أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/236.jpg?v=1766066142&w=220&q=100&f=webp

عبداللطيف الضويحي

أنا أصوّر إذاً أنا موجود..!

قبل قرون، صاغ الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت عبارته الشهيرة: «أنا أفكّر إذاً أنا موجود». لم تكن مجرد جملة فلسفية، بل هي تأكيد عن أن جوهر الإنسان يكمن في عقله ووعيه وقدرته على التفكير. فالإنسان موجود لأنه يفكر، ويفكر لأنه يمتلك ذاتاً واعية مستقلة عن العالم من حوله.

لكن لو عاد ديكارت إلى عالمنا اليوم، ربما سيفاجأ بأن الإنسان المعاصر قد استبدل هذه المقولة بأخرى غير مكتوبة، لكنها تُمارس يومياً ملايين المرات:

«أنا أصوّر إذا أنا موجود». ففي عصر الأجهزة الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي، لم يعد الإنسان يكتفي بعيش اللحظة، بل أصبح يشعر بحاجة متزايدة إلى تصويرها وتوثيقها ونشرها وإظهارها، وكأن قيمة الحدث لم تعد فيما يضيفه إلى حياتنا، بل فيما يضيفه إلى حساباتنا.

لقد أصبحنا نوثق حياتنا أكثر من أن نعيشها. أصبحنا نبني صورنا، بعد أن كنا نبني ذواتنا. وبين واقعنا وصورنا مسافةٌ تفاقم مأساتنا، وتعمّق غربتنا. حتى لم يعد السؤال من أنت؟ بل أصبح السؤال كيف تبدو؟

ولم يعد النجاح يُقاس بما نقوم عليه وننجزه بقدر ما يُقاس بما نُظهره. هكذا انتقل الإنسان من مجتمع الإنتاج إلى مجتمع الاستعراض.

نحن لا نسافر فقط، بل نصور سفرنا. ولا نأكل الطعام فقط، بل نوثّق طعامنا. ولا نحضر المناسبات فقط، بل نبثها مباشرة. حتى اللحظات الخاصة التي كانت تنتمي إلى الذاكرة أصبحت تنتمي إلى المنصة.

لقد انتقل الإنسان المعاصر من استهلاك الأشياء إلى استهلاك الصور، ومن صناعة الخبرة إلى صناعة الانطباع. كنا نسأل أنفسنا ماذا تعلمنا؟ ماذا أنجزنا؟ ماذا أضفنا إلى حياتنا؟ اليوم أصبح السؤال الذي يسبق كثيراً من الأفعال هو: كيف نبدو على الشاشة؟ وهنا نقطة التحوّل الحضاري الكبرى.

أصبحت الهوية الفردية أقرب إلى «علامة تجارية» منها إلى كينونة إنسانية. فكل شخص يُدير صورته الذهنية، ويختار زوايا ظهوره، ويصمّم محتواه، ويتابع مؤشرات الأداء الخاصة به من إعجابات ومشاهدات ومتابعين. وأصبح النجاح عند البعض يقاس بمدى الحضور الرقمي أكثر من عمق الأثر الحقيقي.

هذا لا يعني أن التقنية مشكلة في ذاتها، فهي من أعظم أدوات العصر. لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الصورة أهم من الواقع، وعندما يتحوّل الوجود الحقيقي إلى مجرد مادة خام لإنتاج محتوى جديد.

الإنسان الذي ينشغل بإظهار حياته أكثر من عيشها ومعايشتها، يواجه خطراً وجودياً خفياً. فالمسافة تتسع شيئاً فشيئاً بين شخصيته الحقيقية وشخصيته الرقمية.. بين ما هو عليه فعلاً وما يود أن يراه عليه الآخرون. ومع مرور الزمن قد يصبح أسيراً لصورته التي صنعها بنفسه.

ولعل أخطر ما أنتجه مجتمع الصورة ليس التصوير ذاته، بل تحويل الاعتراف الاجتماعي إلى مصدر رئيسي للقيمة الذاتية. فبدلاً من أن يستمد الإنسان قيمته من أخلاقه أو علمه أو إنجازه أو علاقاته الحقيقية، أصبح بعض الناس يستمدونها من أرقام تتغيّر كل دقيقة على شاشة الأجهزة الذكية.

وهكذا ظهر إنسان يخشى الغياب أكثر مما يخشى الفشل، ويقلقه انخفاض التفاعل أكثر مما يقلقه انخفاض المعرفة، ويؤلمه فقدان المتابعين أكثر مما يؤلمه فقدان القيمة والمعنى.

لقد أصبح الإنسان المعاصر يعيش مفارقة غريبة؛ فهو الأكثر ظهوراً في التاريخ، لكنه ليس بالضرورة الأكثر معرفة بنفسه. والأكثر اتصالاً بالآخرين، لكنه ليس بالضرورة الأقل وحدة. والأكثر توثيقاً للحظاته، لكنه ليس بالضرورة الأكثر استمتاعاً بها.

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه إنسان العصر كيف ينتج المزيد من الصور، بل كيف يحافظ على ذاته خلف هذه الصور.

فالصورة يجب أن تكون شاهداً على الحياة وتوثيقا لها، لا بديلاً عنها، والهوية يجب أن تُبنى من الداخل قبل أن تُعرض في الخارج.

ولعل السؤال الذي سيصبح أكثر إلحاحاً في المستقبل ليس «ماذا نشرت اليوم»؟ بل من أنت عندما تنطفئ الشاشة؟ هناك فقط يبدأ الجواب الحقيقي عن الوجود الإنساني.

منذ يوم

التنافسية الاستثمارية.. 13 منطقة وهوية اقتصادية

نجاح تجارب بعض مناطق المملكة خلال العقود الماضية وإلى اليوم فيه الكثير من الدروس فهو لم يكن مصادفة، ولم يكن نتيجة «المال» وحده كما يُعتقد أحيانًا، بل كان نتيجة تفاعلات بين الجغرافية والبنية الاقتصادية، والثقافة المحلية، والقيادات، التوقيت التاريخي، وقدرة المنطقة على استثمار ميزتها النسبية قبل غيرها.

من هنا، فإن فهم تجارب بعض المناطق السعودية وقصص نجاحها، يساعدنا على فهم كيف تُبنى «الهويات الاقتصادية للمناطق»، وكيف تتحوّل بعض المدن والمناطق إلى حاضنات مستثمرين وروّاد أعمال، ومنصات تأثير اقتصادي وثقافي وإداري داخل ذات المنطقة وخارجها،

رغم التفاوت بين مناطق المملكة الـ13 بمساحاتها الجغرافية وكثافتها السكانية، وتنوع مواردها الطبيعية التي حباها الله وبمواردها البشرية والكثير من مقوّمات الاستثمار.. ورغم ما حظيت به كل مناطق المملكة من دعم حكومي سخي وميزانيات ضخمة خلال العقود الماضية ولكافة القطاعات منذ البدء بخطط التنمية.

صحيح أن المال مهم في التنمية، وصحيح كذلك أن الموارد الطبيعية ضرورية للاستثمار، لكن هناك الإدارة ورأس المال البشري والقيادة التي لا تقل أهمية عن المال وعن الموارد الطبيعية في المنطقة.

