أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/258.jpg?v=1766066347&w=220&q=100&f=webp

طلال صالح بنان

الإخوة الأعداء

تأبى القارة الأوروبية إلا أن تكون مسرح الحروب الكونية الفاصلة. أوروبا، التي تعهّدت ألا تكون مسرحاً للقتال بين دولها، بعد الحرب العالمية الثانية، نسمع منها هذه الأيام طبول الحرب تُقرع بين ثناياها، مرة أخرى. هذه المرة الحرب لن تكون بين أوروبا وجاراتها في أوراسيا، شرقاً.. وليس مع عدوها التاريخي اللدود، في الشرق (روسيا)، ولا يأتيها الغزو من الشمال المتجمد (الفايكنج)، ولا من الجنوب (الشمال الأفريقي والشرق الأوسط). الحرب الكونية الجديدة، التي ستكون أوروبا مسرح عملياتها، ستندلع بين مجتمعات الدول الغربية الديمقراطية (الحليفة)، بالذات مع جارة أوروبا البعيدة غرباً، عبر الأطلسي (الولايات المتحدة).

الولايات المتحدة، التي سبقت وخذلت أوروبا بعد الحرب العظمى (1914-1939)، نجدها اليوم وبعد ثمانين سنة من انتصار الحلفاء الغربيين على ألمانيا النازية، تخذل حلفاءها الأوروبيين، من جديد، بجعل ظهور الأوروبيين في مواجهة عدو أوروبا التقليدي (الدب الروسي) المتحصن في عرينه الجليدي شرقاً، جاهزاً للوثوب عليها واجتياحها، في أي وقت.

واشنطن، في عهد الرئيس ترمب لم تعد تهتم بأمن حلفائها الأوروبيين عبر الأطلسي شرقاً، ونراها تبدي تذّمراً خطيراً بحِمْلِ الدفاع عنهم، لتعود لاستراتيجية العزلة التقليدية، وتنكفئ على نفسها، مكتفية بالذود عن منطقة نفوذها التقليدية في العالم الجديد، ولتذهب أوروبا إلى الجحيم؛ لأنها كما يراها، الرئيس ترمب: قد تخلّت عن جذورها الثقافية العريقة، بتلويث مجتمعاتها بدماء وأعراق وثقافات غريبة عن نقاء الثقافة الغربية، بسبب فتح باب الهجرة لمجتمعات الجنوب.

كما جاء في استراتيجية الأمن الأمريكية الجديدة، التي أعلنت عنها واشنطن مؤخراً، لم تعد أوروبا، التي تسميها واشنطن، منذ تسعينيات القرن الماضي بالقارة العجوز، منارة الديمقراطية (الليبرالية الرأسمالية)، التي حملت واشنطن لواء التبشير بها ونشرها في أرجاء العالم، لسيادة السلام في العالم، كما تزعم. فالولايات المتحدة نفسها، بدت تظهر فيها إرهاصات القيم الإمبريالية الشمولية، فلم تعد الديمقراطية، قيماً وحركة، بتلك القدسية التي أُسبغت عليها، منذ قيام الولايات المتحدة وأكد عليها دستورها ومثلت الخيار الإنساني (السياسي) الوحيد عند المؤسسين الأول، منذ 250 سنة، للجمهورية الوليدة في العالم الجديد. الولايات المتحدة تحت إدارة الرئيس ترمب، نراها تنحو تجاه عزلتها التقليدية، تحت شعار أمريكا أولاً، لكن باستراتيجية توسعية شرسة، هذه المرة، لا تقيم وزناً لا لأحلاف دفاعية مشتركة مع الأقربين.. ولا لمعاهدات ملزمة تجاه حلفاء تقليديين، دعك من أن تقيم وزناً لأمن العالم واستقراره ورعاية السلم على الأرض.

بدأت الولايات المتحدة هذا التوجّه العدائي تجاه أشقاء الأمس في معاهدة شمال الأطلسي، بتهديد الانسحاب من الحلف، بحلول نهاية 2027، بدعوى: أنها لم تعد تحتمل تكلفة الإبقاء على (النِاتو) وحدها، هذا إذا كانت ما زالت عندها حاجة له. بالتالي: لا بد لدول الاتحاد الأوروبي، التي ما تتمتع به اليوم من تقدم اقتصادي.. وسلام داخلي.. واستقرار مجتمعي، وتنمية مستدامة لا يعدو ثمرة لدعم أمريكا لإعادة إعمار أوروبا بعد الحرب، بموجب برنامج مارشال السخي، بالإضافة لدفع تكلفة الدفاع عن أوروبا في مواجهة عدوها التاريخي في الشرق.

ليس هذا، فحسب، بل إن إدارة الرئيس ترمب أبدت اهتماماً بالتوسع شرقاً موغلةً في دفاعات أوروبية استراتيجية، ملحقةً ضرراً جسيماً بالأمن الأوروبي في عمق مجالها الحيوي في المياه المعتدلة الدافئة شمال شرق الأطلسي، عندما أبدت واشنطن رغبتها في شراء أو ضم جزيرة جرينادا (الدانمركية)، العضو في النِاتو، لأسباب ذات صلة بأمن واشنطن القومي، في تحول استراتيجي خطير، ضد حليف تقليدي، بإعادة تحويله إلى عدو محتمل، يفرض عليها ليس فقط الدفاع عنه، لنراها مستعدة لبيعه وخذلانه لعدو طالما ظل مشتركاً بين الولايات المتحدة وأوروبا (روسيا الاتحادية).

التوجه نفسه للتخلص من الحلفاء التقليديين غرب الباسفيك، عندما أبدت واشنطن تراخياً وعدم حماسٍ للدفاع عن حلفائها (الشرقيين)، بالذات تايوان واليابان، وما وراءهما شرقاً، حتى المحيط الهندي وترك مصير هذه المنطقة في شرق وجنوب آسيا للصين، من أجل بناء نظام دولي جديد ثلاثي الأقطاب (شمولي)، هذه المرة، مكون من (واشنطن، روسيا وبكين)، يعيد للذاكرة دول المحور في الحرب العالمية الثانية (ألمانيا إيطاليا واليابان)، ولا عزاء لحلفاء الأمس، الذين أصبحوا ضحايا محتملين، لاستراتيجية واشنطن التوسعية الجديدة، تحت شعار أمريكا أولاً.

تجربة حلف شمال الأطلسي، تثبت: أن عالم السياسة الدولية يطفو على مياه، وإن بدا سطحها ساكناً، إلا أنه لا يقف على أرض صلبة، ينذر دوماً بهبوب أمواج عاتية، تجعل من الحليف عدواً ماثلاً.. ومن العدو حليفاً محتملاً. في النهاية: الدولة أو أي مجموعة من الدول تربطها أواصر الجغرافيا السياسية.. والتاريخ المشترك.. والمصير الواحد، عليها أن تمتلك ناصية أمنها القومي، بمواردها الحقيقية وإمكاناتها الذاتية، ولا تعتمد على حليف بعيد تتقلب أهواؤه.. وتتحول مصالحه، من نقيض لنقيض بين ليلة وضحاها. بشكلٍ عام: ليس في السياسة، لا عداوة دائمة ولا صداقة دائمة، بل مصالح متغيرة، وتوجهات متقلبة وأهواء متصارعة.

درسٌ فطنت له أوروبا، مؤخراً ولنقل: متأخراً، من تجربة ثمانين سنةٍ، مع معاهدة حلف شمال الأطلسي، بزعامة الولايات المتحدة.

