أخبار السعودية | صحيفة عكاظ - author

https://cdnx.premiumread.com/?url=https://www.okaz.com.sa/okaz/uploads/authors/258.jpg?v=1766066347&w=220&q=100&f=webp

طلال صالح بنان

فضيحة القرن

العالم، طوال تاريخ البشرية المكتوب وحتى من قبل ذلك، يُحكم بسلطة السياسة وجبروت الثروة وإغواء الجنس. متى تجتمع السلطة والمال، حتى مع وجود رقابة ومحاسبة على مؤسسات السلطة ورموزها، تكون هناك ثغرات للفساد السياسي والمالي والأخلاقي تنخر في كواليس السياسة وغياهب دهاليز سطوة المال وإغواء نزوات النفس.

مقولة: لا أخلاق في السياسة، التي نسبت للمفكر ورجل السياسة نيقولا ميكيافيلي (1469-1527)، كانت تنحصر في ممارسات العمل السياسي وكواليس مؤامراته. هذه الزاوية، التي كان ينظر إليها ميكيافيلي لتفسير السلوك السياسي لمن هم في السلطة والطامعين فيها، بعيدة كل البعد عن شبهة أخلاقية لها علاقة بسلوكيات شاذة قد تسيطر على سلوك المشاهير، وتجرهم إلى ارتكاب جرائم أخلاقية شاذة، تأباها النفس البشرية.. السوية وتشمئز منها الفطرة الإنسانية السليمة.

الوثائق التي يُتكلم عنها اليوم كله (وثائق جيفري إبيستين) كشفت فضائح للثالوث المرعب (السلطة، الثروة والجنس) مما تَخْبُرُ به الممارسة السياسية في أي مجتمع، لا فرق مَنْ تحكمه مؤسسات رقابية ومحاسبية تبدو صارمة، أو تلك التي تحكمه سلطة سياسية. بل أحياناً يُخبرنا التاريخ عن زعامات سياسية مستبدة، في غاية الزهد والتقشف، غير قابلة لسطوة الثروة وإغواء الجنس، إلا في حدود ضيقة خاصة جداً، مترفعة عن ارتكاب جرائم فساد مالي أو إغواء جنسي شاذ، تترتب عليهما جرائم يعاقب عليها القانون وتستهجنها أعراف البشر وفطرة الإنسان الطبيعية. في العصر الحديث، لننظر إلى سلوك أدولف هتلر وستالين وموسيليني وفدل كاسترو، وفي الجانب الآخر روزفلت وبل كلينتون وكنيدي: نزوات جنسية عادية عابرة أو مستدامة، قد يستسلم لإغوائها بعض الناس، دون أن يكونوا أصحاب سلطة أو مال أو مكانة سياسية أوجاه اجتماعي.

ما كُشف من ملفات ووثائق عن شبكة إفساد وإجرام سلوكي شاذ لجيفري إبيستين وضيوفه في جزيرته الشيطانية، بعيد كل البعد عن أي فساد أخلاقي متوقع من أي سلوك إنساني يعكس ضعفاً يتسق مع ضعف وإغواء النفس البشرية الأمارة بالسوء. كشفت تلك الوثائق شبكةً للرقيق الأبيض، تتجاوز تاريخ أقدم مهنة مارسها البشر، إلى سلوك يعكس هوساً جنسياً شاذاً يُمارس ضد بنات قُصّر، لم يصل تطورهن البيولوجي لمعرفة وظائف جهازهن التناسلي، بعد. ليس هذا فحسب، بل هؤلاء البنات الصغار لم يتعرّضن فقط لاستغلال جائر لإعراضهن، بل إلى ممارسات سادية تصل أحياناّ إلى القتل، بل أكل لحومهن، بعد تعذيبهن! مستوى من الهوس الجنسي المريض، الذي لم يشهد تاريخ البشرية مثيلاً له من قبل.

الأخطر في هذه الممارسات الشاذة، التي كشفتها وثائق جيفري إبيستين، كان أبطالها مشاهير كبار بعضهم وصل لمكانة رفيعة مهابة وحسّاسة في مجتمعهم، بل إنّ بعضهم تسنّم مقاليد السلطة، سواء كان حاكماً سابقاً، أم حاكماً حالياً. قد يُفهم أنّ أصحاب الثروة قد ينغمسون في ملذات الجنس، فهم من حيث ملاءتهم المالية قادرون على الإنفاق ببذخ على نزواتهم وشهواتهم قد تكلفهم نصف ثرواتهم في بعض المجتمعات، إذا كانوا متزوجين، لكن أصحاب السلطة ما كان لهم أن ينزلقوا لهذا الدرك الأسفل من السقوط الأخلاقي المخزي، استسلاماً لنزواتهم الشاذة المريضة. توثيق تلك الممارسات، صورةً وصوتاً، لا يعني إلا شيئاً واحداً ابتزازاً سياسياً، ليتخذوا أولئك الساسة والنافذون قرارات بموجب مناصبهم السياسية ووضعهم النافذ، لصالح طرف دولي ثالث، وإلا يكونوا عرضةً لتهديدهم لنشر ذلك، على الملأ علناً.

لقد ظهر أن جيفري إبيستين مدرس الرياضيات السابق، يعمل لصالح أسوأ دولة مارقة في مجتمع الدول، تربط وجودها القومي، بابتزاز زعماء دول كبرى، أو دولٌ وظيفية هامشية. كما أظهرت تلك الوثائق، إبيستين وهو يُسَخِر ما يدور في جزيرة الشيطان التي يمتلكها لخدمة تلك الدولة المارقة المعادية للسلام، التي لم يكن لدول عظمى مسؤولة عن سلام العالم وأمنه، أن تتحكم في سلوكهم السياسي وقراراتهم العالمية، دون التورط بابتزازهم، عن طريق توثيق ممارستهم الشاذة مع قاصرات في حفلات هوس جنسي صاخب يتجاوز مجرد ممارسة الجنس الحرام، إلى التورط في جرائم قتل بشعة وشاذة، لم تعرفها حتى مجتمعات البشر البدائية.

00:00 | 17-02-2026

أمن الدولة القومي: أهدافه.. مبرراته.. مسؤوليته.. عوائده وأوهامه

هناك نظريتان في العلاقات الدولية تحاولان تفسير سلوك الدول، على مسرح السياسة الدولية. هاتان النظريتان تحاولان الإجابة على سؤال استراتيجي، بالغ الخطورة والحساسية السياسية الأمنية. هذا السؤال هو: ماذا تريد الدولة، من بيئة مسرح السياسة الدولية المتلاطم الأمواج، الذي يسبق أعاصيره، عادة، هدوء يشوبه التوتر والحذر والتوجس.

يأتي الأمن في مقدّمة اهتمام، إن لم نقل: قلق الدولة، أي دولة، من محيطها الإقليمي وعالمها الدولي. الأمن هو مصدر الاهتمام الأول للدولة، أي دولة، عند تعاملها مع محيطها الإقليمي وعالمها الدولي غير المنضبطين. هنا يبرز عنصر القوة، برافديها الصلب والناعم، كملاذٍ استراتيجي أول. رموز الدولة الكبار، يفرض عليهم الدستور، قبل تقلدهم لمناصبهم السيادية العليا، القسم: بالحفاظ على نظام الدولة السياسي.. والذود عن أمنها القومي، من أي عدوٍ محتملٍ داخلي أو خارجي، ليُنهى القسم بعبارة: التعهّد بالحفاظ على وحدة إقليم الدولة وسلامة أراضيها. القوة هنا ومواردها الحقيقية والمحتملة تبلغ شأناً استراتيجياً متقدّماً في أولويات السياسة العليا للدولة، حتى ليكاد متغيّر القوة هذا أن يصبح غايةً، في حد ذاته، عند روّاد ومنظّري المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، بكافة مراحل تطورها.

الأمن مهم بالنسبة للدولة، لأنه لا يعتمد على توفر موارده، حماية الدولة من أعدائها الحقيقيين والمحتملين، حفاظاً على وجود الدولة، نفسه، فحسب... بل أكثر: إنه يحفّز تنمية اقتصادية واجتماعية، في مجتمع الدولة، ليصبح الاستثمار في متغيّر الأمن، أهم أصول وركائز ضمان وجود الدولة.. واستقرار نظامها السياسي، ونشر السلام المجتمعي في ربوع إقليمها. متى توفر الأمن القومي (الرادع) للدولة، مهما بلغت تكلفة ذلك، أمكن تفعيل تنمية حقيقية.. وضمان سلام مجتمعي، يرسّخان من شرعية وجود الدولة.. ويضمنان استقرار نظامها السياسي، والازدهار المستدام لمجتمعها.