تلك النجاحات والتجارب الاستثنائية لبعض المناطق، تضعنا أمام مسؤولية وطنية تنموية لتأصيل وتوثيق تلك التجارب الاستثنائية والقصص الملهمة وتكريم روّاد النجاح لتلك التجارب من المعاصرين وممن سبقهم، وتعظيم الفائدة من نجاحاتهم وتجاربهم.. مثلما تضعنا نجاحات بعض المناطق أمام مسؤولية طرح سؤال عن أسباب عدم استفادة المناطق التي لا تزال تبحث عن هويتها الاقتصادية والتي لا تزال تتلمس طريقها لأسباب إما إدارية من خلال ترجمة واستثمار مواردها الطبيعية والبشرية وميزتها الثقافية والجغرافية النسبية لتلتقي مع أغلب مستهدفات رؤية المملكة 2030 والتي من ضمنها تنويع مصادر الدخل الوطني وجودة الحياة.

تقتضي المرحلة -على ما يبدو- البحث في إيجاد آليات إدارية تفاعلية بين إدارات المناطق، بجانب إيجاد وتفعيل منبر أو منصة تعنى بالوعي الإداري والتقني التنموي والاستثماري وإتاحة الفرصة المباشرة وغير المباشرة لتدوير الفائدة والتجارب الناجحة وتنضيج المتأخر والمتعثر منها في بعض المناطق، وتصحيح مسارات بعضها، ويشمل ذلك كل الإدارات الحكومية وفروع الوزارات في المناطق للمواكبة والتوأمة في بعض الأحيان، وعدم التكرار والتخلص من العناصر التي تحول دون تقدّم وتنمية بعض المناطق.

كما أن المرحلة ربما تقتضي إيجاد وتفعيل مؤشر المناطق ربع السنوي على مستوى المملكة لتحديد المناطق الأكثر جاذبية استثمارية وذلك لخدمة المستثمرين، ولتنبيه المناطق المتأخرة أو المتعثرة إداريًا والمناطق المترددة في رسم هويتها الاقتصادية الاستثمارات الصناعية، التقنية، الزراعية، السياحية، اللوجستية، والعقارية، والخدمية، ليشمل حجم الجذب وسرعة النمو والبنية التحتية وجاهزية الإدارات الحكومية وعدم تضارب إجراءاتها ومرونة الإجراءات وجودة البنية الاقتصادية وحجم المشروعات، والقدرة على جذب الشركات والمواهب والعقول، والقرب من المنافذ الحدودية والموانئ والممرات البحرية.

المستثمر يبحث عن الفرص العادلة والتشريعات الواضحة والإجراءات الأقصر والأسرع، والاستثمار لا يبحث عن الموارد فقط، لكنه يبحث كذلك وبالتوازي عن البيئة التي تشعره بإدارة محلية صديقة تعمل معه لا ضده وثقافة محلية شريكة له، ولهذا متوقع أن تكون المنافسة في الاستثمار بين المناطق السعودية الأكثر ودية وجاذبية للمستثمرين، خاصة مع التحوّل التاريخي الذي رسمته رؤية السعودية 2030، حيث لم تعد المناطق الـ13 مجرد تقسيمات إدارية، بل تحوّلت إلى وحدات اقتصادية وتنموية تتنافس على جذب المستثمر واستقطاب المواهب والعقول ورفع جودة الحياة وتحويل الميز المحلية إلى اقتصاد مستدام. إن أفضل المناطق وأكثرها قابلية للاستثمار وجذبًا للمستثمرين ليست هي الأغنى بمواردها، بل هي الأسرع والأوضح والأقل تعقيدًا والأعلى سرعة والأكثر تعاونًا والأكثر احترافية.

تبرز الحاجة إلى مؤشر وطني شفاف يقيس أداء المناطق الـ13 في تحفيز الاستثمار، وجودة الخدمات الاستثمارية، وسرعة الإجراءات، وكفاءة الحوكمة، وكفاءة مراكز الأعمال ورضا المستثمرين، وعدد المشروعات التي نجحت واستمرت، لا التي افتُتحت فقط بهدف خلق تنافس تنموي صحي وكشف مكامن التعثر وتحفيز القيادات المحلية، وتوجيه الدعم والقرارات بناءً على بيانات حقيقية. ونجاح الاستثمار في المناطق مناط كذلك بقدرة القيادات المحلية على صناعة ثقافة صديقة للإنجاز والشراكة والمسؤولية المجتمعية والمنطقة التي لا تطور بيئتها الاستثمارية ستتراجع حتى لو امتلكت موارد ضخمة.

00:50 | 26-05-2026

الهيئة المنسيّة في وزارة الثقافة السعودية..

سجالات رفيعة المستوى والقيمة يدور رحاها هذه الأيام في منصات التواصل الاجتماعي حول التدريس بالإنجليزية في جامعة الرياض للفنون، ومن قبله السجال حول قرار جامعة الملك سعود بإلغاء التخصصات والأقسام الإنسانية والذي تم العدول عنه لاحقاً. كما أن مستوى المشاركين بهذه السجالات ونوعيتهم يمثل انعطافة مهمة بمحتوى منصات التواصل الاجتماعي وتأثيرها، خلافاً لكثير من القضايا في السابق والتي أفسدها المستوى المنخفض للمشاركين.

إن الأداء المتميّز للنقاش في هذه القضايا والمستوى الرفيع للمشاركين في هذه السجالات، يدعونا للتفكير في تعظيم الاستفادة من هكذا بيئة سجالية فكرية وثقافية حضارية.

لقد دعوت في أحد المقالات مركز الملك عبدالعزيز للتواصل الحضاري أن يستثمر هذه السجالات المهمة، وأن يلعب دوراً في الاستفادة منها للوصول بها إلى توصيات وخلاصات يمكن البناء عليها في مأسسة الفكر والثقافة وصناعة القرارات الوطنية ذات الصلة.

اليوم أدعو بأن يكون لوزارة الثقافة دور في تأصيل وتجذير هذا النوع من السجالات لتصبح مكوّناً من مكوّنات وتشكيلات الهوية الثقافية والفكرية الوطنية. حتى لو تم نقل تلك الحوارات من المنصات الرقمية إلى القاعات وجهاً لوجه.. لا يمكن أن تبقى الثقافة أو الفكر بوصفهما نشاطين إبداعيين فحسب، دون اعتبارها منظومة تُشكّل شخصية المجتمع، وتحدد منهجيته في كيفية رؤيته لنفسه والعالم. ولذلك لا يمكن أن تنحصر الهوية الثقافية بالجانب الرمزي أو النخبوي فقط، لأنها أهم ملفات القوة الناعمة، والتنافس الحضاري، واستدامة الإبداعات والابتكارات الوطنية، بما في ذلك الجدل العميق الدائر حول أهمية استخدام اللغة العربية في التدريس لجامعة الرياض للفنون.

لقد حقّقت المنظومة الثقافية عبر الهيئات الثقافية المتخصصة التابعة لوزارة الثقافة الكثير، لكن اتساع التحوّلات الرقمية، وتسارع العولمة الثقافية، وتغيّر أنماط العيش، وبروز الذكاء الاصطناعي والعولمة الرقمية، عوامل تفرض سؤالاً عمّن يدير الهوية الثقافية وكيف؟

الهوية لم تعد ثابتة، بل أصبحت عرضة لإعادة التشكيل المستمر عبر المنصات الرقمية، والخوارزميات، والثقافة العالمية، وثقافة السوق وأنماط الاستهلاك اليومية. وهنا تبرز الحاجة إلى التفكير في استحداث (هيئة للهوية الثقافية) تكون مهمتها باستمرار دراسة وبلورة الشخصية الثقافية، وتطويرها وتحويلها من مجرد إرث تاريخي إلى قوة وطنية فاعلة عالمياً في الاقتصاد والتعليم والإعلام والفضاءات العامة.