23:45 | 19-01-2026

استراتيجية ردع ثلاثية الأبعاد

الدولة، بطبيعتها، مناطقية. الدولة، أي دولة، تغار على سلامة وحدة أراضيها، غيرتها على سيادتها واستقلالية قرارها. حتى أن شرعية حكومة أي دولة، بعد كونها وليدة إرادة شعبها، ترتكز على قدرتها حماية سلامة وحدة أراضيها، من أي عدو سواء من الداخل أوالخارج. لذا: نجد في دساتير كل الدول، ضرورة قسم رموز الحكومة، في سلطات الدولة الثلاث (الحكومة)، العمل على الذود عن سلامة ووحدة تراب الوطن.
الأمن الوطني للدولة، لا يُتعامل معه على أنه خطر محتمل، بل كخطر استراتيجي بَيّن وناجز، في أي وقت. في أي نظام دولي يتوقف التزام الدول بالعضوية فيه، على الإقرار بحق الدولة الدفاع عن نفسها، ضد أي تهديد خارجي، باتخاذ كافة الإجراءات الضرورية للدفاع عن أمنها الوطني وسلامة ووحدة تراب إقليمها. وفي كل الأحوال: تعمل الدولة على تطوير أدوات ردع فاعلة استباقاً لأي محاولة تهديد لأمنها الوطني، يردع أي طرف خارجي، حتى التفكير الإضرار بوحدة وسلامة إقليمها.
الأمن الوطني قيمة عليا، قد تقتضي اللجوء للقوة لحماية حدود ومصالح الدول. لكن هذا الأمر ليس مطلقاً، بل يُلجأ إليه بعد استيفاء كافة الطرق السلمية للتعامل مع مشاكل الخلافات بين الدول، لتفادي تطوّرها إلى مرحلة الاحتكام للسلاح. السياسة الرشيدة، بل الفعّالة والكفؤة للذود عن الأمن الوطني ومصالح الدولة، تقتضي: البدء بالطرق السلمية لتسوية الخلافات، لكن في الخلفية دوماً تكون هناك قوة ردع فاعلة، مع إرادة استخدامها، مستعدة للتدخل لوضع حد للتهديد، مرة واحدة وللأبد.
هذا، بالضبط، ما فعلته المملكة العربية السعودية، في أزمة اليمن، التي يحاول البعض من إشعالها تهديد الأمن الوطني للمملكة. هنا أدركت الرياض أنه لم يعد بالقوس منزع، سوى الانتفاض لمواجهة الخطر الأمني الداهم، بامتداد اليابسة والماء، حول شبه الجزيرة العربية، وعلى مشارف تخوم المملكة في الجانب الآخر من البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وحتى دول الساحل الأفريقي.
فكان قرار الرياض أنه قد بلغ السيل الزبى، من الإقدام على تنفيذ مخططات تستهدف أمن المملكة، ولم يعد هناك من مجال للتعامل معها إلا بمقولة: آخر الدواء الكي. منذ البداية: تطوّرت أزمة عدم الاستقرار على حدودنا الجنوبية، منذ بداية ستينات القرن الماضي، التي كانت تحكمها اتفاقية الطائف ١٩٣٤، حتى توقيع اتفاقية جدة ٢٠٠٠ الترسيم الحدود بين المملكة واليمن، ونفذت هذ الاتفاقية بالفعل وجرى وضع علامات الحدود الفاصلة بين المملكة واليمن. لكن أزمات عدم الاستقرار في اليمن توالت بمنحنى خطيرٍ، حتى كادت تعصف بالدولة في اليمن، عندما عصفت أحداث ما يسمى بالربيع العربي، (يناير ٢٠١١)، بوحدة اليمن، لتتولى مليشيات غير نظامية ناصية الحكم باليمن.. وبالتبعية: احتمال وصول شرر هذه الأحداث عبر حدود المملكة الجنوبية مع اليمن، خاصةً أن ضمن ممن شُكل منهم تحالف دعم الشرعية، لاستعادة الدولة باليمن، عملوا على استغلال هذه الأحداث، للإضرار بأمن المملكة الوطني.
في الرابع من ديسمبر الماضي، قررت عناصر من المجلس الانتقالي (الجنوبي) الانفصال والتمرد، مما حمّل التحالف العربي الذي شُكل أساساً لدعم شرعية الدولة، بإبقاء اليمن موحداً، كأهم ضمانة استراتيجية لاستقرار اليمن، وبالتبعية استقرار المنطقة.
بدخول قوات المجلس الانتقالي (الانفصالي) لمحافظتي حضرموت والمهرة، لم تعد القضية إعادة بناء دولة جنوب اليمن، بل تهديد أمن المملكة، وإعادة سيناريو حرب الوديعة الأولى (٢٧ نوفمبر-٦ ديسمبر ١٩٦٩)، عندما حاولت دولة جنوب اليمن المستقلة حديثاً، حينها، دخول مركز الوديعة السعودي وردتهم قوات الجيش العربي السعودي على أعقابهم، في انتصار سعودي ساحق، أكد فيه الجيش السعودي إرادته الحفاظ على أمن البلاد.
اليوم كانت هناك محاولة لتكرار المشهد وكأن المتربصين بأمن المملكة، لم يختبروا بعد عزم وحزم السعودية، الدفاع عن أمنها الوطني، حيث إن الأمر لم يقف عند استعادة محافظتي حضرموت والمهرة،.. ورسمت الرياض حدود أمنها الجديدة ليس على اليابسة فقط مع اليمن، بل امتدت إلى ما وراء بحر العرب، وصولاً للقرن الأفريقي، وما وراء تخوم البحر الأحمر الغربية، وحتى دول الساحل جنوب الصحراء الكبرى.
كل ذلك ما كان ليحدث لولا إدارة سياسية فاعلة للأزمة، بكفاءة عالية، جمعت بين الدبلوماسية الكفؤة الفاعلة والنشطة مع قوة عسكرية رادعة تقليدية ثلاثية الأبعاد (البر والبحر والجو) مدعومة بقوة استخباراتية طائلة وخارقة، في تناغم متناسق، اعترف به العالم.. وأكدت بكل ذلك نفوذها الإقليمي الممتد وحضورها الدولي الفاعل والنشط. كما رسمت من خلال استراتيجية الردع هذه، حدود أمنها القومي الجديدة، جنوباً وغرباً، فيما وراء اليابسة، بامتداد عرض بحر العرب جنوباً، وصولاً إلى القرن الأفريقي ودول الساحل، واستعادة البحر الأحمر، بدءاً من مدخله الجنوبي، وحتى التقائه مع البحر المتوسط، شمالاً، بما تعكسه طبيعة وتاريخية هذا البحر الحيوية (الجيوسياسية)، كبحيرة عربية خالصة.

00:00 | 13-01-2026

الأمن المستحيل والوجود الصعب

ماذا تريد إسرائيل؟ سؤال تحاول إسرائيل الإجابة عنه بكشف حقيقتها العدوانية.. وأصولها العنصرية ومرجعيتها غير الأخلاقية. هي تزعم، وبالأحرى زعماؤها، أنها خاضت حرباً على سبع جبهات، خلال العامين الماضيين، وانتصرت فيها جميعاً، ولم يعد هناك أي مبرر سياسي أو قانوني أو أخلاقي يمنعها من أن تخفي حقيقتها العدوانية.. وسقوطها الأخلاقي وتاريخية عنصريتها البغيضة. لم يعد يعنيها القول إنها دولة عنصرية.. ولم يعد يزعجها القول إنها دولة مارقة.. ولم يعد يهمها القول إنها دولة توسعية، ولم يعد يعنيها اتهام ساستها وجنرالاتها، وأنهم مطلوبون للعدالة الدولية، بوصفهم مجرمي حربٍ ارتكبوا وما زالوا يرتكبون جرائم إبادة جماعية، ولا حتى يخجلون من ذلك.

إسرائيل في حقيقة الأمر، بعد حربٍ عدوانية توسعية ضروس خاضتها، طوال السنتين الأخيرتين، لم تعد إسرائيل كما كانت قبل السابع من أكتوبر 2022، حين كادت أن تُتوّج قوة إقليمية مهيمنة على منطقة الشرق الأوسط، بفرض صيغة «السلام الإبراهيمي». حينها، كانت إسرائيل تتمتع بردع إستراتيجي، لا تملك أي قوة إقليمية في المنطقة أو في العالم تحدي واقعه المهيمن. حينها كان العالم، على استحياء يعبّر عن رفضه واستهجانه لممارسات إسرائيل العدوانية والتوسعية، دون أي فعل ملموس لمقاومة أو ردع تلك الممارسات. حينها كان العالم الغربي، من غرب جبال الأورال وحتى غرب العالم الجديد، أسيراً لرواية «دراما» مظلوميات إسرائيل الإنسانية، وعلى رقبته سيف عقدة العداء للسامية. حينها كان الغرب، سياسياً وأخلاقياً، مستعداً لدفع الثمن السياسي والأخلاقي والحضاري، لتأييد دولة عنصرية مفرطة في عدوانيتها، دون نقاش أو تحفّظ، بل ولا إحراج أو خجل.

الأمر تغيّر بعد السابع من أكتوبر 2022. عندها ثبت للعالم، بالذات للمنطقة، أن إستراتيجية الردع الإسرائيلية، ليست سوى نمرٍ من ورق مزّقته فصائل فلسطينية خرجت من أكثر بقاع العالم اكتظاظاً بالسكان، وأهلها محاصرون جوعى، لا يملكون من موارد القوة، سوى عزيمتهم الصلبة المصرة على الانعتاق من ربقة احتلال استيطاني غاشم.