بعد تجربة ثمانية عقود من الهدوء والتقدم في ربوع مسرح الصراع الأول في العالم (أوربا)، حتى أن المجتمعات الأوروبية شارفت على نسيان تاريخها الدموي وصراعاتها العنيفة وحروبها الكبرى، نرى متغيّر القوة يطلّ برأسه من جديد، ليخترق هذا الوهم، الذي عاشته المجتمعات الأوروبية في سلام غير حقيقي زائف، في ظل ما يسمى بالتعايش السلمي والتكامل الإقليمي.

حرب روسيا على أوكرانيا كانت الشرارة، التي تسبّبت في عودة شبح عدم الاستقرار للقارة العجوز، كما يصفها زعيم المعسكر الغربي الديمقراطي، حليفها الأول (الولايات المتحدة). كما أن الولايات المتحدة، نفسها التي تكفّلت بدفع فاتورة سلام النار التي ظلت تضطرم تحت الرماد، لثمانية عقود، نراها اليوم تتذمّر من استمرار دفع تكلفة هذا السلام الخادع، ليفيق الأوروبيون على حقيقة أن ما يحفظ السلام في القارة العجوز هو: القوة المجردة التي تنبع من إمكانات ذاتية حقيقية، وليس من حليف لا يُؤمَن جانبه أبداً، كما لا يُستبعد غدره مطلقاً.

نفس المأساة تتكرر في نظامنا الإقليمي العربي. كان للعرب عالمياً السبق في تجربة خيار التعاون والتكامل والدفاع المشترك، وكان أن أُنشئ أول نظام تكاملي إقليمي في العالم، بعد عام فقط من نهاية الحرب العالمية الثانية في أوروبا. لقد أنشأ العرب نظامهم الإقليمي الرسمي الجديد، قبل شهرين وثلاثة أيام فقط من نهاية الحرب العالمية الثانية. كان الهدف الاستراتيجي من قيام جامعة الدول العربية (٢٢ مارس ١٩٤٥) هنا (أمني) استشعاراً بخطر احتمال قيام دولة يهودية في فلسطين. تجربة إقليمية مصغرة (مجلس التعاون لدول الخليج العربي)، هو الآخر، أُنشئ لغرض أمني في المقام الأول (٢٥ مايو ١٩٨١).

سواء تجربة جامعة الدول العربية أو مجلس التعاون لدول الخليج العربية، كلاهما لم يحققا الهدف الأمني (الاستراتيجي) من إنشائهما. دول وازنة في العالم العربي لم تعد ترى في إسرائيل عدواً استراتيجياً للعرب، بل نرى أعضاء في الجامعة العربية تتقاطر للتطبيع مع إسرائيل.في كل الأحوال: يظل هاجس الأمن القومي للدولة قائماً، ما دامت حالة عدم الاستقرار المزمنة تطغى على مسرح السياسة الإقليمية والدولية. بالتبعية: مسؤولية الأمن القومي هي مسؤولية وطنية (خالصة)، تعتمد في المقام الأول على عناصر القوة الوطنية الذاتية (الحقيقية والمحتملة). وإن كان من قيمة أمنية مضافة تستقطعها الدولة من موارد البيئة الخارجية، إلا أنه في النهاية: تظل مسؤولية الأمن القومي من مهام مؤسسات الدولة السيادية العليا، ومصدر شرعية نظامها السياسي (حصرياً)، تعتمد أساساً على عناصر القوة الوطنية، بمقوّماتها الصلبة والناعمة.

الدولة المُهَابة إقليمياً والفاعلة على مسرح السياسة الدولية، هي دولة أولاً وأخيراً، تمتلك رادعاً أمنياً فعّالاً يمتد إلى خارج تخوم إقليمها يغطّي عمقها الاستراتيجي، بكفاءة وفاعلية وإمكانات ردع طاغية، تتبناها وتسندها إرادة سياسية قادرة وواثقة وجسورة، ليكون المنتج النهائي لدينا: دولة مستقرة سياسياً.. غنية اقتصادياً.. متقدّمة حضارياً ومحبة للسلام، حقيقة.

00:09 | 10-02-2026

الحدود الدولية والحدود الآمنة

أحياناّ يبدو أن عنصر الإقليم (الثاني) أهم من عنصر السكان (الأول)، من عناصر الدولة الثلاثة، رغم أن عنصر السكان هو عمود خيمة الدولة، ولولاه لما نشأت الدولة، بدايةّ. ذلك أن مشروع الدولة لا يمكن ضمان استقراره، ومن ثَمَّ بقائه، بدون إقليم آمن يمكن الدفاع عنه من أي خطر يتربّص به من الداخل أو الخارج.

لذا: هناك نوعان من الحدود تفصلان بين بدء سيادة (دولة) وأخرى أو أخريات. الأول: ظاهر مادياً بتضاريسه وما يحويه من موارد، يتكون من يابسة وماء وما يعلوه من مجال جوي (الحدود الدولية). الثاني: ما يُُعرف بالحدود الآمنة، التي تبحث عنها كل دولة، لضمان أقصى إمكانات الدفاع عن إقليمها. الحدود الآمنة هذه تُرسم بخط موازنٍ للحدود الدولية. خط (وهمي) غير ثابت ومرن تبعاً لمقتضيات الأمن القومي وترتيبات خطط وإمكانات التوسع، متى أمكن ذلك. الحدود الآمنة لا تظهر في أطلس الدول، بل تُرسم من قبل مؤسسات صناعة السياسة الخارجية السيادية.

الحدود الدولية، بين الدول، كثيراً ما تكون مناطق احتكاك، بل وأحياناً نزاع. في كل الأحوال: الهاجس الأمني، تاريخياً، يظل في الخلفية السياسية للدول قابلاً لاستعادة النزاعات الحدودية، حتى تلك التي تمت تسويتها في اتفاقات ومعاهدات أمنية، لأنه في النهاية: لا الحبر على الورق.. ولا حُسن النوايا.. ولا الاتفاقات والمواثيق الدولية.. ولا التحالف مع القوى الكبرى ولا حتى الموانع الطبيعية توفر الأمن والاستقرار والهدوء المستدام لحدود الدولة مع جيرانها. بصورة عامة. هذا ما يُعرف استراتيجياً بالحدود الآمنة.

الدولة، في سعيها الدؤوب للذود عن حِمَى أمنها القومي، كثيراً ما تُمَدِّد حدودها الآمنة إلى ما وراء حدودها الدولية، تفرض الأخذ بها واعتمادها مقتضيات أمنها القومي. حتى أن بعض الدول لا تكتب دساتير لها، حتى لا تحدد مجال إقليمها، بل حتى أنها تُجاهر أحياناً بالسعي لرسم حدود آمنة، مدفوعة بأغراض توسعية على حساب أمن جيرانها، دون أن تحدد بدقة أين تبدأ هذه الحدود وأين تنتهي. خذ مثلاً هنا إسرائيل. الولايات المتحدة اليوم لم تَعُد ترى في عرض المحيط الأطلسي شرقاً حدوداً طبيعية آمنة، لتمد حدودها شرقاً بضم جزيرة غرينلاند المتجمدة، شراءً أو استحواذاً لمقتضيات أمنها القومي، كما تزعم.

تاريخياً: سعي الدول لرسم حدود آمنة لها، ما وراء خطوطها الدفاعية (الدولية)، حيث الكتلة السكانية لمواطنيها، يشكل هاجساً أمنياً لدوائر مؤسسات صناعة القرار السيادية فيها. تَصوّر: لو أن مِصْرَ على سبيل المثال: كانت حدودها الدولية حيث يتركز أغلبية سكانها بين ضفتي نهر النيل، أو حتى حدود شبه جزيرة سيناء مع فلسطين شرقاً، تراها تشعر بالأمن (استراتيجياً). لا طبعاً. مصر تاريخياً: ظلت ترسم حدودها الشرقية، حيث يأتي الخطر الاستراتيجي الأساس على أمنها القومي، ما وراء شبه جزيرة سيناء شرقاً، إلى بلاد الشام، بل وحتى هضبة الأناضول، معركة قونية الفاصلة مع الأتراك (٢١ ديسمبر ١٨٣٢). منذ أكثر من ثلاثة آلاف سنة عقدت مِصْرُ في عهد رمسيس الثاني معاهدة السلام مع الحيثيين (معاهدة قادش ١٢٥٨ – ١٢٥٩ ق.م) أكدت فيها مصر أن حدودها الآمنة تصل لقلب منطقة الشام. تكرر ذلك عندما هزمت مصر التتار في معركة عين جالوت، قرب مدينة نابلس الفلسطينية (٣ سبتمبر ١٢٦٠). جنوباً: كانت حدود مصر الفرعونيّة الآمنة تمتد إلى منابع نهر النيل، حتى وُثِّقت ١٩٢٩ في اتفاقية تقسيم مياه النهر بين مصر وأُوغندا وتنزانيا وإثيوبيا.