إن الهيئات الثقافية الحالية تعمل على قطاعات متخصصة: الأفلام، التراث، الأزياء، الأدب، المتاحف، الموسيقى، وغيرها. لكن «الهوية الثقافية» ليست قطاعاً منفصلاً، فهي الإطار الجامع الذي يربط كل تلك القطاعات ببعضها ويمنحها معنى واتجاهاً ودلالة.

الهوية ليست مجرد أزياء، أو لهجات أو فولكلور، بل منظومة تشمل: اللغة والقيم، الذوق العام، أنماط العيش، السلوك الاجتماعي، الصورة الذهنية الوطنية، الرموز الثقافية، العلاقة بالماضي والمستقبل، بجانب السجالات الفكرية والثقافية في الفضاءات الرقمية، المحتوى الإعلامي. من هنا يعد إحداث وتأسيس هيئة متخصصة بالهوية الثقافية يعني الانتقال من إدارة الأنشطة الثقافية إلى إدارة شخصية حضارية للمجتمع والوطن.

هذه الهيئة لا بد أن تعمل على حماية الهوية الوطنية في عصر العولمة الرقمية وتبنّي سياسات تحول دون التآكل الثقافي وتمنع الانغلاق وتعزز حضور اللغة العربية بصفتها وعاءً للهوية والمعنى والسردية الوطنية، وصناعة السردية الوطنية.

كما تقوم الهيئة المقترحة بربط الهوية بالاقتصاد من خلال تحويل الهوية إلى قوة اقتصادية في السياحة، والمحتوى، والمنتجات المحلية، والعمارة، والأزياء، وفنون الطهي والسجالات الفكرية والثقافية.

وتبني الهيئة المقترحة مؤشراً وطنياً للهوية الثقافية يقيس مستوى حضور الهوية في المجتمع والإعلام والتعليم والسوق والفضاء الرقمي، بجانب حماية الهوية البصرية والعمرانية الوطنية، فلا تتحوّل مدننا إلى نسخ متشابهة بلا روح محلية أو ذاكرة حضارية، وتعزيز الهوية الثقافية لدى الأجيال الجديدة.

كما تتولى الهيئة إعداد الدراسات الإستراتيجية الوطنية للهوية الثقافية ومراجعة الأثر الثقافي للمشروعات الكبرى والسياسات العامة والتنسيق مع الوزارات ذات العلاقة وتطوير معايير الهوية في العمارة والتصميم والمحتوى، وإطلاق برامج لتعزيز الهوية في المدارس والجامعات وتدعم الدراسات والأبحاث المتعلقة بتحوّلات الهوية، بجانب مراقبة ورصد التغيّرات الثقافية والسلوكية في المجتمع وتمكين المحتوى القادر على التعبير عن الشخصية الوطنية، بجانب حماية الرموز الثقافية من التشويه أو التذويب وبناء قواعد بيانات ومراصد للهوية والتحولات الثقافية.

ويمكن أن تتحقق الهيئة كل ذلك من خلال الأدوات التالية: 1) المرصد الثقافي الوطني، 2) المختبرات الثقافية المتخصصة بدراسة الهوية الرقمية وتأثير الذكاء الاصطناعي على الثقافة وتحولات اللغة، الثقافة الشبابية، الهوية العمرانية، الصورة الذهنية الوطنية في العالم، و3) الشراكات العابرة للقطاعات.

إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الأمم هو فقدان الشخصية والهوية، وفي عصر الذكاء الاصطناعي، والمنصات العابرة للحدود، والثقافة الخوارزمية، فلابد أن يكون الهدف هو كيفية الحفاظ على الإنسان بوصفه حاملاً للمعنى واللغة والقيم والذاكرة ومن هنا، فإن استحداث هيئة للهوية الثقافية، هو مشروع إستراتيجي طويل المدى لحماية الشخصية الوطنية، التي تمرّ بواحدة من أكبر وأسرع مراحل التحوّل في تاريخها.

00:16 | 19-05-2026

تمكين روّاد الأعمال في المناطق الحدودية من أسواق دول الجوار

تتمتع المملكة بمساحة جغرافية مترامية الأطراف، وتتموضع في قلب منطقة حيوية اقتصادياً وجغرافياً، وترتبط بحدود مباشرة مع عدد من الدول المجاورة والأسواق التي تمثّل فرصاً استهلاكية وتجارية وخدمية ضخمة.

ومن هنا يبرز سؤال: هل يمكن أن يصبح التجاور الجغرافي بين أي منطقة من مناطق المملكة مع أسواق الدول المجاورة ميزة نسبية تنافسية لكل منطقة سعودية مجاورة لسوق من أسواق الدول المجاورة؟

وكيف تتحوّل المناطق الحدودية من أطراف جغرافية إلى مراكز إنتاج وتصدير وتأثير في أسواق الدول المجاورة، خاصة مع ما تتملكه المملكة من بنية تحتية حديثة، ومنافذ نشطة ورافعة لوجستية مهمة بالإضافة إلى ربط المملكة بالأسواق العربية والآسيوية والأفريقية؟

تتنوّع مناطق المملكة الإدارية الثلاث عشرة بمواردها وإمكاناتها وهوياتها الاقتصادية، مما يجعل كل منطقة من تلك المناطق مؤهلة لبلورة وتطوير اقتصاداتها استناداً إلى ما تمتلكه من مقوّمات وموارد طبيعية وبشرية وبُنية تحتية وفرتها الدولة، مما يسهم مباشرة وغير مباشرة بخلق وتوفير آلاف الفرص الوظيفية لأبناء المناطق الحدودية، الذين لا تسمح الظروف المادية لبعضهم بالعمل في العاصمة أوالمدن الكبرى. كما أن هذه الخطوة ستسهم بفتح عشرات الفرص الاستثمارية في المناطق الحدودية. النجاح الحقيقي لهذه الفكرة لا يتحقّق عبر نقل شركات من العاصمة والمدن الكبرى إلى الحدود، بل عبر صناعة وتمكين روّاد أعمال من أبناء المنطقة الحدودية واستثمار معرفتهم الاجتماعية والثقافية.

إن تمكين روّاد الأعمال في المناطق الحدودية من أسواق الدول المجاورة لا ينبغي أن يقتصر على الدعم التجاري أو تشجيع التصدير، بل باعتباره مشروعاً وطنياً لإعادة تعريف وظيفة الحدود اقتصادياً. فالحدود التي لا تُنتج اقتصاداً، تتحوّل مع الوقت إلى أطراف مستهلكة تعتمد على المركز، بينما الحدود التي تُدار اقتصادياً، تصبح مورداً من موارد الدولة غير النفطية.

يتميّز روّاد الأعمال في المناطق الحدودية بأنهم لا يعملون داخل سوق محلي فقط، بل إنهم يعيشون بالقرب من أسواق مختلفة ثقافياً وسعرياً وفجوات في العرض والطلب بين الدول وفرص لوجستية وتجارية وسياحية وزراعية ضخمة وقدرة أعلى على فهم الديموغرافيا والجغرافيا المجاورة والاحتياجات العابرة للحدود، ومن هنا فإن رائد الأعمال «الحدودي» يمكن أن يصبح مُصدِّراً صغيراً أو وسيطاً لوجستياً أو مطوِّراً للخدمات العابرة للحدود، أو مُسوّقاً للمنتجات الوطنية.