أخلاقياً وسياسياً، ضربت تلك الحرب العدوانية العنصرية الوحشية، العالم بزلزال عنيف استمرت توابعه لعامين كاملين، حتى وصل دماره السياسي والأخلاقي، دولاً كبرى، كانت وما زالت إسرائيل تقتات على عونها السياسي وسندها القانوني وأودها الاقتصادي، لتكريس وجودها العدواني العنصري ضد (الشعب الفلسطيني). حتى الدعم اللامحدود الذي يُعد أنبوب الحياة الصناعي لبقاء إسرائيل واستمرارها بدا وأن وقوده من «الأكسجين» ينفد، حتى كادت إسرائيل تهلك، اختناقاً، من داخلها.

ليس هذا فحسب، لكن مجتمعات الغرب بدأت تصحو من «كابوس» مظلومية اليهود وعقدة السامية، ليس بالضرورة على مستوى النخب السياسية، في تلك المجتمعات، بل الأخطر: على مستوى القاعدة الجماهيرية، خاصةً فئة الشباب، بانتماءاتهم التعدّدية المختلفة. طوال سنتين من الحرب العدوانية على غزة ومسيّرات جماهيرية حاشدة تجوب شوارع مجتمعات الغرب، تنادي: الحرية للشعب الفلسطيني والتنديد بالحرب العدوانية، التي تهوي لقاع ارتكاب جرائم إبادة جماعية لشعبٍ مشكلته الأساسية أنه يسعى لتحرّره الوطني، ويطالب: أن تكون له دولة مستقلة ذات سيادة على أرضه، ليمارس عليها حقه الطبيعي غير القابل للتصرّف في تقرير مصيره.

هذا الحراك الجماهيري، الذي جاب شوارع الغرب واقتحم مؤسسات الحكم فيها من لندن إلى واشنطن وبرلين، مروراً بسيدني وباريس ولوس أنجلوس وطوكيو وسيول وأوكلاند، وإن كان أثره السياسي في النخب السياسية (الحاكمة والمعارضة)، لم يكن مباشراً، إلا أنه ظهر أثره السلبي في الانتخابات التي جرت خلال تلك السنتين، في الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا والعديد من الدول الأوروبية. ما كان لهذا التغيير أن يحدث، لولا هذا الصدى المدوي، الذي أحدثته الحرب العدوانية على غزة وبقية الأراضي الفلسطينية المحتلة.

لكن الأثر الأقوى، الذي أخذ يَنْفِذُ إلى وجدان تلك الشعوب ليتسلل ببطء إلى ضمير وسلوك مؤسسات الحكم فيها، هو ذلك التحوّل على المستوى الثقافي والسياسي والإعلامي والأخلاقي والأكاديمي، الذي بدأ يظهر على مستوى قادة الرأي ورموز الإعلام ومؤسسات الصحافة ودور الفن وبيوت الأدب وقلاع العِلم، حيث أخذوا يتساءلون عن حكمة استمرار دعم كيان مارق، يرتكب من جرائم الحرب ما يندى له جبين أحرار العالم وضمير الإنسانية. بل يتساءلون عن الفائدة في دعم دولة مارقة (إسرائيل) من أموال دافعي الضرائب في تلك المجتمعات، مُلْحِقاًَ العار والخزي بالحضارة الغربية.

إسرائيل، خسرت في عامين، ما استثمرت فيه طوال ثمانية عقود. لم يعد رادعها الإستراتيجي، بتلك الفاعلية والكفاءة في تحقيق الأمن لها، ولا حتى ضمانة لوجودها. كما لم يعد لذلك الدعم المادي والسياسي من قبل مجتمعات الغرب، وثمنه الاقتصادي والأخلاقي الباهظ، أي عائد إستراتيجي مجدٍ متوقع.

إسرائيل لم تعد هي إسرائيل التي كانت قبل السابع من أكتوبر 2022. أضحت الدولة العبرية، عارية تماماً من درع إستراتيجية واقية.. ومن دعم عالمي سخي.. ومن أي بعد أخلاقي، يبرر وجودها. الأخطر: عودة مركّزة لحالة العداء للسامية، ربما تفوق تلك التي عانى منها اليهود في المجتمعات الغربية، عرفت بالمسألة اليهودية، فترة ما بين الحربَيْن العظمَيَيْن، القرن الماضي.

00:01 | 30-12-2025

تلك الساحرة المستديرة..!

لا توجد لعبة جماعية تحظَى بشعبية أممية كاسحة، مثل كرة القدم. يكفي أنه يُنصب لها مونديال حصري (عالمي)، كل أربع سنوات.. ويكفيها أن الجهة المنظمة لها (الفيفا) تتمتع بقوة أممية ناعمة كاسحة. قوانين الفيفا تسري على دول عظمى، لا تتمتع قوتها (الناعمة والصلبة) بمثل ما تتمتع به الفيفا، على مستوى العالم، من احترام لقوانينها والإذعان لنفوذها، سواء على المستوى المحلي أو على المستوى الدولي. كما أن ميزانية الفيفا تفوق ميزانيات دول، بل ومجموعات من الدول، ولا تعاني عجزاً فيها. الفيفا منظمة غنية، لا تحتاج القروض ولا للمديونيات ولا تعاني من أعباء فوائدها، لأي جهة مالية أممية. ميزة اقتصادية، تحسدها عليها دول غنية كُثُر تعاني من أعباء الديون، داخلية وخارجية، بما يفوق أحياناً مجموع ناتجها المحلي.

نبدأ أولاً من «مونديال» كأس العرب، الذي انتهى، الأسبوع الماضي، بفوز المغرب، بجدارة واستحقاق. ألف مبروك للمغرب وجماهيره. ثانياً: أود التنويه هنا، إلى أني لست من المغرمين بكرة القدم، أتابع فعالياتها، لا على المستوى المحلي، ولا على المستوى الإقليمي والدولي. كما لا أفهم كثيراً، لا في قوانينها، ولا في تكتيكاتها، ولا في تاريخها، ولا في فنون نقدها.

ما يجذبني إلى كل ذلك في اللعبة، بعدها السياسي، بوصفها مجالاً لحركة مسرح اللعبة، على مستوى المحلي والخارجي. كذلك تلك الشعبية الطاغية، بين شعوب الأرض، التي تفوق شرعية اللعبة، نفسها.. وتعطيها هذا الزخم السياسي والاجتماعي، بما يفوق الشعبية، التي تحظى بها أي حكومة في العالم.. وتحسدها عليها منظمات المجتمع المدني، سواء كانت مرجعياتها في الحكم أو المعارضة. تلك الشرعية «السياسية»، إن صح التعبير، لا تقتصر على شعبيتها المحلية والدولية، بل تمتد إلى نجومها، لتتجاوز محيطهم المحلي. جماهير كرة القدم، على سبيل المثال: يعرفون عن اللاعب البرازيلي الأشهر (بيليه) واللاعب الأرجنتيني المبدع (مارادونا)، وحديثاً زيدان وميسي ومحمد صلاح، أكثر مما يعرفون عن زعماء كانت لهم بصمات، إيجابية أو سلبية على تاريخ البشرية، مثل: تشرشل وأيزنهاور وهتلر وتوجو وستالين وماوتسي تونغ، أو حتى رموز وطنية فذة، كان لها دور في نشأة الدولة وفضل استقلالها استمرارها ومنعتها... إلى آخره.!

مشكلة كرة القدم الرئيسية في البعد المحلي، الذي لا يعكس حقيقةً البيئة المحلية، للاعبي كرة القدم. على مستوى العالم. نادراً ما تجد منتخباً، يمثل في تشكيله بلده تمثيلاً وطنياً خالصاً، بما في ذلك بعض منتخبات القوى العالمية الكبرى. غالباً المنتخبات الوطنية، ما تُتطعم، وإن أردنا الصراحة، تعيب تشكيلاتها، الهوية الوطنية، بشكل حصري وصريح. حتى أن لاعبي المنتخبات الوطنية، قد يغلب عليهم، المواطنة بالتجنس (السيادي المباشر)، على المواطنة الحقيقية (الأصلية)، التي ترجع للتراب والدم، وحتى التجنس القانوني.