كل دولة، وإن لم تعلن عن حدودها الآمنة عندها خريطة موازية لحدود أمنها القومي، تُعرف أحياناً بعمقها الاستراتيجي. حال الشعور بالخطر تجاه مقتضيات أمنها القومي تنشط حواس الدولة الأمنية، فتبادر الإعلان عن حدودها الآمنة إلى ما وراء حدودها الدولية، مستخدمةً قواها الصلبة والناعمة، ذوداً عن حِمَى أمنها القومي.

هذا ما فعلته (بالضبط) المملكة العربية السعودية، شهر ديسمبر الماضي، عندما تحركت بحزم وعزم وحسم، لمواجهة الخطر الداهم الذي تطور على حدودها الجنوبية، فيتحول إلى شعور غريزي بتهديدٍ بَيّنٍ وناجز لأمنها القومي. عندها وجّهت الرياض، لمن تسبب في ذلك، إنذاراً صارماً حاسماً، أن ينسحب من المنطقة خلال أربع وعشرين ساعة، الذي بدوره سَارَعَ بالإعلان أنه سيسحب وجوده العسكري في اليمن، بعد ست ساعات. بالتبعية: تهيأ المسرح لقوى المملكة الصلبة والناعمة، بأن تؤكد أن حدودها الآمنة تمتد، ليس إلى حدودها الدولية، فحسب، بل إلى عمقها الاستراتيجي ما وراء إقليم شبه الجزيرة العربية، لتضم تخوم منطقة الشرق الأوسط من جنوب هضبة الأناضول والشمال الأفريقي شمالاً، إلى ما وراء بحر العرب إلى المحيط الهندي جنوباً.. والقرن الأفريقي والجزء الشمالي من شرق أفريقيا، بامتداد العمق الأفريقي من جنوب الصحراء الكبرى، وحتى شمال شرق المحيط الأطلسي شرقاً.

الرياض، بضربة استراتيجية حاسمة أفصحت للعالم أجمع عن حدودها الاستراتيجية الآمنة، وجرى الاعتراف بها وبمشروعيتها الاستراتيجية (أممياً).. ورسخت لذلك بجهد دبلوماسي رفيع المستوى كفء وفعّال، بأن المملكة قادرة على الذود عن حِمَى أمنها القومي بعزيمة وحسم، وبإرادة سياسية: قادرة، وواثقة، وجسورة.

00:03 | 3-02-2026

الأمن الوطني السعودي.. خطوط لا تقبل المساومة   

في عالم تحكمه قيم الصراع، تغيب عنه بصيرة الحكمة وحسن النوايا، لتسود حالة من الحذر والترقب وتوقّع الأسوأ، حتى من أقرب الأقربين. مع ذلك تبرز ظاهرة التحالف، كحل تفرضه التزامات الدولة ومسؤوليتها لتعظيم أمنها الوطني وتقوية دفاعاتها. حالة التحالف، أو كما يطلق عليها، في العالم العربي، دون دول العالم، العلاقة «الأخوية الخاصة»: هي قيمة أمنية مضافة، لكنها تبقى في إطار خطوطٍ حمراء، لا تتجاوزها وإلا انقلبت إلى عبء أمني يهدّد وجود الدولة.

في كل الأحوال، يجب ألا تتحوّل حالة التحالف إلى نقيض الغاية منها.. أو يُفقد الحماس لها، لتأتي بالضرر على أمن الجميع، لتصبح عبئاً أمنياً، بدلاً من أن تكون قيمة أمنية مضافة. عندها تفقد حالة التحالف مبررات وجودها، لينهار صرح التحالف نفسه. إرهاصات تفكك الاتحاد السوفيتي أودت بحلف وارسو (١يوليو ١٩٩١)، حتى قبل انهيار الاتحاد السوفيتي نفسه (٢٦ ديسمبر ١٩٩١). الآن: إدارة الرئيس ترمب تنوي الخروج من حلف شمال الأطلسي، بنهاية ٢٠٢٧، إيذاناً بتفكيك (الناتو).

ما تطوّر مؤخراً من تدهور في العلاقات (الخاصة) بين الرياض وأبوظبي، التي تتعدى حالة التحالف التقليدية، إنما هو نموذج «كلاسيكي» لتحوّل استراتيجي من قبل طرف في هذه العلاقة (أبوظبي)، تجاوز اعتبارات الجوار والأخوة والمصير المشترك، إضراراً بأمن من كان «أخاً شقيقاً» بالأمس، متجاوزاً كل الخطوط الحُمْر، التي تحكم أي علاقة بين دولتين، لا تربط بينهما -بالضرورة- لا علاقة جوار ولا أخوة ولا مصير مشترك.

منذ وقت طويل كان يظهر من سلوك أبوظبي تجاه السعودية أن: أبوظبي ليست أهلاً لتكون طرفاً دولياً، دعك من الزعم بأنها «شقيقة عربية»، لتفقد «العلاقة التوأمية الخاصة» لأهم قيمها اللازمة لاستمرارها وبقائها (النية المخلصة)، لاستدامتها. تماماً، مثلما كانت نية هتلر وقت أن وقّع معاهدة عدم اعتداء في موسكو مع ستالين، قبيل الحرب العالمية الثانية بأسبوع (٢٣ أغسطس ١٩٣٩)، لينقضها هتلر نفسه، بعد أن تمكّن من اجتياح أوروبا ما بين برلين وباريس.

صحيح أن العلاقة بين الرياض وأبوظبي لم توثق في معاهدة تحالف ودفاع مشترك حصرية بينهما، لأن تاريخية العلاقة «العربية» نفسها غنيّة أن تحكمها بنود قانونية ملزمة، وإن كانت تحكمها معاهدة أمنية جماعية عربية (معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي) ١٨ يونيو ١٩٥٠. كما علينا ألا ننسى أن أساس قيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية (٢٥ مايو ١٩٨١) كان أمنياً في المقام الأول. إلا أن نية الغدر والطعن من الخلف كانت مبيتة. كما كانت أبوظبي أكبر عائق أمام تطور مجلس التعاون، ليصبح صرحاً إقليمياً تكاملياً للدول الست. أبوظبي كانت وراء عرقلة صدور العملة الخليجية الموحدة، بافتعال جدل حول مقر البنك المركزي الخليجي. ولا ننسى التحالف، الذي أبرمته أبوظبي مع إسرائيل، لتضرب بعرض الحائط الأمن القومي العربي، خدمة وظيفية لعدو العرب الأول (إسرائيل).

يكفي، في هذا الصدد، ما فعلته وتفعله أبوظبي في السودان واليمن وليبيا والصومال، ومؤخراً على حدود المملكة الجنوبية مع اليمن.. ولا ننسى مؤامرات تغيير النظام في عُمان، ومصر، وتونس والأردن.. ومحاولات حصار العالم العربي من تخومه في إثيوبيا وأريتريا، وتشاد والنيجر والسنغال وكينيا.. وإذكاء الخلافات بين بعض الدول العربية، مثل المغرب والجزائر وموريتانيا.. وكذا اللعب على وتر الانقسامات العرقية والطائفية داخل بعض الدول العربية، كما هم يفعلون في سوريا الآن. سلوك عدواني بامتياز لتقسيم العالم العربي وإضعافه، خدمةً لخطط إسرائيل العدوانية التوسعية.

لقد صبرت الرياض كثيراً على مؤامرات ودسائس أبوظبي، إلى أن وصل الأمر لتهديد أمن المملكة الوطني مباشرةً، بطول حدودها الجنوبية مع اليمن. عندها طفح الكيل بالرياض، فانتفضت غضباً، دفاعاً عن أمنها الوطني، لتضرب الرياض ضربتها الحازمة والحاسمة، مخرجة وجود أبوظبي، ليس فقط من حدودنا الجنوبية، بل من اليمن بأسره وبحر العرب، وقطع دابر أبوظبي من باب المندب والقرن الأفريقي والبحر الأحمر، بإنذار ٢٤ ساعة أذعنت له أبوظبي في ست ساعات. ضربة استراتيجية حاسمة كانت كافية لإعادة أبوظبي لحجمها الجيوسياسي الحقيقي.

