أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/258.jpg?v=1776690224&w=220&q=100&f=webp

طلال صالح بنان

القتال بالسلاح الخطأ

أعلن الرئيس ترمب يوم الجمعة الماضي عن مسار جديد لإدارة الحرب مع إيران وصفه بالحرب الاقتصادية غير المسبوقة. الجديد في هذا الإعلان عن الحرب الاقتصادية غير المسبوقة، توسيعها لرقعة الحرب وأطرافها، حتى تطال كل من يساعد إيران على تجاوز العقوبات الاقتصادية الجديدة، بما فيها (ضمنياً) دول عظمى، مثل الصين وروسيا اللتين شاركتا ويشاركان إيران في تجاوز الجانب الاقتصادي من الحرب، التي شارفت على بلوغ الشهر السادس، ولم تنجح في تحقيق هدف واشنطن منها، بالذات هزيمة إيران عسكرياً وتغيير نظام الحكم في طهران، بعد استسلامه.

في حقيقة الأمر ليس هناك من جديد في الحرب الاقتصادية، التي أعلن عنها الرئيس ترمب... دعك من توقع إنجازها ما لم تفلح في إنجازه الحرب العسكرية، التي بدأت في الثامن والعشرين من فبراير الماضي بهجوم واسع مشترك من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، الذي أسفر عن مقتل رموز استراتيجية عليا في النظام الإيراني، على رأسهم المرشد الأعلى للثورة علي خامنئي. من الناحية الاستراتيجية، أهم ما جاء به هذا الإعلان عن مسار جديد في الحرب، يُفهم منه ضمنياً أن الرئيس ترمب استبدل الأداة العسكرية التقليدية في إدارة وخوض الحرب وتحقيق الهدف منها بأداة أكثر نعومة وأدنى مضاءً، والحرب في أوج تصعيدها العنيف، انتظاراً لحسمها، قبل موعد انتخابات الكونغرس النصفية في الثالث من نوفمبر القادم.

لا أحد ينكر المتغيّر الاقتصادي وأهميته الاستراتيجية، لدى طرفي أي حرب. ربما تكون في الأوقات العادية الأداة الاقتصادية من أمضى أدوات السياسة الخارجية للدولة في محاولتها إدارة مصالحها وأهداف سياستها الخارجية على مسرح السياسة الدولية. ليس فقط أمضى أدوات السياسة الخارجية للدولة، بل قد تكون أقلها تكلفةً وأكثرها توقعاً لنتائجها. والأداة الاقتصادية، أثناء استعار الحرب، تتكامل مع الأداة العسكرية، ليس فقط في تحمّل تكلفة وأعباء الحرب، بل أيضاً، الاقتراب من تحقيق قرار خوض الحرب نفسها.

لكن الإعلان عن غلبة الأداة الاقتصادية في تحقيق أهداف الحرب، والحرب في أوج استعارها، مع اقتراب وضع أوزارها، وتوقع جني عائدها، لا يعني سوى أمر واحد: الإعلان عن عجز الأداة الرئيسية في إدارة الحروب، قبل حسم مصيرها، من قبل الطرف الذي يبدو أنه يتوقع النصر فيها. وهذا، ليس له سوى معنى واحد: أن الحرب لم تستنفد وقودها بعد، ولم يعد بالإمكان التحكم في حركتها العنيفة، ليس ضعفاً في الإمكانات القتالية، ولا وهناً في قوة الخصم، بل ببساطة: إعادة تقييم مسار الحرب وضغط زيادة تكلفة الاستمرار في مسارها العنيف، عمّا هو متوقع من عائدها.

ثم التحوّل للأداة الاقتصادية عن الأداة الأكثر ملاءمة مع طبيعة الحرب العنيفة (الأداة العسكرية)، خاصةً في مراحل الحرب المتقدّمة، فإن ذلك لا يساعد في حسمها.

الإعلان عن مسار جديد أقل تكلفة من استمرار حركة العنف المتولدة عن الحرب باستخدام أداة أكثر نعومة وأخف حدة وأدنى مستوى من العنف، يتناقض مع قرار توسعة رقعة الحرب وزيادة أطرافها، إذ إن ذلك من شأنه أن يرفع تكلفة الحرب نفسها. ثم إن قرار توسيع رقعة الحرب بزيادة أعداد أطرافها لا يشكّل قيمة ردع مضافة، لا للخصم الرئيس في الحرب، ولا لمن أضيفوا، إلى سعيرها المتقد. ترى هل يردع تهديد من يرى الرئيس ترمب مِمّن هو محتمل مساعدة طهران في تخطي خطوط الحرب الاقتصادية الحمراء الجديدة، وهو يقصد بالذات الصين وروسيا. فهاتان الدولتان منذ بداية الحرب وقفتا إلى جانب طهران؛ لأن مصالحهما الاستراتيجية والقومية كانت مع الوقوف مع طهران في التحايل على الآثار السلبية للحرب على إيران، بالذات الجانب الاقتصادي منها، الذي هو الإضافة الجديدة لجهود واشنطن في إدارة الحرب وخوضها.

00:00 | 25-08-2026

الأمن أغلى أصول الدولة

الأمن من أهم مبررات منطق نشأة الدولة، بل قد يكون أهمها. لم يتطور المجتمع البشري من مجتمعات صغيرة متفرقة، يسودها ويغلب عليها سلوك الصراع العنيف وعدم الاستقرار، كما هو الحال في مرحلة ما قبل الدولة، التي يطلق عليها فلاسفة العقد الاجتماعي مرحلة الحياة الطبيعية الأولى. لقد فَضّل الإنسان في الحياة الطبيعية الأولى الأمن على الحرية، ليتسنى الانتقال للحياة المجتمعية المدنية باستبدال حياة الحرية المطلقة بالأمن. الأمن إذن: من أهم أصول ومواصفات ومبررات شرعية نشأة الدولة.. وسر بقائها، وعائد استمرارها الأول. ليست هناك حرية بلا أمن، ولن يكون هناك أمن على حساب الحرية.

هذه المكانة الاستراتيجية الرفيعة للأمن الوثيقة الصلة بنشأة الدولة وضمان استقرارها ودافع بقائها، تتطلب صرف موارد باهظة، قد تتجاوز موارد الدولة الحقيقية والمحتملة. لذا: من الصعب توفر الأمن اتكالاً على موارد الدولة الحقيقية والمحتملة، مما يدفع الدولة، طلباً للأمن، إلى التوجه للبيئة الخارجية، التي للمفارقة، هي المصدر الأول الذي يأتي منه الخطر الواضح والناجز على أمن الدولة!

بحثاً عن الأمن، بأقل تكلفة ممكنة، تلجأ الدول للتعاون مع أطراف دولية أخرى لتوفير الأمن اللازم لبقاء الدولة واستمرارها. يستوي في هذا الدول الغنية المتقدّمة والدول الفقيرة المعدمة. مبدأ سيادة الدول يعتبر من أغلى أصولها، اللازم توفرها. وفي حقيقة الأمر ليس هناك سيادة مطلقة، بتعريفها «الكلاسيكي» القاطع، تماماً: كما أنه ليس هناك حالة أمن فعّالة وكفؤة، تعتمد على موارد الدولة وحدها.

في حقيقة الأمر أيضاً، طالما أن ما قد يحدث أحياناً من سلوكيات قد تشي، من ظاهرها، بأنها مساومة على قيمة ووضعية السيادة «المقدسة»، وتُقدِّم عليها السلطة الوطنية (الحكومة)، لا تمثل خرقاً لمبدأ وقيمة السيادة، بل هي قرارات سيادية تصب في دعم أمن الدولة واستقرارها.