هذا ليس توجه عنصري قد يستفز البعض، لكن الأمر حقيقةً، يعكس سياسياً: مساومة بعض الدول لهويتها القومية، تطلعاً إلى نجومية خادعة، ترى أنها تدعم نظامها السياسي في الداخل، وتدعم قواها الناعمة، خارجياً. أحياناً، بعض الدول تستقدم نجوماً رياضية لتطعيم منتخباتها الوطنية، كما يُزعم، بنجوم عالمية، في الوقت الذي لا يتكلم هؤلاء النجوم (الأجانب) لغة الدولة المضيفة، وبالتبعية: لا ينتمون إلى ثقافتها... دعك من ضمان ولائهم الوطني. بل حتى أن بعض الدول، في سبيل إغراء لاعبين أجانب ليلعبوا ضمن منتخباتها الوطنية، نراهم لا يغرونهم بالمال، فقط، بل أحياناً يساومون على قوانين الدولة نفسها، بما لا يتمتع بها مواطنوها، ولا حتى أصحاب الحصانة من رموزها! بل حتى أنه غالباً ما يمنحون جنسية البلد لنجوم عالميين شارفوا على أفول نجوميتهم، بحجة الاستفادة من خبرتهم، أو لمجرد التباهي أمام خصومهم ومنافسيهم الإقليميين والدوليين، أنهم نجحوا في استقطاب هذه النجوم، فيما لم ينجح فيه آخرون. هذا لا يتوقف عند الفريق، بل يمتد إلى الطاقم الفني، وأحياناً الإداري. في النهاية، يتشكّل لدينا منتخب لا يعكس حقيقة جغرافية الدولة الإنسانية، ولا ثقافتها المجتمعية، ولا حتى تاريخها القومي. والأهم: ولا حقيقة وضع كرة القدم فيها.

يما يخص الرياضة: كرة القدم بالذات، وكذا الثقافة وغيرهما من موارد القوة الناعمة الحقيقية والمحتملة، لأي دولة، من البديهي، بل والحتمي، لا بد أن تكون نتاجاً للبيئة الوطنية الخالصة، أو على الأقل تغلب عليها. هي موارد قوة لا تُشترى بالمال ولا تُجتذب، بإغراءات المساومة على السيادة الوطنية، في حين لو أنفقت برشد على مصادر القوة المحلية الحقيقية والمحتملة، لكان العائد على الدولة، أجزل وأجدى.

لا عجب، إذن: أن يطلق على كرة القدم الساحرة المستديرة. فسحرها ليس فقط في استدارة كرويتها، ولا تكتيكات لعبها.. وإثارة حركتها.. ونجومية لاعبيها وهستيرية الفوز فيها، بقدر نفاذ سحرها لوجدان الجماهير. النخب السياسية، ترى فيها تعويضاً عن ضعف أدائهم السياسي، وأحياناً فشلهم السياسي، باللجوء إلى شعبية مصطنعة غير حقيقية، يتخذونها وقوداً لصراعهم السياسي. بينما سحرها للشعوب (جماهيرياً) يتمثل في الانشغال عن قضايا واحتياجات أساسية، تتوارى في خضم وغمرة هذا العشق المغرق في الهيام، لكرة القدم.

00:03 | 23-12-2025

ما بعد الهيمنة الكونية..!

الولايات المتحدة الأمريكية أعلنت بداية هذا الشهر عن إستراتيجية جديدة للأمن القومي، تقوم أساساً على مبدأ الرئيس ترمب الأساسي المعلن (أمريكا أولاً)، بتفسير جديد لإستراتيجية العزلة، التي تلقى قبولاً واسعاً من الشعب الأمريكي، وكذا مؤسسات النظام السياسي، الرسمية منها وغير الرسمية.

لا تعني، هذه الإستراتيجية الجديدة، الانسحاب من مسرح السياسة الدولية بالكلية، كما هو الحال في فترة ما بين الحربين العالميتين، وقبل ذلك، لكن خفض تكلفة التواجد الأمريكي على المسرح الدولي، إلى أدنى مستوى ممكن، مع السعي لرفع عائدات هذا التواجد، إلى أقصى مدى ممكن، مع الاحتفاظ، في كل الأحوال بقوة إستراتيجية رادعة، ليس بالضرورة مصمّمة لتتطوّر إلى حرب كونية ثالثة، لكن تجعل الخيار العسكري الإستراتيجي، في أدنى مستوياته، باتباع إستراتيجية ردع، كفء وفعّالة، مما يعزّز من هيبة الولايات المتحدة الكونية، ومضاعفة إحكام قبضتها على النظام الدولي، بسيادة سلام أمريكي يخضع له الأعداء والمنافسون الدوليون، وليس فقط الحلفاء والأصدقاء الأقربون.

إستراتيجية العزلة هذه، ليست بجديدة، بالمطلق. تجد جذورها التاريخية، في مبدأ الرئيس الأمريكي الخامس جيمس مونرو عندما أعلنت الولايات المتحدة حمى أمنها القومي، في العالم الجديد، وحظرت أي اقتراب منه من قبل أي قوة دولية تأتي من العالم القديم. كان أبرز تفعيل لهذه الإستراتيجية الأمنية الصارمة في أزمة الصواريخ النووية السوفيتية في كوبا، أكتوبر ١٩٦٢.

أيضاً: ما يجعل هذه الإستراتيجية الجديدة للأمن القومي الأمريكي، كونها تتبع عزلة نشطة وشرسة، لتحقيق شعار أمريكا أولاً، على مسرح السياسة الدولية، امتداداً لتطبيقاتها في الداخل. أشد أعداء أمريكا، من وجهة نظر الرئيس ترمب هم: أعداء الداخل وليس الخارج. التخلّص من أعداء الداخل، من وجهة نظره، حتى ولو على حساب الديمقراطية.

لذا: فإن عزلة الولايات المتحدة الجديدة هذه، في عهد ما بعد الهيمنة الكونية التقليدية، تقوم أساساً على تعزيز مكانة الهيمنة الكونية الأمريكية، دون قتال، هذه المرة. هذا يقتضي من وجهة الرئيس ترمب، إعادة ترتيب للأولويات، مع إعادة تنظيم لموارد القوة الإستراتيجية الأمريكية، وصولاً إلى خلق قوة كونية ضاربة، بأقل تكلفة ممكنة، وبأكثر عائد متوقع.

بالتبعية: هذا لا يتم إلا بإعادة النظر في خريطة تحالفات الولايات المتحدة الخارجية، بل حتى في إعادة النظر، في قائمة أعدائها وخصومها التقليديين، الذين كانوا يشكّلون معها نظام الأمم المتحدة (الحالي). الولايات المتحدة، تاريخياً: أُجبرت على التخلي عن إستراتيجية عزلتها التاريخية، في فترة ما بين الحربين العظميين، بعد أن ترسّخ في أذهان قادتها ومنظروها السياسيون، أن الخطر الإستراتيجي على أمنها وحماية حماها الإستراتيجي في العالم الجديد، يأتي عبر المحيطين الهادي والأطلسي، ولا يمكن تحييد هذا الخطر الإستراتيجي، إلا بالانخراط التداخلي النشط على مسرح السياسة الدولية، وعلى الولايات المتحدة، بالتبعية: أن تتكفل بتحمّل وصبر أعباء هذا الانخراط الناعم (المُكْلِف) على مسرح السياسة الدولية.

هذا الأمر، لم يعد محتملاً، بأي شكل من الأشكال. على واشنطن في هذه المرة أن تعيد ترتيب قائمة حلفائها وأعدائها وخصومها المحتملين.. وأن تعيد تموضع قواتها الإستراتيجية الضاربة، على مسرح السياسة. الولايات المتحدة، عليها في هذه المرحلة أن تتخلص من تكلفة حماية حلفائها في أوروبا، حتى لو تطلب الأمر الانسحاب من معاهدة حلف شمال الأطلسي، الذي حدد له في الإستراتيجية الجديدة، نهاية ٢٠٢٧. إدارة الرئيس ترمب لم تعد ترى في روسيا عدواً لها، بل في هذه المرحلة، هي الصين، التي لا يجب التعامل معها بموازين القوة الإستراتيجية الضاربة، بقدر ما يجب التعامل معها بموازين القوة غير التقليدية (الناعمة)، لكنها ليست بالضرورة خالية من المخالب والأنياب، في ميادين الاقتصاد.. والتكنولوجيا المتقدمة.. والذكاء الاصطناعي.. وسلاسل الإمداد.. وباتباع تجارة خارجية حمائية، مع الاحتفاظ - في كل الأوقات - بإمكانات إستراتيجية غير تقليدية رادعة.