أمن المملكة العربية السعودية الوطني خطٌ أحمر، تملك الرياض إمكانات ردع جبرية فعّالة، ضد من يتجرأ على اجتيازه.. والعبث بحِمَاه المقدس.

23:55 | 26-01-2026

الإخوة الأعداء

تأبى القارة الأوروبية إلا أن تكون مسرح الحروب الكونية الفاصلة. أوروبا، التي تعهّدت ألا تكون مسرحاً للقتال بين دولها، بعد الحرب العالمية الثانية، نسمع منها هذه الأيام طبول الحرب تُقرع بين ثناياها، مرة أخرى. هذه المرة الحرب لن تكون بين أوروبا وجاراتها في أوراسيا، شرقاً.. وليس مع عدوها التاريخي اللدود، في الشرق (روسيا)، ولا يأتيها الغزو من الشمال المتجمد (الفايكنج)، ولا من الجنوب (الشمال الأفريقي والشرق الأوسط). الحرب الكونية الجديدة، التي ستكون أوروبا مسرح عملياتها، ستندلع بين مجتمعات الدول الغربية الديمقراطية (الحليفة)، بالذات مع جارة أوروبا البعيدة غرباً، عبر الأطلسي (الولايات المتحدة).

الولايات المتحدة، التي سبقت وخذلت أوروبا بعد الحرب العظمى (1914-1939)، نجدها اليوم وبعد ثمانين سنة من انتصار الحلفاء الغربيين على ألمانيا النازية، تخذل حلفاءها الأوروبيين، من جديد، بجعل ظهور الأوروبيين في مواجهة عدو أوروبا التقليدي (الدب الروسي) المتحصن في عرينه الجليدي شرقاً، جاهزاً للوثوب عليها واجتياحها، في أي وقت.

واشنطن، في عهد الرئيس ترمب لم تعد تهتم بأمن حلفائها الأوروبيين عبر الأطلسي شرقاً، ونراها تبدي تذّمراً خطيراً بحِمْلِ الدفاع عنهم، لتعود لاستراتيجية العزلة التقليدية، وتنكفئ على نفسها، مكتفية بالذود عن منطقة نفوذها التقليدية في العالم الجديد، ولتذهب أوروبا إلى الجحيم؛ لأنها كما يراها، الرئيس ترمب: قد تخلّت عن جذورها الثقافية العريقة، بتلويث مجتمعاتها بدماء وأعراق وثقافات غريبة عن نقاء الثقافة الغربية، بسبب فتح باب الهجرة لمجتمعات الجنوب.

كما جاء في استراتيجية الأمن الأمريكية الجديدة، التي أعلنت عنها واشنطن مؤخراً، لم تعد أوروبا، التي تسميها واشنطن، منذ تسعينيات القرن الماضي بالقارة العجوز، منارة الديمقراطية (الليبرالية الرأسمالية)، التي حملت واشنطن لواء التبشير بها ونشرها في أرجاء العالم، لسيادة السلام في العالم، كما تزعم. فالولايات المتحدة نفسها، بدت تظهر فيها إرهاصات القيم الإمبريالية الشمولية، فلم تعد الديمقراطية، قيماً وحركة، بتلك القدسية التي أُسبغت عليها، منذ قيام الولايات المتحدة وأكد عليها دستورها ومثلت الخيار الإنساني (السياسي) الوحيد عند المؤسسين الأول، منذ 250 سنة، للجمهورية الوليدة في العالم الجديد. الولايات المتحدة تحت إدارة الرئيس ترمب، نراها تنحو تجاه عزلتها التقليدية، تحت شعار أمريكا أولاً، لكن باستراتيجية توسعية شرسة، هذه المرة، لا تقيم وزناً لا لأحلاف دفاعية مشتركة مع الأقربين.. ولا لمعاهدات ملزمة تجاه حلفاء تقليديين، دعك من أن تقيم وزناً لأمن العالم واستقراره ورعاية السلم على الأرض.

بدأت الولايات المتحدة هذا التوجّه العدائي تجاه أشقاء الأمس في معاهدة شمال الأطلسي، بتهديد الانسحاب من الحلف، بحلول نهاية 2027، بدعوى: أنها لم تعد تحتمل تكلفة الإبقاء على (النِاتو) وحدها، هذا إذا كانت ما زالت عندها حاجة له. بالتالي: لا بد لدول الاتحاد الأوروبي، التي ما تتمتع به اليوم من تقدم اقتصادي.. وسلام داخلي.. واستقرار مجتمعي، وتنمية مستدامة لا يعدو ثمرة لدعم أمريكا لإعادة إعمار أوروبا بعد الحرب، بموجب برنامج مارشال السخي، بالإضافة لدفع تكلفة الدفاع عن أوروبا في مواجهة عدوها التاريخي في الشرق.

ليس هذا، فحسب، بل إن إدارة الرئيس ترمب أبدت اهتماماً بالتوسع شرقاً موغلةً في دفاعات أوروبية استراتيجية، ملحقةً ضرراً جسيماً بالأمن الأوروبي في عمق مجالها الحيوي في المياه المعتدلة الدافئة شمال شرق الأطلسي، عندما أبدت واشنطن رغبتها في شراء أو ضم جزيرة جرينادا (الدانمركية)، العضو في النِاتو، لأسباب ذات صلة بأمن واشنطن القومي، في تحول استراتيجي خطير، ضد حليف تقليدي، بإعادة تحويله إلى عدو محتمل، يفرض عليها ليس فقط الدفاع عنه، لنراها مستعدة لبيعه وخذلانه لعدو طالما ظل مشتركاً بين الولايات المتحدة وأوروبا (روسيا الاتحادية).

التوجه نفسه للتخلص من الحلفاء التقليديين غرب الباسفيك، عندما أبدت واشنطن تراخياً وعدم حماسٍ للدفاع عن حلفائها (الشرقيين)، بالذات تايوان واليابان، وما وراءهما شرقاً، حتى المحيط الهندي وترك مصير هذه المنطقة في شرق وجنوب آسيا للصين، من أجل بناء نظام دولي جديد ثلاثي الأقطاب (شمولي)، هذه المرة، مكون من (واشنطن، روسيا وبكين)، يعيد للذاكرة دول المحور في الحرب العالمية الثانية (ألمانيا إيطاليا واليابان)، ولا عزاء لحلفاء الأمس، الذين أصبحوا ضحايا محتملين، لاستراتيجية واشنطن التوسعية الجديدة، تحت شعار أمريكا أولاً.

تجربة حلف شمال الأطلسي، تثبت: أن عالم السياسة الدولية يطفو على مياه، وإن بدا سطحها ساكناً، إلا أنه لا يقف على أرض صلبة، ينذر دوماً بهبوب أمواج عاتية، تجعل من الحليف عدواً ماثلاً.. ومن العدو حليفاً محتملاً. في النهاية: الدولة أو أي مجموعة من الدول تربطها أواصر الجغرافيا السياسية.. والتاريخ المشترك.. والمصير الواحد، عليها أن تمتلك ناصية أمنها القومي، بمواردها الحقيقية وإمكاناتها الذاتية، ولا تعتمد على حليف بعيد تتقلب أهواؤه.. وتتحول مصالحه، من نقيض لنقيض بين ليلة وضحاها. بشكلٍ عام: ليس في السياسة، لا عداوة دائمة ولا صداقة دائمة، بل مصالح متغيرة، وتوجهات متقلبة وأهواء متصارعة.

درسٌ فطنت له أوروبا، مؤخراً ولنقل: متأخراً، من تجربة ثمانين سنةٍ، مع معاهدة حلف شمال الأطلسي، بزعامة الولايات المتحدة.