من هنا لا بد من دور فاعل وعاجل لتمكين روّاد الأعمال في المناطق الحدودية من خلال إنشاء «مناطق ريادة حدودية خاصة» تتمتع بحوافز استثنائية مثل: 1) إعفاءات ضريبية وجمركية، 2) سرعة التراخيص، 3) دعم النقل والتخزين، 4) مرونة أكبر في الأنشطة التجارية.

كما أن هناك حاجة متنامية بأن تتحوّل هذه المناطق إلى 1) مراكز تصدير صغيرة ومتوسطة، 2) حاضنات للتجارة العابرة للحدود، 3) منصات تصنيع خفيف موجهة لأسواق الدول المجاورة. كما أن الحاجة قد تكون قائمة لإيجاد وتأسيس «بنك فرص الأسواق المجاورة».

إن الجهل باحتياج الأسواق المجاورة يعد من أفدح الأخطاء التي يقع بها روّاد الأعمال، فكان لا بد أن تقوم البرامج أو المبادرات على توفير قواعد بيانات للسلع المطلوبة للأسواق المجاورة، وخرائط الفجوات التجارية، وتحليلات للأسعار والقدرة الشرائية، ومعلومات عن الأنظمة والاشتراطات، وتقارير دورية عن الفرص القطاعية.

أي أن أي دور في هذا المجال، لا يمكن أن يكتفي بالتمويل، بل توفير «المعرفة السوقية» ودعم النقل واللوجستيات الحدودية ودعم الشحن الحدودي وإنشاء مخازن تبريد مشتركة وإقامة مناطق فرز وتغليف وتوفير خدمات تخليص مبسطة ودعم التجارة الإلكترونية العابرة للحدود وتمكين المنتجات المحلية القابلة للتصدير ومنها المنتجات زراعية والصناعات الحرفية اليدوية والثروات الطبيعية والمنتجات الموسمية. والتأهيل للتصدير مثل تطوير التغليف وبناء العلامات التجارية والتدريب على التصدير وتوحيد المواصفات والتسويق الدولي والإقليمي وإنشاء «منصات تجارة حدودية رقمية» تربط المنتج المحلي والمشترين في الدول المجاورة وشركات النقل والتخليص الجمركي والدفع الإلكتروني.

إن هذا التوجه يصب في رؤية المملكة 2030، ويترجم مستهدفاتها، ويسهم بتحقيق برامجها، وقد خصصت بعض المقالات التي أكتبها في «عكاظ» لما يعزّز الهويات الاقتصادية للمناطق الثلاث عشرة، كما كتبت عن أهمية تمكين روّاد الأعمال في المناطق الحدودية من أسواق دول الجوار، لكن الكتابة عن هذا الموضوع في هذه المرحلة وفي هذا التوقيت يكتسب طابعاً مختلفاً؛ نظراً للنضج الاقتصادي الذي وصلته تجربة المملكة، والأزمات التي تعيشها المنطقة في السنوات الأخيرة.

00:12 | 12-05-2026

دمج الإعلام واللغة العربية في الجامعات رافعة سوق العمل..

من تداعيات السجالات التي أسفرت عنها قرارات إلغاء بعض التخصصات والعدول عنها لاحقاً ذلك الحراك الفكري والأكاديمي والثقافي الذي تزخر به الصحافة والمنصات. كنت محظوظاً بأن أدرس الإعلام تخصصاً أساسياً في جامعة الملك سعود مع التخصص الفرعي في مجال اللغة العربية، كان ذلك بمثابة من ينهض على رافعتين في تشكيل المسار المهني في سوق العمل.

إنني أدين بالعرفان لتلك التجربة، فالفصل بينهما هو بمثابة الفصل بين الروح والجسد.

ليس المطلوب الدمج الإداري بين قسم اللغة العربية وقسم الإعلام في جامعاتنا، فهناك تجارب ومدارس عالمية يمكن دراستها محلياً وعربياً لتصحيح وتأصيل وتجذير العلاقة والترابط بين اللغة العربية والإعلام في جامعاتنا:

هناك 1) دمج مباشر (Linguistics + Media) تخصص واحد. وهناك 2) برامج هجينة متعددة التخصصات لغة وإعلام وتسويق وتقنية، كما أن هناك

3) تخصص مزدوج (Major/Minor) مرونة في الدمج. ونموذج آخر 4) دمج وظيفي داخل الإعلام. فاللغة ليست قسماً بل هي مهارة أساسية. فهل المطلوب أن تكون اللغة العربية داخل الإعلام.. أم أن يكون الإعلام داخل قسم اللغة العربية؟

هناك حاجة لمرجعية أكاديمية موحدة تجمع الإعلام واللغة العربية والمحتوى الرقمي والذكاء الاصطناعي اللغوي، فاللغة ليست تخصصاً مكملاً للإعلام، بل هي البنية التحتية العميقة التي يقوم ويرتكز عليها ودونها يكون الإعلام مشوَّها مهنياً وسوق العمل مختلاً.

تقاس قوة المؤسسات بقدرتها على التأثير، لكن جامعاتنا لا تزال تُدرّس «وسيلة التأثير» (الإعلام) بمعزل عن «مادته الخام» (اللغة). هذا الفصل لم يعد ربما مقبولاً، فالنتيجة إعلام سطحي وضحلٌ، مثلما أن النتيجة لغةٌ متينةٌ قليلةُ الحضور والاستخدام. كما أن النتيجة النهائية سوق عمل يعاني مفارقة واضحة: عرض وفير من خريجي اللغة العربية بلا مسارات مهنية، وطلب متزايد على مهارات كتابة وتحرير وتأثير لا يجد من يلبّيه بكفاءة.

الحل ليس إدارياً بحتاً، بل مرجعي فلسفي: تصحيح وإعادة بناء العلاقة بين الإعلام واللغة العربية داخل الجامعة على أساسٍ واحد: «صناعة الخطاب». حيث تُفهم اللغة كأداة إنتاج، والإعلام كمنصة توظيف، فيتكوّن معاً نظام متكامل يُعيد تشكيل العرض والطلب في السوق. إن اللغة ليست مادة تُدرّس بل طاقة تُنتج، والإعلام ليس قناة تنقل بل آلة تُشكّل التأثير.

عندما تُبنى البرامج على هذا الأساس، تتغيّر المقررات لتتحوّل إلى مهارات تشغيلية وتتغير التخصصات لتتحول إلى مسارات مهنية ويتغير التقييم ليتحوّل من حفظ القواعد إلى قياس الأثر (هل النص أقنع؟ هل الرسالة وصلت؟).

كيف يمكن أن يعالج الدمج اختلالات العرض؟ العرض اليوم كبير لكنه «غير مُسعّر». فخريج اللغة العربية يعرِف قواعد النحو، لكنه لا يملك قدرة على الإنتاج. وخريج الإعلام في المقابل يعرف الأدوات لكنه يفتقر إلى بناء السردية ويعوزه القدرة على الصياغة الدقيقة التي ترفع جودة المخرج. من هنا يمكن للدمج أن يعيد هندسة العرض من خلال تحويل العربية إلى مهارات قابلة للتوظيف مثل كتابة تقارير، تحرير منصات، صياغة سياسات، تجربة المستخدم. وإنتاج خريج ثنائي الكفاءة: يفهم التقنية والسرد معاً وبناء مسارات واضحة: من كاتب محتوى ومحرر واستراتيجي محتوى ومدير اتصال وبهذا يتحول العرض من «شهادات عامة» إلى كفاءات وقدرات محددة يمكن للشركات شراؤها من بورصة سوق العمل.