الرئيس ترمب، في حقيقة الأمر، يدعو ويعمل إلى إيجاد إستراتيجية للأمن القومي الأمريكي، تقوم على عزلة، لتحقيق أقصى معدلات الأمن الإستراتيجي للولايات المتحدة، مع تحقيق أكبر عائد من مكانتها المهيمنة الكونية الرفيعة، دونما حاجة لدفع تكلفة باهظة لهذه الإستراتيجية الجديدة.

السؤال هنا: هل هذه الإستراتيجية الجديدة للأمن القومي الأمريكي، ستكون عامل استقرار للنظام الدولي الجديد الذي يريد الرئيس ترمب أن يتسيّد به العالم، أم تراه سيهز أركان السلام والأمن الدوليين من جذورهما. العالم أكبر من أن تتحكم فيه حصرياً قوة أممية واحدة.. ومهما بلغت طموحات زعامة تاريخية، بعينها. التوازن لا السيطرة المطلقة، ما كان يحكم الأنظمة الدولية المتعاقبة، عبر التاريخ.

00:08 | 16-12-2025

المسألة اليهودية تتجدّد في أمريكا

اليهود تاريخياً، لم يشعروا بالأمان، إلا إذا امتلكوا نصيباً من موارد القوة يفوق نسبة تعداد حجمهم (بمراحل) في المجتمعات التي يعيشون فيها. هم لا يسعون للحصول على السلطة، يكفيهم السيطرة على حركتها عن كثب. هم يعون تماماً، أن تصرفاتهم وميولهم العنصرية لا تحقّق لهم الوصول إلى السلطة، دعك من إمكانية البقاء فيها. لهذا كان اليهود أقلية مكروهة في المجتمعات التي يعيشون فيها، في تكتلات اجتماعية منعزلة (الجيتو)، بينما يديرون دفة السلطة، عن طريق الاستحواذ على أكبر قدر من موارد القوة المتاحة، بالذات رأس المال، الذي أَسَرُوا به النخب السياسية، وأذلوا به عامة الناس، عن طريق الربا الفاحش.

هذا هو أساس المسألة اليهودية، في مجتمعات أوروبا الحديثة، وكثير من مجتمعات الشرق، مما استفزّ حركات سياسية قومية ويسارية، شعارها الأساس العداء لليهود، وتحميلهم كل مشاكل المجتمع، وفساد بعض أنظمة الحكم القائمة، مثل ما كانت عليه العقيدة السياسية للنازيين، في الفترة ما بين الحربين، حتى هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية. النازية والقومية، من أهم الأيديولوجيات عداءً لليهود، هم وراء نشوء ما يطلق عليه المسألة اليهودية، نتاجاً لما يزعمون (العداء للسامية). العداء للسامية، لم يكن فقط شعاراً سياسياً، للعتق من رِبْقَةِ اليهود، التي تقيّد الشعوب والحكومات في المجتمعات الأوروبية، بل كانت ممارسة ممنهجة لاضطهاد اليهود، رداً لنشرهم الفساد، بكل أشكاله، في المجتمعات الأوروبية، التي يعيشون فيها، للسيطرة على حكوماتها وإذلال شعوبها.

كان تصدير المسألة اليهودية إلى منطقة الشرق الأوسط، بهجرات منظمة لفلسطين الفترة ما بين الحربين، ما هو إلا جزء من محاولات شعوب وحكومات أوروبا للتعامل مع المسألة اليهودية. حتى تشجيع هجرة اليهود للعالم الجديد، بالذات لدول شمال أمريكا، كان جزءاً من تصفية المسألة اليهودية، في مجتمعات العالم القديم، بالذات أوروبا.

بعد الحرب العالمية الثانية اتخذت الحركة الصهيونية قراراً استراتيجياً بعدم التعرّض لظروف تجدّد المسألة اليهودية في أي مجتمع، بالذات مجتمعات الغرب التقليدية، في أوروبا وأمريكا الشمالية. لقد أخذت الحركة الصهيونية العالمية على عاتقها وعداً أقسمت فيه ألا تتكرر المسألة اليهودية في أي مجتمع، باتباع وسيلتين استراتيجيتين. الأولى: أن تكون لهم دولة منيعة خالصة لليهود، قادرة هذه المرة، أن تمارس سيطرتها وتوفّر الأمان اللازم لليهود، وتَحُولُ دون ظهور مسألة يهودية، وللأبد. الثانية: مواصلة ابتزاز المجتمعات القوية والفاعلة، في نظام ما بعد الحرب الكونية الثانية، حتى لا تتطوّر بها مسألة يهودية، بأي ثمن، عن طريق منح اليهود فيها ما يمكن تسميته بالحصانة والامتيازات العِرْقِية والاجتماعية والدينية، عن طريق استغلال عقدة الاضطهاد فيها، للحؤول دون تطوير ثقافة العداء للسامية. من ناحية أخرى: العمل على ممارسة ابتزاز شرس لمؤسسات المجتمع والدولة، لتوفير أقصى أمان ممكن لليهود في مجتمعاتها، مع أقصى دعم سياسي وعسكري، للدولة اليهودية الخالصة (إسرائيل). في كل الأحوال: يكون ولاء اليهود في العالم لدولة إسرائيل، وليس للدولة، التي يعيشون فيها ويحملون جنسيتها.

رغم أن اللوبيهات الصهيونية، وتلك المؤيدة لإسرائيل، من جمعيات وتيارات الجماعات اليمينية المحافظة الانجليكانية، وكذا الحركات الليبرالية المتطرفة في صهيونيتها، عزّزت من حملة مناهضة ما يسمونه بالعداء للسامية، ليتحوّل من العداء لليهود للعداء لدولة إسرائيل، فإنه خلال العامين الماضين، ضعف كثيراً جدل العداء للسامية، وكذلك كثر التساؤل حول جدوى ونفع وفائدة استخدام أموال دافع الضرائب الأمريكي لدعم دولة (هامشية) ليس لها أي فائدة استراتيجية لمصالح الولايات المتحدة ولا لأمنها القومي.

هؤلاء المناوئون الجدد لإسرائيل في الولايات المتحدة، ممن لم يرتدعوا بسردِية العداء للسامية ولا بالقوانين التي تحميها والنفوذ السياسي، الذي وراءها، يجادلون؛ أن شعار أمريكا أولاً، هو الأولى أن يؤخذ به، وليس شعار إسرائيل أولاً، كما يزعم بعض الساسة الأمريكيين مثل، نيكي هيلي، المندوبة السابقة للولايات المتحدة، التي تزعم: أن الولايات المتحدة هي التي في حاجة لإسرائيل وليست إسرائيل هي التي في حاجة لأمريكا. حتى أن رؤساء أمريكيين، مثل الرئيس السابق جو بايدن كان يتفاخر بكونه يروّج لشعار: لو لم تكن إسرائيل موجودة، لعملنا على إيجادها.

هذه الأيام، هناك صحوة سياسية وإعلامية وأكاديمية وثقافية تتساءل حول أسطورة العداء للسامية.. وتهاجم إسرائيل صراحةً وعلناً.. وتتساءل عن جدوى دفع مليارات الدولارات سنوياً من أموال دافع الضرائب الأمريكي لإسرائيل، بينما هناك فئات من الشعب الأمريكي في حاجة للطعام والرعاية الصحية ومكافحة التضخم وعلاج مشكلة البطالة ودعم التعليم، وتوفير جودة حياة كريمة للشعب الأمريكي... إلخ.

أسئلة تعيد إلى الأذهان تطوّر المسألة اليهودية في أوروبا، خاصةً في ألمانيا، عندما أرجع هتلر كل أزمات ألمانيا، منذ بداية القرن الماضي، لليهود، ونتج عن ذلك ما عُرف بعد ذلك بأسطورة الهولوكوست، عندما بلغت المسألة اليهودية أوجها، باتباع النازيين حلولاً جذرية استئصاليّة للتعامل مع المسألة اليهودية في ألمانيا والدول التي احتلتها في الحرب العالمية الثانية، مثل بولندا وفرنسا والعديد من دول غرب ووسط أوروبا.

00:10 | 2-12-2025

قراءة في الزيارة

زيارة العمل الرسمية، التي قام بها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان (17-20 نوفمبر الجاري) للولايات المتحدة، زيارة مهمة بحثت في أمور استراتيجية عليا تهم مصالح البلدين، وتعتبر طفرة متقدّمة، غير مسبوقة، في مسيرة علاقات تاريخية ممتدة، دون انقطاع، منذ اللقاء، الذي عقد بين الملك عبدالعزيز والرئيس الأمريكي فرانكلين. على ظهر الطراد الأمريكي كوينسي في البحيرات المرة بمصر (4 فبراير 1945).

