسوار المقابر وخارجها. بكل الأحوال أسجل شكري للمتطوعين وللمكتب الاستراتيجي على المبادرة الفريدة، مع التأكيد على أن نظافة المقابر يجب ألا تكون موسمية، ولا بد أن تتولاه جهة رسمية على مدار العام.

نتحدث كثيراً عن جودة الحياة، ربما حان الوقت لنتحدث أيضاً عن جودة المكان في لحظة الموت. فالمقبرة ليست مجرد مساحة لدفن الموتى، بل مرفق إنساني واجتماعي وديني يمر به كل مجتمع، ويقف فيه الإنسان في واحدة من أصعب لحظات حياته.

يوجد بالفعل دليل فني لإنشاء وترميم المقابر، وهو دليل سارٍ يضع الحد الأدنى من المتطلبات والمعايير الفنية لإنشاء المقابر وترميمها. لكن واقع كثير من المقابر يتطلب مراجعة ربما مشروع (كود المقابر) ليس باعتبارها أرضاً وأسواراً وقبوراً فحسب، وإنما باعتبارها مرفقاً إنسانياً متكاملاً من خلال جودة الخدمات والنظافة وانسيابية التنظيم، وإزالة التشوهات البصرية وكافة أنواع التشوهات.

في كثير من مناطق المملكة تصل درجات الحرارة إلى مستويات مرتفعة، وقد يقف أهل المتوفى والمشيعون والمعزون وقتاً طويلاً تحت الشمس. فلماذا لا تشتمل المقابر على مساحات انتظار واستقبال خارج نطاق القبور أو في المواقع المسموح بها شرعاً، مزودة بمظلات موحدة التصميم تحمي كبار السن والأطفال وذوي الإعاقة من الشمس والظروف الجوية؟ المظلة ليست ترفاً معمارياً، وإنما خدمة إنسانية، على أن يكون موقعها وتصميمها متفقين مع حرمة المكان شرعياً وتنظيمياً.

هناك حاجة للإضاءة تراعي الضرورات التي تحتّم الدفن ليلاً، وهذا يتطلب تصميم منظومة إضاءة وظيفية للمداخل والمواقف والمباني الخدمية ونقاط الاستقبال، بما يحقق السلامة دون المساس بهيبة المكان ووقاره.

كما أن هناك حاجة للترقيم الجغرافي والرقمي المنظم للقبور التي تفتقد للترقيم حتى الآن بما يتيح خدمة الاستعلام عن قبر المتوفى وموقعه عبر المنصة. بحيث يصبح لكل مقبرة رقم، ولكل قطاع رمز، ولكل صف رقم، ولكل قبر معرّف رقمي مرتبط بقاعدة بيانات رسمية فيستطيع ذوو المتوفى الوصول إلى موقع القبر بسهولة.

كما أن طبيعة الطقس الحار والشكل العام لكل مدينة ربما يقتضي دراسة فكرة التشجير المناسب حول المقابر ومرافقها الخارجية ومواقفها ومداخلها وفق الضوابط الشرعية والفنية والبيئية ودون أن تتحول الأشجار إلى عائق أمام الدفن أو سبب في الإضرار بالقبور.

المطلوب ليس زخرفة القبور وتجميلها، وإنما تحسين البيئة المحيطة بالمقبرة، وتخفيف الحرارة والغبار، وإزالة التشوهات البصرية عن الأسوار والمداخل والمرافق بما يحفظ وقار المكان، فسور المقبرة في نهاية الأمر هو جزء من هوية المدينة. هناك حاجة لتعميم نموذج موحد لأسوار المقابر ومداخلها والقضاء على التفاوتات الكبيرة في مستويات الأسوار والبوابات والمداخل التي قد يسمح بعضها بدخول الحيوانات البرية للمقابر.

المقبرة مرفق عام ينبغي أن تخضع لنظافة مستمرة ومكافحة الحشرات والقوارض ومعالجة تجمعات المياه وصيانة الأسوار والبوابات والمواقف وإزالة الأعشاب والمخلفات مع وجود فرق تشغيل وصيانة بعقود ومستويات خدمة قابلة للقياس والمحاسبة، شريطة ألا يتحمل المواطن أي تبعات مالية.

لحظة الوفاة لا يحتاج أهل الميت إلى مزيد من الأعباء. ولذلك يمكن أن يحدد الكود في المقابر الكبيرة منطقة خدمة خارج نطاق الدفن توفر بصورة بسيطة ومنظمة مياه الشرب والقهوة ومقاعد لكبار السن ومرافق لخدمة ذوي الإعاقة. لا ينبغي أن تتحول هذه الخدمة إلى صالات عزاء أو باب جديد للمباهاة الاجتماعية. لا يفوتني الإشارة إلى أهمية أن تسهم الجمعيات الأهلية المتخصصة بتنظيم وتمويل هذه المبادرة من خلال كوادرها.

ما أقترحه قد يكون بعضه موجوداً في بعض المقابر، وهو ليس بدعاً أو تغييراً في مفهوم المقابر الإسلامية ولا إدخال مظاهر تتعارض مع بساطتها، بل هو يفصل تماماً بين حرمة القبر وبين جودة الخدمات المحيطة به.

باختصار يمكن إجمال مقترح (كود المقابر) بما يلي: التخطيط والتنظيم لمداخل المقابر، المواقف، الأسوار، المظلات، مناطق انتظار أهل المتوفى والمشيعين والمعزين، مرافق كبار السن وذوي الإعاقة، النظافة والصيانة، التشجير الخارجي، الضيافة الأساسية، إدارة الجنائز والحشود، السلامة، والترقيم والخرائط الرقمية للقبور، مع إخضاع كل ذلك للضوابط الشرعية، ومراعاة أن يتم تصنيف المقابر بحسب حجم المدن وأعداد السكان، فلا تُعامل مقبرة قرية صغيرة بالطريقة نفسها التي تعامل بها مقبرة مدينة تستقبل آلاف الجنائز سنوياً.

أخيراً، إن المقبرة المنظمة والنظيفة والآمنة ليست ترفاً، ولا تجميلاً للموت، إنها ببساطة احترام للإنسان حياً وميتاً.

00:00 | 25-08-2026

في الجوف.. تأهيل المزارع القديمة «الحوطة» وليس إزالتها

لم تكن «الحَوْطة» في مجتمعات منطقة الجوف مجرد مزرعة صغيرة أو استراحة ملاصقة للمنزل يمكن فصلها عن حياة أصحابها، بل إنها في زمن مضى، كانت التوأم للبيت. وإذا كان المنزل يؤوي أفراد الأسرة، فإن الحوطة تطعمهم وتسقيهم وتمنحهم مساحة للعمل والراحة والحياة ليلاً ونهاراً صيفاً وشتاءً.

فالحوطة والأسرة في الجوف، منظومتان قديمتان تكمل كل منهما الأخرى اقتصادياً واجتماعياً. ففي الحوطة بئر ماء ونخيل وأشجار فواكه وخضار، وفيها طيور وأغنام حيث اللحوم ومنتجات الألبان. و«الحوطة» متنفس العائلة وملتقاهم ومقر أعمالهم المهنية المختلفة صيفاً وشتاءً. وبلغة عصرنا اليوم الحوطة منظومة مصغرة للأمن المائي والغذائي والاجتماعي للأسرة.

عندما تغيّرت المدينة وتم تحديثها، بقيت الحوطة -وجمعها الحُوَط- القديمة في موقعها وعلى أوضاعها السابقة. فقد تمدد العمران، وتحوّلت أطراف الأمس إلى أحياء سكنية، وأصبحت بعض تلك «الحوط» فضاءات مهجورة ومحاطة بالمنازل والشوارع والخدمات.

تحوّلات تستحق التوقف عندها بعد أن أصبحت «الحوطة» مصدر تهديد وخطر على أصحابها وعلى الحي والبيئة. فالآبار القديمة غير المؤمنة والمياه الراكدة والمستنقعات بيئة مناسبة لتكاثر البعوض والحشرات، والنخيل المهمل تحوّل إلى بؤرة لسوسة النخيل الحمراء. ولم تعد «الحوطة» المهجورة مسألة تخص أصحابها وحدهم، كما أن الكثير من هذه «الحوط» موروثة عبر أجيال عديدة، وتتعدد فيها حصص الورثة، فلا أحد منهم يستطيع منفرداً تطويرها أو بيعها أو حتى تحمّل مسؤولية صيانتها. وقد لا تتوافر لدى بعضهم وثائق ملكية مكتملة وفق المتطلبات الحالية.