مثلاً، في صيغ التفاهمات الدولية، قد تقتضي استراتيجيات الأمن، وجود مظاهر عسكرية، تفرضها معاهدات في إقليم الدولة نفسها.. أو مظاهر لتواجد فعاليات عسكرية (أجنبية)، مشاركة في المعاهدة. لا يُعد هذا التواجد العسكري الأجنبي اختراقاً للسيادة، بقدر ما يعتبر من ضرورات الأمن القومي، الذي يُعزّز بمعاهدات، مثل اتفاقات الدفاع المشترك، حيث اجتمعت إرادة أعضاء تلك الاتفاقات، لتوفير أمن لكل الأعضاء في إطار منظومة أمنية متكاملة لتوفير أعلى درجات الدفاع المشترك. هنا، أيضاً: تتقدّم قيمة الأمن على قيمة السيادة، كما تقدّمت قبل ذلك على قيمة الحرية. قيمة الأمن، إذن: مترسخة في الدولة، كونها وثيقة الصلة بوجودية الدولة، عن أي قيمة أخرى، بما في ذلك قيمتَي الحرية والسيادة.

من الناحية الاستراتيجية غاية قيمة الأمن التي تتمثل في صيغة التعاون العسكري المشترك، ليس بالضرورة الاستعداد للعمل العسكري المشترك في أقصى درجات تفاعله (الحرب)، بل كفاءة الاتفاقات العسكرية المشتركة، تكمن في تفادي نشوب الحرب. وظيفتها تتجسّد في تفادي الحرب، وليس المشاركة فيها أو التحريض على نشوبها. الغرض من بناء صروح الاتفاقات العسكرية المشتركة، هو فيما توفره من ردع استراتيجي، في مواجهة أي عدوان من قبل البيئة الخارجية، على أي عضو من أعضاء اتفاقات الدفاع المشترك. من أهم البنود تلك المادة التي دوماً ما يُشار إليها نصاً، بالقول: إن أي اعتداء على أحد أطراف معاهدة الدفاع المشترك، يُعد اعتداءً على أعضاء المعاهدة جميعهم. هذه المادة تُعد أسّ استراتيجية الردع التي توفرها المعاهدات الجماعية المشتركة.

يوم الجمعة الماضي وقّعت بمكة المكرمة اتفاقية الدفاع المشترك بين ثلاث دول أعضاء في منظمة التعاون الإسلامي (المملكة العربية السعودية، وتركيا وباكستان). اتفاقية الدفاع المشترك هذه، لا تعدو كونها معاهدة لإنشاء تحالف عسكري مشترك بين هذه الدول، ليس فقط توفير حماية أمنية لكل عضو في الاتفاقية فحسب، بل إنشاء منظومة أمنية (إقليمية)، مثل معاهدة منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، من أجل ضمان استقرار مستدام للمنطقة، تشارك الدول الثلاث في إقامته، كلٌّ بما يوفره من موارد دفاعية لدعم منظومة هذا التحالف الإقليمي المشترك.

مما لا شك فيه أن اتفاقية مكة للدفاع المشترك ستوفر إضافة إيجابية لوقف التصعيد، في حربٍ امتدت لأشهر في المنطقة، بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل، من جهة أخرى، فرضت جغرافية المنطقة أن تطال دولاً أخرى بسبب موقعها الجغرافي وأن تكون في خط النار بين الدول المتحاربة. اتفاقية مثل هذه، ستكون من بشائرها الأولى الحؤول دون اتساع رقعة الحرب، خارج نطاق مسرحها الرئيس، بين الدول المتحاربة (الثلاث).

يظل الأمن أغلى أصول الدولة، يستحق بذل الغالي والنفيس، فداءً له، يتقدّم على سائر أصول الدولة الأخرى، بما فيها الحرية والسيادة. دون توفر الأمن، لن تكون هناك دولة، وبالتبعية: لا حرية ولا سيادة، ولا حتى دولة.

23:58 | 10-08-2026

الحرب ثقب الدول الأسود

بتوفر العناصر الأساسية لقيام الدولة (الشعب، الإقليم والحكومة الوطنية)، تصبح الدولة مؤهلة لعضوية مجتمع الدول، ولن تكتمل مسوغات العضوية الدولية، إلا بإعلان الدولة حبها للسلام والتزامها عملياً بميثاق العضوية الدولية وتمسكها بالقيم التي نص عليها ميثاق الأمم المتحدة، وتعهدها المخلص بمحددات التعايش السلمي ونبذها اللجوء للعنف، بكافة أشكاله، بالذات اللجوء لخيار الحرب لتسوية خلافاتها مع أعضاء المجتمع الدولي الآخرين. عندها تنتقل مسؤولية الدفاع عن استقلالها وسيادتها ووحدة إقليمها، لمجتمع الدول، وليس حصرياً من اختصاص ومسوغات إمكانات قدراتها الدفاعية المحدودة وحدها، كما تقتضي مسوغات وضرورات بقاء كيانها الوجودي.

من هنا يأتي الخطر الإستراتيجي الأول على أمنها الوطني، من خارج حدود كيانها العتيد من الجهتين الإقليمية والدولية، أكثر منه من عناصر مكوّنات كيانها الوطني الداخلية، مهما بلغت منعتها أو هشاشة قدراتها الدفاعية. حتى في ظروف تعقد مستويات استقرار الدولة السياسي الداخلي، وضآلة إمكانات قدرتها على البقاء، بما في ذلك تفاقم مشاكل مستويات استقرارها الداخلي، بنشوب احتمالات الحرب الأهلية. تبقى مسؤوليات تحدي مخاطر استقرار الدولة الداخلي، مسؤولية أممية جماعية، حتى في حالة اشتداد تعقيد تحديات استقرارها الداخلي. المجتمع الدولي، في كل الأحوال من مسؤوليات الحفاظ على النظام الدولي السائد، الحفاظ على مصالح أعضائه الوطنية، ولن تكون مسؤولية حفاظ الدولة نفسها، من اختصاصات نظامها الداخلي حصرياً.

في كل الأحوال: أي احتمال للتغيّر الداخلي، تكون من مسؤوليات النظامين الإقليمي والدولي، وليس بالضرورة يكون حصرياً، لإمكانات وقدرات الدولة، التي بطبيعتها تكون محدودة. أي تغيير جذري في مكوّنات النظام السياسي للدولة، هو في حقيقة الأمر، من مسؤوليات البيئتين الإقليمية والدولية، التي يأتي منهما الخطر الإستراتيجي الأول لاستقرار الدولة الداخلي. على سبيل المثال: مؤسسات النظام الدولي السائد، في عصرٍ من العصور، يوفر حصانة أمنية شاملة لاستقرار النظام السياسي الداخلي لأعضائه من الدول، في مواجهة أي احتمال لتغيير النظام الداخلي للدول، بعيداً عن القوانين (غير العنيفة)، لتداول السلطة سلمياً.

من أهم الضغوط التي توفرها البيئتان الإقليمية والدولية لضمان الاستقرار الداخلي للدولة عدم الاعتراف بأي تغيير داخلي للسلطة لا يأتي عن طريق آليات التغيير السلمية، التي ينص عليه دستور الدولة. لم يعد مقبولاً في مجتمع الدول المتحضر، القبول بأي تغيير في النظام الداخلي للدولة، عن طريق العنف، مثل الانقلابات العسكرية.. أو التدخلات الخارجية، لإحداث تغيير قسري في النظام السياسي القائم، بالذات عندما تكون مؤسسات النظام السياسي القائم، في الدولة أتى بالطرق الديمقراطية المرعية.