23:45 | 19-01-2026

استراتيجية ردع ثلاثية الأبعاد

الدولة، بطبيعتها، مناطقية. الدولة، أي دولة، تغار على سلامة وحدة أراضيها، غيرتها على سيادتها واستقلالية قرارها. حتى أن شرعية حكومة أي دولة، بعد كونها وليدة إرادة شعبها، ترتكز على قدرتها حماية سلامة وحدة أراضيها، من أي عدو سواء من الداخل أوالخارج. لذا: نجد في دساتير كل الدول، ضرورة قسم رموز الحكومة، في سلطات الدولة الثلاث (الحكومة)، العمل على الذود عن سلامة ووحدة تراب الوطن.
الأمن الوطني للدولة، لا يُتعامل معه على أنه خطر محتمل، بل كخطر استراتيجي بَيّن وناجز، في أي وقت. في أي نظام دولي يتوقف التزام الدول بالعضوية فيه، على الإقرار بحق الدولة الدفاع عن نفسها، ضد أي تهديد خارجي، باتخاذ كافة الإجراءات الضرورية للدفاع عن أمنها الوطني وسلامة ووحدة تراب إقليمها. وفي كل الأحوال: تعمل الدولة على تطوير أدوات ردع فاعلة استباقاً لأي محاولة تهديد لأمنها الوطني، يردع أي طرف خارجي، حتى التفكير الإضرار بوحدة وسلامة إقليمها.
الأمن الوطني قيمة عليا، قد تقتضي اللجوء للقوة لحماية حدود ومصالح الدول. لكن هذا الأمر ليس مطلقاً، بل يُلجأ إليه بعد استيفاء كافة الطرق السلمية للتعامل مع مشاكل الخلافات بين الدول، لتفادي تطوّرها إلى مرحلة الاحتكام للسلاح. السياسة الرشيدة، بل الفعّالة والكفؤة للذود عن الأمن الوطني ومصالح الدولة، تقتضي: البدء بالطرق السلمية لتسوية الخلافات، لكن في الخلفية دوماً تكون هناك قوة ردع فاعلة، مع إرادة استخدامها، مستعدة للتدخل لوضع حد للتهديد، مرة واحدة وللأبد.
هذا، بالضبط، ما فعلته المملكة العربية السعودية، في أزمة اليمن، التي يحاول البعض من إشعالها تهديد الأمن الوطني للمملكة. هنا أدركت الرياض أنه لم يعد بالقوس منزع، سوى الانتفاض لمواجهة الخطر الأمني الداهم، بامتداد اليابسة والماء، حول شبه الجزيرة العربية، وعلى مشارف تخوم المملكة في الجانب الآخر من البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وحتى دول الساحل الأفريقي.
فكان قرار الرياض أنه قد بلغ السيل الزبى، من الإقدام على تنفيذ مخططات تستهدف أمن المملكة، ولم يعد هناك من مجال للتعامل معها إلا بمقولة: آخر الدواء الكي. منذ البداية: تطوّرت أزمة عدم الاستقرار على حدودنا الجنوبية، منذ بداية ستينات القرن الماضي، التي كانت تحكمها اتفاقية الطائف ١٩٣٤، حتى توقيع اتفاقية جدة ٢٠٠٠ الترسيم الحدود بين المملكة واليمن، ونفذت هذ الاتفاقية بالفعل وجرى وضع علامات الحدود الفاصلة بين المملكة واليمن. لكن أزمات عدم الاستقرار في اليمن توالت بمنحنى خطيرٍ، حتى كادت تعصف بالدولة في اليمن، عندما عصفت أحداث ما يسمى بالربيع العربي، (يناير ٢٠١١)، بوحدة اليمن، لتتولى مليشيات غير نظامية ناصية الحكم باليمن.. وبالتبعية: احتمال وصول شرر هذه الأحداث عبر حدود المملكة الجنوبية مع اليمن، خاصةً أن ضمن ممن شُكل منهم تحالف دعم الشرعية، لاستعادة الدولة باليمن، عملوا على استغلال هذه الأحداث، للإضرار بأمن المملكة الوطني.
في الرابع من ديسمبر الماضي، قررت عناصر من المجلس الانتقالي (الجنوبي) الانفصال والتمرد، مما حمّل التحالف العربي الذي شُكل أساساً لدعم شرعية الدولة، بإبقاء اليمن موحداً، كأهم ضمانة استراتيجية لاستقرار اليمن، وبالتبعية استقرار المنطقة.
بدخول قوات المجلس الانتقالي (الانفصالي) لمحافظتي حضرموت والمهرة، لم تعد القضية إعادة بناء دولة جنوب اليمن، بل تهديد أمن المملكة، وإعادة سيناريو حرب الوديعة الأولى (٢٧ نوفمبر-٦ ديسمبر ١٩٦٩)، عندما حاولت دولة جنوب اليمن المستقلة حديثاً، حينها، دخول مركز الوديعة السعودي وردتهم قوات الجيش العربي السعودي على أعقابهم، في انتصار سعودي ساحق، أكد فيه الجيش السعودي إرادته الحفاظ على أمن البلاد.
اليوم كانت هناك محاولة لتكرار المشهد وكأن المتربصين بأمن المملكة، لم يختبروا بعد عزم وحزم السعودية، الدفاع عن أمنها الوطني، حيث إن الأمر لم يقف عند استعادة محافظتي حضرموت والمهرة،.. ورسمت الرياض حدود أمنها الجديدة ليس على اليابسة فقط مع اليمن، بل امتدت إلى ما وراء بحر العرب، وصولاً للقرن الأفريقي، وما وراء تخوم البحر الأحمر الغربية، وحتى دول الساحل جنوب الصحراء الكبرى.
كل ذلك ما كان ليحدث لولا إدارة سياسية فاعلة للأزمة، بكفاءة عالية، جمعت بين الدبلوماسية الكفؤة الفاعلة والنشطة مع قوة عسكرية رادعة تقليدية ثلاثية الأبعاد (البر والبحر والجو) مدعومة بقوة استخباراتية طائلة وخارقة، في تناغم متناسق، اعترف به العالم.. وأكدت بكل ذلك نفوذها الإقليمي الممتد وحضورها الدولي الفاعل والنشط. كما رسمت من خلال استراتيجية الردع هذه، حدود أمنها القومي الجديدة، جنوباً وغرباً، فيما وراء اليابسة، بامتداد عرض بحر العرب جنوباً، وصولاً إلى القرن الأفريقي ودول الساحل، واستعادة البحر الأحمر، بدءاً من مدخله الجنوبي، وحتى التقائه مع البحر المتوسط، شمالاً، بما تعكسه طبيعة وتاريخية هذا البحر الحيوية (الجيوسياسية)، كبحيرة عربية خالصة.

00:00 | 13-01-2026

الأمن المستحيل والوجود الصعب

ماذا تريد إسرائيل؟ سؤال تحاول إسرائيل الإجابة عنه بكشف حقيقتها العدوانية.. وأصولها العنصرية ومرجعيتها غير الأخلاقية. هي تزعم، وبالأحرى زعماؤها، أنها خاضت حرباً على سبع جبهات، خلال العامين الماضيين، وانتصرت فيها جميعاً، ولم يعد هناك أي مبرر سياسي أو قانوني أو أخلاقي يمنعها من أن تخفي حقيقتها العدوانية.. وسقوطها الأخلاقي وتاريخية عنصريتها البغيضة. لم يعد يعنيها القول إنها دولة عنصرية.. ولم يعد يزعجها القول إنها دولة مارقة.. ولم يعد يهمها القول إنها دولة توسعية، ولم يعد يعنيها اتهام ساستها وجنرالاتها، وأنهم مطلوبون للعدالة الدولية، بوصفهم مجرمي حربٍ ارتكبوا وما زالوا يرتكبون جرائم إبادة جماعية، ولا حتى يخجلون من ذلك.

إسرائيل في حقيقة الأمر، بعد حربٍ عدوانية توسعية ضروس خاضتها، طوال السنتين الأخيرتين، لم تعد إسرائيل كما كانت قبل السابع من أكتوبر 2022، حين كادت أن تُتوّج قوة إقليمية مهيمنة على منطقة الشرق الأوسط، بفرض صيغة «السلام الإبراهيمي». حينها، كانت إسرائيل تتمتع بردع إستراتيجي، لا تملك أي قوة إقليمية في المنطقة أو في العالم تحدي واقعه المهيمن. حينها كان العالم، على استحياء يعبّر عن رفضه واستهجانه لممارسات إسرائيل العدوانية والتوسعية، دون أي فعل ملموس لمقاومة أو ردع تلك الممارسات. حينها كان العالم الغربي، من غرب جبال الأورال وحتى غرب العالم الجديد، أسيراً لرواية «دراما» مظلوميات إسرائيل الإنسانية، وعلى رقبته سيف عقدة العداء للسامية. حينها كان الغرب، سياسياً وأخلاقياً، مستعداً لدفع الثمن السياسي والأخلاقي والحضاري، لتأييد دولة عنصرية مفرطة في عدوانيتها، دون نقاش أو تحفّظ، بل ولا إحراج أو خجل.