إنني أدعو مكتب الجوف الإستراتيجي لتبني برنامج تأهيل الحوطة كجزء أصيل من الهوية الاقتصادية الثقافية لمنطقة الجوف من خلال دراسة وتأهيل «الحوطة» قانونياً وعمرانياً، بيئياً، سياحياً، وثقافياً، واقتصادياً بشكل متكامل، بما يحفظ حقوق الملاك، ويحفظ هوية مدن المنطقة وثقافة سكانها والسلامة العامة وجودة الحياة، وربط كل ذلك بالهوية الاقتصادية للمنطقة.

لقد باتت الحاجة ماسة إلى تبني «مبادرة تأهيل الحُوطة والمزارع القديمة» من خلال حصر وإعادة توظيف وإنتاج دور «الحوطة» وليس إزالتها. كما يجدر تصنيف «الحُوَطة» داخل النطاقات السكنية إلى عدد من التصنيفات بدلاً من إخضاعها جميعاً لتصنيف واحد.

ينبغي ألا تكون معالجة هذه الظاهرة حرباً على الحوط التاريخية القديمة أو إزالتها، فهي جزء من الذاكرة الاجتماعية للمنطقة. كثير من «الحوط» يمكن إعادة تأهيلها زراعياً، وبعضها يمكن تأهيلها لتصبح حدائق ومتنزهات وساحات عامة داخل الأحياء، وبعضها يمتلك مقوّمات التحوّل إلى نُزُل أو مزارع سياحية ومطاعم ومقاهٍ ريفية وأسواق للمنتجات المحلية، وبعض المواقع يمكن إعادة تخطيطها عمرانياً.

بل يمكن أن تنشأ منها تجربة سياحية خاصة مع الإفطار أو الغداء أو العشاء في نزل ريفية صغيرة لنحافظ على قصة الإنسان وحولنا العبء العقاري إلى أصل اقتصادي.

كما يمكن تشجيع ملاك «الحُوَط» المتجاورة على تجميعها في مشاريع مشتركة، أو إدخال مستثمرين لتطويرها بعقود طويلة الأجل، أو إنشاء شركة تطوير متخصصة في الحوط القديمة تتولى إعادة تأهيلها وتشغيلها سياحياً أو عقارياً أو زراعياً، مع احتفاظ الملاك بحصصهم في المشروع.

وفي الحالات التي تقتضيها المصلحة العامة، يمكن دراسة نزع الملكية والتعويض العادل وفق الأنظمة والإجراءات النظامية، سواء بالتعويض المالي أو بدراسة بدائل أخرى تسمح بها الأطر النظامية، بما يحقق مصلحة المالك والمدينة معاً.

إن «الحوطة» التي أعطت بالأمس للعائلة الحياة، يمكن أن تعطي اليوم للحي والمدينة الهوية، والسائح التجربة، وصاحبها عائداً اقتصادياً.

أخيراً، أتوجه بهذه الأفكار إلى مكتب الجوف الإستراتيجي للعمل على «الحوطة» إحدى أيقونات المنطقة التراثية والزراعية والسياحية، وتطويرها لتستعيد المنطقة مكانتها الاستثمارية والسياحية على خارطة السياحة والاستثمار. وأن يتمكن ويعمل المكتب الإستراتيجي (والمكتب بالمناسبة الأقدر والأكثر فهماً وجديّة للتطوير في المنطقة بين كافة مؤسسات المنطقة) على تأهيل «الحوطة» وإعادة تعريف دورها وتحويلها من إرث عائلي معطّل إلى أصلٍ حضري وسياحي واقتصادي نابض بالحياة وربط كل ذلك بهوية المنطقة الاقتصادية.

00:00 | 18-08-2026

التمور السعودية.. من يحمي أسماءها ويستثمر علاماتها التجارية؟

تأتي المملكة في المرتبة الأولى بين الدول المصدّرة للتمور، مع اتساع دائرة التصدير إلى أكثر من 125 دولة. كما بلغت أصناف التمور حسب المركز الوطني للتمور أكثر من 300 صنف من التمور. هذا الرقم مرشح للزيادة إذا عرفنا أن عدد النخيل في المملكة بلغ أكثر من 37 مليون نخلة، وأن إنتاج المملكة من التمور تجاوز 1.9 مليون طن من التمور سنوياً.

هذه الأرقام تعكس أهمية متنامية لهذا القطاع وتطوراً ملحوظاً يشهده قطاع النخيل والتمور، وهنا نطرح سؤالاً جوهرياً حول حوكمة الملكية الفكرية لأسماء التمور وأصنافها وعلاماتها التجارية وحمايتها من الاحتكار الخاطئ والتضليل وتحويل التراث الزراعي إلى أصل ذي قيمة اقتصادية.

إنني أدعو لمبادرة وطنية لحوكمة الملكية الفكرية والتراثية لأسماء التمور.

فعندما نقول: «الحلوة»، «البرحي»، «المجدول»، «الصقعي»، «العجوة» فإننا لا ننطق أسماء سلع زراعية فحسب، بل نستدعي علامات تجارية، وتاريخاً طويلاً من الزراعة والمكان والإنسان والتجارة والذاكرة الشعبية. والاقتصاد الحديث لا يُتاجر بالمنتجات وحدها؛ فهو يتاجر بالأسماء والقصص والثقة والمنشأ والهوية الاقتصادية أيضاً.

فمَن يملك هذه الأسماء؟ هل يملك «الحلوة» أول مُزارع زرعها؟ أم منطقة الجوف التي اشتهرت بها؟ أم جميع المزارعين الذين ينتجون هذا الصنف؟ وهل «العجوة» اسم صنف نباتي يجوز إنتاجه وتسويقه بهذا الاسم في أي مكان، أم أن ارتباطه التاريخي بالمدينة المنورة يمنحه طبيعة جغرافية خاصة؟ وماذا عن «البرحي» و«الصقعي» و«المجدول»؟ وهل يمكن لشركة أن تسبق الآخرين إلى تسجيل أحد هذه الأسماء التاريخية علامةً تجارية ثم تمنع الآخرين من استخدامه؟ هذه الأسئلة في الملكية الفكرية، والاقتصاد الزراعي، والتراث الوطني، والهوية الجغرافية، وعدالة السوق. ومن هنا تبدو الحاجة ماسة إلى إطلاق «مبادرة وطنية لحوكمة الملكية الفكرية والتراثية لأسماء التمور السعودية وأصنافها».

إن القيمة الاقتصادية للمنتج الزراعي لم تعد محصورة في وزنه وجودته ومذاقه. فالقدر الأكبر المتزايد يأتي من قيمة الاسم والمنشأ والسمعة. صحيح أن شجرة النخيل أصل زراعي، لكن اسم تمرتها يعد أصلاً معنوياً لا يقل عنها قيمة.

المشكلة أن الحدود بين أسماء الأصناف والعلامات التجارية والمؤشرات الجغرافية والأسماء التراثية ليست واضحة دائماً للمستهلك، بل وربما لبعض المنتجين، فهناك فرق جوهري بين أن يكون الاسم اسماً لصنف نباتي، وأن يكون وصفاً تجارياً، وأن يكون علامة تجارية خاصة.

يمكن أن تبدأ المبادرة بتحديد مجموعة من أشهر الأسماء، وأن تبدأ بالبحث العلمي والتاريخي والقانوني، فتطرح على كل اسم الأسئلة التي تجيب عن البحث؛ لأن حماية التراث تبدأ بتوثيقه، لا بادعائه.

«العجوة» نموذج يستحق الدراسة، فالعجوة ليست في الوعي الاجتماعي السعودي مجرد تمرة، وإنما اسم شديد الارتباط بالمدينة المنورة وبتراثها الديني والزراعي والتاريخي. وهنا يصبح السؤال أكثر تعقيداً: هل نحمي «العجوة» باعتبارها اسم صنف أينما زُرع؟ أم نحمي تسمية مرتبطة بمنطقة جغرافية محددة عندما يكون المنتج مستوفياً لشروط المنشأ والإنتاج والجودة؟ وهل يمكن التفريق بين اسم الصنف النباتي والهوية الجغرافية للمنتج النهائي؟ هذا النوع من الأسئلة هو تحديداً ما ينبغي أن تعالجه المبادرة بعيداً عن الاجتهادات الفردية.