الطلب لا يتشكّل تلقائياً، بل يُبنى حين ترى المؤسسات قيمة مباشرة في التسويق وفي الخدمات وتحسن تجربة العميل وفي القطاعات الحكومة صياغة دقيقة تُسرّع الفهم وتُحسّن الامتثال. أما في التقنية فهناك الواجهات العربية الجيدة تزيد الاستخدام والرضا. عندئذ يصبح الطلب كم نحتاج كاتباً، وبأي مستوى، ومن هنا يولد الطلب.

أخطر ما تعرّضت له اللغة العربية هو أنها حُصرت في خانة «الرسمية»، أي لغة الأوراق، لذلك فالدمج يعيدها إلى خانة التشغيل أي أنها تدخل مباشرة في معادلة: الإيراد + الكفاءة + تجربة المستخدم.

من المتوقع والمفترض أن ينعكس ذلك على سوق العمل من حيث اتساع حجم الوظائف..

1) ظهور وظائف نوعية: كاتب محتوى استراتيجي، محرر منصات رقمية، مختص تجربة مستخدم لغوية، محلل خطاب ورأي عام، مدرب نماذج لغوية عربية (AI Trainer)، مدير اتصال مؤسسي.

2) رفع جودة العرض؛ إذ يمتلك الخريجون: مهارة كتابة قابلة للقياس، خبرة تطبيقية (مشاريع،، حملات، منصات)، قدرة على الربط بين اللغة والتقنية.

3) نمو الطلب المؤسسي فالمؤسسات سوف ترى: تحسناً في الأداء، أثراً ملموساً على الإيرادات، جودة أعلى في التواصل.

4) خلق سوق ناشئ (Economy of Language) يقوم على شركات محتوى، أدوات تحرير عربية، منصات تعليم لغوي، حلول ذكاء اصطناعي عربية.

من هنا، قد تحقّق الجامعات هذه التحولات حسب ما يلي:

1) مسارات هجينة، 2) مقررات مهارية، 3) معامل إنتاج، حيث يخرج الطالب وقد أنجز: حملة إعلامية، منصة محتوى، تقارير احترافية، نصوصاً رقمية قابلة للنشر.

هذا التوجه لو نجحت جامعاتنا أو بعضها بتبنيه، سوف لن يخدم الجامعة فحسب، بل سيعزز الهوية دون عزلها عن السوق، ويدعم الاقتصاد الرقمي وصناعة المحتوى، ويرفع جودة الخطاب العام، ويبني قوة ناعمة تنافس عالمياً. إن دمج الإعلام واللغة العربية ليس إعادة ترتيب للأقسام، بل هو إعادة تسعير مهارات اللغة والإعلام في الاقتصاد.

00:36 | 5-05-2026

الرؤية السعودية أسرع وأكبر تجربة انتقالية من الاستهلاكية إلى الإنتاجية..

عندما أُطلقت رؤية المملكة 2030، لم يكن المستهدف تنويع الاقتصاد أو زيادة الإيرادات غير النفطية فحسب، وإن كان هذا أحد المستهدفات، لكن الرؤية كانت كذلك تدشيناً لمشروعٍ شاملٍ يرمي لإعادة تشكيل الوعي الجمعي والثقافة المجتمعية والفكر الاجتماعي، بما يعكس حجم تطلعات الشعب السعودي وبما يليق بحاضر ومستقبل المملكة العربية السعودية ومكانتها الإستراتيجية وقيمتها الثقافية والاقتصادية وفي مقدمتها طاقات وقدرات ومكتسبات شعبها.

لم يكن التحدي الحقيقي في بناء المصانع أو إطلاق المشاريع، بل في الانتقال من مجتمع استهلاكي إلى مجتمع يُنتج ما يحتاجه ويُنافس العالم الصناعي الغربي والشرقي. والانتقال والتحوّل من سلوك الشراء المطلق إلى سلوك البيع والشراء.

لقد شكّل الاقتصاد الريعي بيئة حاضنة لنشوء وهيمنة ثقافة استهلاكية في مجتمعاتنا المحلية، حيث الوفرة لا تقابلها بالضرورة مسؤولية الإنتاج إلا فيما ندر، والدخل لا يرتبط دوماً بالقيمة والمعنى. ومن هنا، ترسّخت أنماط سلوكية تميل إلى الاستهلاك السريع من ناحية، والاعتماد على الخارج من ناحية أخرى، إضافة إلى البحث عن الوظيفة أكثر من البحث عن الفرصة.

لكن ما أحدثته الرؤية السعودية 2030، منذ أن أطلقها ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، هو أنها عملت على إعادة هندسة البيئة التي أفضت إلى الثقافة الاستهلاكية وتداعياتها من تفاقم السلوك الإستهلاكي والتي حالت طويلاً بين طاقات وقدرات المجتمع الإنتاجية الكثيرة والكبيرة والفرص السانحة والكثيرة ومواجهة تحدياتها.

إن إطلاق مشاريع كبرى مثل نيوم لم يكن مجرد استثمار عقاري، بل كان رسالة بأن المستقبل يُصنع محلياً. كما أن تمكين صندوق الاستثمارات العامة محركاً لصناعات جديدة خلق منظومة إنتاج لا تعتمد فقط على النفط. وأن دعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتحفيز ريادة الأعمال، جعل الإنتاج خياراً واقعياً لا نخبوياً.

إن التحوّل الحقيقي لم يكن في المؤشرات الاقتصادية، بل في تفاصيل الحياة اليومية لكل مواطن ومواطنة دخل أو دخلت سوق العمل أو أطلق متجراً إلكترونياً أو أسّس مشروعاً خاصاً أو دخل شريكاً في مشروع متوسط أو كبير، أو مستهلك يفضّل المنتج المحلي؛ لأنه جيد ليس لأنه وطني أو محلي فحسب.

بطبيعة الحال هذه ليست قرارات فردية معزولة، بل هي مؤشرات على تحوّل أعمق في وعي الفرد وثقافة المجتمع وانتقال من استهلاك القيمة إلى إنتاجها والمنافسة بها.

في المجتمعات التي تسودها الثقافة الاستهلاكية، يُقاس النجاح غالباً بالقدرة على الإنفاق.

أما في الثقافة الإنتاجية، فيُقاس النجاح بالقدرة على الإضافة والتميّز. من هنا يمكن التوقف عند المحركات التي دفعت بها الرؤية بإتجاه هذا الانتقال والتحوّل:

1- على صعيد التعليم، اتسعت مساحة التدريب بجانب التعليم الجامعي والتعليم العالي، فزادت وتنوعت البرامج المهنية والفنية والتقنية والرقمية، وذلك استجابة لاحتياج سوق العمل من المهارت الدقيقة المستجدة والمستقبلية.

2- تعزيز ثقافة العمل الحر والاقتصاد الرقمي.

3- إعادة الاعتبار للمهن الإنتاجية والتقنية.

ومن هنا، أصبح مفهوم العمل الجيد هو العمل الأكثر تأثيراً و مردوداً وليس الأكثر أماناً وظيفياً رغم أهمية الأمان الوظيفي. وتحول الاقتصاد من اقتصاد الوفرة إلى اقتصاد الكفاءة.