لهذا نلاحظ مؤخراً فشل محاولات التغيير العنيف في مؤسسات ورموز النظام القائم لأي دولة من الدول، يأتي عن طريق العنف، كما هو الحال في الانقلابات العسكرية، أو التدخل الخارجي لإحداث تغييرات جذرية في النظام السياسي للدولة. هناك في كثير من الدول ضوابط عملية تفرض على حكومات الدول عدم الاعتراف بأي شكل من أشكال التغيير القسري في أنظمة الدولة الأخرى، لا تراعي مسوغات التغيير السلمي للسلطة، التي يحكمها القانون الداخلي للدول. لم يعد مسوغاً أن تتدخل الدول لتغيير النظام السياسي الداخلي لأي دولة، لاعتبارات سياسية بعيداً عن إرادة مصادر الشرعية القائمة في الدولة، باستخدام القوة، من قبل أي مؤسسات داخلية تعمل على استغلال احتكارها الحصري لمصادر القوة الصلبة في المجتمع مثل الجيش والشرطة، دعك من أي شكل غير رسمي لاستخدام العنف المنظم، مثل ما هو الحال في وجود مليشيات غير نظامية أو منظمات غير نظامية، تتحدى مؤسسات الدولة الرسمية احتكارها لأدوات القوة الجبرية في المجتمع.

رغم هذا التوجه الأممي لحماية أعضاء النظام الدولي لاستقلال وسيادة أعضائه، بسبب عضويتهم النشطة لنصرة وحب السلام، فإن الخطر الأساسي على أمن وسلامة استقرار أعضاء النظام الدولي (الدول)، مازال يأتي من البيئتين الخارجيتين (الإقليمية والدولية)، بصورة أساسية. الحرب تظل هي المتغيّر الأساس لإحداث تغيير جذري في النظام الأساسي لأي دولة، بما في ذلك إمكانات زوال الدولة، نفسها. مهما بلغت حساسية وهشاشة عوامل عدم الاستقرار في أي دولة، يظل المتغيّر الخارجي، هو عامل عدم الاستقرار الأهم في التأثير السلبي على استقرار الدول. الفيلسوف الإنجليزي جون لوك (١٦٣٢-١٧٠٤) يؤكد: أن الدول متى أقيمت على أسس العقد الاجتماعي، الذي تم بموجبه الانتقال من حالة الطبيعة الأولى إلى حالة المجتمع السياسي المتمدين، فإن الخطر الأساس ضد بقاء الدولة واستقرارها يأتي من الخارج. مهما اشتد التوتر الداخلي. تغيير النظام الداخلي للدولة، لن يتسبّب في زوال الدولة، بل الغزو الخارجي هو الذي يمحو الدول من خريطة أي نظام دولي قائم.

الحرب، وليس غير الحرب، ما يحدد مصير الدول، إما بقاؤها أو زوالها.

00:01 | 28-07-2026

مضيق هرمز بين حرية الملاحة وادعاءات السيادة

يقضي القانون الدولي وقانون البحار وما هو متعارف عليه بين الدول وما يقر به النظام الدولي أن المضايق والممرات المائية الطبيعية مناطق مشاع استخدامها للجميع، كما هو حال المياه الدولية في أعالي البحار والفضاء الخارجي، ومناطق القارتين الشمالية والجنوبية المتجمّدتين. وليس لدولةٍ ما أو أي شخصية دولية اعتبارية أو خاصة أن تدعي السيادة عليها، بأي شكلٍ من الأشكال، لتمنع أو تحول دون أي قوة أو شخصية اعتبارية دولية أو خاصة من استخدامها، بالذات في أوقات السلم. أما المضايق والممرات المائية والمسطحات المائية التي تشترك دولتان أو أكثر في الإطلالة عليها، كالأنهار والبحيرات والقنوات المائية الاصطناعية، أيضاً لا يترك للدول أو الدولة التي تقع ضمن إقليم دولة ما أن تطبّق عليها متغيّر السيادة المطلقة، بل تحكمها اتفاقات ومعاهدات دولية، كما هو في حالة قناة السويس ومضيقي البسفور والدردنيل في تركيا.

إن كان هناك من سيادة لدولة ما على سواحلها المتشاطئة مع بحار دولية.. أو محيطات في أعالي البحار، أو تلك التي تتقاسم إطلالة مباشرة على مضايق أو ممرات مائية دولية طبيعية، سواء بصورة حصرية بأن يَطْبّق إقليمها على ضفتي الممر أو المضيق المائي الطبيعي، فإن هذا الوضع الجيوسياسي، لا يخوّل هذه الدولة أو الدول الأخرى منع أو حرمان المرور في وقت السلم للدول الأخرى، بهدف عرقلة حركة التجارة الدولية.. أو فرض حصار على الدول المتشاطئة، لهذه المضايق الدولية والمسطحات المائية.

من هنا يمكن فهم الوضع الاستثنائي، الذي نشأ حول مضيق هرمز، بين الدول المتحاربة، في منطقة الخليج العربي، حيث كل فريق من الأطراف المتحاربة يحاول استخدام ورقة مضيق هرمز، لصالح جهده القتالي، لمنع الخصم من أي دعاوى سيادية أو حرية الملاحة عبر المضيق، سواء لأسباب سلمية أو خدمة لأي مجهود حربي يفرضه. مبدئياً، لا تحول حالة الحرب التي تسود المنطقة، من استخدام المضيق لدواعٍ استراتيجية (قتالية)، فإن جدلية حرية الملاحة البريئة، لن تصمد أمام حالة الحرب المتأججة في المنطقة. متغيّر القوة والقوة وحدها، في هذه الحالة، هو من يكون له القول الفصل، في هذا الأمر. مع ذلك، وفي كل الأحوال: الطبيعة القانونية لن تتأثر في تفسير المضيق من وجهة نظر قانون البحار، ولا عند الرأي العام العالمي، الذي عليه أن يتأقلم مع حالة الحرب المشتعلة في منطقة الخليج العربي، حتى تضع الحرب أوزارها.

جيوسياسياً، تخدم وضعية المضيق الجيوسياسية مصلحة إدارة إيران للحرب، أكثر منها قدرة وإرادة الولايات المتحدة في تحدي الوضع الجيوسياسي للمضيق، الذي تضغط إيران لتفرضه، باعتباره ورقة ذات قيمة استراتيجية عالية في إدارة الحرب. الغريب هنا أن طهران تجادل بالسيادة على المضيق لتبرير منطق إغلاقه واستخدامه كسلاح في حربها مع الولايات المتحدة. طهران هنا: تتجاهل حقيقة أنه، حتى لو أخذنا بنظرية السيادة التي تزعمها، فإنها من الناحية الجيوسياسية، لا تتحكّم بصورة حصرية في السيادة على المضيق، إذ إن سلطنة عُمان تشاركها في الإطلالة على المضيق، من الناحية المقابلة (الغربية). كما أن سلطنة عُمان، وهي ليست طرفاً مباشراً في الحرب لا تشارك طهران في ادعاء السيادة على المضيق، وفي ظل عجز طهران الحقيقي عن تنفيذ وفرض ما يترتب عليها من ادعاءات السيادة على المضيق، مع الوقت لن تستطيع طهران الاستمرار في التهديد بإغلاق المضيق، ولن تتمكّن من تحصيل رسوم مرور للعبور فيه، جيئة وذهاباً، لا في أثناء القتال.. ولا بعد أن تضع الحرب أوزارها.

ما يحسم قضية وضع مضيق هرمز، والحرب مشتعلة الآن، هو القوة والقوة وحدها. الولايات المتحدة لا ترغب في استثمار فائض القوة لديها للسيطرة الفعلية على حركة العبور في المضيق، خوفاً من ارتفاع تكلفة ذلك المادية والبشرية والسياسية.. ومن جانبها: لن تتمكّن طهران ولا تمتلك من القوة الرادعة ما تفرض به ادعاءاتها بالسيادة على المضيق للتمكّن من التحكّم في حركة الملاحة فيه إلى ما لا نهاية.

باختصار: مهما كانت نتائج الحرب الدائرة في المنطقة، فإنه لن يطرأ أي تغيير في الوضعية الدولية للمضيق كممر مائي دولي، بعد الحرب، حيث يظل قانون البحار يحكم حركة الملاحة فيه.

00:00 | 21-07-2026

عقلانية الدولة وتهور المنظمة..