الحلوة والصقعي.. مَن يملك الاسم؟ إذا كان اسم أحد أصناف التمور مستخدماً بين المزارعين منذ أجيال، فمن غير المنطقي اقتصادياً وتراثياً أن يتحوّل الاسم المجرد، من دون مبرر قانوني صحيح، إلى ملكية احتكارية تمنع المنتجين الآخرين من تعريف محصولهم الحقيقي. فالذي طوّر علامة تجارية متميّزة يستحق حماية علامته، والذي استنبط صنفاً نباتياً جديداً مستوفياً للشروط يستحق حقوقه النظامية، والذي بنى اسماً تجارياً وشعاراً وهوية وسمعة يستحق حماية استثماره. لكن التراث المشترك شيء، والعلامة الخاصة شيء آخر. وهذه قاعدة ينبغي أن تكون في قلب المبادرة.

وماذا عن «المجدول» و«البرحي»؟ هاتان حالتان مهمتان؛ لأن انتشار الأصناف عبر الحدود يثبت أن ملف التمور لا يمكن التعامل معه بعاطفة محلية فقط. فالصنف قد ينتقل بين البلدان، ويُزرع في قارات مختلفة، ويصبح اسمُه متداولاً في التجارة الدولية.

وهنا لا يكفي القول: «نحن نزرعه إذن نحن نملك اسمه»، فالملكية الفكرية أكثر تعقيداً من ذلك. ولهذا يجب أن تتضمّن المبادرة أطلساً تاريخياً لحركة أصناف النخيل. قد نكتشف عندئذٍ أن بعض الأسماء تُمثّل تراثاً سعودياً خالصاً، وبعضها تراثاً عربياً أو إقليمياً مشتركاً، وبعضها أسماء أصناف دولية لا يمكن احتكارها أصلاً. ولا يقلل ذلك من قيمة التمور السعودية، بل يجعل حمايتها القانونية أكثر مصداقية.

إن المبادرة التي أقترحُها ينبغي ألا تنتهي بدراسة أو مؤتمر، وإنما بإنشاء «السجل الوطني لأسماء وأصناف التمور السعودية». ويصبح لكل اسم في السجل ملف أشبه بـ«شهادة ميلاد معرفية» تتضمّن: أصل الاسم، وأقدم توثيق معروف له، والمنشأ المرجح، ومناطق الزراعة التاريخية والحالية، والصفات النباتية، والأسماء المرادفة، والروايات التاريخية المختلفة، ووضعه القانوني، وتسجيلاته الدولية إن وجدت، ثم يُمنح الاسم تصنيفاً قانونياً واضحاً: صنف نباتي، اسم عام، اسم تراثي، وصف، مؤشر جغرافي، علامة جماعية، علامة تجارية خاصة، أو مزيج من أكثر من مستوى من الحماية بحسب الاستخدام.

مَن يحق له استخدام الاسم؟ ينبغي ألا تكون الإجابة واحدة لجميع التمور.

فإذا كان الاسم اسماً عاماً لصنف نباتي متداول، فمن حيث الأصل ينبغي ألا يحتكره مُنتِج واحد لمجرد تسجيله تجارياً بطريقة تؤدي إلى منع الآخرين من وصف منتجاتهم وصفاً صحيحاً. أما إذا كان الاسم مؤشراً جغرافياً محمياً، فيصبح استعماله مرتبطاً باستيفاء شروط المنشأ والإنتاج والمواصفات المحددة. وإذا كان الاسم علامة تجارية مبتكرة لا تمثل الاسم العام للصنف، فهي حق خاص لصاحبها.

أنا لا أريد خصخصة الذاكرة الزراعية، فالعلامة التجارية تحمي الابتكار التجاري، لكنها ينبغي ألا تصبح وسيلة لخصخصة اللغة الزراعية والذاكرة الشعبية. تستطيع شركة أن تبني حول «الحلوة» أو «الصقعي» علامة تجارية وهوية بصرية وعبوة مبتكرة وقصة تسويقية وشعاراً خاصاً بها، وتحمي كل ذلك نظامياً، لكن ذلك يختلف عن امتلاك اسم الصنف التاريخي نفسه بصورة تمنع المزارعين الآخرين من استخدام الاسم الذي عُرف به محصولهم منذ أجيال.

حوكمة أسماء التمور يمكن أن تصبح مورداً اقتصادياً لا يقل عن عائدات التمور الحالية نفسها. فالتمور السعودية تملك سمعة وفرصة عالمية مثالية. وبدلاً من أن نتنافس عالمياً على بيع كيلوغرام التمر فقط، نستطيع المنافسة على قيمة أسماء التمور.

وهنا يصبح توثيق المنشأ، وحماية المؤشرات الجغرافية، ووضع المواصفات، ومنع التضليل في المنشأ، وبناء القصص التاريخية الموثقة، أدوات لرفع القيمة وليس مجرد إجراءات قانونية.

23:58 | 10-08-2026

كيف ولماذا تغيّر مفهوم الموارد البشرية في السنوات الأخيرة؟

هل السعادة تسبق الإنجاز فتقوده؟ أم أن الإنجاز هو الذي يفتح أبواب السعادة؟ أم أننا، في الحقيقة، داخل دائرة متصلة بين الطرفين كلّ طرف يمدّ الآخر بالحياة ثم يستمدّها منه؟

ولماذا نرى أناساً يكدحون ويحترقون بلا توقف، وينجزون ويحققون، لكن وجوههم تقول شيئاً آخر لا يعكس إنجازاتهم؟ بينما نجد آخرين تملؤهم السعادة الداخلية ويسكنهم الرضا فينجزون دون لهاث أو ركض؟

العلاقة بين السعادة والإنجاز علاقة أشبه بترددات خفية بين قوتين، كلما اقتربت إحداهما من الأخرى أعادت تشكيلها من جديد. فالسعادة ليست محطة وصول، بل طاقة دافعة تُعيد ترتيب خطواتنا للمرحلة التالية. والإنجاز مرآة تعكس لنا من نكون حين ننجح في تحويل الفكرة إلى فعل وأثر.

البعض منا يعتقد أن تحقيق السعادة لا يكون إلا في نهاية المطاف وقطف الثمرة، لكننا نفاجأ بأن السعادة كانت تسير معنا أثناء عملنا على تحقيق الإنجاز وقبل تحقيقه. المعادلة إذاً حلقة دائرية: فالسعادة تُنبت القدرة على الإنجاز، والإنجاز يعيد توليد السعادة من جديد.

نستنتج أن سعادة الموظف ليست رفاهية إدارية، إنما مورد إنتاجي، وهذا ما يفسر لماذا يحقق موظفان يمتلكان المؤهلات نفسها نتائج مختلفة تماماً؛ لأن أحدهما يعمل في بيئة تمنحه الثقة والاحترام والقيمة، بينما يعمل الآخر في بيئة تستنزف طاقته قبل أن يبدأ يومه خاصة من يعملون مع بعض المرضى نفسياً ممن يسمون «مدراء».

بعض الإنجازات تصنع السعادة، كما أن هناك إنجازات تسرق السعادة وتسرق النوم من عيون صاحبها بسبب اللهاث والسباق اللامنتهي. فقد يحقق المدير أرباحاً قياسية، لكنه يخسر أسرته. وقد يبني رجل الأعمال إمبراطورية مالية، لكنه يعجز عن النوم. وقد يحصل الموظّف على ترقية كان يحلم بها، ثم يكتشف أن حياته أصبحت أكثر فقراً من أي وقت مضى. إذاً، السرّ ليس في الإنجاز، بل في فلسفة الإنجاز.

فالإنجاز المنفصل عن الطبيعة البشرية السوية يتحول إلى عبء، بينما الإنجاز المتصل بالغايات السويّة يتحول إلى مصدر للطاقة.

هذا الموضوع أشغل الفلاسفة بين الإنجاز والسعادة منذ القدم، فكان السؤال الفلسفي الأزلي كيف يبلغ الإنسان السعادة؟

كان أرسطو من أوائل من ربطوا السعادة بالإنجاز، وقد رأى أن السعادة هي ازدهار الإنسان عندما يمارس أفضل ما لديه من قدرات وفضائل. فالنجاح الحقيقي عنده ليس امتلاك المال أو السلطة، وإنما تحويل الإمكانات الكامنة إلى واقع نافع. ومن هنا جاءت فكرته الشهيرة التي يمكن تلخيصها بأن الإنسان لا يصبح سعيداً لأنه يملك، وإنما لأنه يفعل، ويُتقن، ويحقق الغاية التي خُلق لها.

أما الرواقيون فيرون الإنجاز ليس فيما نحقّق، بل في الطريقة التي نستجيب بها لما يحدث. هم يرون أننا قد لا نملك النتائج دائماً، لكننا نملك جودة الأداء والانضباط والإتقان، وهذه في ذاتها مصدر للرضا.