لكن التحوّل لم يكن فقط في سلوك الأفراد وثقافة المجتمعات، بل تجلّى في طريقة إدارة الموارد من حيث ترشيد الإنفاق، ورفع كفاءة الدعم وتعزيز الإنتاج المحلي وسلاسل الإمداد وتقليل الاعتماد على الخارج في القطاعات الحيوية. هذا كله انعكس على علاقة الفرد بالمؤسسات الحكومية فأصبحت العلاقة مسؤولية مشتركة بعد أن كانت علاقة استهلاك.

أخيراً، من المؤكد أن النجاحات التي حققتها المجتمعات السعودية المحلية في الانتقال من الثقافة الاستهلاكية إلى الثقافية الإنتاجية، خلال السنوات العشر من عمر الرؤية السعودية، غير مسبوقة بحجمها وسرعتها وتأثيراتها في التاريخ الحديث لتحوّل المجتمعات. وسوف تستمر هذه الإنجازات منطلقاً وأساساً للمزيد من التحوّلات وتعميقها لمواكبة المجتمعات الإنتاجية في العلوم والصناعة التقنية الرقمية. وقد تشهد مجتمعاتنا المحلية تميّزاً ونجاحات مهنية وحرفية تخص كل مجتمع على حدة، مثلما هو سائد عن العلاقة والارتباط بين جنسيات معينة ومهن أو حرف معينة، وذلك نتيجة لعمق اكتساب المهنة والحرفة والصناعة وممارستها والبراعة بها لفترة غير قصيرة، مما يفضي لترسيخ الثقافة لا مجرد تحقيق الإنجاز.

إن الانتقال من ثقافة استهلاكية إلى أخرى إنتاجية لا يكتمل بقرارات أو إقامة مشاريع، لكنه يحتاج إلى تراكم، ونماذج ناجحة تترسّخ في الوعي المجتمعي، والممارسة المستدامة تصبح لاحقاً جزءاً من الهوية وليس حالة استثنائية، عندئذ تتحوّل القيمة مع الوقت إلى معيار التقدير الاجتماعي، ويصبح السؤال بعدها ماذا أستطيع أن أنتج بدلاً عن أين أعمل.

00:00 | 28-04-2026

كي لا تنتقل عدوى جامعة الملك سعود وتتفشّى بين الجامعات..!

من غير المؤكد أن تنتهي قرارات جامعة الملك سعود إلى ما انتهت إليه من نقد وجدال وسجال أكاديمي وغير أكاديمي. فالقرارات التي اتخذتها جامعة الملك سعود بإلغاء أقسام وتخصصات إنسانية وزراعة وتغذية غير مسبوقة وصادمة ربما لكثير من الأوساط المعنية مباشرة أو غير مباشرة، وسيكون لها تداعيات على أكثر من صعيد.

التبريرات التي ساقتها الجامعة لا يزال يلفها الغموض، وإلا كيف نفهم الإبقاء على طب الأسنان في الجامعة مثلاً، الذي يتكدّس خريجوه دون عمل ودون بارقة أمل تلوح في الأفق لاستيعابهم؟

أخشى أن تنقل العدوى قرار جامعة الملك سعود ومتلازمة العلوم الإنسانية والكثير من التخصصات إلى بقية جامعاتنا، فيضمر الجسم الأكاديمي ويتضاءل معه رأس المال البشري الأكاديمي في وقت تتوثب فيه المملكة بمجتمعاتها المختلفة للعب دور نهضوي حضاري عالمي.

بعض إدارات جامعاتنا ستستثمر قرار جامعة الملك سعود وتتخذه ذريعةً لتحجيم الأهداف الكمية لجامعاتها فتقفل الكليات والأقسام والتخصصات الإنسانية وغير الإنسانية، خصوصاً أن جامعة الملك سعود تمثّل مرجعية للكثير من جامعاتنا، ولما لها من تأثير في الوسط الأكاديمي باعتبارها «أم الجامعات السعودية».

هناك جامعات ستستثمر قرار جامعة الملك سعود في تعزيز سياساتها التقشفية والتمادي في تحجيم دور الجامعة من خلال إقفال أو إلغاء كليات وأقسام وتخصصات وتقليص أعداد الطلبة المقبولين في الجامعة.

لقد تنبه مجلس الشورى في جلساته المخصصة لمراجعة تقارير الجامعات، فأصدر قرارات بشأن جامعة الجوف على سبيل المثال على مدى سنتين متتاليتين (سنة 2024 وسنة 2025) في هذا الشأن. ففي تغريدات للمجلس من حسابه على منصة إكس، طالب المجلس جامعة الجوف بمراجعة سياسات القبول للمتقدمين بما يدعم فرص أوسع للقبول على برامج البكالوريوس وإعادة هيكلة برامج الجامعة الأكاديمية والتوسع في طرح برامج نوعية بما يتوافق مع الميزة النسبية لمنطقة الجوف ومحافظاتها.

هل يمكن أن نتخيل أن جامعة في منطقة زراعية كمنطقة الجوف يقوم اقتصادها على الزراعة والاقتصاد الزراعي، لا يوجد فيها كلية أو قسم للزراعة أو الاقتصاد الزراعي أو التصنيع الغذائي والدوائي؟ هل يمكن أن نتخيل أن منطقة تزخر محافظاتها بعشرات المواقع الأثرية والنقوش الحجرية المختلفة والرسومات والكتابات لعدد من الحضارات، وموقع الشويحطية الذي يعتقد أنه أقدم استيطان بشري في الجزيرة العربية، ومع ذلك لا يوجد في الجامعة كلية أو قسم أو حتى قسم للآثار والسياحة؟ وهل يجوز لجامعة تقع في منطقة، فيها أكبر محطات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ومع ذلك لا يوجد في جامعة الجوف كلية أو قسم أو حتى مركز دراسات للطاقة؟

هنا يحق لنا أن نتساءل من الذي يقرر فتح الكليات والأقسام في جامعاتنا ويحدد نسب الطلبة والطالبات المقبولين؟ وما المعايير التي يتم الاستناد إليها في ذلك؟ لا بد من قواعد حوكمة قوية وقائمة على أسس لا تستطيع الإخلال بها إدارة جامعية أو تتفرد جامعة بقواعد يقدح فيها المدير من رأسه خاصة إذا كانت تجربته الإدارية فقيرة ويتيمة.

هناك الكثير من حالات الجامعات التي تستدعي وقفة جادة وتقييماً ولا يقتصر الأمر على قرارات جامعة الملك سعود أو الحالة الإدارية لجامعة الجوف، ومن هنا أدعو لإعادة تعريف وظيفة الجامعة وترسيخ هذا المفهوم أكاديمياً ومعرفياً واقتصادياً وحضارياً، وصولاً لمنهجية تضمن بلورة هوية أكاديمية اقتصادية ومعرفية لكل جامعة وتحديد مجتمع كل جامعة وأهمية ألا تنكفئ إدارة الجامعة عن الحد الأدنى لكل جامعة بحيث تكون محركاً للتنمية ومصنعاً للكفاءات ومنصة للابتكار وذراعاً اقتصادياً محلياً، وربما ربط كل جامعة بقطاع اقتصادي محدد وتحديد ما إذا كانت الجامعة تخدم منطقة جغرافية أو أنها تخدم على المستوى الوطني العام مثل ما تقوم به جامعاتنا العريقة.