الأمر تغيّر بعد السابع من أكتوبر 2022. عندها ثبت للعالم، بالذات للمنطقة، أن إستراتيجية الردع الإسرائيلية، ليست سوى نمرٍ من ورق مزّقته فصائل فلسطينية خرجت من أكثر بقاع العالم اكتظاظاً بالسكان، وأهلها محاصرون جوعى، لا يملكون من موارد القوة، سوى عزيمتهم الصلبة المصرة على الانعتاق من ربقة احتلال استيطاني غاشم.

أخلاقياً وسياسياً، ضربت تلك الحرب العدوانية العنصرية الوحشية، العالم بزلزال عنيف استمرت توابعه لعامين كاملين، حتى وصل دماره السياسي والأخلاقي، دولاً كبرى، كانت وما زالت إسرائيل تقتات على عونها السياسي وسندها القانوني وأودها الاقتصادي، لتكريس وجودها العدواني العنصري ضد (الشعب الفلسطيني). حتى الدعم اللامحدود الذي يُعد أنبوب الحياة الصناعي لبقاء إسرائيل واستمرارها بدا وأن وقوده من «الأكسجين» ينفد، حتى كادت إسرائيل تهلك، اختناقاً، من داخلها.

ليس هذا فحسب، لكن مجتمعات الغرب بدأت تصحو من «كابوس» مظلومية اليهود وعقدة السامية، ليس بالضرورة على مستوى النخب السياسية، في تلك المجتمعات، بل الأخطر: على مستوى القاعدة الجماهيرية، خاصةً فئة الشباب، بانتماءاتهم التعدّدية المختلفة. طوال سنتين من الحرب العدوانية على غزة ومسيّرات جماهيرية حاشدة تجوب شوارع مجتمعات الغرب، تنادي: الحرية للشعب الفلسطيني والتنديد بالحرب العدوانية، التي تهوي لقاع ارتكاب جرائم إبادة جماعية لشعبٍ مشكلته الأساسية أنه يسعى لتحرّره الوطني، ويطالب: أن تكون له دولة مستقلة ذات سيادة على أرضه، ليمارس عليها حقه الطبيعي غير القابل للتصرّف في تقرير مصيره.

هذا الحراك الجماهيري، الذي جاب شوارع الغرب واقتحم مؤسسات الحكم فيها من لندن إلى واشنطن وبرلين، مروراً بسيدني وباريس ولوس أنجلوس وطوكيو وسيول وأوكلاند، وإن كان أثره السياسي في النخب السياسية (الحاكمة والمعارضة)، لم يكن مباشراً، إلا أنه ظهر أثره السلبي في الانتخابات التي جرت خلال تلك السنتين، في الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا والعديد من الدول الأوروبية. ما كان لهذا التغيير أن يحدث، لولا هذا الصدى المدوي، الذي أحدثته الحرب العدوانية على غزة وبقية الأراضي الفلسطينية المحتلة.

لكن الأثر الأقوى، الذي أخذ يَنْفِذُ إلى وجدان تلك الشعوب ليتسلل ببطء إلى ضمير وسلوك مؤسسات الحكم فيها، هو ذلك التحوّل على المستوى الثقافي والسياسي والإعلامي والأخلاقي والأكاديمي، الذي بدأ يظهر على مستوى قادة الرأي ورموز الإعلام ومؤسسات الصحافة ودور الفن وبيوت الأدب وقلاع العِلم، حيث أخذوا يتساءلون عن حكمة استمرار دعم كيان مارق، يرتكب من جرائم الحرب ما يندى له جبين أحرار العالم وضمير الإنسانية. بل يتساءلون عن الفائدة في دعم دولة مارقة (إسرائيل) من أموال دافعي الضرائب في تلك المجتمعات، مُلْحِقاًَ العار والخزي بالحضارة الغربية.

إسرائيل، خسرت في عامين، ما استثمرت فيه طوال ثمانية عقود. لم يعد رادعها الإستراتيجي، بتلك الفاعلية والكفاءة في تحقيق الأمن لها، ولا حتى ضمانة لوجودها. كما لم يعد لذلك الدعم المادي والسياسي من قبل مجتمعات الغرب، وثمنه الاقتصادي والأخلاقي الباهظ، أي عائد إستراتيجي مجدٍ متوقع.

إسرائيل لم تعد هي إسرائيل التي كانت قبل السابع من أكتوبر 2022. أضحت الدولة العبرية، عارية تماماً من درع إستراتيجية واقية.. ومن دعم عالمي سخي.. ومن أي بعد أخلاقي، يبرر وجودها. الأخطر: عودة مركّزة لحالة العداء للسامية، ربما تفوق تلك التي عانى منها اليهود في المجتمعات الغربية، عرفت بالمسألة اليهودية، فترة ما بين الحربَيْن العظمَيَيْن، القرن الماضي.

00:01 | 30-12-2025

تلك الساحرة المستديرة..!

لا توجد لعبة جماعية تحظَى بشعبية أممية كاسحة، مثل كرة القدم. يكفي أنه يُنصب لها مونديال حصري (عالمي)، كل أربع سنوات.. ويكفيها أن الجهة المنظمة لها (الفيفا) تتمتع بقوة أممية ناعمة كاسحة. قوانين الفيفا تسري على دول عظمى، لا تتمتع قوتها (الناعمة والصلبة) بمثل ما تتمتع به الفيفا، على مستوى العالم، من احترام لقوانينها والإذعان لنفوذها، سواء على المستوى المحلي أو على المستوى الدولي. كما أن ميزانية الفيفا تفوق ميزانيات دول، بل ومجموعات من الدول، ولا تعاني عجزاً فيها. الفيفا منظمة غنية، لا تحتاج القروض ولا للمديونيات ولا تعاني من أعباء فوائدها، لأي جهة مالية أممية. ميزة اقتصادية، تحسدها عليها دول غنية كُثُر تعاني من أعباء الديون، داخلية وخارجية، بما يفوق أحياناً مجموع ناتجها المحلي.

نبدأ أولاً من «مونديال» كأس العرب، الذي انتهى، الأسبوع الماضي، بفوز المغرب، بجدارة واستحقاق. ألف مبروك للمغرب وجماهيره. ثانياً: أود التنويه هنا، إلى أني لست من المغرمين بكرة القدم، أتابع فعالياتها، لا على المستوى المحلي، ولا على المستوى الإقليمي والدولي. كما لا أفهم كثيراً، لا في قوانينها، ولا في تكتيكاتها، ولا في تاريخها، ولا في فنون نقدها.

ما يجذبني إلى كل ذلك في اللعبة، بعدها السياسي، بوصفها مجالاً لحركة مسرح اللعبة، على مستوى المحلي والخارجي. كذلك تلك الشعبية الطاغية، بين شعوب الأرض، التي تفوق شرعية اللعبة، نفسها.. وتعطيها هذا الزخم السياسي والاجتماعي، بما يفوق الشعبية، التي تحظى بها أي حكومة في العالم.. وتحسدها عليها منظمات المجتمع المدني، سواء كانت مرجعياتها في الحكم أو المعارضة. تلك الشرعية «السياسية»، إن صح التعبير، لا تقتصر على شعبيتها المحلية والدولية، بل تمتد إلى نجومها، لتتجاوز محيطهم المحلي. جماهير كرة القدم، على سبيل المثال: يعرفون عن اللاعب البرازيلي الأشهر (بيليه) واللاعب الأرجنتيني المبدع (مارادونا)، وحديثاً زيدان وميسي ومحمد صلاح، أكثر مما يعرفون عن زعماء كانت لهم بصمات، إيجابية أو سلبية على تاريخ البشرية، مثل: تشرشل وأيزنهاور وهتلر وتوجو وستالين وماوتسي تونغ، أو حتى رموز وطنية فذة، كان لها دور في نشأة الدولة وفضل استقلالها استمرارها ومنعتها... إلى آخره.!

مشكلة كرة القدم الرئيسية في البعد المحلي، الذي لا يعكس حقيقةً البيئة المحلية، للاعبي كرة القدم. على مستوى العالم. نادراً ما تجد منتخباً، يمثل في تشكيله بلده تمثيلاً وطنياً خالصاً، بما في ذلك بعض منتخبات القوى العالمية الكبرى. غالباً المنتخبات الوطنية، ما تُتطعم، وإن أردنا الصراحة، تعيب تشكيلاتها، الهوية الوطنية، بشكل حصري وصريح. حتى أن لاعبي المنتخبات الوطنية، قد يغلب عليهم، المواطنة بالتجنس (السيادي المباشر)، على المواطنة الحقيقية (الأصلية)، التي ترجع للتراب والدم، وحتى التجنس القانوني.