أما إبيقور فيذهب أبعد من ذلك فيحذر من أن يتحول الإنجاز إلى سباق لا نهاية له؛ لأن الإنسان إذا جعل السعادة رهينة بهدف المرحلة التالية للإنجاز فلن يصل للسعادة أبداً، إذ إن كل إنجاز سيولد رغبة أكبر منه، وهذا يقتل السعادة.

أما علماء النفس الإنساني، الذين جاؤوا فيما بعد، يقدمون تفسيراً علمياً لهذه العلاقة، وهو أن الإنسان يزدهر عندما يشعر بثلاثة أمور: الكفاءة، والاستقلالية، والانتماء. وكلها تتحقّق بدرجات متفاوتة من خلال الإنجاز الحقيقي.

الآن نعود لسؤالنا في مستهل هذا المقال: هل سعادة الموظف من المنظور الإداري للموارد البشرية نتيجة للإنجاز أم سبب له؟ اعتقدت كثير من المؤسسات لفترات طويلة أن الطريق بسيط والمعادلة سهلة: اعمل أكثر تنجز أكثر فتربح أكثر وتشعر بسعادة أكبر، لكن هذه المفاهيم على ما يبدو تآكلت أمام متغيّرات السوق وواقع اقتصاد المعرفة وهجمات التقنية والرقمنة وهو ما قلب المعادلة. بالتوافق مع ما جاءت به نتائج الدراسات فإن الإنسان السعيد يصبح أكثر إبداعاً، وأكثر تعاوناً، وأكثر قدرة على حل المشكلات، وأكثر إنتاجية وليس العكس.

فهل التغييرات التي مرت بها مسميات إدارات «شؤون الموظفين» أو «إدارة القوى العاملة» مروراً بـ«إدارة الموارد البشرية» ووصولاً إلى «رأس المال البشري» في العقود والسنوات الماضية يُعد ترفاً لغوياً أو وجاهةً إدارية أم إنها انعكاس لمراحل التحولات الكبرى التي شهدتها السوق والاقتصاد والإدارة.

فمن إدارة الأشخاص ومرحلة الإجراءات إلى إدارة القيمة والقدرة التشغيلية للمؤسسة ومنها إلى أن أصبح الإنسان أحد موارد المؤسسة إلى جانب رأس المال والتقنية والمعلومات والمعدات، وهنا لم يعد الموظف مجرد موظف، بل مورداً يجب أن يتم استثماره وتنميته بالتدريب والتطوير والتقييم وإدارة الابتكار وتخطيط المسار الوظيفي والحوافز والثقافة التنظيمية.

غير أن التحوّل الأكبر حصل بعد أن أصبح الإنسان رأس مال بشري، فلم يعد ينظر له على أنه مورد يستهلك، بل رأس مال يولد قيمة متزايدة كلما تم استثمار (وليس استغلال) إمكاناته وقدراته. فالفرق كبير بين «مورد» و«رأس مال». فالمورد ينقص ويستهلك مع الاستخدام، بينما رأس المال يزداد قيمة مع الزمن. وقد تبنّت بعض الدول هذا المفهوم؛ لأن الاقتصاد تغيّر خاصة مع دخول مصطلح اقتصاد المعرفة واعتبار الإنسان هو مصدر الثروة الحقيقية، وهو ما جعل القيمة السوقية للشركات تعتمد بدرجة أكبر على خبرات موظفيها وابتكاراتهم وعلاماتهم التجارية وبراءات اختراعاتهم أكثر من اعتمادها على المصانع والمعدات.

وهذا ما تحوّل معه سؤال إدارات الموارد البشرية من «كيف نجعل الموظفين يعملون أكثر؟» إلى سؤال اليوم «كيف نجعل الموظفين يرغبون في العمل أكثر؟» الفرق بين السؤالين كبير جداً. ولذلك بدأت المؤسسات الرائدة تدرك أن الموظف لا يعمل بدافعية وبكامل طاقته بسبب الراتب وحده، بل لأنه يشعر بأن عمله له قيمة، وأن صوته مسموع، وأن جهده مقدّر، وأن مستقبله يتطور. ولهذا لم يعد مفهوم «إدارة الموارد البشرية» كافياً، بل بدأ العالم يتحدث عن «إدارة رأس المال البشري»، ثم عن «إدارة التجربة الوظيفية»، ثم عن «إدارة الازدهار المؤسسي».

إنها رحلة انتقال من إدارة الأيدي إلى إدارة العقول، ثم إلى إدارة القيمة والمعنى. باختصار: بيئة عمل عادلة ثم شعور بالثقة ثم ارتفاع الدافعية ثم جودة أعلى في الأداء ثم نجاح وإنجاز ثم رضا وسعادة ثم رغبة أكبر في العطاء ثم إنتاجية أعلى.

أي أن السعادة ليست النتيجة الأخيرة، بل جزء من دورة الإنتاج نفسها.

ولهذا فإن المؤسسات التي تكتفي بقياس الأرباح، وتتجاهل مستويات الثقة والانتماء والرضا، تشبه من يقيس سرعة السيارة ويتجاهل مستوى الوقود.

00:00 | 4-08-2026

نظام التعليم الجديد... قراءة متأنية لمتغيّرات فرط صوتية

يتساءل البعض ربما عن الجديد في نظام التعليم الجديد، وكأنهم يقولون بأن كل أو أغلب ما ورد في النظام كان موجوداً وكان معمولاً به. أعتقد أن نظرة فاحصة لمجريات الأمور خلال السنوات الماضية تكشف عن تغييرات كثيرة في التعليم وفي غير التعليم اقتضت ربما صدور هذا النظام. وكثير من تلك التغييرات كانت اجتهادات فردية أو غير فردية فرضتها ربما كمية محتويات التواصل الاجتماعي التي جعلت البعض يتخذ من بعضها مرجعاً لطلابه في المدرسة أو أبنائه في المنزل.

المتغيّر الآخر الذي لا بد أن نستحضره في قراءة وفهم نظام التعليم الجديد هو تحديات مستقبل سوق العمل في ضوء هيمنة الرقمنة والذكاء الاصطناعي والحاجة الماسة لنظام تعليمي يتميّز بالمرونة كي يستجيب للمتغيّرات التي باتت سريعة، فضلاً عن حجم تأثيرها وحجم التغييرات التي فرضتها وستفرضها.

من هنا نفهم لماذا لم يقتصر هذا النظام على تنظيم العلاقة بين المدرسة والطالب والمعلم، بل هو يعيد بناء فلسفة التعليم على أسس أكثر شمولاً، تضم الجودة، والعدالة، والهوية، والمرونة، والارتباط بالتنمية الوطنية.

كما أن إلزامية التعليم حتى سن الخامسة عشرة تؤكد على أهمية الاستثمار المبكر في رأس المال البشري، والحد من التسرّب، بما يضمن وصول كل طفل إلى الحد الأدنى من المعارف والمهارات التي تمكّنه من المشاركة في الاقتصاد والمجتمع.

كما أن النظام يؤكد على أن اللغة العربية لغة أساسية ليس لأنها لغتنا الأم، لكن النظام يستشعر حجم المنافسة العالمية والسوق المفتوح التي تقتضي التأكيد على اعتماد اللغة العربية لغةً أساسية للتعليم أهمية استراتيجية تتجاوز الجانب الأكاديمي، بل هي وعاء الهوية، وأداة التفكير، وحافظة الثقافة الوطنية. وفي الوقت نفسه، فإن السماح بالتدريس بلغات إضافية وفق ضوابط يحقق توازناً مهماً بين ترسيخ الهوية الوطنية والانفتاح على المعرفة العالمية، وهو توازن تحتاجه الدول الطامحة إلى المنافسة الدولية دون التفريط بخصوصيتها الثقافية.

كما أن فلسفة التعليم المتنوع جاءت تحوّلاً من فلسفة التعليم الموحد والذي يعكس النظام وعياً متقدّماً بأن جودة التعليم لا تتحقق بمنهج موحد لجميع الطلاب، بل بتعدد المسارات والفرص، وأن النظام التعليمي لا يزال مفتوحاً على المزيد من المسارات متى ما استدعى الأمر ذلك، بجانب المسارات المهنية والمتخصصة، إنشاء مدارس وفصول للبرمجة، والعلوم، والرياضيات، والفنون، والقرآن الكريم، وغير ذلك بما يراعي اختلاف الميول والقدرات، وتبني المواهب بدلاً من تذويبها في قالب واحد لأن التعليم أكثر ارتباطاً باحتياجات سوق العمل.