مع التأكيد على الهوية الاقتصادية المعرفية الأكاديمية لكل جامعة، وأهمية إعادة هندسة التخصصات، قد تتطلب المرحلة حضوراً و دوراً أكبر للمجلس الأعلى للجامعات لفرض قواعد حوكمة دقيقة وشاملة لشروط وإجراءات فتح أو إقفال الكليات والأقسام والمراكز البحثية، ولتحديد خريطة التخصص لكل جامعة وتنسيق التخصصات والأقسام بين الجامعات حتى لا نجد جامعاتنا دون تخصصات إنسانية مثلاً، وحتى لا نجد كل أقسام الإعلام في جامعاتنا نسخاً مكررة في مساراتها ومقرراتها، كما قد يكون هناك دور حيوي كبير كذلك لهيئة تقويم التعليم والتدريب في قياس «الأثر» وليس «النشاط».

00:01 | 21-04-2026

إلى متى تتصدّر منطقتنا عناوين أزمات العالم..!

ليست مصادفة أن تتصدّر منطقتنا عناوين نشرات الأخبار، ولا أن تبدو الأزمات فيها وكأنها حالة مستمرة أكثر منها أحداثًا طارئة. فالمشكلة ليست في كثرة الأزمات بقدر ما هي في بنية إنتاج الأزمات ذاتها؛ بنية معقدة تتداخل فيها الجغرافيا مع التاريخ، والموارد مع الهويات، والداخل مع الخارج.

يقع الشرق الأوسط في قلب العالم، لكنه ليس قلبًا هادئًا بل مفترق طرق استراتيجي. من مضيق هرمز إلى قناة السويس، تمر شرايين الطاقة والتجارة العالمية. هذه الجغرافيا تمنح الدول أهمية استثنائية، لكنها في الوقت ذاته تجعل أي توتر محلي قضية دولية فورًا.

وتحتضن المنطقة أكبر احتياطيات النفط والغاز في العالم. هذه الثروة لم تكن فقط مصدر ازدهار، بل أيضًا مغناطيسًا للصراعات. فحين تكون الموارد الحيوية مركّزة جغرافيًا، تصبح المنافسة عليها أكثر حدّة، ويصبح الاستقرار رهينة لتوازنات دقيقة بين القوى الإقليمية والدولية.

كثير من أزمات المنطقة ليست جديدة، بل هي امتدادات لصراعات لم تُحسم.

حدود رسمت في لحظات تاريخية مضطربة، وصراعات تراكمت دون حلول جذرية.

لذلك الصراعات في منطقتنا لا تموت ولكن يتغيّر شكلها فقط.

كما أن المؤثر الديني، الطائفي، القبلي، القومي حاضر ويؤثر من حين لآخر ومن حالة لأخرى، ففي بعض الحالات تتحوّل الهويات الفرعية من مصدر ثراء اجتماعي ثقافي إلى أدوات تعبئة وصراع خاصة عند تغذيتها من الخارج.

إضافة إلى أنه لا توجد منطقة في العالم تحظى بهذا القدر من الانخراط الدولي المباشر وغير المباشر.

فالقوى الكبرى لا ترى الشرق الأوسط فقط منطقة نفوذ، بل منصة لإعادة تشكيل التوازنات العالمية.

وهكذا، تصبح الأزمات المحلية مسرحًا لصراعات دولية بالوكالة، مما يطيل عمرها ويعقّد حلولها.

إضافة إلى هشاشة التجارب في بعض دول المنطقة، حيث لم تكتمل أو تنضج بعض تلك التجارب بما يكفي وفق الحوكمة الاقتصادية والاجتماعية وبالشكل الذي يمتص الصدمات، ما أدى إلى ارتفاع نسب الفقر وانعدام الفرص وتدني العدالة وضعف المؤسسات، وهذا على صلة وثيقة بالتحوّلات العالمية السريعة، بينما الإدارة لا تزال تعمل ببطء أو بمعزل عن إيقاعات هذه التحولات.

منطقتنا لا تعاني فقط من كثرة الأزمات، بل من تراكم طبقات الأزمات، فكل أزمة جديدة لا تبدأ من الصفر، بل تُبنى فوق تاريخ طويل من التراكمات.

في المقابل، وحتى لا يتسرّب اليأس إلى شعوب منطقتنا، هذه المنطقة تمتلك أيضًا كل مقوّمات التحوّل منها موقع استراتيجي لا يمكن تجاوزه، موارد هائلة، طاقات بشرية شابة، ومشاريع تحوّل كبرى تقودها دول محورية، فمتى تتحوّل المنطقة من «منتِج للأزمات» إلى «منتِج للحلول»؟

00:15 | 14-04-2026

رابطة الدول الناطقة بالعربية.. من عبء إداري إلى أصل اقتصادي

صدرت مؤخراً موافقة مجلس الوزراء الموقر على السياسة الوطنية للغة العربية في المملكة العربية السعودية، التي تعكس الدعم والاهتمام الرسمي للغة العربية من قبل قيادة هذه البلاد، والحرص على تعزيز حضورها في القطاعات المختلفة. هذا القرار بالغ الأهمية في مضمونه وتوقيته وهو ما يدعو للاستثمار في هذا القرار والبناء عليه والدفع به إلى آفاق اقتصادية وثقافية ورقمية إستراتيجية عالمية.

لعل توقيت هذا القرار جاء مواتياً مع جملة أخرى من الاعتبارات للدعوة لتأسيس رابطة الدول الناطقة بالعربية. ليست بديلة عن جامعة الدول العربية، وإنما لتكرّس هذه الرابطة كل جهدها للاستثمار في اللغة في سبيل إيجاد سوق عربية عالمية، وتحويل العربية من لغة مشتركة إلى سوق مشتركة بل أكثر من ذلك لتحويل العربية من عبء إداري إلى أصل اقتصادي عالمي.

نحن نملك واحدة من أعرق اللغات وأكثرها امتداداً في التاريخ، لكننا نتعامل معها كتراث محفوظ، لا كقوة فاعلة. نكتب بها خطاباتنا، لكننا لا نبني بها اقتصادنا. نتغنى بها في المناسبات، لكننا لا نُدخلها في معادلات المستقبل.

في عالم اليوم، لم تعد اللغة مجرد أداة تواصل، بل هي أداة نفوذ. من يملك اللغة، يملك السردية. وبالتالي يملك التأثير. ولهذا لم يكن صعود الإنجليزية والفرنسية مصادفة، بل كان نتيجة تحالفات لغوية ذكية حوّلت اللغة إلى مشروع سياسي واقتصادي وثقافي متكامل.

في عصر الذكاء الاصطناعي، اللغة بيئة تشغيل المعرفة وإذا لم تُغذَّ النماذج الذكية بالعربية، ستبقى العربية هامشاً رقمياً، حتى لو كانت مركزاً تاريخياً. إننا نريد لأجيالنا أن تفكر بلغتها وأن تبتكر بالعربية ولا نريد لها أن تكون حدود أمتنا الترجمة.

العالم يتعامل مع اللغة كقوة، ليس فقط كهوية، من هنا تبرز فكرة رابطة الدول الناطقة بالعربية. ليست هيكلاً تنظيمياً جديداً، ولا نادياً دبلوماسياً آخر يُضاف إلى رفوف الاجتماعات، فإذا لم تُبْنَ هذه الرابطة بعقلية عصرية إستراتيجية مختلفة، فستكون مجرد نسخة مكررة من جامعة الدول العربية. فاللغة العربية لا تحتاج إلى من يدافع عنها بل إلى من يستثمر فيها. اللغة العربية لا تحتاج إلى من يبكي على تراجعها، بل إلى من يعيد هندسة دورها. وبالتالي فإن رابطة الدول الناطقة بالعربية ليست سؤالاً لغوياً، بل سؤال إستراتيجي.