السياسة، بطبيعتها، سلوك صراعي عنيف، محورها ظاهره السلطة، الوصول إليها والبقاء فيها. لكن الصراع على السلطة لا يعني أبدية القول بتوقع توحش طبيعتها السلوكية. بالعكس: يمكن استئناس حركة الصراع عليها. هذا ينطبق على مرحلة الوصول إليها والبقاء فيها. إمكانية استئناس الصراع على السلطة هذه، من أهم مؤشرات التنمية السياسية للمجتمعات السياسية. كلما مالت حركة الصراع على السلطة لسلمية تداولها، كان هذا مؤشراً على تقدّم مجتمع من المجتمعات سياسياً عن تلك التي تجذرت فيها طبيعة الصراع (المادي العنيف) على السلطة، حتى يصبح هذا العنف في حركة تداول السلطة سمة من سمات سلوك الوصول إلى السلطة والبقاء فيها. حتى ليصبح البقاء في السلطة سلوكاً أشد شراسة من محاولة الوصول إليها والاستحواذ عليها.

هنا نقطة يجب الإشارة إليها: وجود آليات مؤسساتية للتعامل (سلمياً) مع حركة الصراع على السلطة لا يعني إزالة عنف حركة الصراع عليها. عنف حركة الصراع على السلطة دوماً يكون موجوداً، تطوير المجتمعات لطرق سلمية في استئناس وتهذيب حركة الصراع على السلطة، لا ينفي عنف السلوك السلبي في خطاب حركة الصراع. ممكن توقع عنف الحملات الانتخابية (خطابياً) لدرجة تقترب من السلوك المادي العنيف، ما دون الاحتكام لحركة الصراع الدموي العنيف على السلطة، دون توقع حصول ذلك. على سبيل المثال: في الحملات الانتخابية لشغل المناصب السياسية الرفيعة المتقدّمة في النظام السياسي الرسمي، يمكن توقع فحش الخطاب السياسي للمرشحين، بل حتى أحياناً اللجوء للاشتباك بالأيدي، لكن لا يصل ذلك للاحتكام للسلاح، أو استخدام أدوات العنف (الرسمية) للدولة (جيش وشرطة) للفصل بين المرشحين في الحملات الانتخابية. كما يتطلب الأمر التحلي بالروح الرياضية، احتراماً لإرادة الناخبين، عند إعلان نتيجة الانتخابات العامة، بجميع مستوياتها السياسية (السيادية) المحلية والعامة.

هذه بداية للمقارنة بين قيم النظام السياسي الذي تحكمه عقلانية الدولة وتهور المنظمة. في الحالة الأولى ينظر إلى الدولة كونها كياناً عضوياً عاقلاً، يُغَلّب المنطق والحكمة في حركة سلوكه السياسي، لا التهور والعنف الدموي المادي والمجازفة غير المحسوبة، كأهم مؤشرات المسؤولية والحرفية السياسية في تقلد المناصب السياسية. الدول ليست سواء في مستويات هذا المقياس المادي الدقيق في قياس مستوى التنمية السياسية في المجتمع. كما يطغى على طبيعة الاقتراب والابتعاد عن معيار العقلانية السياسية مقابل التهور السياسي.

عند ممارسة السلطة يظهر الفرق الأساسي بين العقلانية والتهور السياسي، للمقارنة بين استقرار الدولة وتذبذب سلوك المنظمة. في الدولة يظهر مستوى عقلانية مؤسساتها ورموزها السياسية، في مستوى مسؤولية الحفاظ على موارد المجتمع، بالذات سلامة قاعدة المجتمع السياسية المتمثلة في الحفاظ على سلامة وحدة إقليمها.. وأمن وسلامة مواطنيها، خاصة عند التعامل مع تحديات البيئة الخارجية لإقليم الدولة. تظهر عقلانية مؤسسات ورموز الدولة الرسمية، عند مواجهة التحديات المصيرية، التي تفرضها تحديات البيئة الخارجية، بالذات في أوقات الحروب. عقلانية الدولة هنا تتجلى في حساب إمكانات الدولة الأمنية، بعيداً عن مخاطر الانخراط المباشر مع جيرانها الإقليميين وخصومها الدوليين في عنف إدارة التحديات التي تفرضها البيئة الخارجية.

قد تنطلق بعض التنظيمات من اعتبارات أيديولوجية أو تنظيمية تجعل أولوياتها مختلفة عن أولويات الدولة، فتغلب أهدافها الخاصة على مقتضيات المصلحة الوطنية. وعندما يحدث هذا التعارض، تصبح حسابات الأمن والسيادة ووحدة الإقليم أكثر عرضة للتأثر، خصوصًا إذا امتلكت تلك التنظيمات قدرة على التأثير في القرار السياسي أو الأمني. في سبيل بقاء تحديات المنظمة السياسية والأمنية، تلجأ المنظمة في أقصى درجات تهور سلوكها، للإضرار بسيادة الدولة على إقليمها والتضحية بسلامة مواطنيها ووحدة أراضي إقليمها. البلاشفة، في روسيا الاتحادية، عندما اندلعت ثورتهم أكتوبر 1917، تخلوا عن مساحات واسعة من الأراضي الروسية غرب روسيا لألمانيا في الحرب العالمية الأولى من أجل ضمان نجاح ثورتهم في موسكو. حزب الله في لبنان، هذه الأيام، في سبيل القتال في معركة ليس للبنان فيها ناقة أو بعير، نراهم يضحون بمئات الكيلومترات بسكانها، من أجل نصرة قوة إقليمية، معرّضين سيادة الدولة وسلامة المواطنين، لمخاطر لا قبل للبنان (الدولة) فيها. كما أن تهور المنظمة في إدارة صراعها مع الدولة، قد يعزى للدولة نفسها، عندما تبدي الدولة ضعفاً إستراتيجياً في السماح للمنظمة بتحدي احتكارها للسلطة، وعجزها الدفاع عن سيادتها ووحدة إقليمها وسلامة مواطنيها. عندها تفقد الدولة عقلانيتها السياسية، لتتحوّل إلى عبء أمني وسياسي كبير.

سطوة المنظمة على مقدّرات الدولة من أهم مؤشرات عدم نضوج حركة وقيم الدولة القومية الحديثة، في بعض «الدول» التي عليها بلدان العالم الثالث أو البلدان النامية أو مجتمعات الدول الآخذة في النمو.

00:01 | 14-07-2026

دولة المنظمة..

من أهم عناصر الدولة القومية الحديثة وجود حكومة وطنية تمثل وتمارس السيادة الوطنية، والأهم: احتكار القوة المادية القاهرة والجبرية، مع توفر الإرادة السياسية الصارمة لإمضائها. هذه القوة المادية الجبرية القاهرة ليست فقط ضرورية وحاسمة لإنفاذ القانون وحفظ الأمن، لكن الأهم: تمثيل السيادة الوطنية، التي دونها تفقد الدولة أهم خصائصها، بل الأخطر انهيار الدولة وزوالها.

الدولة لا تفرط في احتكارها للقوة الجبرية المادية، وتبقي على احتفاظها بالسيادة، داخلياً وأمام المجتمع الدولي على مسرح السياسة الدولية. عندما تهتز قبضة الدولة في قدرتها على الاحتفاظ باحتكارها القوة الجبرية المادية القاهرة، وظهر هناك من يتحدى الدولة محلياً في فرضية وواقع احتكار القوة المادية والجبرية القاهرة في المجتمع، تتفاعل إرهاصات ضعف الدولة، وقد يتطور الأمر إلى نشوب حرب أهلية، إيذاناً بزوال الدولة. من أهم بوادر ومظاهر التغيير الجذري (العنيف) للنظام السياسي، ظهور جماعات سياسية تتحدى احتكار القوة في المجتمع، وتحول دون الحكومة وممارسة أهم وظائفها المتمثلة في حفظ الأمن، والذود عن سيادة الدولة.