كما أن الكشف المبكر عن اضطرابات النمو والسلوك، وتعزيز دمج ذوي الإعاقة، ورعاية الموهوبين، وحماية حقوق الطالب، كلها مؤشرات على أن المدرسة لم تعد مكاناً للتعليم فقط، بل أصبحت بيئة متكاملة للنمو العقلي، النفسي، الاجتماعي، الانفعالي. فالطالب الذي يشعر بالأمان والاحترام والرعاية يكون أكثر استعداداً للتعلم والإبداع والابتكار.

كما أن تنظيم حقوق الطالب، ومنع تكليفه بمهام تخالف الأنظمة، يعزّز ثقافة العدالة المؤسسية داخل المدرسة ويغرس لدى الأجيال مبادئ سيادة النظام واحترام الحقوق وتحمل المسؤولية.

ناهيك عن أهمية تعزيز استقرار المنظومة التعليمية، ورفع كفاءة التخطيط بعيد المدى من خلال استحداث المجلس.

كما أن النظام أراد أن يضع حداً للجدل الدائر بين تيار التعليم الحضوري وتيار التعليم عن بُعد، فأكد على أن الأساس هو التعليم الحضوري مع أهمية الاستفادة من التعليم الإلكتروني في الحالات التي تقتضي ذلك، والاستفادة من التحوّل الرقمي.

أخيراً يبقى التطبيق لأي نظام هو المحك وهو الفيصل للحكم على نجاحه وجودته، مع الأخذ بالاعتبار أهمية أن يتمتع النظام بالمرونة الكافية والقابلية الواعية للتجربة والتطوير والتغيير كلما كان ذلك ضرورياً وحتمياً. فلا ننسى أبداً ودائماً أننا نتحدث هنا عن نظام التعليم وليس أي قطاع آخر، فالتعليم كما هو معروف ليس وزارة أو إدارة، بل هو قاطرة تجر وراءها كل قاطرات التنمية، وأي إخفاق للتعليم أو تعثر سوف ينعكس ويؤثر تلقائياً على كافة قطاعات التنمية في الوطن. أضف إلى ذلك أن المنافسة في رأس المال البشري، التي هي إحدى ميادين العولمة، يتحمّلها ويلام عليها التعليم، ومن هنا يصبح النظام التعليمي في أي بلد هو قطب الرحى وهو محط أنظار العالم اقتصادياً وسياسياً وتقنياً وعسكرياً.. إلخ.

00:01 | 28-07-2026

الحلقة المفقودة لصناعة رأس المال البشري

يتنقل التغيير فيضرب كل مكان وفي كل الاتجاهات، لقد بات التغيير هو القاعدة. فيمضي بتفكيك هياكل المجتمعات والأسر والمؤسسات ويعيد بناءها وفق قواعد غير نهائية وغير معلومة وبشكل سريع وغير قابل للتنبؤ، ويأتي في المقدمة سوق العمل. نحن لم نعد نعرف كيف نُعِدُّ شبابًا قادرين على التكيف مع وظائف لم تُخلق بعد، وتقنيات لم تُبتكر بعد، وأسواق تتغير أسرع من فكر التغيير لأي وقت مضى؟


لقد دخل العالم مرحلة غير مسبوقة؛ فلم يعد التغيير فيها استثناءً، تتغير المهن، وتتبدل المهارات المطلوبة، وتتراجع قيمة بعض التخصصات، بينما تنشأ قطاعات جديدة كل عام. وفي ظل هذه البيئة المتسارعة، لم تعد المدرسة والجامعة وحدهما كافيتين لإعداد الإنسان للحياة العملية، مهما بلغت جودة التعليم.


وهنا تبرز الحاجة إلى التفكير في برنامج تجنيد وطني عصري، لا بوصفه مشروعًا عسكريًا بالمعنى التقليدي، وإنما بوصفه أكبر مشروع وطني لبناء الإنسان، يجمع بين الانضباط العسكري، والتأهيل المهني، والتدريب التقني والرقمي، والثقافة الوطنية، والعمل التطوعي، واللياقة البدنية، والمهارات القيادية، والثقة بالنفس، ليخرج الشاب أكثر قدرة على فهم نفسه وما حوله وأكثر قدرة على معايشة هذا الكم من المتغيرات وتحمل المسؤولية خدمة لأسرته ووطنه في السلم كما في الطوارئ.


إن مثل هذا البرنامج لا يهدف فقط إلى إعداد احتياط وطني عند الأزمات، بل إلى تنمية رأس المال البشري الوطني، وصناعة جيل قادر على قيادة اقتصاد المعرفة، وأكثر جاهزية وتنافسية في سوق عمل هو الأسرع تغيرًا في التاريخ، جيل منضبط محب للتعلم قادر على العمل وتحمل المسؤولية وتقديم التضحية عند الحاجة، لا ينتظر الفرص، بل يصنعها، ولا يكون ضحية لتقلبات السوق، بل يمتلك من المرونة والمهارة ما يجعله قادرًا على أخذ زمام المبادرة فكراً وعملاً لإعادة بناء مستقبله كلما تغيرت الظروف.


ولعل أعظم ما يمكن أن يحققه هذا البرنامج أنه يهيئ الإنسان نفسياً وبدنياً وذهنياً قبل أن يؤهله مهنياً. فهو يبني الأهلية البدنية، والنفسية، والذهنية، والمهنية، والتقنية في إطار واحد متكامل، بدلاً من ترك الشباب يجمعون مهارات متناثرة من دورات وبرامج متفرقة، قد تضيف معلومة، لكنها لا تصنع شخصية، ولا تبني ثقافة عمل متماسكة.


إن التجنيد الوطني، بهذا المفهوم، لا يصنع جنديًا فقط، بل يصنع ثقافة. ثقافة احترام الوقت، والانضباط، وتحمل المسؤولية، والعمل الجماعي، والقيادة، والاعتماد على النفس، والابتكار والإنتاج، والمبادرة، والقدرة على العمل تحت ظروف الضغط. وهذه ليست مهارات منفصلة، وإنما منظومة متكاملة من القيم والعادات والسلوكيات التي يصعب اكتسابها من خلال برامج قصيرة ومتفرقة.


من المؤكد أن يكون لهذا البرنامج أثر اجتماعي لا يقل أهمية عن أثره الاقتصادي. فالتجربة الوطنية المشتركة توسع دوائر التعارف والثقة بين الشباب من مختلف المناطق والخلفيات، وتبني شبكات علاقات مهنية وإنسانية قد تتحول لاحقًا إلى فرق ابتكار أو شراكات اقتصادية، أو مشاريع ريادية، أو مبادرات تطوعية تخدم المجتمع. فالاقتصادات الحديثة لا تقوم على المهارات الفردية وحدها، بل على قوة الشبكات البشرية، والثقة المتبادلة، والقدرة على العمل الجماعي.


كما أنه من المرجح أن يلعب البرنامج دورًا كحاضنة وطنية لاكتشاف الموهوبين أنفسهم قبل غيرهم ومعرفة ميولهم واهتماماتهم الحقيقية التي لم تجد البيئة المناسبة قبل ذلك. فكثير من الشباب يضيع عمره في تخصصات ومسارات مهنية ليست له، ولا تستجيب لطبيعته وحقيقة تفكيره وميوله فلا يكتشفون قدراتهم إلا بعد فوات الأوان وسنوات من الدراسة والعمل، وربما بعد تجارب مكلفة من تغيير التخصص أو الوظيفة.


لكن التجربة العملية المكثفة في بيئة منضبطة ومتنوعة، تساعد الشباب على اكتشاف ميولهم وقدراتهم في القيادة، أو التقنية، أو الصناعة، أو الإسعاف، أو الأمن السيبراني، أو الإدارة، أو ريادة الأعمال، في وقت مبكر، فيبنون مسارهم المهني على معرفة وتجربة، لا على التخمين.


ومن الآثار التي تستحق التأمل أيضًا أن البرنامج قد يسهم في إعادة ترتيب أولويات الحياة لدى كثير من الشباب. فيغرس قيمة التخطيط للمستقبل، والادخار، وتحمل المسؤولية، والعمل المنتج، وبناء الأسرة على أسس مستقرة. وعندما تترسخ هذه القيم، يصبح الزواج مشروع حياة، لا مناسبة اجتماعية يطغى فيها الإنفاق الاستعراضي والمضاهاة على الاستثمار في مستقبل الأسرة.


فالمجتمع يحتاج إلى ثقافة تجعل بناء الأسرة والبيت والمشروع المشترك أولى من المبالغة في تكلفة ليلة واحدة.