رغم تباين وجات النظر حول بعض الملفات، خاصةً تلك المتعلقة بقضايا الشرق الأوسط الأمنية والسياسية والاستراتيجية، هناك إيجابيات غير مسبوقة، انبثقت عن زيارة ولي العهد للبيت الأبيض. من أهمها ضخ مليارات الدولارات التي قد تصل إلى ترليون دولار للاستثمار في السوق الأمريكي، في صناعات التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي وفي الأوراق المالية.. وتمويل مشاريع ضخمة في البنى التحتية وبناء المدن وشبكات الطرق ومشاريع رفع مستوى الحياة للمجتمع السعودي، بالإضافة إلى تعزيز دفاعات المملكة الأمنية، داخلياً وخارجياً، في تعاون عسكري واستخباراتي متقدّم.

في الزيارة أكد الرئيس ترمب موافقته المبدئية لتزويد المملكة بـ 48 طائرة من طراز إف 35 المتقدّمة وأسراب متقدّمة من طائرات إف 15 إيجل الحديثة المتطوّرة، مع كل ما تحتاجه من بنى تحتية للصيانة والتشغيل والتدريب والتزويد بالذخيرة، وبالكميات المناسبة، وزيادتها عند الحاجة. هناك تطوّر جديد لافت: موافقة الإدارة الأمريكية تزويد المملكة بشبكة من المفاعلات النووية للأغراض السلمية، مع برنامج لتزويد المفاعلات الذرية بالوقود اللازم من اليورانيوم المخصب (محلياً).

من الناحية الاستراتيجية: عرضت إدارة الرئيس ميزة استراتيجية إضافية متقدّمة، عندما أعلن الرئيس ترمب المملكة حليفاً استراتيجياً يرقى لذلك الذي تتمتع به دول حلف شمال الأطلسي. كل تلك العروض تتمتع بحصانة والتزام أمريكي تجاه المملكة، لا تقوى أي إدارة قادمة أن تتنصل من التزامها بها، لأي سبب من الأسباب، الأمر الذي يقتضي، إقرار الكونجرس بمجلسيه، بتلك الالتزامات، التي عرضتها إدارة الرئيس ترمب في هذه الزيارة.

لكن، لا يمكن أخذ هذه الوعود على قيمتها الظاهرية وعلى الثقة في سيادة حسن النية فيها، من الجانب الأمريكي. بالنسبة لصفقة طائرات الـ إف 35 وأسراب الـ إف 15، فإن الأمر لا يتوقف عند دفع الثمن واستلام البضاعة. صفقات الأسلحة تحتاج لموافقة الكونجرس.. كما أنها تخضع لتقييم البائع، وليس بالضرورة لمتطلبات المشتري، بالنسبة للتجهيز وما يتعلق بالإمكانات القتالية. ثم أن هناك عدواً في المنطقة أعرب عن قلقه من الصفقة، وجنّد مؤيديه في الكونجرس لمعارضة إتمام الصفقة. لكن، بهذه المناسبة، علينا أن نتذكّر صفقة الطائرات الحربية (إف 35) وطائرات الأواكس، التي شهدت اقتتالاً شرساً في ثمانينات القرن الماضي بين البيت الأبيض والكونجرس، الذي انتهى بفوز المملكة بتلك الصفقة.

لعلّ أهم ما يقلق إسرائيل ومؤيديها في النظام السياسي الأمريكي، بشقيه الرسمي وغير الرسمي، موافقة الرئيس ترمب على إقامة شبكة محطات طاقة نووية في المملكة، للأغراض السلمية، مع إمكانية تصنيع ما تحتاجه من وقود نووي بتخصيب اليورانيوم محلياً. إسرائيل لا تريد أي طرف في المنطقة، غيرها، أن يتمتع بإمكانات ردع تقليدية، ولا باحتمال تطوير إمكانات ردع غير تقليدية، ولا حتى إدخال صناعة نووية متقدّمة، ولو كانت للأغراض السلمية.

ثم نأتي للشكل المبهر للزيارة، الذي تجلى في الاستقبال غير المسبوق الذي اُستقبل به ولي العهد بالبيت الأبيض، مما يعكس ما تتمتع به المملكة، على مسرح السياسة الدولية، من احترام وحضور ونفوذ، كقوة فاعلة ومؤثرة في حركة السياسة الدولية، من قبل فعاليات النظام الدولي. ملاحظة لابد من الإشارة لها والإشادة بها.

لكن التطوّر المهم في الزيارة، بالرغم من ضخامة مبالغ الصفقات التي عقدت، إلا أن الزيارة جاءت كلفتها السياسية، في أضيق الحدود. مما لا شك فيه أن سمو ولي العهد كان صارماً وثابتاً على موقف المملكة التاريخي من القضية الفلسطينية، بأنه لا يمكن تصوّر أي اتصال بإسرائيل دون رسم مسار واضح وملزم للجميع ينتهي بإقامة الدولة الفلسطينية في إطار حل الدولتين.

00:09 | 25-11-2025

أنا منكم وإليكم؟!   

يوم الثلاثاء الماضي كان يوماً تاريخياً في الولايات المتحدة سياساً، قيماً وحركة (نخبوياً وشعبياً). كما أنه كان يوماً تاريخياً، للديمقراطية، بكل ما تعنيه من تعدّدية سياسية.. وصيغة الفصل بين السلطات.. واحترام المؤسسات السياسية والنخب السياسية، للإرادة العامة للمواطنين.. والقطع: من أنه لا توجد قوة بعينها تستطيع أن تتحكم أو تحتكر مؤسسات الدولة، مهما كان نفوذها أو غناها أو تأثيرها في حركة مؤسسات الدولة، بعيداً أن إرادة الناس. أيضاً: تتجلى تاريخية يوم الثلاثاء الماضي، في مرونة النظام السياسي الأمريكي، في إحداث التوازن في حركته، بالسرعة والحسم اللازمين، متى ظهر خلل ما على المستويين السياسي والاجتماعي، من شأنه أن يحدث تحوّلاً خطيراً، في مسار الديمقراطية، حركةً وقيماً.

في ذلكم اليوم ذهب الأمريكيون للتصويت، في أربعة مواقع مهمة، على المستوى المحلي، سوف يكون له صدىً على المستوى الإقليمي (الفيدرالي)، في الانتخابات التشريعية النصفية. تطوّر إستراتيجي على المستوى المحلي، بدءاً من مستوى المدن (نيويورك) وولايتي (نيوجرسي وفرجينا)، حتى أنه طال ما يشبه التعديلات الدستورية، لإعادة تقسيم الدوائر الانتخابية، لأكبر وأغنى وأكثر الولايات كثافة سكانية وحضوراً في مؤسسات الدولة الفيدرالية، (كاليفورنيا).

لكن الحدث الأهم والأكبر، في هذه التحوّلات في الممارسة الديمقراطية الأمريكية، ما حدث في انتخابات عمدة مدينة نيويورك. بأغلبية ساحقة تغلّب المرشح الديمقراطي (زهران ممداني)، على منافسه المستقل، حاكم الولاية السابق (أندرو كومو)، الذي نافسه في الانتخابات التمهيدية السابقة، كمرشح عن الحزب الديمقراطي، ليطيح به بالضربة القاضية، في انتخابات يوم الثلاثاء الماضي، عندما تحوّل كمرشح مستقل.

زهران ممداني، بنتيجة تلك الانتخابات التي أوصلته لمنصب العمدة، في مدينة نيويورك، أحدث تحوّلاً، فيما يشبه الصدمة، على مستوى قيم وحركة النظام السياسي الأمريكي. من حيث القيم، ما كان يعتبر محرماً «تابُوواً»، تجاوزه ممداني، بكل ثقة وشجاعة، غير عابئٍ بما قد يسببه له ذلك من حرج ومشاكل، قد تهدد مستقبله السياسي، بل ربما حياته. لقد قدم ممداني نفسه لمواطني المدينة ومؤسسات الحكم فيها ومجتمعها السياسي وعلى مستوى البلاد بأسرها، بأنه: ديمقراطي اشتراكي.. مسلم.. ملون (غير أبيض)، وأعلن صراحةً أن ما تفعله إسرائيل في غزة هو إبادة جماعية ممنهجة، وهدّد بأن لو حدث أن وطأت قدما رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أثناء ولايته عمدةً لنيويورك، فإنه سيعتقله، على خلفية حكم صدر بذلك من محكمة الجزاء الدولية، أدانه بارتكابه جرائمَ حربٍ في غزة تنحدر لمستوى الإبادة الجماعية. هو لم يصرح بكل ذلك، فحسب، بل نراه يؤكد على أنه لن يعتذر عن أيٍ من ذلك.