في التاريخ الحديث، وصل هتلر لحكم ألمانيا، عن طريق مليشيات الحزب النازي (أصحاب القمصان البنية)، التي أظهرت علناً تحديها لسلطة الدولة، دون ما حاجة للصدام المباشر مع سلطة الدولة في الشارع. سبق هتلر في هذا الأمر موسوليني في إيطاليا (أصحاب القمصان السوداء). في العالم العربي، كانت محاولة الاستيلاء على السلطة وتغيير النظام السياسي القائم، وتحوّل تنظيمات الجنجويد في السودان إلى مليشيات مسلحة شبه نظامية، أوجدها النظام السياسي لحمايته وضمان بقائه في السلطة، إلى منافس حقيقي لاحتكار الدولة للقوة الجبرية القاهرة وتمثيلها للسيادة الوطنية، وكان أن دخل السودان في حرب أهلية، ما زلت مندلعة، منذ أكتوبر 2022 لليوم، بعد محاولة قوات الجنجويد، الاستيلاء على السلطة، بتجريد جيش الدولة وقوى الأمن الوطني من احتكارها للقوة.

الوضع نفسه نجده يتفاعل في لبنان، هذه الأيام، بصورة أكثر تعقيداً، بمحاولة حزب الله، تحدي سلطة الدولة الرسمية، وتجرؤه على سيادة الدولة عن طريق القيام بمهمة وظيفية، تحت غطاء طائفي، خدمة لأطراف إقليمية لها أجندات توسعية، لفرض هيمنة إقليمية على المنطقة. ما يحدث في لبنان من تزايد في نفوذ حزب الله، بدعوى مقاومة الاحتلال (الإسرائيلي)، ليس بالضرورة في صورة احتلال مباشر للأراضي اللبنانية، بل بصورة أكثر اتساعاً، مقاومة لسياسة التوسع الإسرائيلي في المنطقة!

ما يفعله حزب الله في لبنان هو استخدام شعار سياسي (قومي) نبيل وفضفاض، لخدمة قوى إقليمية، لا تختلف كثيراً في تطلعاتها التوسعية على حساب أراضي العرب، وضرب الأمن القومي العربي في مقتل. ما يجعل ما يقوم به حزب الله في تحدي السلطة الرسمية للدولة، في صورة تحدي احتكار الدولة للقوة المادية الجبرية القاهرة، إن هذا الدور الذي يلعبه حزب الله تذرعاً بمقاومة سياسة التوسع الإسرائيلي في الأراضي العربية وتهديد إسرائيل للأمن القومي العربي، يقابله ضعف الحكومة اللبنانية في مواجهة تحدي حزب الله لسلطة الدولة اللبنانية وتمثيلها للسيادة الوطنية.

الدولة اللبنانية، في حقيقة الأمر واقعة بين مطرقة إسرائيل وسندان حزب الله، فهي: أي الحكومة اللبنانية لا تستطيع الدفاع عن سيادة الدولة وحماية الشعب اللبناني، من الاعتداءات الإسرائيلية العنيفة والمتكررة، وفي الوقت نفسه، لا تستطيع مواجهة تحدي حزب الله، لاحتكار الدولة اللبنانية للقوة المادية الجبرية القاهرة، عن طريق تجريد حزب الله من سلاحه، وواقع فرضه لقوة سياسية موازية في الدولة اللبنانية. حزب الله قد لا يريد أن يستولي على السلطة في لبنان، فهذا أمر تحول دونه الطبيعة الطائفية للمجتمع اللبناني، لكن الأخطر أن حزب الله، بينما هو يزعم مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، يعمل جاهداً على تسهيل توسع قوة إقليمية، قد لا تقل خطورة عن إسرائيل، في التوسع في الأراضي العربية وتهديد الأمن القومي العربي.

ما يحدث في لبنان والسودان من تحدي سلطة الدولة الوطنية وسيادتها، يثبت أن الدولة القومية الحديثة في بعض الدول العربية لم تصل بعد إلى مرحلة النضج السياسي والوعي المجتمعي لتبصر أن الاستقرار السياسي يتطلب وجود سلطة سياسية وطنية تحتكر القوة الجبرية القاهرة، من أجل حفظ الأمن والذود عن السيادة الوطنية. ما يحدث في السودان ولبنان، من تغوّل لتنظيمات غير نظامية، تتجرأ على حق الدولة ممثلة في الحكومة الوطنية، في امتلاك واحتكار القوة المادية الجبرية القاهرة، قد لا يكون مقتصراً على لبنان والسودان. هناك في بعض الدول مظاهر لعدم الاستقرار تستعر تحت الرماد، ما لم يُتعامل معها بكفاءة وفاعلية، يمكن أن تتطوّر لمظاهر خطيرة لعدم الاستقرار، تهدّد نموذج الدولة القومية الحديثة.

00:03 | 30-06-2026

استراحة محاربين تحفّزاً لمعاودة القتال..

ما أطلق عليه اتفاق لوقف إطلاق النار لا يعدو كونه تطوراً لسلوك حربٍ أعيت أطرافها، حتى لم يعد في القوس منزع، تحفّزاً لمعاودة القتال، بعد إعادة امتلاء الكنانة بسهام جديدة أحدّ شحذاً. لقد أعيت الحربُ أطرافها، كما استنفدت وقودها، وكادت أن تذهب بأطرافها، دون أن يحسموا أمر قرارها.. أو يستنفدوا منطق وعقلانية اللجوء إليها. لأول مرة في تاريخ حروب المنطقة الحديث يخرج ما يكون خيار اللجوء للحرب والتحكّم في حركتها، عن نطاق أطرافها، وتستبد الحرب نفسها بمصير حركتها.

لقد أثبتت الحرب الأمريكية الإيرانية أن الحرب نفسها لها قولٌ في شنّها، كما أنّ لها قولاً فصلاً في وضع أوزارها، لتثبت أن للحرب نفسها «عقلانية» راشدة، إن صح التعبير، تتجاوز إرادة أطرافها، كإحدى أدوات حركة التاريخ الغالبة المقلة لقطار مسيرة التاريخ. الحرب ممكن أن تنشب عن طريق الخطأ، لكن لم يحدث في التاريخ أن حركة التاريخ تمتلك إرادة قرار شنّ الحرب، كما تمتلك إرادة وضع أوزارها.

من أخطر قرارات الحرب، تقدير قوة العدو مقارنة بقوة البادئ بالحرب. بل الأخطر في قرار شن الحرب، توقيت شنّها، وحساب مدة استعار لهيبها. من السهل البدء بالحرب، لكن من الصعب حساب مدتها.. والأصعب التحكم في توقيت نهايتها. ليست كل الحروب تنتهي بانتصار طرف على آخر، لكن معظم الحروب يكون للحرب نفسها التحكم في وضع نهاية لها.

الحرب لا تعدو كونها جزءاً من حربٍ متسلسلة استعصت على أطرافها، وإلا لما دخلت في سلسلة من متوالية حسابية، لم ولن تبلغ حدها الأقصى، بعد. الحروب عادة ما تكون من جولة واحدة يتحدد فيها مصيرها بعد استنفاد وقود طاقتها، أو تحقيق أحد أطرافها لهدفه أو أهدافه من اتخاذ قرار شنّها. ونادراً ما تضع الحرب أوزارها، بهدنة يتفق عليها أطراف القتال، استعداداً لجولة قتال قادمة، ربما تكون حاسمة في تحديد مصيرها.