هذا لا يعني أن شباب اليوم يفتقرون إلى القيم أو الطموح أو الرؤية، فكثير من الأجيال الحالية أثبتت قدرتها على الإنجاز في ميادين عديدة وبكفاءة عالية، لكن التغيرات الاجتماعية والاقتصادية والتقنية أصبحت أعمق وأسرع من أن تواجهها برامج تدريبية متفرقة أو حلول جزئية. وما يحتاجه الشباب هو إطار وطني متكامل يواكب هذا التحول، ويمنحهم قاعدة مشتركة من المهارات والقيم والخبرات العملية.


إن التجنيد الوطني العصري لا ينبغي أن يؤطّر بالمفهوم التقليدي للتجنيد فقط، بل بوصفه أولاً استثمارًا إستراتيجيًا في الإنسان؛ لأن الدول التي تريد أن تتصدر اقتصاد المعرفة تحتاج إلى مواطن يجمع بين الانضباط والابتكار، وبين اللياقة البدنية والكفاءة الرقمية، وبين روح الفريق والقدرة على القيادة، وبين الانتماء الوطني والاستعداد للتعلم مدى الحياة.


ولعل الوقت قد حان للانتقال من مفهوم «التجنيد لإعداد الجندي» إلى مفهوم «التجنيد لإعداد المواطن». فالمواطن المؤهل هو أساس الأمن، ومحرك الاقتصاد، وركيزة المجتمع، وضمانة المستقبل. وإذا نجح هذا المشروع في بناء الإنسان، فإنه يكون قد أنجز أهم استثمار: الاستثمار في رأس المال البشري، الذي يصنع كل أشكال التنمية الأخرى لتضم مسارات عسكرية، وتقنية، صحية، صناعية، زراعية، بيئية، سيبرانية، مع منح المشاركين شهادات مهنية معتمدة، في مختلف مجالات رأس المال البشري، واقتصاد المعرفة.

00:30 | 21-07-2026

كأس العالم.. منافسة المنتخبات أم منافسة السرديات الدولية ؟

لم تعد صافرة البداية في كأس العالم تعني بدء مباراة في كرة القدم فقط، لكنها باتت تعني بدء تسعين دقيقة من التنافس على الانتباه العالمي.

في الملعب يتنافس فريقان، أما خارج الملعب فتتنافس دول، وثقافات، وهويات، وصور ذهنية، وسرديات وطنية كاملة على مساحة زمنية ثمينة محددة في وعي العالم.

فهل لا تزال كأس العالم بطولة كروية فحسب؟ أم أنها تحوّلت إلى أكبر وأهم منصة عالمية لإعادة توزيع القوة الرمزية بين الدول والشعوب؟

هناك قوة صاعدة يصعب إدراجها في الموازنات العسكرية أو القوائم المالية، لكنها شديدة التأثير وهي قوة صناعة الانطباع، وهو أن تجذب دولةٌ انتباه العالم، وأن تثير إعجابه، وأن تجعل الملايين يبحثون عن اسمها وموقعها وثقافتها وتاريخها، وأن ترتبط في الخيال العالمي بقصة أو قيمة أو إنجاز، وأن تستطيع تقديم أو إعادة تقديم نفسها إلى شعوب لم تكن تعرف عنك إلا القليل، فهذه ليست مجرد نتيجة رياضية، إنها مكسب استراتيجي في سوق الانتباه العالمي.

فمن يربح مساحة في خيال العالم؟

إن القوة الرمزية لأي دولة تبدأ حين تصبح حاضرة في خيال الآخرين. بعض الدول لا تحتاج إلى شرح طويل حتى تستدعي في أذهاننا صورة أو قيمة أو سردية. يكفي ذكر اسمها حتى تتحرك شبكة كاملة من الانطباعات والصور والمعاني. هذه الشبكة لم تتشكل بالمصادفة.

لقد أصبحت المنصات الرياضية العالمية أقصر الطرق فعلاً إلى بناء جزء من «الرصيد الرمزي» في عصر ما بات يعرف بـ«اقتصاد الانتباه». فهدف واحد في مباراة يجعل الملايين ينطقون اسم بلد للمرة الأولى، واحتفال لاعب بطريقة مستمدة من ثقافته قد يتحول إلى مادة بصرية عالمية.

وقميص أو لون أو رقصة شعبية أو حركة جماهيرية أو قصة لاعب قد تصبح بوابة يدخل منها العالم إلى هوية شعب بأكمله، من هنا فإن المنتخبات لا تلعب وحدها في كأس العالم، لكن الدول تلعب كذلك، والمنتخب ينافس على النتيجة، لكن الدولة تنافس على المحتوى والسردية. واللاعب يبحث عن المرمى، والمؤسسات الوطنية تبحث عن نافذة إلى الوعي العالمي، المدرب يضع خطة لتسعين دقيقة، فهل هناك من يضع خطة الدولة لاستثمار التسعين دقيقة سردياً؟

إن كأس العالم أكبر غرفة انتباه في العالم، وهي حالة إستراتيجية استثنائية لتكثيف وتركيز الانتباه العالمي. وفي فترة زمنية قصيرة لا تتكرر، لا بد أن نعرف ما الذي نريد أن يعرفه العالم عنا خلالها؟ وما هي القصة التي نريد أن تروى عن بلادنا؟ وما القيمة التي نريد أن ترتبط باسم بلدنا وشعبنا، والصورة التي نريد أن تبقى عالقة في أذهان الجماهير بعد خروج المنتخب، والكلمات التي نريد أن يستخدمها الإعلام العالمي في وصف بلادنا؟

هذه أسئلة لا تخص المدرب ولا اتحاد كرة القدم، إنها أسئلة موجهة إلى مؤسسة مسؤولة عن وضع وصيانة وتشخيص السرديات عن الدولة وشعبها. ولذلك يمكن القول بثقة: «قد تخسر المباراة وتربح العالم»! وفي المقابل يمكن لمنتخب أن يقدّم أداءً رياضياً مدهشاً، وتفشل مؤسسات دولته في تحويل ذلك النجاح إلى قيمة وطنية مستدامة. هنا يظهر الفرق بين الحدث واستثمار الحدث.

حين يحقّق منتخب مفاجأة عالمية، تبدأ نافذة زمنية قصيرة جداً لتساؤلات العالم، لذلك فالسرديات الوطنية لا تُكتب بعد المباراة بل يجب أن تكون جاهزة قبل صافرة البداية. فهل كانت سردياتنا لمنتخباتنا العربية جاهزة في كأس العالم الأخيرة ولماذا؟ وهل نجحنا في تقديم أنفسنا؟ ومَن مِن دولنا استطاعت تحويل المشاركة الرياضية إلى قصة وطنية؟ ومن جهّزت القصص الإنسانية والثقافية والسياحية مسبقاً؟ ومن هيأت اللاعبين السرديين، لا مجرد نجوم رياضيين؟ فقد يصنع اللاعبون لحظة تاريخية، ثم تكتفي المؤسسات الرسمية بالتهنئة فقط، وإعادة بث الأهداف، وترديد عبارات الفخر.

وهنا بالتحديد، يجب أن تبدأ السردية، فهل هي مسؤولية وزارات الإعلام؟

ربما حان الوقت للاعتراف بأن إدارة الصورة الوطنية والسرديات الدولية أصبحت أكبر من أن تكون «مهمة إعلامية» بالمعنى التقليدي، وزارة الإعلام قد تدير سياسات إعلامية، ووزارة السياحة تروّج للوجهات السياحية، ووزارة الثقافة تقدّم المكوّنات والمنتجات الثقافية، والاتحاد الرياضي يدير المنتخب، والبعثات الدبلوماسية تتحرك في نطاقها.

لكن من يجمع كل ذلك في سردية وطنية واحدة ويشخّص الصورة الذهنية للدولة في العالم ويراقب تحوّلات هذه الصورة ويحدد الفجوة بين الواقع والكيفية التي يرانا بها الآخرون؟

ومن يبني بنك السرديات الوطنية ويحدد السردية المناسبة لكل دولة ولكل شعب ولكل منصة ولكل موقف، ويجهز الدولة للحظات الانتباه الخاطفة ويتدخل عندما يمنح حدث رياضي أو ثقافي أو سياسي الدولة نافذة عالمية لا تتكرر؟

إن الحاجة تتضح يوماً بعد يوم إلى جهاز وطني احترافي للسرديات والصورة الذهنية والقوة الرمزية، ليس جهازاً دعائياً أو مصنعاً للشعارات، وليس إدارة للعلاقات العامة، بل مركز إستراتيجي متعدد التخصصات، يعمل فيه خبراء الإعلام والسياسة وعلم الاجتماع وعلم النفس السلوكي والبيانات والثقافة والتاريخ واللغات والذكاء الاصطناعي. يقوم بدراسة موقع الدولة في الوعي العالمي ويشخص سردياتها ويبنيها ويصونها ويختبر قدرتها على الانتقال بين الثقافات ويراقب السرديات المضادة ويقيس أثر كل ذلك بمؤشرات علمية.