تحوّلات في عقيدة الشعب الأمريكي، بمؤسساته الرسمية وغير الرسمية، كانت تعتبر كمحرمات تحميها قوانين وأعراف، تعكس خطوطاً حُمْراً، يحظر الاقتراب منها. لكن ممداني، لم يكترث بذلك، والأهم والأخطر، بالنسبة لقيم النظام السياسي، أن تلك الصراحة رغم جُرْأتها، وافقه عليها شعب مدينة نيويورك، ليصبح عمدةً للمدينة، بدءاً من يناير القادم.

على مستوى حركة مؤسسات ورموز النظام السياسي، لم يكن ممداني، بأقل جرأة وصراحة. قد لا نبالغ، إذا ما قلنا: إن فوز ممداني، جاء رغماً عن الحزب الديمقراطي، الذي دخل تلك الانتخابات على ورقته!؟ لا زعيمي الأقلية في مجلسي الكونجرس، ولا أحد من أساطين الحزب المؤثرين في الحزب، بمن فيهم الرؤساء السابقون، من أمثال: بل كيلنتون، ولا حتى الرئيس أوباما، أيّدوا علناً أو من وراء حجاب، مسيرة ممداني السياسية، دعك من الجمهوريين، عدا السيناتور (المستقل) عن ولاية فيرمونت (برني ساندرز)؟!

كما لم يدعمه أساطين المال والأعمال (الديمقراطيون) في المدينة، إلا النزر اليسير، ممن لا تتحكم في سلوكياتهم الأيديولوجية السياسية، وتقودهم رغبة مخلصة في تحسين أوضاع المدينة ومحاربة الفساد فيها، بما فيهم بعض اليهود. لقد اعتمد ممداني على جيشٍ من المتطوعين، قوامه عشرات الآلاف، طرقوا كل باب وحضروا كل تجمع في المدينة، ليوصلوا رسالته للناخبين، كلاً بلغته، اقتراباً من ثقافته.

ما دفع الناخبين للتصويت له، برنامجه الانتخابي (الاشتراكي)، الذي لا يخجل هو نفسه من وصفه بذلك، لأنه يهدف إلى خدمة الطبقة الفقيرة المهمشة في المدينة، بوعده لهم: بأن تكون المدينة قابلة للعيش فيها. لقد وعدهم: بتجميد إيجارات المساكن، لأكثر من مليوني مواطن.. وبمواصلات سريعة ومجانية.. وبضخ موارد للارتقاء بالتعليم والصحة والخدمات الاجتماعية وتقليص البيروقراطية المتضخمة.. ومحاربة الغلاء في الاحتياجات المعيشية للسكان.. وتوفير الأمن المحترف الكفء لسكان المدينة، الذين يتجاوز تعدادهم الثمانية ملايين إنسان.

ذلك البرنامج الانتخابي، الذي وعد به ممداني، سكان مدينة نيويورك، مخاطباً إياهم، بلغة عربية فصيحة (أنا منكم وإليكم). لم يكن يعني عرب المدينة، حصرياً، بل الخريطة التعددية للمدينة، التي تتشكّل من أجناس وأعراق وأديان ومذاهب، تعكس تكتلاً سكانياً، من المهاجرين، يعود بالديمقراطية كونها مرآة للخريطة الإنسانية للمجتمع، لا لخدمة مصالح أقلية عرقية أو مالية أو فئوية، بعينها.

00:08 | 11-11-2025

رئيسٌ فوق العادة

لا يملك المرء، إلا أن يُعجب انبهاراً (محباً أم كارهاً)، بالرئيس الخامس والأربعين والسابع والأربعين للولايات المتحدة. إذا كان هناك فضلٌ يُشار إليه لتفسير صعود الرئيس ترمب لسدة الرئاسة الأمريكية، لمرتين تفصلهما فترة رئاسية واحدة، تخللهما عقبات وتحديات سياسية وقضائية ودستورية، فإن ذلك يعود للرئيس ترمب وحده. منذ بداية تفكيره لأن يخوض غمار انتخابات أعلى المناصب السياسية رفعةً ليس في بلاده، فحسب، بل على مستوى العالم، والرئيس ترمب، يتزوّد من موردٍ سياسي واحد (الوصول لذلك المنصب الرفيع، والبقاء فيه)، هادفاً: تغيير قيم ومؤسسات نظام الحكم، الذي يتبوأ سنام السلطة فيه.

هل جاء الرئيس للحكم، بعقلية المقامر، أم بواقعية السياسي؟.. فالمقامرة، هي: قمة المجازفة بكل شيء، للفوز بكل شيء، أو خسارة كل شيء. بينما تقتضي واقعية السلوك السياسي: التطلع لأخذ كل شيء، والرضا ببعض الشيء. والمقامرة تتطلب التهور بطلب كل شيء، للحصول على كل شيء، بينما السياسةُ تتطلب المساومة على أي شيء، للحصول على بعض الشيء.

لم يخفِ الرئيس ترمب، بأن هدفه السياسي الأول: تقويض دعائم (مؤسسات) النخبة السياسية في واشنطن، متهماً إياها بالفساد والعجز. هذا، من وجهة نظره لن يتحقق إلا بالإطاحة بنظام الحكم (الديمقراطي) القائم في واشنطن. توجه أوتوقراطي في الحكم، لم يحاول إخفاءه. نراه يشيد ببعض الأنظمة الديكتاتورية ورموزها البائدة منها، والمعاصرة. كما لا يتحرّج من إبداء إعجابه بالرئيس الروسي، والرئيس الكوري الشمالي، والرئيس الصيني، وببعض حكام أنظمة الحكم السلطوية في العالم الثالث!

إن قيم وحركة الديمقراطية، لها دور في إنتاج أنظمة مضادة، هي نفسها وجدت لتكون بديلاً عنها. النظام السياسي الأمريكي، على سبيل المثال؛ وإن بالغ في تمسّكه بالقيم الليبرالية، بافتراض: أن سلوك وأخلاقيات من يتقلد المناصب العامة، بالذات أكثرها رفعةً (رئاسة الدولة)، لا بد أن يصل إلى مرتبة تَرقى إلى مستوى الملائكة لا البشر. أي شائبة سلوكية (أخلاقية) تَظْهر أثناء اختيار رموز مؤسسات الحكم، بالذات منصب الرئاسة، يُستبعد صاحبها فوراً من مضمار السباق. مثلاً: لو عُرف عن المرشح، أنه: شوهد، ولو لمرة واحدة، وهو يدخن «الماريجوانا»، فإن ذلك كفيل بإسقاط اسمه من قائمة المرشحين.. كما لو ظهرت امرأة، أثناء الحملة الانتخابية متهمة أحد المرشحين، بالاعتداء عليها أو التحرش بها، فإن ذلك كفيلٌ بأن يطيح بالمرشح من صهوة جواده في مضمار السباق.

رغم هذه الصورة النمطية للقادة السياسيين، في الأنظمة الديمقراطية، التي تنظر للساسة، نظرة تقترب من «القدسية» متجاوزة حقيقة النفس البشرية الأمارة بالسوء، نجد أن الرئيس ترمب تجاوز، بعبقرية فذة، هذه العقبة الكأداء، خاصة في حملته الانتخابية للفترة الثانية (الحالية). الشعب الأمريكي وهو ذاهب للإدلاء بصوته لاختيار الرئيس السابع والأربعين للولايات المتحدة كان يعرف أن الرئيس ترمب كان متهماً، من قِبَلِ هيئة محلفين في ٣٤ قضية (جنائية)، يُنتظر الحكم بالسجن فيها، بأحكام قد يتجاوز مجموعها مئات السنوات.. كما كانت تنتظره، قضية خطيرة جداً، لو أُدين فيها، فإن ذلك كفيلٌ بحرمانه من العمل السياسي، مطلقاً. التهمة كانت: التآمر على النظام الجمهوري والانقلاب عليه، في أحداث السادس من يناير ٢٠٢٠. كما أن الشعب الأمريكي، يومها كان يعرف: أن الرئيس ترمب يرفض الإفصاح عن ذمته المالية، أو حالته الصحية.