الهدنة قد تكون مكتوبة، في صورة قرار لأطراف الحرب بوقف إطلاق النار، دون إنهاء حالة الحرب بينهم. كما أن الهدنة عادةً ما تكون موقوتة، بتاريخ معيّن، إلا أن ذلك لا يعني التزام المتقاتلين بعمر الهدنة الافتراضي. ما لم تتطوّر مع الهدنة آلية ردع متبادل، تبقى الهدنة حالة عنف غير مستقرة، يمكن أن يُطاح باتفاق الهدنة، في أي وقت، دون ما حاجة لانتظار تاريخ صلاحيتها. في حالة الهدنة يكون الوضع أكثر خطورة، إذا لم يشارك أحد أطراف القتال في مراحل التفاوض لوقف إطلاق النار.. أو تم استبعاده من مفاوضات وقف إطلاق النار، من قبله هو، أو بتهميش متعمّد من قبل حليفه في الحرب.

كل أوجه ذلك العوار الاستراتيجي في اتفاقية وقف إطلاق النار، توفرت في تلك الاتفاقية، حتى لتصعب عملية تفعيل الاتفاقية، خارج نطاق جدولها الزمني المتفق عليه، في حالة اتفاقية وقف إطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة، مدة الشهرين. بعد تجاوز شكليات التوقيع على الاتفاقية، إلكترونياً وتوقيع طرفيها الرئيسيين الأمريكي والإيراني عن بُعد، قبل تبادل نسخ الاتفاقية في سويسرا، نجد إسرائيل تجازف بفشل الاتفاقية في احترام أهم بنودها، وقف إطلاق النار على الجبهة اللبنانية. إيران هدّدت بأن عدم ضم جبهة لبنان لاتفاقية وقف إطلاق النار يعني: أن تلجأ طهران لوقف العمل بالاتفاقية واستئناف القتال بدءاً بقصف إسرائيل.

في الواقع إيران لم تقصف إسرائيل تواً، رداً على استمرار قصف إسرائيل لجنوب لبنان، ليس من أجل الحفاظ على اتفاقية وقف إطلاق النار، لكن بطلب ملح من قبل واشنطن بعدم ضرب إسرائيل، حفاظاً على الهدنة. مع استمرار إسرائيل بقصف جنوب لبنان، ردّت إيران بغلق مضيق هرمز ذي القيمة الاستراتيجية عند دونالد ترمب، وحتى لا تحقق طهران مبتغى إسرائيل إفشال اتفاقية وقف إطلاق النار.

في كل الأحوال: تمثّل اتفاقية وقف إطلاق النار مخرجاً لإدارة ترمب، ليس في ادعاء النصر، بل من أجل خروج الرئيس ترمب من أتون الحرب، الذي تكاد مؤسسات صناعة القرار في واشنطن والرأي العام الأمريكي يُرجع لحكومة نتنياهو أنها وراء شن الحرب، وجرّت واشنطن لحربٍ لا ناقة للولايات المتحدة فيها ولا جمل.

الحرب هذه لن توقفها هدنة هشّة اُتفق عليها بين طهران وواشنطن، فرضتها إرادة الحرب نفسها. إسرائيل ودولة بعينها في المنطقة ليس من صالحهما وقف الحرب، ولا التوصّل لحل نهائي للأزمة، لتثبت إسرائيل أنها عدوة السلام الأولى، ولو كلفها ذلك علاقة التحالف الخاصة مع الولايات المتحدة.

إذا قُدر للهدنة أن تصمد حتى نهاية صلاحيتها المتفق عليها، فإن الحرب ستعاود سعيرها؛ لأن القضايا العالقة بين طرفَي القتال الرئيسيّيَن ما زالت قائمة وأن مهلة الهدنة لا تعني وقف حالة العداء بين أطرافها.

00:10 | 23-06-2026

بين هيمنة الـ«فيفا» وأنظمة الدول المستضيفة

انطلقت يوم الخميس الماضي بطولة الدورة الثالثة والعشرين لمونديال ٢٠٢٦ (كأس العالم لكرة القدم)، الذي تساهم في إقامة فعالياته ثلاث دول (الولايات المتحدة، وكندا، والمكسيك). وتشارك في المنافسة للفوز بكأس العالم لكرة القدم، ولأول مرة، ٤٨ فريقاً لكرة القدم، تمثل ٤٨ دولة من جميع قارات العالم. ولأول مرة تصطدم هذه الفعالية الرياضية، بصورة مباشرة وحادة، بين نفوذ الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)، وإحدى الدول المضيفة.

من جانب هناك قوانين وأنظمة الفيفا، التي من المفترض أن تسري وتحترم من جميع دول العالم، تتجاوز في أحيان كثيرة مبدأ السيادة الوطنية للدول، بما يجعل من أهم وأعلى منظمة سياسية أممية (الأمم المتحدة)، تغار من الاتحاد الدولي لكرة القدم، من حيث نفوذه وفرضه لقوانينه على الدول الأعضاء، حتى في ما يخص قوانين وقواعد اللعبة، لتطال التفصيلات الدقيقة، لقواعد وأنظمة الفيفا، فيما يخص ممارسة اللعبة، في داخل الدول نفسها.

من جانب آخر يتجاوز نفوذ الفيفا، بما يفرضه من قوانين وأنظمة، التي تصل في دقتها في اختيار مواصفات كرة القدم نفسها وملابس اللاعبين والتأكد من أصالة هويتهم الوطنية وسنّهم، وما إذا كانوا يتعاطون منشطات تؤثر على نزاهة وشفافية البعد التنافسي للعبة. كما أن أنظمة الفيفا، تفرض على الدول المضيفة لمباريات كرة القدم مواصفات دقيقة للمنشآت الرياضية، مع القدرة (الجبرية) لفرض غرامات تأديبية على الدول واللاعبين والسلطات المنظمة للدول لفعاليات لعبة كرة القدم، حتى في المنافسات المحلية. إجراءات وتدابير تفرضها الفيفا على الدول، دون اعتبار لمبدأ السيادة، الذي تضحّي به الدول، وهو أغلى ما تعتز به وتدافع عنه بشراسة، بل وتفرض على المؤسسات الدولية، احترامه، بما في ذلك الأمم المتحدة، الذي تعلّق الدول، كل الدول، عضويتها في الأمم المتحدة، بشرط عدم المساس بـ«قدسية» سيادتها.

هذه المكانة الرفيعة للفيفا جعلت منها عملاقاً مؤسساتياً (أممياً) غير رسمي، يتمتع بهيمنة كونية «ناعمة» تغار وتخضع لنفوذها دول عظمى، بكل ما تملكه من عناصر القوة الخشنة والناعمة. هذه القوة الناعمة الجبارة العابرة للقارات والحدود، حظيت بها الفيفا، نتيجة لشعبية أو بالأحرى شعبوية لعبة كرة القدم، التي لم تحظَ بها تاريخياً أي قوة عظمى.

لكن لعبة كرة القدم، وما يمثلها من رسوخ، يكاد يصل للإذعان من قبل الدول الأعضاء، لا يعني انفكاك الاتحاد الدولي لكرة القدم من تأثير متغيّر السياسة ومشروعيته الأممية والمحلية على سلوك الاتحاد وتوجه ومواقف الدول الأعضاء. يأبى متغيّر السياسة إلا أن يُسبغ قيم حركته وبعد نفوذه على اتحاد كرة القدم، بما يتوافق مع سلوك أعضاء الاتحاد من الدول، بالذات تلك التي تُقام على أراضيها فعاليات المنافسة الأممية لنيل بطولة كأس العالم لكرة القدم، التي تُقام كل أربع سنوات. بالطبع ذلك لا يخرج عن مجال حركة القوة الحقيقية، التي تنطبق بصورة قسرية على حالة توازن القوة الحقيقي على مسرح السياسة الدولية. بالقطع: مدى خضوع مجتمع الدول لقوانين وتدابير الفيفا في ما يخص ممارسة اللعبة يختلف من دولة لأخرى، باختلاف وضعية توازن القوة الأممي على مسرح السياسة الدولية. على سبيل المثال: تنظيم البطولة من قبل دولة عظمى مثل الولايات المتحدة، غير ذلك الذي تحظى به دولة أخرى في النظام الدولي.