أظن أننا بحاجة إلى غرفة عمليات سردية تعمل قبل كأس العالم وقبل كل مناسبة عالمية أو إقليمية أو محلية وازنة ومهمة، وتدرس الدول والأسواق الإعلامية واتجاهات البحث واهتمامات الجماهير والصور النمطية السائدة عن الدولة، وتأخذ على عاتقها بناء عشرات القصص القابلة للتداول وبلغات مختلفة، وتدرّب اللاعبين والبعثة والجماهير والمؤثرين على تقديم عناصر الهوية بصورة طبيعية غير مصطنعة، وتربط كل مباراة بفرصة ثقافية أو سياحية أو اقتصادية.

إن من لا يمتلك سرعة سردية توازي سرعة الحدث يخسر الانتباه ولو امتلك الحقيقة والقصة والإنجاز، فكأس العالم إحدى أكبر أسواق السمعة والقوة الرمزية في العالم، فهناك دول تحصد الأهداف في الملعب، ودول تحصد الانتباه، ودول تحصد الإعجاب، ودول تعيد تقديم هويتها، ودول تدخل خيال الشعوب للمرة الأولى، أما الدول التي لا تمتلك سردية جاهزة فقد تشارك، وتفوز، وتحتفل، ثم تغادر المسرح العالمي دون أن تترك قوة رمزية في وعي العالم وأثراً يوازي حجم اللحظة التي مُنحت لها.

00:01 | 14-07-2026

حروب السرديات وإعادة تعريف دور وزارة الإعلام!

في ظل تصاعد «حروب السرديات» الإقليمية والدولية وتحديداً مع تداخل خيوط الصراع المعقد بين أمريكا وإسرائيل وإيران، برز دور وزارة الإعلام السعودية كركيزة صلبة لحماية الوعي الوطني، ولم تكن الرسالة الإعلامية مجرد تغطية إخبارية بل صمام أمان منح المجتمع الطمأنينة والاستقرار وسط فيض المعلومات المضللة.

لقد تغيّر الإنسان المعاصر أكثر مما تغيّر الإعلام. فالإنسان المعاصر يعيش وسط فيض هائل من الرسائل والمعلومات والبيانات، ولم يعد يملك الوقت ليفحص كل معلومة. ولذلك أصبح يعتمد على الاختصارات الذهنية، وعلى الأشخاص الموثوقين الذين يشرحون ويقرّبون له المعنى، وعلى القصص التي تقرّب المعنى وتمنحه تفسيراً سريعاً للعالم. وهنا دور السردية ومكمن قوتها.

كثيراً ما تنتصر السردية أو الرواية في تقديم الحقيقة من زاويتها لأنها أكثر قدرة على مخاطبة الإنسان من موقعه وكما هو، لا كما يفترضه أو يخطط له الخبراء. فهي تخاطب المشاعر قبل الأرقام، والهوية قبل المنطق، والانتماء قبل التحليل، والرمز قبل الوثيقة، فالحقيقة لا تتحدث دائماً عن نفسها، ولا تدافع عن معناها، ولا تنتشر تلقائياً. إنما تحتاج الحقيقة إلى من يرويها، ويشرح دلالاتها، ويقدّمها بلغة يفهمها الناس ويثقون به. فعندما تغيب هذه المهمة، تتقدّم السردية أو السرديات المنافسة لتملأ الفراغ، سواء كانت صادقة أو مضللة.

لقد تحوّل العالم من عصر «حروب المعلومات» إلى عصر يمكن تسميته بـ«حروب السرديات». ففي الماضي كان السؤال: من يمتلك المعلومة؟ أما اليوم فأصبح السؤال: من يمتلك القصة والرواية التي تمنح تلك المعلومة معناها والدلالة؟ وأزمة مضيق هرمز أوضح صورة لهذا الموضوع.

لكن السردية ليست مجرد رواية خيالية للأحداث، بل هي الإطار الذي يحدد كيف يفهم الناس تلك الأحداث، ومن هو الضحية، ومن هو البطل، وما الذي يجب أن يصدّق، وما الذي ينبغي أن يرفض. من هنا فالسردية قادرة على إعادة ترتيب الحقائق داخل عقل المتلقي، دون المساس بالحقيقة.

أبلغ الأخطاء التي تقع فيها بعض المؤسسات هو الاعتقاد بأن نشر البيانات الرسمية أو عقد المؤتمرات الصحفية يكفي لكسب الرأي العام وكفيل بإيضاح الصورة. لكن البيان الصحفي ليس سردية، والإحصائية والأرقام ليست قصة، والمؤتمر الصحفي ليس بالضرورة عملاً مقنعاً.

ولعل أخطر وأصعب المعطيات الرقمية أن خوارزميات المنصات الرقمية لا تكافئ الحقيقة، بل تكافئ التفاعل بأعداد المتابعين. فهي تمنح الانتشار لما يثير الانتباه، ويستفز المشاعر، ويحفّز المشاركة، بصرف النظر عن مستوى دقته ومصداقيته. وبهذا تصبح الحقيقة، إن قُدّمت بطريقة جامدة، أقل قدرة على الوصول من رواية مثيرة، حتى لو كانت مشوّهة أو مجتزأة.

وهنا تبدأ حروب السرديات، وهي صراع على تفسير الواقع أكثر من كونها صراعاً على الواقع نفسه. فالأطراف المختلفة لا تتنافس فقط على نقل ما حدث، بل على تحديد ماذا يعني ما حدث، وكيف يجب أن يتذكره الناس، وما القرارات التي ينبغي أن يبنوا عليها مواقفهم.

ولهذا أصبحت السردية أصلاً من الأصول الإستراتيجية التي لا تقل أهمية عن الأصول الاقتصاد أو التقنية أو القوة العسكرية. فالدولة التي تفقد القدرة على تفسير أفعالها للداخل والخارج، قد تجد أن الآخرين يتولون كتابة قصتها نيابة عنها. ومن يكتب القصة، يمتلك في كثير من الأحيان القدرة على تشكيل الانطباعات، وتوجيه الرأي العام، وصناعة الشرعية أو نزعها.

لكن يجب التمييز بوضوح بين بناء السردية وصناعة الوهم. فالسردية المهنية لا تعني تجميل الواقع أو إخفاء الحقائق أو التلاعب بالجمهور، وإنما تعني تنظيم الحقائق داخل إطار واضح ومفهوم ومقنع، يحفظ الدقة ويُحسن التواصل. أما الدعاية، فتعتمد على الانتقائية والتضليل والتشويه، حتى وإن نجحت مؤقتاً.

ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: هل نحتاج إلى سردية؟ بل لماذا لا نبني السردية في أوقات الاستقرار، ثم ما هي السردية الصلبة التي يمكن البناء عليها، ولماذا لا يستثمر في القدرات البشرية الخبيرة والضالعة في بناء تلك السرديات؟

إن المؤسسات الناجحة لم تعد تكتفي بإدارة الإعلام، بل أصبحت تعرف كيف يفكر جمهورها، وما الذي يقلق هذا الجمهور، وما اللغة التي يتفاعل معها، ثم تبني رسائلها بما يحافظ على الحقيقة ويجعلها قابلة للفهم والتبني من موقع هذا الجمهور.

كما أن السردية الناجحة لا تُصنع وقت الأزمات فقط، بل تُبنى في أوقات الاستقرار. فالثقة التي تُراكمها الدول أو المؤسسات خلال سنوات، تصبح رأس مالها الحقيقي عندما تواجه أزمة أو شائعة أو حملة تضليل. أما من يتذكر التواصل فقط عند وقوع الأزمة، فإنه يبدأ من نقطة الصفر بينما تكون السرديات المنافسة قد قطعت شوطاً بعيداً.