هذا ليس توجه عنصري قد يستفز البعض، لكن الأمر حقيقةً، يعكس سياسياً: مساومة بعض الدول لهويتها القومية، تطلعاً إلى نجومية خادعة، ترى أنها تدعم نظامها السياسي في الداخل، وتدعم قواها الناعمة، خارجياً. أحياناً، بعض الدول تستقدم نجوماً رياضية لتطعيم منتخباتها الوطنية، كما يُزعم، بنجوم عالمية، في الوقت الذي لا يتكلم هؤلاء النجوم (الأجانب) لغة الدولة المضيفة، وبالتبعية: لا ينتمون إلى ثقافتها... دعك من ضمان ولائهم الوطني. بل حتى أن بعض الدول، في سبيل إغراء لاعبين أجانب ليلعبوا ضمن منتخباتها الوطنية، نراهم لا يغرونهم بالمال، فقط، بل أحياناً يساومون على قوانين الدولة نفسها، بما لا يتمتع بها مواطنوها، ولا حتى أصحاب الحصانة من رموزها! بل حتى أنه غالباً ما يمنحون جنسية البلد لنجوم عالميين شارفوا على أفول نجوميتهم، بحجة الاستفادة من خبرتهم، أو لمجرد التباهي أمام خصومهم ومنافسيهم الإقليميين والدوليين، أنهم نجحوا في استقطاب هذه النجوم، فيما لم ينجح فيه آخرون. هذا لا يتوقف عند الفريق، بل يمتد إلى الطاقم الفني، وأحياناً الإداري. في النهاية، يتشكّل لدينا منتخب لا يعكس حقيقة جغرافية الدولة الإنسانية، ولا ثقافتها المجتمعية، ولا حتى تاريخها القومي. والأهم: ولا حقيقة وضع كرة القدم فيها.

يما يخص الرياضة: كرة القدم بالذات، وكذا الثقافة وغيرهما من موارد القوة الناعمة الحقيقية والمحتملة، لأي دولة، من البديهي، بل والحتمي، لا بد أن تكون نتاجاً للبيئة الوطنية الخالصة، أو على الأقل تغلب عليها. هي موارد قوة لا تُشترى بالمال ولا تُجتذب، بإغراءات المساومة على السيادة الوطنية، في حين لو أنفقت برشد على مصادر القوة المحلية الحقيقية والمحتملة، لكان العائد على الدولة، أجزل وأجدى.

لا عجب، إذن: أن يطلق على كرة القدم الساحرة المستديرة. فسحرها ليس فقط في استدارة كرويتها، ولا تكتيكات لعبها.. وإثارة حركتها.. ونجومية لاعبيها وهستيرية الفوز فيها، بقدر نفاذ سحرها لوجدان الجماهير. النخب السياسية، ترى فيها تعويضاً عن ضعف أدائهم السياسي، وأحياناً فشلهم السياسي، باللجوء إلى شعبية مصطنعة غير حقيقية، يتخذونها وقوداً لصراعهم السياسي. بينما سحرها للشعوب (جماهيرياً) يتمثل في الانشغال عن قضايا واحتياجات أساسية، تتوارى في خضم وغمرة هذا العشق المغرق في الهيام، لكرة القدم.

00:03 | 23-12-2025

ما بعد الهيمنة الكونية..!

الولايات المتحدة الأمريكية أعلنت بداية هذا الشهر عن إستراتيجية جديدة للأمن القومي، تقوم أساساً على مبدأ الرئيس ترمب الأساسي المعلن (أمريكا أولاً)، بتفسير جديد لإستراتيجية العزلة، التي تلقى قبولاً واسعاً من الشعب الأمريكي، وكذا مؤسسات النظام السياسي، الرسمية منها وغير الرسمية.

لا تعني، هذه الإستراتيجية الجديدة، الانسحاب من مسرح السياسة الدولية بالكلية، كما هو الحال في فترة ما بين الحربين العالميتين، وقبل ذلك، لكن خفض تكلفة التواجد الأمريكي على المسرح الدولي، إلى أدنى مستوى ممكن، مع السعي لرفع عائدات هذا التواجد، إلى أقصى مدى ممكن، مع الاحتفاظ، في كل الأحوال بقوة إستراتيجية رادعة، ليس بالضرورة مصمّمة لتتطوّر إلى حرب كونية ثالثة، لكن تجعل الخيار العسكري الإستراتيجي، في أدنى مستوياته، باتباع إستراتيجية ردع، كفء وفعّالة، مما يعزّز من هيبة الولايات المتحدة الكونية، ومضاعفة إحكام قبضتها على النظام الدولي، بسيادة سلام أمريكي يخضع له الأعداء والمنافسون الدوليون، وليس فقط الحلفاء والأصدقاء الأقربون.

إستراتيجية العزلة هذه، ليست بجديدة، بالمطلق. تجد جذورها التاريخية، في مبدأ الرئيس الأمريكي الخامس جيمس مونرو عندما أعلنت الولايات المتحدة حمى أمنها القومي، في العالم الجديد، وحظرت أي اقتراب منه من قبل أي قوة دولية تأتي من العالم القديم. كان أبرز تفعيل لهذه الإستراتيجية الأمنية الصارمة في أزمة الصواريخ النووية السوفيتية في كوبا، أكتوبر ١٩٦٢.

أيضاً: ما يجعل هذه الإستراتيجية الجديدة للأمن القومي الأمريكي، كونها تتبع عزلة نشطة وشرسة، لتحقيق شعار أمريكا أولاً، على مسرح السياسة الدولية، امتداداً لتطبيقاتها في الداخل. أشد أعداء أمريكا، من وجهة نظر الرئيس ترمب هم: أعداء الداخل وليس الخارج. التخلّص من أعداء الداخل، من وجهة نظره، حتى ولو على حساب الديمقراطية.

لذا: فإن عزلة الولايات المتحدة الجديدة هذه، في عهد ما بعد الهيمنة الكونية التقليدية، تقوم أساساً على تعزيز مكانة الهيمنة الكونية الأمريكية، دون قتال، هذه المرة. هذا يقتضي من وجهة الرئيس ترمب، إعادة ترتيب للأولويات، مع إعادة تنظيم لموارد القوة الإستراتيجية الأمريكية، وصولاً إلى خلق قوة كونية ضاربة، بأقل تكلفة ممكنة، وبأكثر عائد متوقع.

بالتبعية: هذا لا يتم إلا بإعادة النظر في خريطة تحالفات الولايات المتحدة الخارجية، بل حتى في إعادة النظر، في قائمة أعدائها وخصومها التقليديين، الذين كانوا يشكّلون معها نظام الأمم المتحدة (الحالي). الولايات المتحدة، تاريخياً: أُجبرت على التخلي عن إستراتيجية عزلتها التاريخية، في فترة ما بين الحربين العظميين، بعد أن ترسّخ في أذهان قادتها ومنظروها السياسيون، أن الخطر الإستراتيجي على أمنها وحماية حماها الإستراتيجي في العالم الجديد، يأتي عبر المحيطين الهادي والأطلسي، ولا يمكن تحييد هذا الخطر الإستراتيجي، إلا بالانخراط التداخلي النشط على مسرح السياسة الدولية، وعلى الولايات المتحدة، بالتبعية: أن تتكفل بتحمّل وصبر أعباء هذا الانخراط الناعم (المُكْلِف) على مسرح السياسة الدولية.

هذا الأمر، لم يعد محتملاً، بأي شكل من الأشكال. على واشنطن في هذه المرة أن تعيد ترتيب قائمة حلفائها وأعدائها وخصومها المحتملين.. وأن تعيد تموضع قواتها الإستراتيجية الضاربة، على مسرح السياسة. الولايات المتحدة، عليها في هذه المرحلة أن تتخلص من تكلفة حماية حلفائها في أوروبا، حتى لو تطلب الأمر الانسحاب من معاهدة حلف شمال الأطلسي، الذي حدد له في الإستراتيجية الجديدة، نهاية ٢٠٢٧. إدارة الرئيس ترمب لم تعد ترى في روسيا عدواً لها، بل في هذه المرحلة، هي الصين، التي لا يجب التعامل معها بموازين القوة الإستراتيجية الضاربة، بقدر ما يجب التعامل معها بموازين القوة غير التقليدية (الناعمة)، لكنها ليست بالضرورة خالية من المخالب والأنياب، في ميادين الاقتصاد.. والتكنولوجيا المتقدمة.. والذكاء الاصطناعي.. وسلاسل الإمداد.. وباتباع تجارة خارجية حمائية، مع الاحتفاظ - في كل الأوقات - بإمكانات إستراتيجية غير تقليدية رادعة.