لنأخذ مثلاً تجربة إقامة البطولة في قطر ٢٠٢٢ الماضية، وإقامة البطولة، ولو جزء منها في الولايات المتحدة، كما هو الحال في البطولة الحديثة.

قطر، في البطولة السابقة، كان بالنسبة لها نجاح البطولة أكثر منه الإذعان لقواعد وقوانين وتدابير إجراءات إقامة فعالياتها، إلا أنها لم تخضع تماماً لقوانين وأنظمة الفيفا. بينما في البطولة الحالية، كان منطق الدولة، بالنسبة لدولة عظمى مثل الولايات المتحدة، يفرض قيمه وحركة مؤسساته (الوطنية) على فعاليات البطولة وحتى احترام قوانين وتدابير البطولة، في ذلك الجزء من البطولة المقام على أراضيها. من يرى في الإجراءات التي تمارسها الحكومة الأمريكية، في ما يخص فعاليات البطولة المقامة على أراضيها، إنما هو في حقيقة الأمر سلوك طبيعي، وإن كان مستهجناً من قبل البعض، يظهر الفرق في سلوك وتوجّه دولة عظمى مثل الولايات المتحدة، وذلك الذي تقبل به دولة هامشية في النظام الدولي. الولايات المتحدة، لا يهمها نجاح البطولة من عدمه، بقدر اهتمامها بالحفاظ على هيبة مكانتها الأممية الكونية. في أولمبياد صيف ١٩٣٦ المقام في برلين، لم يكن هتلر يكترث لنجاح البطولة الدولية، بقدر ما كان نظامه (العنصري) يكترث لتسويق قيمه أممياً، لإثبات فرضية تفوق العرق الآري (السوبر مان الألماني). لذلك لم يتحرّج هتلر من إبداء امتعاضه وخروجه من إحدى الفعاليات، عندما تفوق عداء أمريكي (أسود) على منافسه الألماني (الأبيض).

مهما كانت قيمة التنافسية المجردة، التي تظهرها لعبة كرة القدم وغيرها من النشاطات والفعاليات الرياضية، يبقى البعد السياسي المجرد وراء إقبال الدول على المشاركة في الفعاليات الرياضية، يجذبها بريق حصد الميداليات في تلك المنافسات، كجزء من الصورة الكبرى للمنافسة الندية (اللدود) على موارد القوة (المادية) الحقيقية في مضمار التنافس الكوني، حتى في مضمار الرياضة.

00:14 | 16-06-2026

التفاوض تحت القصف..!

الحروب الحديثة تفتقر لعنصر الحسم، عدا الحرب الفيتنامية (١٩٥٥-١٩٧٥)، لم تحسم أي حرب بالضربة القاضية، إذا صح التعبير. حتى في حالة الحرب الباردة، سقط أحد قطبيها، بدون قتال. في الشرق الأوسط نشبت بين العرب وإسرائيل أربعة حروب نظامية، لم تُحسم أي منها لصالح أي من طرفيها. في منطقة الخليج العربي نشبت عدة حروب، لم تحسم فيها لأي من أطرافها، كما هو حال الحرب الدائرة هذه الأيام بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى. ليس فقط تلك الحروب التي نشبت بعد الحرب الكونية الثانية، لم تحسم نتائجها لصالح أحد أطرافها، بل إن بعض تلك الحروب، كانت تجتمع فيها الدبلوماسية مع القتال، ليس من أجل إعلان انتصار أحد أطرافها وهزيمة الطرف الآخر، بل ليجري الاقتتال على جبهتين (العسكرية والدبلوماسية)، في آن؛ وذلك من أجل العمل على وضع الحرب لأوزارها، لا من أجل تحقيق أي من أطرافها لأهداف لجوئه للحرب، بداية.

في الحرب الأخيرة (الحالية) في الخليج العربي، نلاحظ أن حركة الصراع تأخذ مسارين مختلفين، بل متناقضين. نلاحظ أنه في أثناء استعار الحرب، لم تنقطع حركة الدبلوماسية، بسلكها التفاوضي، لو بصورة غير مباشرة. الولايات المتحدة، رغم مبادرتها بوقف القتال مؤقتاً، إلا أن القتال تواصل، عن طريق إسرائيل، التي لم تستطع حسم حربها لا على غزة ولا على لبنان.

الحرب الأخيرة في منطقة الخليج العربي، التي دخلت شهرها الرابع، لم تنقطع الاتصالات الدبلوماسية بين واشنطن وطهران. في الوقت الذي ترتفع فيه نبرة العداء بين طرفَي الحرب. الملاحظ في هذه الاتصالات الدبلوماسية، أنها تُجرى بأدوات تفاوضية غير مباشرة، بطلها في كل الأوقات وسيط يقوم بتحركات مكوكية بين طرفَي الصراع، وظيفته الرئيسية نقل رسائل متبادلة بين طرفَي الصراع، دون أن يلتقيا وجهاً لوجه.

مما لا شك فيه أن وضع جبهة القتال العنيف، يفسر إلى حدٍ كبير بطأً وأحياناً جمود جبهة التفاوض غير المباشر بين طرفَي الصراع، مع لجوء طرفَي الصراع إلى التمسك بسقف أهدافهما المعلنة من قرار الحرب. لم تشهد حروب المنطقة، منذ ثمانينات القرن الماضي مثل هذا الجمود في مواقف طرفَي الصراع. عدا التنازل عن سقف كلٍ منهما التفاوضي، نجد كلاً الطرفين متشبثين بمواقفهما المتشدّدة، التي هي وراء خيار الحرب منذ البداية. واشنطن تصر على عدم تمكين إيران من بناء رادع نووي، جرّاء تمسكها بحقها، في أن يكون لها برنامج نووي سلمي. هذا موقف لا ترى فيه طهران أي غضاضة من أن يذهب الأمريكيون بقصب الفوز به، لأن طهران منذ البداية كانت تعلن أنها لا تسعى لبناء رادع نووي، وكل ما تطلبه هو إقامة برنامج نووي للأغراض السلمية، وإن كانت تصر طهران على أن يشمل ذلك قدرتها على توفير اليورانيوم المخصب، ذاتياً... وهو ما يعني بالنسبة للأمريكيين والإسرائيليين احتمالية أن تلجأ طهران لاحقاً لبناء رادع نووي، إن هي قررت ذلك.

القضية الإستراتيجية التي تدور حول محورها حركة الصراع، بذراعيها العسكري والدبلوماسي، هي قضية الصواريخ الباليستية، التي لدى إيران، وتطلب واشنطن تقييد مداها وعددها، حتى لا تطال إسرائيل. إيران من جانبها تصر على احتفاظها بحق أن يكون لديها رادع إستراتيجي غير تقليدي، كفؤ وفعّال، من أجل حماية أمنها القومي، طالما إسرائيل تتمتع بسيادة جوية في المنطقة، لا أقل من توفر لدى إيران رادع إستراتيجي تقليدي ضد ذراع إسرائيل الطويلة، وإن كانت طهران مستعدة للتخلي عن قواعدها القريبة من إسرائيل، كما هو حال علاقتها مع حزب الله في لبنان ومليشيات حلفائها في العراق واليمن، إلا أنها لن تتنازل عن قدراتها الدفاعية، بعيدة المدى لتطال إسرائيل، وأي وجود للقوات الأمريكية، في المنطقة.