ولعل المرحلة المقبلة ستشهد انتقال المنافسة بين الدول من سباق الموارد إلى سباق القدرة على تفسير الذات. فالقوة لن تُقاس بما تملكه الدول من إمكانات فحسب، بل أيضاً بقدرتها على تحويل إنجازاتها إلى قصة يفهمها مواطنوها، ويقتنع بها العالم. وهذا كله ضمن أربعة عناصر متلازمة: حقيقة راسخة، وسردية ذكية، وتوقيت مناسب، وثقة متراكمة. ولا ننسى أبداً أن حماية الحقيقة لا تبدأ بجمع الأدلة فقط، بل تبدأ أيضاً بإتقان فن روايتها.

أخيراً، ليس من التهويل القول بأن السردية الوطنية تعد جزءاً لا يتجزأ من الأمن الوطني والذي يتطلب إعادة تعريف دور ومنطلقات وزارة الإعلام وإدارات الإعلام من خلال إيجاد بنك للسرديات الوطنية وقاعدة معرفية تحتوي على القصص الوطنية والإنجازات والشخصيات والرموز والأزمات السابقة والدروس المستفادة. كما يتطلب رصداً لحروب السرديات وقد يدخل فيها رصد الشائعات والحملات المنظمة والاتجاهات الرقمية والتحوّلات في الرأي العام والسرديات الخارجية في المنصات الاجتماعية ومحركات البحث وتطبيقات الذكاء الاصطناعي والموسوعات الرقمية والمحتويات متعددة اللغات.

00:01 | 7-07-2026

تشريع حكومي يعتق العروسين اجتماعياً من مديونية العمر

لم تعد تكاليف حفلات الزواج ترفاً اجتماعياً أو شأناً عائلياً خاصاً، بل أصبح قضية مجتمعية واقتصادية تستنزف طاقات الأسر، وتؤخر زواج الشباب، وتدفع بعضهم إلى الديون، وتحوّل مناسبة الفرح إلى مشروع مالي مرهق، يبدأ قبل ليلة الزواج ولا ينتهي بعدها إلا بسنوات من سداد المديونية والضغط النفسي والاجتماعي.. وهذا ربما أحد أهم الأسباب التي أدت إلى انخفاض معدلات الزواج وربما ارتفاع معدلات الطلاقات وبالتالي انخفاض نسبة المواليد.

لقد خرجت كثير من مناسبات الزواج عن حجمها الطبيعي ونطاقها المنطقي. فلم تعد المسألة وليمة فرح، ولا اجتماع أهل، ولا إعلان مرحلة أسرية جديدة، بل تحوّلت في بعض الحالات إلى سباق مكلف في القاعات، والضيافة، والتجهيزات، والتصوير، والهدايا، والبروتوكولات، والمظاهر، وحتى صار العريس وأسرته والعروس وأهلها أسرى لتوقعات اجتماعية لا تنتهي. وكلما حاولت أسرة أن تعتدل وتتزن، وجدت نفسها تحت ضغط المقارنة والمباهاة: ماذا سيقول الناس؟ فهل نحتفل بزواجات أبنائنا وبناتنا، أم نتباهى بحفلة ليلة ستصبح كابوساً مالياً يلاحق العروسين وأسرتيهما وربما ينهي أحلامهما الزوجية؟

وهل يدخل آلاف الشباب والفتيات الحياة الزوجية وهم يحملون حلماً جميلاً أم يدخلون وهم يحملون قروضاً ومديونيات والتزامات مالية قد تمتد سنوات طويلة.

هنا تتضح الحاجة إلى تدخل رشيد لا يصادر الفرح، ولا يمنع الناس من الاحتفال، ولكنه يعيد الأمور إلى نصابها. فالتشريعات الحكومية في مثل هذه القضايا لا تتدخل في الخصوصيات، لكنها تحمي المجتمع من عرفٍ مرهق تحوّل إلى كابوس شبه أبدي. كما أن التشريع لا ينبغي أن يكون عقابياً فقط، بل حاضناً ومسانداً ومشجعاً على الاعتدال.

نحن بحاجة إلى تشريع يضع بروتوكولاً وسقفاً أعلى للالتزامات المالية في مناسبات الزواج، وينظم عدد الفعاليات المصاحبة للاحتفال، ويحد من الهدر الغذائي، ويمنع المبالغات التي تحوّلت إلى معيار اجتماعي لا يمت للزواج بِصِلة.

ليس من العدل أن يُدفع شاب في بداية حياته إلى الاقتراض من أجل ليلة واحدة، ولا أن تتحوّل الأسرة الجديدة إلى مشروع مديونية بدلاً من أن تبدأ حياتها بمسكن، وادخار، واستقرار، وخطة مستقبل.

الأهم من التشريع نفسه أن يكون مصحوباً بمبادرات حكومية واجتماعية ترفع الحرج عن الناس. فالناس لا يسرفون لأنهم يريدون الإسراف، بل لأنهم يخشون كلام المجتمع. لذلك فإن وجود سقف نظامي واضح يمنح الأسر عذراً نبيلاً أمام الآخرين: «النظام لا يسمح»، هكذا يتحوّل التشريع من قيد إلى حماية، ومن منع إلى انعتاق وانفراج.

ويمكن أن تتبنى الجهات الحكومية والجمعيات الاجتماعية مبادرات مثل: «الزواج الرشيد»، و«زواج بلا مديونية»، و«فرح بلا هدر»، بحيث تمنح الأسر الملتزمة تسهيلات وشهادات، وحوافز، وخصومات، وأولوية في بعض برامج الدعم، مع اعتماد قاعات أفراح مسؤولة تقدم باقات معتدلة ومعلنة وتتبنى ذات المنهج، فتلتزم بتقليل الهدر، وتنظيم عدد الضيوف، وتحجيم مظاهر البذخ ومزادات عدد الضيوف وحجم المائدة.

كما ينبغي أن يتكامل هذا التشريع مع خطاب ديني واجتماعي وإعلامي يعيد تعريف الفرح ومفهوم الزواج. فالفرح لا يقاس بحجم المائدة ولا بعدد المدعوين الذين لا نعرف أغلبهم ولا فخامة القاعة، ولا بكثافة التصوير، بل بنجاح الخطة وفق الإمكانات دون تضحيات من البعض لحساب صورة وهمية بالية من التفاخر الشكلي، وبراحة النفوس، وكرامة العروسين، وسلامة الأسرة من المديونية والضغوط.

إن المجتمع الذي يربط زواج أبنائه وبناته بالبذخ والضيافة العشوائية الفوضوية، يتسبب من حيث يدري ولا يدري في تأخير أعداد كبيرة من الشباب، ويساهم بتوسيع الفجوة بين القدرة والرغبة.

إن فوضى مناسبات الزواج ليست مجرد هدر مالي، بل هدر للمعنى والقيمة والدلالة. حين تصبح ليلة الزواج أهم من الحياة الزوجية نفسها، وحين يصبح رضا الناس مقدماً على مصلحة العروسين، وحين تُستنزف ميزانية الأسرة في مظاهر عابرة، فإننا أمام خلل ثقافي اجتماعي أخلاقي يحتاج إلى مراجعة شجاعة في المعالجة.

المطلوب اليوم ليس إلغاء الاحتفال، بل تهذيبه وتحديث مفهومه. ووضع مؤشرات تقيس مستهدفات الزواجات البعيدة عن التفاخر والمباهاة وإنقاذهم من عرف اجتماعي صار أثقل من قدرتهم.

إن التشريع الحكومي الرشيد، إذا جاء متوازناً ومدعوماً بمبادرات توعوية وحوافز اجتماعية، يمكن أن يصنع تحوّلاً كبيراً في ثقافة الزواج، ويعيد المناسبة إلى معناها الأصيل، بداية أسرة، لا بداية مديونية؛ وبناء حياة، لا طهبلة ليلة؛ وفرح مبارك، لا سباق مكلف في البذخ والهدر، خاصةً مع انعدام تحديد المسؤولية عن فوضى الهدر والبذخ.

لقد آن الأوان أن نقول بوضوح إن الزواج ليس ميدان منافسة اجتماعية، بل ميثاق حياة. وكل ريال يُنقذ من الهدر يمكن أن يتحوّل إلى استقرار، وكل عادة تُرشّد يمكن أن تفتح باباً لزواج ميسّر، وكل تشريع عاقل في هذا الباب هو حماية للمجتمع من نفسه، ورحمة بالشباب، وإنصاف للأسر، واستثمار في مستقبل أكثر اتزاناً. خاصة في ظروف اقتصادية جعلت الكثير من الشباب خارج دائرة العمل وخارج الدورة الاقتصادية، وفي ظروف اجتماعية تخيم عليها انخفاض معدلات الزواج وارتفاع معدلات الطلاق.

00:03 | 30-06-2026