لدينا أكثر من 400 مليون متحدث بالعربية، لكن لا توجد سوق عربية موحّدة اللغة.

المحتوى العربي ضعيف مقارنة بحجمه الديموغرافي، والتعليم متباين، والتقنية اللغوية مذبذبة، والمصطلح العلمي مضطرب. كيف يمكن أن تكون لدينا لغة بهذا الامتداد والعمق، ولا تكون لدينا منصات عالمية كبرى تقود المحتوى العربي؟ ونماذج ذكاء اصطناعي عربية تقود المعرفة؟ وصناعة نشر وترجمة تنافس عالمياً؟ الجواب بسيط! لأننا لم نتعامل مع العربية كـ«اقتصاد». رابطة الدول الناطقة بالعربية —إن أُنشئت بذكاء وعبقرية عصرية— يمكن أن تفعل ذلك أن تحوّل اللغة إلى سوق، ومن السوق إلى قوة.

هناك عائد ومردود ثقافي اقتصادي في ظل تلك الرابطة وتحويل اللغة المشتركة إلى سوق مشتركة. إن اقتصاد اللغة لا بد أن يشمل توحيد المعايير اللغوية في الإعلام والتعليم والتقنية وخفض التكاليف بالإضافة لخلق سوق ضخمة للمحتوى العربي (التعليمي، الإعلامي، الرقمي) وتعظيم التجارة البينية وتسهيل دخول الشركات للأسواق ذات الحضور العربي وبناء سلاسل إمداد وصناعة المعرفة والتعليم، وتصبح بذلك العربية لغة إنتاج علمي وليس فقط استهلاكاً معرفياً مع إيجاد اعتماد مهني عربي عابر للحدود، بجانب رفع منسوب السياحة الثقافية والدينية الحضارية المشتركة، وتعزيز حضور العربية في الفضاء الرقمي العالمي ودعم العربية في تقنية الذكاء الاصطناعي وصناعة التأثير والسردية العربية أمام السرديات المضادة والمناوئة، بناء ونشر قوة لغوية جيوسياسية عربية ناعمة على غرار الفرانكوفونية (الفرنسية) والكومنولث (الإنجليزية). هناك كثير من الدول المرشحة بقوة دينياً وثقافياً واقتصادياً ورقمياً إستراتيجياً لعضوية هذه الرابطة العربية العالمية، بجانب الدول العربية، ومنها: تركيا، إيران، باكستان، إندونيسيا، ماليزيا، تشاد، السنغال، مالي، النيجر، فرنسا، البرازيل، الولايات المتحدة، الصين.

إن الدعوة لتأسيس رابطة الدول الناطقة بالعربية ليس ترفاً؛ فمن حيث الموضوع هناك الكثير من المكاسب الثقافية والاقتصادية والأمنية والرقمية الإستراتيجية التي تعود على الدول الأعضاء من هذا التكتل. أما التوقيت، فهذه المرحلة الزمنية تعد مثالية لمراجعة وتشكيل التحالفات وفقاً لبوصلة المصالح المستجدة، التي يشهدها العالم في هذه المرحلة الانتقالية ما بين نظامين عالميين أحدهما ينحسر والآخر يتشكّل ويتكوّن. كما يجب التأكيد على أن هذه الرابطة ليست بديلاً عن جامعة الدول العربية، رغم ما تعاني منه الجامعة من سوء إدارة وتقادم أهداف ومعايير.

00:33 | 7-04-2026

أزمة الطاقة والملاحة ونذر الحرب العالمية الثالثة

تدار الحروب الإقليمية غالبًا ضمن «قواعد اشتباك» غير مكتوبة. لكن في الحرب الحالية الدائرة في منطقتنا، يبدو أن تلك القواعد تتآكل بسرعة. والأطراف تتزايد والتهديد بإغلاق مضيق هرمز واستهداف منشآت الطاقة، والتلويح بضرب البنية التحتية المدنية، كلها مؤشرات على أن الصراع لم يعد محصورًا في ساحات عسكرية تقليدية، بل امتد إلى عمق النظام الاقتصادي العالمي.

في التاريخ، الحروب العالمية لا تبدأ دائمًا بقرار سياسي مباشر، بل كثيرًا ما تبدأ عندما تتعرّض المصالح الكبرى لتهديد وجودي أو انفلات غير محسوب من أحد الأطراف.

الحرب الأمريكية الإيرانية الدائرة حاليًا تتفاعل بشكل متسارع وتلقي بظلالها وتأثيرها على مختلف دول العالم لاسيما المستفيدة أو المتضررة من قطاع الطاقة والملاحة، فضلًا عن دول المنطقة، فهل نحن أمام مزيد من التصعيد وتوسيع نطاقاتها أم أن اشتداد الأزمات دائماً ما يسبق الانفراج، فهل باتت هذه الأزمة قريبة من احتوائها وإخماد جذوتها ؟

فهل بتنا قريبين من نشوب حرب عالمية ثالثة مع دخول أطراف إضافية لهذه الأزمة، وهل دخول العامل الاقتصادي يتسبّب بتوسيع الأزمة وعولمتها وتغيير الخطوط الحمراء لبعض القوى العظمى التي لم تتورط إلى الآن في هذه الحرب و ذلك للدفاع عن مصالحها ووجودها ؟

القوى العظمى الحقيقية لا تدخل الحروب مباشرة إلا بعد أن تستنفد كل السبل فما يهمها قطف نتائج الحروب وليس الانخراط بها. للصين وروسيا ظروفهما وحسابات كل منهما، وقطعًا لن يتدخلا قبل أن تتضح كلفة عدم التدخل، والحرب الحالية حتى الآن رغم خطورتها ما زالت ضمن حدود يمكن احتواؤها، لكن إذا تحوّلت إلى إغلاق فعلي لمضيق هرمز أو انهيار داخلي في إيران أو تهديد مباشر للمصالح الصينية أو الروسية، هنا قد تتغيّر المعادلة. ولا بد من أن نفهم أن الصين تاريخيًا خاصة ليست دولة استعمارية وليس لديها تاريخ استعماري. كما أن لدى الصين علاقات اقتصادية واسعة ومتوازنة تسمح لها بمعالجة الكثير من الأزمات العالمية بدبلوماسية ومن خلال التحالفات أو حتى من خلال حضور عسكري محسوب ومدروس، قبل الوصول للخطوط الحمراء الصينية والتي قطعًا في جوهرها قضية تايوان. فالحروب لا يربحها من يقاتل دائمًا، بل من يعرف متى يدخل الحرب وكيف يفرض نتائج لا تُقاتل عليها الجيوش.

لا أحد يرغب أو يستفيد من نشوب حرب عالمية ثالثة لأن نتائجها كارثية مهما كان الانتصار بها. فقط طرف واحد يبدو يحلم كثيرًا ومنذ زمن بعيد وهو يرغب بنشوب حرب عالمية ثالثة ويعمل عليها ويستميت لنشوبها. فلديه الرغبة القوية بذلك ولديه العلاقات المالية والإعلامية النافذة و المؤثرة في دوائر القرار الغربية والاستخبارات الغربية وشركات التقنية الكبرى للدفع بهذا الاتجاه.

هذا الطرف هو الذي لا يزال يحلم بما يسمى «إسرائيل الكبرى» و«الشرق الأوسط الجديد»، رغم أنه لم يحقق مقومات «دولة» إسرائيل الصغرى حتى الآن.

00:14 | 24-03-2026