ثم نأتي للقضية الأهم، بالنسبة للمفاوض الأمريكي، ألا هي هاجس حرية التجارة الدولية، التي تشكّل عصب التفكير الإستراتيجي في المنطقة. بينما تعزّز إيران من وجودها الجيوسياسي وتأثيرها على ما يشكّل شريان الملاحة الدولية للطاقة في المنطقة، بتأثيرها الإستراتيجي المتمثل في تحكمها على مضيق هرمز، تجد الولايات المتحدة نفسها غير قادرة على تحييد دور إيران التحكم في مضيق هرمز، لأن التعثر في هذا الأمر يسلّط الضوء على التحديات التي تواجهها في مواقع إستراتيجية مهمة، مثل مضيق ملقا وممر تايوان ومنطقة بحر الصين الجنوبي وبحر اليابان، مما يؤثر على وجودها في تلك المنطقة، في أي واجهة محتملة مع الصين.

في غياب الحسم العسكري، في منطقة الخليج العربي، فإن الأوضاع ستبقى على ما هي عليه، ربما تأجيلاً للحسم، لجولة أو جولات قتال مستقبلاً، تلعب فيها الحرب، دوراً أكثر حسماً، من ذلك الذي قد توفره الدبلوماسية. في كل الأحوال، كما يُقال: الحرب ما هي إلا إدارة للدبلوماسية، لكن بصورة عنيفة.

00:19 | 9-06-2026

بين الأمن الوطني والأمن القومي..!

منذ نشوء الدولة القومية الحديثة نهاية النصف الأول من القرن السابع عشر، عقب توقيع صلح وستفاليا 1648، وهاجس الأمن يشكّل مصدر القلق الرئيس لكيان الدولة. هذا النوع من القلق الأمني مصدره، بصورة أساسية، البيئة الخارجية لكيان الدولة. هذا القلق يأخذ شكلين أساسيين: الأول مباشر.. والثاني، غير مباشر. الخطر المباشر يأتي في صورة الاقتحام المباشر لكيان الدولة، بهدف احتلالها، أو ربما سلب هويتها الوطنية وسيادتها على إقليمها، وقد يأتي هذا الغزو الخارجي بزوال وجود الدولة والقضاء على كينونتها الدولية. الخطر غير المباشر: محاولة زعزعة أمنها الداخلي ونظامها السياسي القائم، الذي هو رمز سيادتها وكرامتها الوطنية.

في كل الأحوال: الدولة تتوجّس خطراً داهماً وناجزاً على أمنها الوطني واستقلالها السيادي، ذوداً عن حياض كيانها الوطني واستقلال قرارها السيادي. حتى في حالة محاولة الدولة تعزيز أمنها (الوطني)؛ بهدف دعمه بأمن (قومي) أوسع لتعاظم إمكانية فاعليته الدفاعية، عن طريق المشاركة في كيانات إقليمية أمنية جماعية، فإن هذا النهج الدفاعي الإقليمي ليس بالضرورة يضمن لها رادعاً أمنياً فعّالاً، ما بالك إذا ما كانت هذه الكيانات القومية الأمنية، لا تتجاوز نصوصها المكتوبة، فيما يبدو أنها معاهدات ملزمة، إلا أنها في حقيقة الأمر غير قابلة للتفعيل، لافتقارها لإرادة سياسية جماعية فعّالة، كما هو الحال في معاهدة الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي، تحت مظلة جامعة الدول العربية، التي وقعت في القاهرة (18 يونيه 1951). لذا يظل الخوف يتعاظم على الأمن الوطني للدولة، مُشَكَّلاً هاجساً أمنياً ضاغطاً، على مؤسسات صناعة القرار السيادية بها.

حتى في ظل الكيانات الدفاعية الكبرى، كما هو في حال التحالفات الاستراتيجية العابرة للقارات، لا يمكن ارتهان الأمن الوطني للدول الأعضاء في مثل هذه التحالفات الاستراتيجية الكبرى، بديلاً عن الإمكانات الدفاعية الذاتية للدول الأعضاء، خاصة إذا أوكلت القيادة العسكرية العليا لتلك التحالفات الاستراتيجية لقطب دولي، بعينه، كما هو الحال في حلفي الناتو (معاهدة حلف شمال الأطلسي)، التي وقّعت في واشنطن (4 أبريل 1949) وحلف وارسو، (معاهدة الصداقة والتعاون المعونة المشتركة)، بزعامة الاتحاد السوفيتي)، التي وقّعت في وارسو عاصمة بولندا (14 مايو 1955). كان ذلك في عهد الحرب الباردة، الذي امتد حتى انهيار الاتحاد السوفيتي (26 ديسمبر 1991)، وكان قد سبق تفكك الاتحاد السوفيتي سقوط حلف وارسو (1 يوليو 1991). لكن بقيت معاهدة شمال الأطلسي، إلى حين حتى اليوم، بل توسعت عضويتها لتشمل دولاً في أوروبا الشرقية كانت تتبع لحلف وارسو.

حتى هذه الأحلاف الاستراتيجية الكبرى، على مستوى الكرة الأرضية، لم تكن توفر الأمان الكافي لأعضائها، وتخلصها من هاجس الأمن، الذي يقض مضاجع مؤسسات صناعة القرار بها، في ظل صراع أممي تحكم سلوك أقطابه معادلة توازن الرعب النووي. في المعسكر الغربي، كان بعض أعضائه الرئيسيين ينتابهم هاجس أمني مشروع من الاعتماد الكلي على المظلة النووية الأمريكية، في حالة ما حدث المحظور وتطورت وضعية الصراع البارد إلى احتمالية احتدام الصراع الساخن، هل يا ترى تنزع الولايات المتحدة لنجدة حلفائها في أوروبا، مضحّية بأمنها هي، إذا ما تعرّضت لهجوم تقليدي أو غير تقليدي من الاتحاد السوفيتي. الاعتقاد السائد حينها بين قوى كبرى في أوروبا، مثل بريطانيا وفرنسا، في عهد الحرب الباردة، أن واشنطن لن تضحي بأمنها، لنجدة لندن وباريس، إذا ما هاجم الاتحاد السوفيتي أوروبا، فكان قرارهما امتلاك رادع نووي خاص لكل منهما. في الجانب الآخر، كان نفس الهاجس الأمني ينتاب الصين. هذه المرة كان الهاجس الأمني مضاعفاً، عند بكين، تجاه واشنطن وموسكو، معاً، بالرغم من الربطة الأيديولوجية القوية التي كانت تربط بين رفقاء الأيديولوجية الشيوعية للجارتين اللدوتين (روسيا والصين). الصين بدورها أنشأت رادعها النووي الخاص بها، أخذاً بالمثل القائل: لا يحك جلدك مثل ظفرك.

أخيراً تفوق الحس الأمني (الوطني) على وهم الحماية الجماعية (القومي)، عندما صحت أوروبا مؤخراً على عزم الولايات المتحدة التخلي عن التزاماتها الأمنية تجاه حلفائها الأوروبيين، بنهاية العام القادم، كما جاء في ورقة الاستراتيجية الأمنية الجديدة للولايات المتحدة (4 ديسمبر 2025)، تنفيذاً لاستراتيجية الرئيس ترمب تحت شعارَي: أمريكا أولاً.. وعودة عظمة الولايات المتحدة مجدّداً.

باختصار: ليس هناك من ضمانة أمنية حقيقية للوثوق بمظلة الأمن القومي (الإقليمي أو الدولي)، عدا الأمن الوطني، رغم عظم إمكانات المكاسب التكاملية الهائلة، في الاقتصاد والتنمية والازدهار الاجتماعي والتقدّم الحضاري والتسامح الثقافي، بالإضافة إلى مزايا الأمن (القومي) في الدفاع الجماعي المشترك، حيث يظل الأخير (دوماً) احتمالية لا تستند إلى اعتمادية استراتيجية حقيقية. الضمان الأمني الحقيقي، من الناحية الاستراتيجية، لا بد أن يعتمد، أولاً وقبل التفكير في بديل آخر، على إمكانات القوة الحقيقية للدولة، لتحقيق أمن (وطني)، ذي اعتمادية حقيقية فعّالة وكفء، لا على وهم أمن (قومي) تحت شعار الأمن الجماعي المشترك.

00:12 | 12-05-2026