الرئيس دونالد ترمب تجاوز كل تلك العقبات (القانونية والسياسية)، لو توفر جزءٌ ضئيل منها لدى أي مرشح رئاسي لكان كفيلٌ بأن ينهي حياته السياسية، بقسوة وبدون رحمة. الرئيس ترمب يواصل محاولاته المستميتة لتجاوز ممارسات العمل السياسي (الديمقراطي) المرعية، لتحقيق هدفه السياسي، هذه المرة، (البقاء في البيت الأبيض وعدم الخروج منه، بحلول فترة ولايته الحالية). بل أقرب من ذلك (حلول موعد الانتخابات النصفية للكونجرس نوفمبر القادم). في الأثناء: سيحاول جاهداً أن يجهّز المشهد ليحتفظ الحزب الجمهوري بالأغلبية في تلك الانتخابات، حتى يتسنى له إحداث التعديلات الدستورية اللازمة لخوض غمار جولة ثالثة للبقاء في البيت الأبيض، بل، حتى لو احتاج الأمر، استخدام القوة، بعد أن يكون قد تخلص من جنرالاته (التقليديين) الملتزمين دستورياً بالحفاظ على الجمهورية، والذود عن الدستور. الرئيس ترمب لا يرضى بأقل من الولاء المطلق له من نخب البلاد السياسية والعسكرية.

ترى هل يشهد العالم تشييع جنازة الديمقراطية في الولايات المتحدة، ليبقى رئيسها في البيت الأبيض، أو على الأقل ترشحه لفترة رئاسية ثالثة، إن نجح في تعديل الدستور، قبل نهاية فترته الحالية. ليس علينا سوى الانتظار، لنشهد إما سقوط الديمقراطية في أقوى وأعتى وأغنى وأكثر دول العالم تقدّماً، أم انتصارها، بدءاً من نتيجة انتخابات الكونجرس، نوفمبر القادم.

00:01 | 4-11-2025

دولة وظيفية بدرجة عظمى..!

عادةً ما يطلق مصطلح الدولة الوظيفية على دولة هامشية ضعيفة، يستمد نظامها السياسي شرعية وجوده، ليس بالضرورة وحصرياً، من إرادة شعبه، بقدر جدارته في خدمة مصالح قوىً كبرى، لا غنىً عنها سياسياً وأمنياً واقتصادياً، على حساب مصالحها القومية، سيادتها، واستقلالية قرارها السياسي.

إلا أن الآية قد تنقلب، ويكون العكس في حالة نادرة جداً، قد لا تتكرر، عندما تكون الدولة الوظيفية هي دولة عظمى، بينما الدولة الراعية المهيمنة كونياً، هي تلك الدولة الهامشية المغمورة، التي لا تشكّل أي أهمية استراتيجية، أمنياً واقتصادياً وسياسياً، للدولة العظمى. ذلك يكون عندما تستعذب، نخبها الحاكمة، أن تقوم بدور الدولة الوظيفية، لخدمة مصالح وأجندات تلك الدولة الهامشية الهشة.

تلك هي العلاقة «الشاذة» غير الطبيعية في عالم العلاقات بين الدول، الذي يخضع لميزان قوة «مادي» يمكن قياسه كمياً، يفرض تراتبية «هيراليكية» خاصة بجاذبية متلازمة، تجعل هناك مصدراً جاذباً لكل تابع يدور في فلكه. تماماً، كما هي العلاقة بين الشمس وتوابعها من الكواكب، بأقمارها وحلقاتها وكويكباتها ومذنباتها ونيازكها. مثل ما لا يمكن تصور علاقة عكسية تجعل من توابع الشمس مركزاً للجاذبية، نفترض مجالاً معكوساً للحركة، في عالم العلاقات الدولية. من الصعب، بل من المستحيل، أن يكون مركز الجاذبية، تابعاً لجُرْمٍ، يقع على هامش النظام الدولي، لكن ذلك يحصل، فقوانين السياسة، ليست - بالضرورة - قوانين الفيزياء.

لكن، في الحقيقة، هذه هي العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. هناك في الولايات (350 مليون نسمة) تيار سياسي قوي مؤيد لإسرائيل (7 ملايين نسمة)، ربما يتجاوز ما يتمتع به الإيباك ليمثّل تياراً يمينياً محافظاً مؤيداً بشدة، يزعم: أن الولايات المتحدة في حاجة لإسرائيل أكثر من حاجة إسرائيل للولايات المتحدة! هذا ما تقوله: سياسية (جمهورية) نشطة، مثل؛ نيكي هيلي الحاكم السابق لولاية كارولاينا الجنوبية والمندوبة السابقة للولايات المتحدة في الأمم المتحدة والمرشحة السابقة للرئاسة الأمريكية. موقف يعتبره الكثير من الأمريكيين غير وطني، يصبّ في هيمنة إسرائيل على السياسة الخارجية الأمريكية، وبالتالي: تبعية واشنطن لإسرائيل.

لماذا نذهب بعيداً: الرئيس الأمريكي، في خطابه بالكنيست، قبل ذهابه لشرم الشيخ، لحضور مؤتمر وقف إطلاق النار في غزة، أكّد أن بنيامين نتنياهو أحياناً كان يوقظه ليلاً، ليطلب منه أسلحة، ليباشر صباحاً بإرسالها، ثم استدرك قائلاً إن إسرائيل تحسن استخدام السلاح الأمريكي المتطور.

ليس هذا فحسب، الرئيس الأمريكي، أكد أمام الكنيست أنه نفّذ وعده لميريام أديلسون عندما وجه خطابه لها، قائلاً: ألم أوفِ بوعدي لكِ في الفترة الأولى من ولاياتي، واتخذت قرارات جَبُن رؤساء أمريكيون قبلي عن اتخاذها، مثل الاعتراف بالقدس عاصمة إسرائيل ونقلت سفارة الولايات المتحدة إليها.. وأيضاً: تم الاعتراف بضم إسرائيل لهضبة الجولان السورية. كل هذا مقابل 40 مليون دولار تبرعت بها مريام وزوجها في حملة الرئيس ترمب الأولى!

كما ألمح، الرئيس ترمب: إنه سيعمل جهده في ولايته الثانية (الحالية) لخدمة أطماع إسرائيل التوسعية، كالاعتراف بضم إسرائيل للضفة الغربية. هذا بالإضافة لاستعداده تبني خطط إسرائيل التوسعية، لبناء إسرائيل الكبرى! طبعاً هذه المرة دفعت السيدة أديلسون: 100 مليون دولار، لدعم حملته الانتخابية الأخيرة! لم ينسَ الرئيس ترمب أن يشير، إلى أن: السيدة أديلسون، ولو بطريقة غير مباشرة تحب إسرائيل أكثر من الولايات المتحدة! لم يتضايق من هذا، بل تمادى بالتفاخر بها والإغراق في تملقها.

لكن رغم إصرار التيار الأنجلوسكسوني الأبيض المتحدث باللغة الإنجليزية على رهن إمكانات وقدرات وغنى وتقدّم ومكانة واشنطن المرموقة (المهيمنة)، على النظام الدولي، لخدمة دولة هامشية (لا علاقة استراتيجية مباشرة لها بمصالح وأمن الولايات المتحدة)، هناك، داخل المجتمع الأمريكي ما يمكن وصفها بأنها صحوة (وطنية)، تتساءل عن هذه العلاقة التي يصر عليها التيار الأنجليكاني، لتتحوّل واشنطن للعب دور الموظف (دون أجر أو عائد) لدى تل أبيب!

تيار وطني، أخذ ينتشر كانتشار النار في الهشيم، بين قاعدة الرئيس ترمب الشعبية من الجمهوريين المحافظين، من أمثال: تشارلي كيرك، الذي اغتيل الشهر الماضي، عندما طالب: بمراجعة العلاقة مع إسرائيل. ويظهر على السطح، هذه الأيام، الإعلامي المحافظ (تكر كارلسون)، الذي تحوّل من محافظ متزمت مؤيد لإسرائيل، إلى معارضٍ شرسٍ لهذه العلاقة بين بلاده والدولة العبرية، مطالباً بإعادة النظر في هذه العلاقة، التي تكلف دافع الضرائب الأمريكي أموالاً طائلة كان يمكن إنفاقها لصالح المواطن الأمريكي، في تعليمه، صحته، محاربة البطالة، التضخم وتحسين جودة الحياة.

00:04 | 21-10-2025