الرئيس ترمب، في حقيقة الأمر، يدعو ويعمل إلى إيجاد إستراتيجية للأمن القومي الأمريكي، تقوم على عزلة، لتحقيق أقصى معدلات الأمن الإستراتيجي للولايات المتحدة، مع تحقيق أكبر عائد من مكانتها المهيمنة الكونية الرفيعة، دونما حاجة لدفع تكلفة باهظة لهذه الإستراتيجية الجديدة.

السؤال هنا: هل هذه الإستراتيجية الجديدة للأمن القومي الأمريكي، ستكون عامل استقرار للنظام الدولي الجديد الذي يريد الرئيس ترمب أن يتسيّد به العالم، أم تراه سيهز أركان السلام والأمن الدوليين من جذورهما. العالم أكبر من أن تتحكم فيه حصرياً قوة أممية واحدة.. ومهما بلغت طموحات زعامة تاريخية، بعينها. التوازن لا السيطرة المطلقة، ما كان يحكم الأنظمة الدولية المتعاقبة، عبر التاريخ.

00:08 | 16-12-2025

المسألة اليهودية تتجدّد في أمريكا

اليهود تاريخياً، لم يشعروا بالأمان، إلا إذا امتلكوا نصيباً من موارد القوة يفوق نسبة تعداد حجمهم (بمراحل) في المجتمعات التي يعيشون فيها. هم لا يسعون للحصول على السلطة، يكفيهم السيطرة على حركتها عن كثب. هم يعون تماماً، أن تصرفاتهم وميولهم العنصرية لا تحقّق لهم الوصول إلى السلطة، دعك من إمكانية البقاء فيها. لهذا كان اليهود أقلية مكروهة في المجتمعات التي يعيشون فيها، في تكتلات اجتماعية منعزلة (الجيتو)، بينما يديرون دفة السلطة، عن طريق الاستحواذ على أكبر قدر من موارد القوة المتاحة، بالذات رأس المال، الذي أَسَرُوا به النخب السياسية، وأذلوا به عامة الناس، عن طريق الربا الفاحش.

هذا هو أساس المسألة اليهودية، في مجتمعات أوروبا الحديثة، وكثير من مجتمعات الشرق، مما استفزّ حركات سياسية قومية ويسارية، شعارها الأساس العداء لليهود، وتحميلهم كل مشاكل المجتمع، وفساد بعض أنظمة الحكم القائمة، مثل ما كانت عليه العقيدة السياسية للنازيين، في الفترة ما بين الحربين، حتى هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية. النازية والقومية، من أهم الأيديولوجيات عداءً لليهود، هم وراء نشوء ما يطلق عليه المسألة اليهودية، نتاجاً لما يزعمون (العداء للسامية). العداء للسامية، لم يكن فقط شعاراً سياسياً، للعتق من رِبْقَةِ اليهود، التي تقيّد الشعوب والحكومات في المجتمعات الأوروبية، بل كانت ممارسة ممنهجة لاضطهاد اليهود، رداً لنشرهم الفساد، بكل أشكاله، في المجتمعات الأوروبية، التي يعيشون فيها، للسيطرة على حكوماتها وإذلال شعوبها.

كان تصدير المسألة اليهودية إلى منطقة الشرق الأوسط، بهجرات منظمة لفلسطين الفترة ما بين الحربين، ما هو إلا جزء من محاولات شعوب وحكومات أوروبا للتعامل مع المسألة اليهودية. حتى تشجيع هجرة اليهود للعالم الجديد، بالذات لدول شمال أمريكا، كان جزءاً من تصفية المسألة اليهودية، في مجتمعات العالم القديم، بالذات أوروبا.

بعد الحرب العالمية الثانية اتخذت الحركة الصهيونية قراراً استراتيجياً بعدم التعرّض لظروف تجدّد المسألة اليهودية في أي مجتمع، بالذات مجتمعات الغرب التقليدية، في أوروبا وأمريكا الشمالية. لقد أخذت الحركة الصهيونية العالمية على عاتقها وعداً أقسمت فيه ألا تتكرر المسألة اليهودية في أي مجتمع، باتباع وسيلتين استراتيجيتين. الأولى: أن تكون لهم دولة منيعة خالصة لليهود، قادرة هذه المرة، أن تمارس سيطرتها وتوفّر الأمان اللازم لليهود، وتَحُولُ دون ظهور مسألة يهودية، وللأبد. الثانية: مواصلة ابتزاز المجتمعات القوية والفاعلة، في نظام ما بعد الحرب الكونية الثانية، حتى لا تتطوّر بها مسألة يهودية، بأي ثمن، عن طريق منح اليهود فيها ما يمكن تسميته بالحصانة والامتيازات العِرْقِية والاجتماعية والدينية، عن طريق استغلال عقدة الاضطهاد فيها، للحؤول دون تطوير ثقافة العداء للسامية. من ناحية أخرى: العمل على ممارسة ابتزاز شرس لمؤسسات المجتمع والدولة، لتوفير أقصى أمان ممكن لليهود في مجتمعاتها، مع أقصى دعم سياسي وعسكري، للدولة اليهودية الخالصة (إسرائيل). في كل الأحوال: يكون ولاء اليهود في العالم لدولة إسرائيل، وليس للدولة، التي يعيشون فيها ويحملون جنسيتها.

رغم أن اللوبيهات الصهيونية، وتلك المؤيدة لإسرائيل، من جمعيات وتيارات الجماعات اليمينية المحافظة الانجليكانية، وكذا الحركات الليبرالية المتطرفة في صهيونيتها، عزّزت من حملة مناهضة ما يسمونه بالعداء للسامية، ليتحوّل من العداء لليهود للعداء لدولة إسرائيل، فإنه خلال العامين الماضين، ضعف كثيراً جدل العداء للسامية، وكذلك كثر التساؤل حول جدوى ونفع وفائدة استخدام أموال دافع الضرائب الأمريكي لدعم دولة (هامشية) ليس لها أي فائدة استراتيجية لمصالح الولايات المتحدة ولا لأمنها القومي.

هؤلاء المناوئون الجدد لإسرائيل في الولايات المتحدة، ممن لم يرتدعوا بسردِية العداء للسامية ولا بالقوانين التي تحميها والنفوذ السياسي، الذي وراءها، يجادلون؛ أن شعار أمريكا أولاً، هو الأولى أن يؤخذ به، وليس شعار إسرائيل أولاً، كما يزعم بعض الساسة الأمريكيين مثل، نيكي هيلي، المندوبة السابقة للولايات المتحدة، التي تزعم: أن الولايات المتحدة هي التي في حاجة لإسرائيل وليست إسرائيل هي التي في حاجة لأمريكا. حتى أن رؤساء أمريكيين، مثل الرئيس السابق جو بايدن كان يتفاخر بكونه يروّج لشعار: لو لم تكن إسرائيل موجودة، لعملنا على إيجادها.

هذه الأيام، هناك صحوة سياسية وإعلامية وأكاديمية وثقافية تتساءل حول أسطورة العداء للسامية.. وتهاجم إسرائيل صراحةً وعلناً.. وتتساءل عن جدوى دفع مليارات الدولارات سنوياً من أموال دافع الضرائب الأمريكي لإسرائيل، بينما هناك فئات من الشعب الأمريكي في حاجة للطعام والرعاية الصحية ومكافحة التضخم وعلاج مشكلة البطالة ودعم التعليم، وتوفير جودة حياة كريمة للشعب الأمريكي... إلخ.

أسئلة تعيد إلى الأذهان تطوّر المسألة اليهودية في أوروبا، خاصةً في ألمانيا، عندما أرجع هتلر كل أزمات ألمانيا، منذ بداية القرن الماضي، لليهود، ونتج عن ذلك ما عُرف بعد ذلك بأسطورة الهولوكوست، عندما بلغت المسألة اليهودية أوجها، باتباع النازيين حلولاً جذرية استئصاليّة للتعامل مع المسألة اليهودية في ألمانيا والدول التي احتلتها في الحرب العالمية الثانية، مثل بولندا وفرنسا والعديد من دول غرب ووسط أوروبا.

00:10 | 2-12-2025